ابو العيناء ظريف الظرفاء

آحمد صبحي منصور Ýí 2010-07-22


الرد المبين لأهل السنة على بعض فرق القرآنيين
للأخ ((سيف الكلمة))


السنة هي المصدر التشريعي الثاني بعد كتاب الله تعالى ، ولا يمكن لدين الله أن يكتمل ولا لشريعته أن تتم إلا بأخذ سنة النبي صلى الله عليه وسلم جنباً إلى جنب مع كتاب الله تعالى ، لذلك جاءت الآيات المتكاثرة والأحاديث المتواترة ، تأمر بطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والتمسك بسنته والاحتجاج بها ، وأجمعت على ذلك الأمة :



فمن أدلة القرآن الكريم :

قوله تعالى :{فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً} (النساء65) .

فقد أقسم الله تعالى في هذه الآية بنفسه المقدسة أنه لا يؤمن أحد حتى يُحَكِّم الرسول صلى الله عليه وسلم في جميع أموره ، فما حكم به فهو الحق الذي يجب الانقياد له باطناً وظاهراً ، ولهذا قال : {ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً } ، فلا يكتفي بالانقياد في الظاهر ،بل لابد مع تحكيمه له في الظاهر أن يطيعه في الباطن ، وألاَّ يجد في نفسه أدنى حرج مما حكم به ، ويسلم له التسليم الكامل من غير ممانعة أو منازعة .

وقال جل وعلا : {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلاً } (النساء 59) ، والرد إلى الله هو الرد إلى كتابه ، والرد إلى الرسول صلى الله عليه وسلم هو الرد إليه في حياته وإلى سنته بعد موته .

وقال تعالى : {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم } (آل عمران 31) ، فهذه الآية تبين أن دليل محبة الله تعالى هو اتباع رسوله صلى الله عليه وسلم ، وهل معنى اتباعه صلى الله عليه وسلم إلا اتباعه في جميع أقواله وأفعاله وهديه ، فتبين بذلك أن من لم يتبع الحديث النبوي ولم ير العمل به واجباً ، فهو كاذب في دعوى محبته لله عز وجل ، وقال سبحانه : {فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم } (النور 63) ، وأمره صلى الله عليه وسلم هو سبيله ومنهاجه وسنته .

ومن أدلة السنة :

قوله عليه الصلاة والسلام في الحديث الذي رواه البخاريفي صحيحه عن أبي موسى: ( إنما مثلي ومثل ما بعثني الله به كمثل رجل أتى قوماً فقال : يا قوم إني رأيت الجيش بعيني وإني أنا النذير العريان فالنجاء ، فأطاعه طائفة من قومه فأدلجوا فانطلقوا على مهلهم فنجوا ، وكذبت طائفة منهم فأصبحوا مكانهم ، فصبحهم الجيش فأهلكهم واجتاحهم ، فذلك مثل من أطاعني فاتبع ما جئت به ومثل من عصاني وكذب بما جئت به من الحق ) ، وفي البخاري أيضاً عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى قالوا : يارسول الله ومن يأبى ؟ قال : من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى ) ، وروى ابن ماجه عن المقدام بن معد يكرب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( يوشك الرجل متكئا على أريكته يحدث بحديث من حديثي فيقول : بيننا وبينكم كتاب الله عز وجل ، فما وجدنا فيه من حلال استحللناه ، وما وجدنا فيه من حرام حرمناه ، ألا وإن ما حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ما حرم الله ) .

وأما إجماع الأمة :

فلو تتبعنا آثار السلف ابتداء من عهد الخلفاء الراشدين فمن بعدهم ، فإننا لن نجد إماماً من الأئمة المجتهدين - المشهود لهم بالعلم والتقى - ينكر التمسك بالسنة ، والاحتجاج بها ، والعمل بمقتضاها ، بل على العكس من ذلك ، لا نجدهم إلا متمسكين بها مهتدين بهديها ، محذرين من مخالفتها ، قال الإمام الشافعي رحمه الله في كتابه الأم : " لم أسمع أحداً نسبه الناس أو نسب نفسه إلى علم ، يخالف في أن فرض الله عز وجل اتباع أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم والتسليم لحكمه ، وأن الله عز وجل لم يجعل لأحد بعده إلا اتباعه ، وأنه لا يلزم قول بكل حال إلا بكتاب الله أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، وأن ما سواهما تبع لهما ، وأن فرض الله علينا وعلى من بعدنا وقبلنا في قبول الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم واحد لا يختلف ، في أن الفرض والواجب قبول الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم " ، وقال رحمه الله : " أجمع الناس على أن من استبانت له سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن له أن يدعها لقول أحد من الناس " ، وقال الإمام ابن حزم عند قوله تعالى : {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر } ( النساء 59) ، قال : " الأمة مجمعة على أن هذا الخطاب متوجه إلينا وإلى كل من يُخْلَق ويُرَكَّب روحه في جسده إلى يوم القيامة من الجِنَّة والناس ، كتوجهه إلى من كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وكل من أتى بعده عليه السلام ولا فرق " .

فتبين مما سبق وجوب الاحتجاج بالسنة والعمل بها ، وأنها كالقرآن في وجوب الطاعة والاتباع ، فالمستغني عنها هو مستغن في الحقيقة عن القرآن ، وأن طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم هي طاعة لله وعصيانه عصيان لله تعالى ، وأن العصمة من الانحراف والضلال إنما هو بالتمسك بالقرآن والسنة جميعا ً .

ظهرت في حِقَب من التاريخ الإسلامي فرق وطوائف أنكرت السنة والاحتجاج بها ، فمنهم من أنكرها صراحة ودعا إلى نبذها بالكلية سواءً أكانت متواترة أم آحادية زعماً منهم أنه لا حاجة إليها ، وأن في القرآن غنية عنها ، ومنهم رأى الحجية في نوع منها دون غيره .

وكان أول من تعرض لهذه المذاهب وردَّ على أصحابها ودحض شبهاتهم الإمام الشافعي رحمه الله حيث عقد فصلاً خاصاً في كتاب " الأم " ذكر فيه مناظرة بينه وبين بعض من يرون ردَّ الأخبار كلِّها ، كما عقد في كتاب " الرسالة "فصلاً طويلاً في حجية خبر الآحاد .

وكادت تلك الطوائف التي أنكرت السنة جملة أن تنقرض ، حتى نبتت نابتة جديدة - في عصرنا الحاضر - غذَّاها الاستعمار بنفسه وأيدها مادياً ومعنوياً ، في محاولة منه للقضاء على الإسلام وهدم أصوله وأركانه .

وكان أحد هؤلاء الذين دعوا إلى ترك الحديث والاعتماد على القرآن فقط : الدكتور توفيق صدقي الذي كتب مقالين في مجلة المنار بعنوان " الإسلام هو القرآن وحده " .

وتبع ذلك ظهور جماعة في شبه القارَّة الهندية دعت إلى الأخذ بالقرآن فقط ، وأنكرت أن يكون للأحاديث أي قيمة تشريعية ، وهم الذين عرفوا بـ " بالقرآنيين " أو " جماعة أهل القرآن " ، مردِّدين نفس الحجج والشبه التي استند إليها توفيق صدقي .

ومن ذلك ما فهموه من قوله تعالى: {ما فرطنا في الكتاب من شيء }(الأنعام 38) ، وقوله سبحانه : {ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء }(النحل 89).

فقالوا : إن هذه الآيات وأمثالها تدل على أن الكتاب قد حوى كل شيء من أمور الدين ، وكلَّ حُكم من أحكامه ، وأنه بيَّن ذلك وفصَّله بحيث لا يحتاج إلى شيء آخر ، وإلا كان الكتاب مفرِّطاً فيه ، ولما كان تبياناً لكل شيء ، فيلزم الخُلْف في خبره سبحانه وتعالى .

وجواباً على هذه الشبهة يقال : ليس المراد من الكتاب في قوله تعالى: {ما فرطنا في الكتاب من شيء }(الأنعام 38) القرآن ، وإنما المراد به اللوح المحفوظ ، فإنه هو الذي حوى كل شيء ، واشتمل على جميع أحوال المخلوقات كبيرها وصغيرها ، جليلها ودقيقها ، ماضيها وحاضرها ومستقبلها ، على التفصيل التام ، بدلالة سياق الآية نفسها حيث ذكر الله عز وجل هذه الجملة عقب قوله سبحانه : {وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إل أمم أمثالكم }(الأنعام 38) أي مكتوبة أرزاقها وآجالها وأعمالها ، كما كتبت أرزاقكم وآجالكم وأعمالكم كل ذلك مسطور مكتوب في اللوح المحفوظ لا يخفى على الله منه شيء .
وعلى التسليم بأن المراد بالكتاب في هذا الآية القرآن ، كما هو في الآية الثانية وهي قوله سبحانه : {ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء }(النحل 89) فالمعنى أنه لم يفرِّط في شيء من أمور الدِّين وأحكامه ، وأنه بيَّنها جميعاً بياناً وافياً .

ولكن هذا البيان إما أن يكون بطريق النص مثل بيان أصول الدين وعقائده وقواعد الأحكام العامة ، فبيَّن الله في كتابه وجوب الصلاة والزكاة والصوم والحج ، وحِلِّ البيع والنكاح ، وحرمة الرِّبا والفواحش ، وحِلِّ أكل الطيبات وحُرْمة أكل الخبائث على جهة الإجمال والعموم ، وتَرَك بيان التفاصيل والجزئيات لرسوله صلى الله عليه وسلم .

ولهذا لما قيل لمُطَرِّف بن عبد الله بن الشِخِّير : " لا تحدثونا إلا بالقرآن قال : والله ما نبغي بالقرآن بدلاً ولكن نريد من هو أعلم منا بالقرآن .
وروي عن عمران بن حصين أنه قال لرجل يحمل تلك الشبهة : إنك امرؤ أحمق أتجد في كتاب الله الظهر أربعا لا يجهر فيها بالقراءة ، ثم عدد إليه الصلاة والزكاة ونحو هذا ، ثم قال أتجد هذا في كتاب الله مفسَّرا ، إن كتاب الله أبهم هذا وإن السنة تفسر ذلك " .

وإما أن يكون بيان القرآن بطريق الإحالة على دليل من الأدلة الأخرى التي اعتبرها الشارع في كتابه أدلة وحُجَجاً على خلقه .
فكل حكم بينته السنَّة أو الإجماع أو القياس أو غير ذلك من الأدلة المعتبرة ، فالقرآن مبَيِّن له حقيقة ، لأنه أرشد إليه وأوجب العمل به ، وبهذا المعنى تكون جميع أحكام الشريعة راجعة إلى القرآن .

فنحن عندما نتمسك بالسنة ونعمل بما جاء فيها إنما نعمل في الحقيقة بكتاب الله تعالى ، ولهذا لما قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه : " لعن الله الواشمات والموتشمات والمتنمصات والمتفلجات للحسن ، المغيرات خلق الله " بلغ ذلك امرأة من بني أسد يقال لها أم يعقوب ، فجاءت إليه وقالت : إنه بلغني عنك أنك لعنت كيت وكيت ، فقال وما لي لا ألعن من لعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومن هو في كتاب الله ، فقالت : لقد قرأت ما بين اللوحين فما وجدت فيه ما تقول ، قال : لئن كنت قرأتيه لقد وجدتيه ، أما قرأتِ {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا }( الحشر 7) ؟! قالت : بلى ، قال : فإنه قد نهى عنه .

وحُكِي أن الشافعي رحمه الله كان جالساً في المسجد الحرام فقال : لا تسألوني عن شيء إلا أجبتكم فيه من كتاب الله تعالى ، فقال رجل : ما تقول في المُحْرِم إذا قتل الزُّنْبُور ؟ فقال لا شيء عليه ؟ فقال : أين هذا في كتاب الله ؟ فقال : قال الله تعالى : {وما آتاكم الرسول فخذوه }( الحشر 7) ، ثم ذكر إسناداً إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : ( عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي ) رواه الترمذي وغيره ، ثم ذكر إسناداً إلى عمر رضي الله عنه أنه قال " للمُحْرِم قتل الزُّنْبُور " فأجابه من كتاب الله .

قال الإمام الخطابي رحمه الله " أخبر سبحانه أنه لم يغادر شيئا من أمر الدين لم يتضمن بيانَه الكتابُ ، إلا أن البيان على ضربين : بيان جَلِيّ تناوله الذكر نصاً ، وبيان خفِيّ اشتمل عليه معنى التلاوة ضمناً ، فما كان من هذا الضرب كان تفصيل بيانه موكولاً إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو معنى قوله سبحانه : {لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون }(النحل44) ، فمن جمع بين الكتاب والسنة فقد استوفى وجهي البيان " أهـ .

وبذلك يتبين ضلال هؤلاء وسوء فهمهم وتهافت شبهاتهم ، وأنه لا منافاة بين حجية السنة وبين كون القرآن تبياناً لكل شيء ، والحمد لله أولاً وآخراً .

تقدمت الإشارة - في الجزء الأول من هذا الموضوع - إلى بعض الشبه التي استند إليها منكروا حجية السنة في العصر الحديث ، حيث استدلوا ببعض الآيات التي أساءوا فهمها وتأوَّلوها على غير وجهها ، محرفين فيها الكلم عن مواضعه .

وإضافة إلى ما استدلوا به من آيات ، فقد تمسكوا أيضاً بجملة أخبارٍ منسوبة إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - تؤيد - بحسب زعمهم - ما ذهبوا إليه من عدم الاحتجاج بالسنة ، ووجوب عرض ما جاء فيها على كتاب الله .

ومن هذه الأخبار ما روي أنه - صلى الله عليه وسلم - دعا اليهود فحدّثوه فخطب الناس فقال : ( إن الحديث سيفشو عنِّي ، فما أتاكم يوافق القرآن فهو عنِّي ، وما أتاكم يخالف القرآن فليس عنِّي ) ، فقالوا : إذا أثبتت السنة حكماً جديداً فإنها تكون غير موافقة للقرآن ، وإن لم تثبت حكماً جديداً فإنها تكون لمجرد التأكيد فالحجة إذاً في القرآن وحده .

ومن هذه الأخبار التي استدلوا بها ما روِي أنه - صلى الله عليه وسلم- قال : ( إذا حُدِّثتم عنِّي حديثاً تعرفونه ولا تنكرونه ، قلته أم لم أقله فصدّقوا به ، فإني أقول ما يُعرَف ولا يُنكَر ، وإذا حُدِّثتم عنِّي حديثاً تنكرونه ولا تعرفونه فلا تصدِّقوا به ، فإني لا أقول ما يُنكَر ولا يُعرَف ) ، فقالوا هذا يفيد وجوب عرض الحديث المنسوب إليه - صلى الله عليه وسلم - على المستحسن المعروف عند الناس من الكتاب أو العقل ، فلا تكون السنة حجَّة حينئذ .

ومن تلك الأخبار أيضاً ما رُوِي أنه - صلى الله عليه وسلم - قال : ( إني لا أحلُّ إلا ما أحلَّ الله في كتابه ، ولا أحرِّم إلا ما حرَّم الله في كتابه ) ، وفي رواية : ( لا يمسكنَّ الناس عليَّ بشيء ، فإني لا أحلُّ لهم إلا ما أحلَّ الله ولا أحرَّم عليهم إلا ما حرَّم الله ) .

هذه هي خلاصة الشبه التي أوردوها ، وهي شبه ضعيفة متهافتة لا تثبت أمام البحث والنظر الصحيح ، وتدل على مبلغ جهلهم وسوء فهمهم .

وجواباً على ما أوردوه من أحاديث يقال :

أما الحديث الأول : ( إن الحديث سيفشو عني .... ) فإن أحاديث العرض على كتاب الله ، كلها ضعيفة لا يصح التمسك بشيء منها كما ذكر أهل العلم ، فمنها ما هو منقطع ، ومنها ما بعض رواته غير ثقة أو مجهول ، ومنها ما جمع بين الأمرين ، وقد بَيَّن ذلك ابن حزم ، و البيهقي ، و السيوطي ، وقال الشافعي في الرسالة : " ما روَى هذا أحدٌ يثبت حديثه في شيء صغير ولا كبير ، وإنما هي رواية منقطعة عن رجل مجهول ونحن لا نقبل هذه الرواية في شيء " ، بل نقل ابن عبد البر في جامعه عن عبد الرحمن بن مهدي قوله : " الزنادقة والخوارج وضعوا هذا الحديث " ، ثم قال : " وهذه الألفاظ لا تصح عنه - صلى الله عليه وسلم - عند أهل العلم بصحيح النقل من سقيمه " .

بل إن الحديث نفسه يعود على نفسه بالبطلان ، فلو عرضناه على كتاب الله لوجدناه مخالفاً له ، فلا يوجد في كتاب الله أن حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يقبل منه إلا ما وافق الكتاب ، بل إننا نجد في القرآن إطلاق التأسي به - صلى الله عليه وسلم - ، والأمر بطاعته ، والتحذير من مخالفة أمره على كل حال ، فرجع الحديث على نفسه بالبطلان .

ومما يدل على بطلانه كذلك معارضته الصريحة لقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو نهيت عنه ، فيقول : لا ندري ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه ) رواه أبو داود .

وعلى التسليم بصحة الخبر فليس المراد منه أن ما يصدر عن النبي - صلى الله عليه وسلم نوعان : منه ما يوافق الكتاب فهذا يُعمل به ، ومنه ما يخالفه فهذا يُردُّ ، بل لا يمكن أن يقول بذلك مسلم ، لأن في ذلك اتهاماً للرسول عليه الصلاة والسلام بأنه يمكن أن يصدر عنه ما يخالف القرآن ، وكيف لمؤمن أن يقول ذلك وقد ائتمنه الله على وحيه ودينه وقال له : {قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي }(يونس 15) .

فالرسول عليه الصلاة والسلام معصوم من أن يصدر عنه ما يخالف القرآن ، ولا يمكن أن يوجد خبر صحيح ثابت عنه مخالفٌ لما في القرآن .

فيكون معنى الحديث إذاً : " إذا رُوِي لكم حديث فاشتبه عليكم هل هو من قولي أو لا فاعرضوه على كتاب الله ، فإن خالفه فردُّوه فإنه ليس من قولي " ، وهذا هو نفسه الذي يقوله أهل العلم عندما يتكلمون على علامات الوضع في الحديث ، فإنهم يذكرون من تلك العلامات أن يكون الحديث مخالفاً لمحكمات الكتاب ، ولذلك قال " فما أتاكم يوافق القرآن : فهو عنِّي ، وما أتاكم يخالف القرآن فليس عنِّي".

وعندما نقول : إن السنة الصحيحة لابدَّ وأن تكون موافقة للقرآن غير مخالفة له ، فلا يلزم أن تكون هذه الموافقة موافقة تفصيلية في كل شيء ، فقد تكون الموافقة على جهة الإجمال ، فحين تبين السنة حكماً أجمله القرآن ، أو توضِّح مُشْكِلاً ، أو تخصص عامَّاً ، أو تقييد مطلقاً ، أو غير ذلك من أوجه البيان ، فهذا البيان في الحقيقة موافق لما في القرآن ، غير مخالف له .

بل حتى الأحكام الجديدة التي أثبتتها السنة ودلَّت عليها استقلالاً ، هي أيضاً أحكام لا تخالف القرآن ، لأن القرآن سكت عنها على جهة التفصيل ، وإن كان قد أشار إليها وتعرض لها على جهة الإجمال حين قال : {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا }( الحشر 7) .

وأما الحديث الثاني : ( إذا حُدِّثتم عنِّي حديثاً تعرفونه ولا تنكرونه ....) ، فرواياته ضعيفة منقطعة كما قال البيهقي و ابن حزم وغيرهما ، فضلاً عما فيه من تجويز الكذب عليه - صلى الله عليه وسلم - وذلك في عبارة : ( ما أتاكم من خبر فهو عنِّي قلته أم لم أقله ) ، وحاشا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يسمح بالكذب عليه وهو الذي تواتر عنه قوله : ( من كذب عليَّ متعمداً فليتبوَّأ مقعده من النار ) أخرجاه في الصحيحين .

وقد رُوي هذا الحديث من طرق مقبولة ليس فيها لفظ ( قلته أم لم أقله ) منها رواية صحيحة أخرجها الإمام أحمد : ( إذا سمعتم الحديث عني تعرفه قلوبكم وتلين له أشعاركم وأبشاركم وترون أنه منكم قريب فأنا أولاكم به ، وإذا سمعتم الحديث عني تنكره قلوبكم وتنفر منه أشعاركم وأبشاركم وترون أنه منكم بعيد فأنا أبعدكم منه ) .

والمراد منه أن من أدلَّة صحة الحديث وثبوته أن يكون وفق ما جاءت به الشريعة من المحاسن ، وأن يكون قريباً من العقول السليمة والفطر المستقيمة ، فإن جاء على غير ذلك كان دليلاً على عدم صحته ، وهذا هو الذي يقوله علماء الحديث عند الكلام على العلامات التي يعرف بها الوضع وليس هذا مجال بسطها .

نعم قد تقصر عقولنا عن إدارك الحكمة والعلَّة ، فلا يكون ذلك سبباً في إبطال صحة الحديث وحجيته ، فمتى ما ثبت الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجب علينا قبوله وحسن الظن به ، والعمل بمقتضاه ، واتهام عقولنا ، قال ابن عبد البر : كان أبو إسحاق إبراهيم بن سيار يقول : " بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الشرب من فم القربة ، فكنت أقول : إن لهذا الحديث لشأناً ، وما في الشرب من فم القربة حتى يجيء فيه هذا النهي ؟ فلما قيل لي : إن رجلاً شرب من فم القربة فوكعته حية فمات ، وإن الحيات والأفاعي تدخل أفواه القرب علمت أن كل شيء لا أعلم تأويله من الحديث أن له مذهباً وإن جهلته ".

وأما الحديث الثالث : ( إني لا أحلُّ إلا ما أحلَّ الله في كتابه ....) ، فهو حديث منقطع في كلتا روايتيه كما قال الشافعي و البيهقي و ابن حزم .

وعلى فرض صحته فليس فيه أيُّ دلالة على عدم حجية السنة بل المراد بقوله : ( في كتابه ) ما أوحى الله إليه - كما قال البيهقي - فإن ما أوحى الله إلى رسوله نوعان : أحدهما وحي يتلى ، والآخر وحي لا يتلى ، ففسَّرَ الكتاب هنا بما هو أعم من القرآن .

وقد ورد في السنة استعمال الكتاب في هذا المعنى في الحديث الذي رواه الإمام البخاري حيث قال - صلى الله عليه وسلم - لأبي الزاني بامرأة الرجل الذي صالحه على الغنم والخادم : (والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله ، الوليدة والغنم ردٌّ ، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام ، اغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها ) فغدا إليها فاعترفت فأمر بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم- فرُجِمت ، فجعل - صلى الله عليه وسلم -حكم الرجم والتغريب في كتاب الله ، مما يدُلُّ على أن المراد عموم ما أوحي إليه .

وحتى لو سلمنا أن المراد بالكتاب القرآن ، فإن ما أحلَّه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو حرمه ولم ينص عليه القرآن صراحة ، فهو حلال أوحرام في القرآن لقول الله تعالى : {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا } ( الحشر 7) ، ولقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( ألا هل عسى رجل يبلغه الحديث عني وهو متكئ على أريكته فيقول : بيننا وبينكم كتاب الله ، فما وجدنا فيه حلالا استحللناه وما وجدنا فيه حراما حرمناه ، وإن ما حرم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما حرم الله ) رواه الترمذي وغيره .

وأما رواية : ( لا يمسكنَّ الناس عليَّ بشيء ...) ، فقد قال فيها الشافعي إنها من رواية طاووس وهو حديث منقطع .

وعلى افتراض ثبوتها فليس معناها تحريم التمسك بشيء مما جاء عنه - صلى الله عليه وسلم - أو الاحتجاج به .

وإنما المراد أنه -صلى الله عليه وسلم - في موضع القدوة والأسوة ، وأن الله عز وجل قد خصَّه بأشياء دون سائر الناس فأبيح له ما لم يبح لغيره ، وحُرِّم عليه ما لم يُحرَّم على غيره ، فكان المعنى : لا يتمسكن الناس بشيء من الأشياء التي خصني الله بها ، وجعل حكمي فيها مخالفاً لحكمهم ، ولا يقس أحدٌ نفسه عليَّ في شيء من ذلك ، فإن الحاكم في ذلك كله هو الله تعالى ، فهو الذي سوى بيني وبينهم في بعض الأحكام ، وفرَّق بيني وبينهم في بعضها الآخر .

وبهذا يتبين أن الأحاديث التي استند إليها أصحاب هذه الشبهة منها ما لم يثبت عند أهل العلم ، ومنها ما ثبت ولكن ليس فيه دليل على دعواهم ، فلم يبق لهؤلاء المبتدعة - الذين نابذوا السنة ، وتأولوا القرآن على غير وجهه - من حجة إلا اتباع الهوى ، وصدق الله إذ يقول : {فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين }(القصص 50) ، نعوذ بالله من اتباع الهوى ، ومن الزيغ بعد الهدى .

اجمالي القراءات 3248

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
التعليقات (6)
1   تعليق بواسطة   رضا عبد الرحمن على     في   الجمعة ٢٣ - يوليو - ٢٠١٠ ١٢:٠٠ صباحاً
[49594]

أبو العيناء :: والادته ، نشأته ، مواهبه

محمد بن القاسم بن خلاد بن ياسر بن سليمان أبو العيناء الهاشمي ولاءً: من مفاخر خوزستان صاحب النوادر والشعر و الأدب و هو شاعر فصيح من ظرفاء العالم، و من أسرع الناس جواباً اشتهر بنوادره و لطائفه، وكان ذكياً جداً، حسن الشعر، ملح الكتابة، وحاد اللسان في سب الناس والتعريض بهم.

و كانت ولادته سنة إحدى و تسعين و مائة بالأهواز كما تقدم و نشأ بها و هاجر الی البصرة لطلب العلم وبها طلب الحديث وكسب الأدب، و كف بصره و قد بلغ أربعين سنة و خرج من البصرة و هو بصير و قدم سر من رأى فاعتلت عيناه فعمي درس الحديث و اللغة و الادب و اقام ببغداد.

و سكن بغداد مدة و عاد إلى البصرة وتوفي بها في جمادى الآخرة سنة ثلاث و ثمانين و قيل اثنتين و ثمانين و مائتين و قد بلغ التسعین و قال ابنه جعفر توفي أبي لعشر ليال خلون من جمادى الأولى و مولده سنة تسعين و مائة و الله أعلم رحمه الله تعالى و لقب بأبي العيناء لأنه قال لأبي زيد الأنصاري كيف تصغر عينا فقال عيينا يا أبا العيناء فبقي عليه.

و أخذ عن: أبي عبيدة ، و أبي زيد ، وأبي عاصم النبيل ، و الأصمعي. و عنه: الحكيمي ، و أبو بكر الصولي ، و أبو بكر الادمي ، و أحمد بن كامل ، و ابن نجيح ، و آخرون. قال الدارقطني: ليس بالقوي. و كان حاضر الجواب يجيب أكثر المطالب بالقرآن المجيد و يتشهد به كثيرا نقل ابن خلكان كثيرا من أجوبته و نوادره ، حكي أنه عمي في حدود الأربعين من عمره ، فسئل يوما ما ضرك العمى؟ فقال شيئان:

أحدهما أنه فات مني السبق بالسلام ، و الثاني أنه ربما ناظرت الرجل فهو يكفهر وجهه و يعبس و يظهر الكراهية و أنا لا أراه حتى أقطع الكلام. و كان يخضب بالحمرة. ولم يسند من الحديث الا القليل والغالب على رواياته الحكايات قال المسعودي في مرود الذهب في سنة 284 ، انحدر أبو العيناء من مدينة السلام إلى البصرة في زورق فيه ثمانون نفسا فغرق الزورق ولم يخلص ممن كان فيه إلا أبو العيناء وكان ضريرا يتعلق بطلال الزورق فأخرج حيا وتلف كل من كان فيه فبعد أن سلم قال أحمد بن كامل القاضي مات سنة ثلاث وثمانين.

وقال الدارقطني في غرائب مالك انا إبراهيم بن علي الجهيمي اجازة ثنا أبو العيناء ثنا محمد بن خالد بن عثمة عن مالك عن الزهري عن علي ابن حسين قال مثل أصحاب رسول الله صلى الله عليه و آله مثل العين و دواء العين ترك مسها قال الدارقطني لم يروه غير أبي العيناء.

- يقال ان المستنصر قال له ما أحسن الجواب قال ما اسكت المبطل وحير المحق.

و انه اتي عبد الله بن داود ابن عامر الهمداني الخريبي و هو صغير ليحدثه فقال له تحفظ القرآن فقال قد حفظته قال تعلم الفرائض قال قد حذقتها قال فتعلم العربية قال تعلمت منها ما فيه كفاية فامتحنه في كل ذلك فأجاد فقال لو كنت محدثا أحدا في سنك لحدثتك و قال كان حسن الشعر جيد العارضة مليح الكتابة والترسل خبيث اللسان كثير التعريض بذم.

كان بينه وبين أبي علي البصير وأبي هفان مكاتبات ومهاجاة ،وقيل: عاش اثنتين وتسعين سنة. وله اخبار و نوادر حمعها ابوطاهر في كتاب «‌اخبار أبي العيناء » تلقي العلم علي ابي عبيده و الاثملي و ابي زيد انتقلر الى بغداد و اتصل بالمتوكل في سامراء.

و قال الخطيب مولد أبي العيناء بالأهواز ومنشأه بالبصرة وبها كتب الحديث وطلب الأدب وسمع من أبي عبيدة والأصمعي وأبي عاصم النبيل وأبي زيد الأنصاري وغيرهم وكان من أحفظ الناس وأفصحهم لسانا وأسرعهم جوابا وأحضرهم نادرة وانتقل من البصرة إلى بغداد وكتب عنه أهلها و لم يسند من الحديث إلا القليل والغالب على رواياته الأخبار والحكايات وقال الدارقطني ليس بالقوي في الحديث.

و كان من احفظ الناس وأفصحهم لسانا وكان من ظرفاء العالم وفيه من اللسن وسرعة الجواب والذكاء مالم يكن في أحد من نظرائه وله أخبار حسان وأشعار ملاح مع أبي علي الضرير.

من نوادره:

 


يتبع .........ز


2   تعليق بواسطة   رضا عبد الرحمن على     في   الجمعة ٢٣ - يوليو - ٢٠١٠ ١٢:٠٠ صباحاً
[49595]

أبو العيناء : نوادره

من نوادره:




- قال له الوزير أبو الصقر: ما أخرك عنا؟ قال: سرق حماري. قال: وكيف سرق؟ قال: لم أك مع اللص فأخبرك. قال: فهلا جئت على غيره؟

- قال: أخرني عن السرى قلة يساري ، وكرهت ذلة العواري ، ونزق المكاري.


 


حضر يوما مجلس بعض الوزراء فتفاوضوا حديث البرامكة وكرمهم وما كانوا عليه من الجود فقال الوزير لأبي العيناء وكان قد بالغ في وصفهم وما كانوا عليه من البذل والإفضال قد أكثرت من ذكرهم و وصفك إياهم و إنما هذا تصنيف الوراقين و كذب المؤلفين فقال له أبو العيناء فلم لا يكذب الوراقون عليك أيها الوزير فسكت الوزير و عجب الحاضرون من إقدامه عليه


 


- و قيل له إلى متى تمدح و تهجو فقال ما دام المحسن محسنا والمسيء مسيئا بل أعوذ بالله ان أكون كالعقرب التي تلسب النبي و الذمي


- و قيل له إلى متى تمدح و تهجو فقال ما دام المحسن محسنا والمسيء مسيئا بل أعوذ بالله ان أكون كالعقرب التي تلسب النبي و الذمي


 


- و سمع ابن مكرم أبا العيناء يقول في بعض دعائه يا رب سائلك فقال يا ابن الفاعلة و من لست سائلة و قال له ابن مكرم يوما يعرض به كم عدد المكدين بالبصرة فقال له مثل عدد البغائين ببغداد.


 


و دخل على المتوكل في قصره المعروف بالجعفري سنة ست و أربعين و مائتين فقال له ما تقول في دارنا هذه فقال إن الناس بنوا الدور في الدنيا و أنت بنيت الدنيا في دارك فاستحسن كلامه ثم قال له كيف شربك للخمر قال أعجز عن قليله وافتضح عند كثيره فقال له دع هذا عنك و نادمنا فقال أنا رجل مكفوف وكل من في مجلسك يخدمك وانا أحتاج ان أخدم و لست من أن تنظر إلي بعين راض و قلبك علي غضبان أو بعين غضبان وقلبك راض و متى لم أميز بين هذين هلكت فاختار العافية على التعرض للبلاء فقال بلغنا عنك بذاء في لسانك


- و كتب إلى بعض الرؤساء و قد وعده بشيء فلم ينجزه ثقتي بك تمنعني من استبطائك وعلمي بشغلك يدعوني إلى إذكارك و لست آمن مع إستحكام ثقتي بطولك و المعرفة بعلو همتك اخترام الأجل فإن الآجال آفات الآمال فسح الله في أجلك و بلغك منتهى أملك و السلام .


 


يتبع ....


 


3   تعليق بواسطة   عبدالمجيد سالم     في   الجمعة ٢٣ - يوليو - ٢٠١٠ ١٢:٠٠ صباحاً
[49596]

أكل عيش ..!!

 المقارنة مفيدة جدا بين مؤلفي النوادر ، ومؤلفي الأحاديث .. وكلها كانت تتبع ما يعرف بالقصص ، ولكن التخصص طالها فتخصص البعض في الكذب على النبي عليه السلام ، وتخصص البعض الآخر في تألف الحكاوي والأقاصيص والنوادر ،وتخصص البعض في كتابة التاريخ  ..وتستمر الحياة لذلك وذاك وكله يقلب عيشه كما يقال .. ولكن كما وضح الدكتور احمد فهناك ما هو سام ومؤذي ، وهناك ما هو مسلي ينتهي مفعوله بنهاية قوله ...


ولقد ذكر الدكتور احمد في مقاله مقارنة مهمة وهي أن المهرجين الذين يؤلفون النوادر كانت شهرتهم أكثر في عصرهم ، بينما مؤلفي الحديث المكذوب على النبي كانت شهرتهم أكبر بعد موتهم ..


لقد أستطاع الكاذبون على النبي أن يعطوا لأقوالهم الكاذبة الخلود وذلك بنسبتها للنبي عليه السلام .. ( بينما الآخرون لم يفعلوا ذلك  فكانتوا لذلك أقل شهرة )وهذه النسبة هي في حد ذاتها أكبر جريمة .. وذلك لأن أي قول منسوب للنبي عليه السلام حتى وإن كان بمقاييس علماء الأحاديث ضعيف أو غريب ، أو موضوع أو ، أو ، أو .. فهو  في النهاية موجود ولا يستطيع أحد إزالته ..وسيأتي من يتحمس لهذا القول المنسوب والذي هو بمقاييس علماء الحديث موضوع ، وعتبره صحيحيا .. لذلك لا تجد أي شيخ يقول أن هذا الحديث موضوع يجب إلغائه أو إزالته ... وذلك لأن القداسة قد طالته ، وذلك لأن في أوله عبارة ( قال رسول الله ) ..وهي كافية لإلغاء العقل حتى ولو كان هناك مآخذ على المتن أو السند أو الإختلاف مع آية قرآنية أو حديث آخر ... فلقد أخترعوا طرق كثيره  أهمها الناسخ والمنسوخ .. الذي يعطيهم الحرية في الإيمان بالشيئ ونقيضه في آن واحد .. 


لذلك فإني أؤيد أن يتحول كل هذا التراث إلى أنه من كتابة مؤلفيه . فقط فكتاب البخاري هو من تأليف البخاري وكتاب مسلم هو من تأليف مسلم . وأن تنزع القداسة منه ...


 


 


4   تعليق بواسطة   رضا عبد الرحمن على     في   الجمعة ٢٣ - يوليو - ٢٠١٠ ١٢:٠٠ صباحاً
[49597]

يبدوا أن هذا العصر كان عصر الترف الفكرى

من قراءة كل هذه الونادر وكل هذه القصص الحقيقي منها والكاذب الذي صنع كلية من داخل عقل ووجدان المؤلف لبسس زمنى محدد مرتبط بالقصة نفسها بأن اخترع الكاتب او القصصاص تلك القصة لينقذ نفسه من سيف أمير المؤمنين او ليحميى نفسه من موقف معين او ليرد هجاء أقرانه أو ليصنع جوا من المرح والترفيه فى الوسط المتواجد فيه ، وكان هذا من علامات هذا العصر .


فإن كل ما دون وكتب فى هذا العصر يجب ان يتأثر بثقافة العصر السائدة وهى الكذب والتلفيق والخداع واختراع القصص والمواقف وكلمة اختراع هنا لها معنى هام جدا ـ لأن كل كاتب او قصاص أراوى كان يخترع ما يحلو له من قصص وخاصة اذا كان من ونعية أبي العيناء ، ومن العجيب هو اجتماع البخارى وأبي العيناء فى عصر واحد ، ولم تصل شهرة البخارى في حياته مثلما وصلت اليه اليوم وبعد وفاته ، فهذه مفارقة عجيبة جدا ، لكنها من وجهة نظر أخرى تعتبر أمرا طبيعيا ، لن عدم شهرة البخارى هو اعتباره أحد القصاصين الذين يؤلفون ويبالغون فيما يقولون ، ويزورون ما يكتبون ويقولون ، حتى لو نسب ما يقول للصحابة لجعل له سند يصله بخاتم النبيين .


لكن البخارى تفوق في شيء واحد هو اسغلال موهبته فى تزوير احاديث وتلفيقها لخاتم النبيين بعد صناعة سند كاذب لها من مجموعة من الاشخاص وصولا للصحابة الاوائل ، فهو استغل موهبته فى الكذب والتدليس فى دين الله ، بينما غيره مثل أبي العيناء استغل هذا كوظيفة يأكل منها ويشرب أو يعيش عليها ويشتهر بين الناس ليس إلا ، مثل أشعب الطامع وغيرهم ، وهم بذلك أفضل من البخارى رغم الاستخدام السيء لموهبة فضلهم الله بها على باقى الناس وهى الذكاء وسرعة البديهة وحسن التصرف والفطنة والدهاء فكان من الممكن أن يكونوا من علماء عصرهم بدلا من ان يضعوا انفسهم فى هذه المكانة السيئة رغم ما يحظون به من شهرة وحب الناس وذياع صيتهم هنا وهناك .


 


5   تعليق بواسطة   لطفية سعيد     في   السبت ٢٤ - يوليو - ٢٠١٠ ١٢:٠٠ صباحاً
[49620]

أما بشار بن برد

 الشاعر العباسي بشار هو أيضا ظريف كأب العيناء ولكنه أبدع في هجاء من يمنتع عن دفع مقابل  مدحه ، ويقال إن شاعر انشغل بالدفاع عن الفرس " شعوبي "  اتهم بالزندقة في آخر حياته وحكم عليه بالضرب حتى مات : وهذه نبذة عن حياته ولك  ان تقارن بين التجارة بالشعر أم التجارة بالدين أيهما أقل إضرارا !! على الأقل هو صريح  يصف ويمدح ويذم من يمتنع عن دفع الثمن صريح مع نفسه أما  مشايخ الفضائيات فهم يقومون بنفس الدور ولكنهم يتمسحون في الدين  !! وقرأت عنه :


بشار بن برد العقيلي. أبو معاذ. وقيل العقيلي نسبه لامرأة من بني عقيل أعتقته.

شاعر مطبوع. إمام الشعراء المولدين. ومن المخضرمين حيث عاصر نهاية الدولة الأموية وبداية الدولة العباسية. كان ضريرا، دميم الخلقة، طويلا، ضخم الجسم.

ولد في نهاية القرن الأول الهجري. (96 هـ - 168 هـ). عند بني عقيل في بادية البصرة وأصله من فارس (من أقليم طخارستان). كان هجاءا، فاحش في شعره، هجى الخليفة المهدي ووزيره يعقوب بن داود. حتى العلماء والنحاة فقد عرض بالأصمعي وسيبويه والأخفش وواصل بن عطاء. اتهمه بعض العلماء بالشعوبية والزندقة. وبرئه البعض من ذلك لغيرة العرب من الفرس عند بداية العصر العباسي وقيام الفرس بشئون الدولة. تعلم في البصرة ونتقل إلا بغداد.أتهم في آخر حياته بالزندقة. فضرب بالسياط حتى مات. ودفن بالبصرة. وكانت نهايته في عصر الخليفة المهدي.

في اخريات القرن الأول للهجره وبالقرب من فارس وبعيدا عن البيئة العربية في الشام والحجاز حيث تتصارع المذاهب السياسية والمعتقدات الدينية وتتداخل الاجناس لتكون البذور لدوله تعج بالثقافات المختلفة وفى مدينة البصرة يولد بشار بن برد اكمه (اعمى منذ الولادة) من أب يعتقد أنه فارسي وام يظن انها روميه ويتربى في حجور النساء العربيات من بنى عقيل فيكون هذا الامتزاج وسيلته عندما يشب للافتخار بانه فارسي الاصل ولسانه العربي الذي لايعرف العجمة كان يفخر بذلك ويقول نشأت في حجور ثمانين شيخا من فصحاء بنى عقيل مافيهم أحد يعرف كلمه من الخطأ وان دخلت إلى نسائهم فنساؤهم افصح منهم وايفعت فابديت إلى أن ادركت فمن اين يأتى الخطأ؟

هناك تفصيلات كثيره عن حداثته ذكرتها الصادر سنضرب عنها صفحا ونكتفى بذكر واحده منها ذكرها أبو الفرج الاصفهاني في اغانيه تكشف لنا عن ذكاء بشار بن برد المبكر وشاعريته التي تميل إلى الهجاء مما دفع الناس إلى الضيق به فكان يلقى العقاب من والده بسبب ذلك إلى انا قال له يوما (يا أبت ان الذي يشكوه الناس منى إليك هو قول الشعروانى ان الممت عليه اغنيتك وسائر اهلى فان شكوتى إليك فقل لهم اليس الله يقول ليس على الاعمى حرج؟

 


6   تعليق بواسطة   لطفية سعيد     في   السبت ٢٤ - يوليو - ٢٠١٠ ١٢:٠٠ صباحاً
[49621]


بشار بن برد كان دميم الخلقة ضخم الجسم جريئا في الاستخفاف بكثير من الاعراف والتقاليد نهما مقبلا على المتعة بصورها المتعددة الخمر والنساء والغناء، عاش بشار بن برد ما يقرب من سبعين عاما قبل أن يقتله الخليفة العباسي المهدي متهما اياه بالزندقة وكان بشار إلى جانب جرأته في غزله يهجو من لا يعطيه وكان قد مدح الخليفة المهدي فمنعه الجائزة فأسرها بشار في نفسه وهجاه هجاء مقذعا بل وهجا وزيره يعقوب بن داود وافحش في هجائه لهما فتعقبه الخليفة المهدي واوقع به وقتله.

كان بشار يسخر من عصره انتقاما لاحتقار بني جنسه من الاعاجم أيام بني امية، فلما جاءت الدولة العباسية قرب الفرس اعترافا بدورهم في القضاء على الدولة الأموية أساء بشار فهم الحرية والعصر الجديد ويبدو ان عاهته وقبحه كانت كلها وراء هذه الجرأة في التهام الحياة والإقبال عليها والتنعم بها غير مبال بشيء وكأن حياته كلها ليست الا ردا متماديا في القسوة على الرزايا التي وجد نفسه مقيدا بنارها

== حياته الشعرية ==ثقلثقالقفا روى بشار عن نفسه انه انشد أكثر من اثني عشر الف قصيدة ولكن ما وصل الينا من شعره لا يرى في هذا القول سوى مبالغة هائلة فشعره ليس كثير أو يعلل بعض من يرون ان ما وصل الينا اقل بكثير مما قاله بشار. ان الرقابة الدينية والسياسية والاجتماعية في عصره قد حذفت كثيرا من شعره بعد وفاته وهو متهم في معظمه خاصة في الغزل والهجاء.

عرف بشار بن برد ان الإقبال على الحياة يكلف المرء مالا كثيرا فأصبح شعره يتردد بين عدة أغراض منها: الغزل وهو يعبر عن فتنته الحسية بالنساء خلال مخالطة وخبرة فقد كان يجلس فيما يشبه الصالون العصري يتقبل النساء الراغبات في سماع شعره أو المغنيات اللواتي حفظن هذا الشعر ليتغنين به والغرض الثاني هو المديح فانه الوسيلة التي يمكن أن تدر عليه المال الذي يحتاجه لينفقه في ملذاته ولذا كان مبالغا في مدائحه طمعا في رضا الممدوح لإغرائه بالعطاء والغرض الثالث هو الهجاءوكان بشار شديد الوطأة في هجائه خاصة على هؤلاء الذين يمتنعون عن عطائه وقد كان بشار يرتاد مجالس اللهو والغناء يقول في مغنية:

وذات دل كأن البدر صورتها

باتت تغني عميد القلب سكرانا

ان العيون التي في طرفها حور

قتلننا ثم لم يحيين قتلانا

قلت احسنت يا سؤلي ويا املي

فاسمعيني جزاك الله احسانا

يا حبذا جبل الريان من جبل

وحبذا ساكن الريان من كانا

قالت فهلا فدتك النفس احسن من

هذا لمن كان صب القلب حيرانا

يا قوم اذنى لبعض الحي عاشقة

والأذن تعشق قبل العين أحيانا


أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2006-07-05
مقالات منشورة : 5365
اجمالي القراءات : 70,446,960
تعليقات له : 5,532
تعليقات عليه : 14,949
بلد الميلاد : Egypt
بلد الاقامة : United State

مشروع نشر مؤلفات احمد صبحي منصور

محاضرات صوتية

قاعة البحث القراني

باب دراسات تاريخية

باب القاموس القرآنى

باب علوم القرآن

باب تصحيح كتب

باب مقالات بالفارسي