الدين والتدين وزمكانية التشريع

اسامة يس في الخميس 22 يناير 2009



الدين: هو النص المطلق ، والنص من الله، والنص قطعي(1)، ولا قطعي إلا القرآن.
والمطلقات غير قابلة للتعديل أو الاستبدال ، كقوله تعالى:
(قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ (4))
سورة الإخلاص

 (ان الله لا يغفر ان يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد افترى اثما عظيما )
سورة النساء آية 48
وقوله تعالى:
(حنفاء لله غير مشركين به ومن يشرك بالله فكانما خر من السماء فتخطفه الطير او تهوي به الريح في مكان سحيق )
سورة الحج آية 31

وقوله تعالى: (قل يا اهل الكتاب تعالوا الى كلمة سواء بيننا وبينكم الا نعبد الا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا اربابا من دون الله فان تولوا فقولوا اشهدوا بانا مسلمون )
آل عمران آية 64
أما التشريع فهو: النص التفصيلي ، وهو تلبية من النص لحاجة الواقع الذاتي الشخصي والاجتماعي العام في زمان ومكان معين.
لذلك فهو قابل للتعديل والاستبدال بتغير الواقع والزمان والمكان ( زمكانية النص ان صح التعبير).
(وأنزلنا اليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه فاحكم بينهم بما انزل الله ولا تتبع اهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم امة واحدة ولكن ليبلوكم في ما اتاكم فاستبقوا الخيرات الى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون ) سورة المائدة آية 48

ليكون التدين الوجه الآخر للتشريع : فهو احتكاك المتدين وتفاعله مع النص في زمان ومكان ومناخ ثقافي معين. هذا التدين لكونه تفاعلاً للذات والمجتمع والزمان والمكان مع النص التفصيلي، يولد عادة مصادر غير نصية ( عادات وتقاليد وثيقة الصلة بالتشريع التفصيلي ذاته)، يتفاعل معها المتدين بوعي أو بغير وعي ، فينتج لنا تدينا خليطاً من عادات المرء وسلوكه وبيئته، وتديناً حقيقياً لا يكاد يلحظ وهو مغلف بكثافة الإشعاع الذاتي والثقافي والمكاني(2).
هذا التدين قد يكون هيناً اذا اقتصر على زمانه ومكانه، حتى وان أدى الاحتكاك والتفاعل إلي تفاوت في فهم النص والتعبير عنه ( الفقه) أو كمظهر سلوكي ( كطقوس) حتى وان طبق خطأ، حيث الأثر الناتج محدود بالزمان والمكان المتفاعل مع النص التفصيلي ذاته.
لكن المشكلة الجوهرية تكمن في الذهنية المتدينة بصفة عامه، وهي مشكلة تنقسم إلي شقين،

 شق يغرق فيه العقل المتدين بصورة شبه كلية وهي مشكلة تأبيد التدين السابق ، تأبيد تدين السلف ليحكم تدين الخلف، ليحكم حياة الخلف ، ليكره الواقع الجديد ان يعود ويتوقف عن الحركة ليلبي احكام الماضي،  ويحدث ذلك عبر عملية  التدوين، أي تدوين ما جاء به السلف، ليحكم وقائع وملابسات الخلف، سواء كان هذا التدوين مادياً حقيقاُ عبر التدوين الفقهي والحديثي، أو تدوينا معنوياً عبر نقل السلوكيات والزمان والمكان السابق وإكراه الواقع المختلف على التماشي معه.
أما الشق الثاني الذي يتعامل معه العقل المتدين بحذر وخوف اشد، فهو التعامل مع التشريع ذاته أو كما أسلفنا النص التفصيلي، الذي هو تلبية للواقع، وهذا الحذر وليد انه نص ثابت قطعي الثبوت
 (3)

فهل يمكن أن يُستغنى عنه، فلا نقول تعطيلاً له، حيث التعطيل يعني أن النص قابل للتطبيق وعطل تنفيذه، بل نقول أن النص التفصيلي ذاته، لم تعد شروطه متوفرة، فقد كان تلبية لزمان ومكان وملابسات أخرى، لم تعد مستساغة في زماننا، علماً بأن التشريع قابل للتغيير ، بصفة عامة، إن الواقع الجديد فرض على أن يكون للظهار حكماً آخر، بينما كان النبي صلى الله عليه وسلم ينفذ حكم الماضي،وسمع الله قول المرأة ، وبدل الحكم الذي كان سائداً. (4)
ألا يعني ذلك أن الدين هو المطلقات والقيم العليا، وان التشريع والتدين،ليس سوى متغيرات، لا ينبغي أن تشغلنا عن الأصل الأسمى، كما انها ليست غاية في ذاتها، ولا ينبغي أيضاً أن تترك للسلف حيث واقعهم المختلف،سواء صح ما فعلوه وحكموا به وطبقوه في زمانهم، ام لم يصح.
والله أعلم.



(1) أي ينبغي أن يكون قطعياً في الثبوت لكي يكون ملزماً.

(2) بفرض انطباق شروط النص التفصيلي على الواقعة

(3) من القرآن فقط (كالحدود مثلاً ).
(4)(قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي الى الله والله يسمع تحاوركما ان الله سميع بصير) سورة المجادلة آية 1

اجمالي القراءات 10655

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
التعليقات (5)
1   تعليق بواسطة   عثمان محمد علي     في   الخميس 22 يناير 2009
[33243]

أخى أسامه هناك ملاحظات على المقالة

أخى أسامة _مقلة جيدة ،وإسمح لى بوضع ملاحظة هامة عليها . وهى .انك خلطت بين التشريع وبين التدين .فالتشريع هو أمر إلاهى والتدين شان بشرى بحت ... وثانياً - التشريع الإلهى لا يتغير ولا يتبدل ،فلحلال والحرام تشريعات ثابتة لا تتغير بتغير الزمان والمكان . فمثلا تحريم (الزنا والخمر والكذب والنفاق وشهادة الزور--ووو) حرام فى كل زمان ومكان ،وكذلك ( أكل الطيبات .ووووو)من المحللات فى كل زمان ومكان . إذن هذه العبارة التى وردت فى مقالتكم (أما التشريع فهو: النص التفصيلي ، وهو تلبية من النص لحاجة الواقع الذاتي الشخصي والاجتماعي العام في زمان ومكان معين.

لذلك فهو قابل للتعديل والاستبدال بتغير الواقع والزمان والمكان) 


فهى خاطئة تماماً ،وما ترتب عليها من شروح داخل المقالة فهى خاطئة أيضاً.


فالتشريعات الإلهية ثابتة لا تتغير ولا تتبدل ،و لاتحلل فى زمن وتحرم فى زمن آخر ،ولا تخضع للأهواء والأمزجة العامة للشخوص أو المجتمعات .وشكراً


2   تعليق بواسطة   اسامة يس     في   الخميس 22 يناير 2009
[33247]

أ.د عثمان محمد علي ، لم يكن ثمة خلط...

أ.د. عثمان محمد علي


ان الله حرم الخبائث وأحل الطيبات.. وحرم الاثم والبغي بغير الحق... وهذه مطلقات لا جدال فيها ، وكل تحريم يقع تحت طائلة هذه القاعدة المطلقة الكلية، قل انما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن...


وليس هذا قط ما قصدته من المقال.. بل لم اخلط قط بين التشريع والتدين... التشريع قلت نص تفصيلي يلبي حاجة الواقع ويتفاعل معه.. وضربت مثلاً واضحاً كالحدود مثلاً.. وتعربيرها عن شكل العقوبات السائدة في العصر الوسيط...


ان قضية الظهار مثلا التي ضربت مثلا اخر بها كانت قضية خاصة بالبيئة والمناخ والثقافة العربية...


هذا ما قصدته.. لذلك لا اراني وقعت قط في هذا الخلط...


والقيم والعليا والخير ..التي ختمت بها المقال يدخل تحتها قطعاً كل خير وتجنب كل شر...


ولكم جزيل الشكر.,..


3   تعليق بواسطة   عبد الله العراقي     في   الإثنين 04 يناير 2010
[44667]

مقال جيد

سلام عليكم


مقال جيد بارك الله فيك وانت لم تخلط كما توهم البعض  بل ان التشريع نفسه فيه متغير وثابت


المهم ان الملّه ثابته مطلقه لا تتغير من ابراهيم وحتى محمد ص  بينما الشريعه من الممكن ان يتغير شيء فيها وهكذا الشريعه الموسويه والسيحيه فهم مسلمون في الدين مختلفون في الشريعه و المنهاج





هذا من جهة من جهة ثانيه فان تحريم الخبائث وتحليل الطيبات ربما ليس من الشريعه وانما هو من الملّه (اي انه ليس من المتغير او ما يحتمل فيه التغير بل هو من الثابت المطلق في كل زمان ومكان) والله العالم


4   تعليق بواسطة   عثمان محمد علي     في   الإثنين 04 يناير 2010
[44668]

الأخ العراقى

الأخ العراقى - ارجو أن تعود لمعرفة الفرق بين الدين وما به من تشريعات، والتدين البشرى ومدى إقترابه أو إبتعاده عن تشريعات الدين قبل ان تتهمنا بالتوهم  والخلط بين الدين والتدين .


5   تعليق بواسطة   عبد الله العراقي     في   الثلاثاء 14 فبراير 2012
[64540]

التشريع فيه اختلاف

سلام الاخ عثمان


التشريع فيه اختلاف بين مله و مله  كقول عيسى عليه السلام(ولاحل لكم بعض الذي حرم عليكم) او كقوله تعالى (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْ‌عَةً وَمِنْهَاجًا ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّـهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَـٰكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ ۖ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَ‌اتِ ۚ إِلَى اللَّـهِ مَرْ‌جِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ )


أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2008-07-14
مقالات منشورة : 26
اجمالي القراءات : 262,083
تعليقات له : 122
تعليقات عليه : 196
بلد الميلاد : Egypt
بلد الاقامة : Egypt