الرسول والرسالة

يوسف ترناصت في الأحد 17 مايو 2020


  1 - فـي معنـى الرسـول والرسـالة :

  الرسول هو الذي يحمل الرسالة ويبلغها للمرسل إليه، كما هي، فحينما نبعث برسالة لشخص ما، نضعها في صندوق البريد، فالمسؤول عن هذا الصندوق يسمى رسول، مهمته أن يبلغ الرسالة إلى المرسل إليه، كما هي أي كما وضعت في الصندوق ينبغي أن تصل الى المرسل إليه، فاذا غير الرسول من مضمون هذه الرسالة أو حرفها، أو لم يرسلها أو تأخر في ذلك، فإنه لم يقم بأداء مهمته كرسول، أو حينما نبعث بخبر أو نبأ ما الى قريب، فنرسل شخص ما لينقل ذلك النبأ أو الخبر كما هو، فإذا زاد هذا الرسول عن الخبر شيئا آخر، فالزائد ليس من الرسالة، وينسب للرسول نفسه وليس للمرسل.

  * فمحمد عليه السلام، كان رسول الله، بمعنى كان مكلفا بتبليغ رسالة الله (أي القرءان الكريم كلام الله)، فالمرسل هنا هو الله سبحانه، والرسول هنا هو محمد عليه السلام، والرسالة هنا هي كلام الله، والمرسل إله هو محمد نفسه وقومه والناس أجمعين، وبالتالي كانت وظيفة الرسول هي السهر على تبليغ هذه الرسالة كما هي والعمل بها، وحتى يقوم الرسول بالإطلاع بمهتمه على أكمل وجه ويبلغ رسالة الله من بدايتها لنهايتها، فقد عصمه الله من القتل، يقول سبحانه وتعالى : {..يَأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ وَإِن لَمْ تَفْعَل فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَالله يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ..(المائدة 67)}.

 * وبما أن محمد رسول الله، ومكلف بتبليغ رسالته، أمره الله بتبليغ الرسالة كما هي، لا زيادة ولا نقصان، ولا سيتعرض للعقاب الشديد، ونفهم ذلك من قوله سبحانه : {..إنه لقول رسول كريم، وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون، ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون، تنزيل من رب العلمين، وَلَو تَقَّوَلَ عَلَيْنَا بَعْضُ الأَقَاوِيلِ، لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِاليَمِينِ، ثم لقطعنا منه الوتين، فما منكم من أحد عنه حاجزين(الحاقة 40 الى 47)}.

  وقد كان من قوم محمد من يطالبه، بشيء آخر غير القرءان الكريم، والرسول كان يخاف عذاب الله ان عصاه في تحريف الرسالة، يقول سبحانه : {..إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِم ءَايَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءَنَا اِئْتِ بِقُرْءَانٍ غَير هَذَا أَو بَدِّله قُل مَا يَكُون لِي أَن أُبَدِّلْهُ مِن تِلْقَائِي نَفْسِي إِن أَتَّبِع إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَىَّ إِنِي أَخَاف إِن عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ(يونس 15)}، كما يقول سبحانه : {..وَإِن كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لَتَفْتَرِي عَلَيْنَا غَيْرَه وَإِذًا لاَتَّخَذُوكَ خَلِيلاً، وَلَولاَ أَن ثَبّتْنَاكَ لَقَد كِدْتَ تَرْكُن إِلَيْهِم شَيْئًا قَلِيلاً، إِذًا لَأَذْقْنَاكَ ضِعْفَ الحَيَاةِ وَضِعْفَ المَمَاتِ ثُمَّ لاَ تَجِد لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا(الإسراء 73 الى 75)}.

* ولقد أرسل الله بالرسالة الى كافة الناس الى قيام الساعة، وكان محمد رسولا لأهل الكتاب ورسولا للأميين (غير أهل الكتاب)، لقوله : {..وما أرسلنك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا ولكن أكثر الناس لا يعلمون(سبأ 28)}، وقوله : {..قل يأيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا الذي له ملك السموات والأرض لا إله إلا هو يحي ويميت فءامنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلمته واتبعوه لعلكم تهتدون(الأعراف 158)}.

  فبالنسبة لأهل الكتاب جاء ليصحح بعض التحرفات التي وقعت في الكتب السابقة (التوراة والإنجيل)، ويخفف عنه من بعض التكليفات التي كانت عندهم، ويفصل في اختلافاتهم، مع بقائهم على ملتهم التي كانوا عليها، ومناسكهم، يقول سبحانه : {..الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين ءامنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون(الأعراف 157)}.

  أما الأميين، فقد جاءهم الرسول لإخراجهم من ظلمات الجهل والشرك، الى النور والهديا، يقول سبحانه : {..هو الذي بعث في الأمين رسولا منهم يتلوا عليهم ءاياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين(الجمعة 2)}.

  2 - طاعـة الرسـول هـي طاعـة الله :

  فما دام محمد رسول الله ويحمل كلمة الله، فالمرسل إليه، بمعنى قوم محمد ملزمون بطاعة الرسول، أي طاعته فما يبلغ لهم من رسالة الله وبصفته رسول الله، ومحمد هنا هو أولى من قومه بتطبيق تلك الرسالة في حياته الخاصة ليكون قدوة وأسوة حسنة لهم، يقول سبحانه : {..فَاِسْتَمْسِك بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْءَلُونَ(الزخرف 43 و44)}.

  أ - طاعة الرسول في الهدايا :

   الله سبحانه يرسل رسله الكرام، من أجل هداية الناس، وإخراجهم من الظلمات الى النور، بعدما يكون الناس في الجهل والطغيان، والشرك، يقول سبحانه : {..وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله..(النساء 64)}، وكما هو معلوم فأي رسول لبد ان يكون صنفا من المؤمنين، من يطيعه ويتبعه في الهدايا، ومنهم من يعصيه ويكفر به، وهذا ما وقع لجميع الرسل (ماعدا يونس)، فقوم نوح عصوا رسولهم، يقول سبحانه على لسان نوح عليه السلام : {..قال نوح رب إنهم عصوني واتبعوا من لم يزده ماله وولده إلا خسارا(نوح 21)}، وقوم هود عصوا رسولهم وكفروا به، يقول سبحانه : {..وتلك عاد جحدوا بءايات ربهم وعصوا رسله واتبعوا أمر كل جبار عنيد(هود 59)}، وفرعون كذلك عصى موسى، يقول سبحانه : {..فعصى فرعون الرسول فأخذناه أخذا وبيلا (المزمل (16)}.

 وقوم محمد (كفار ومشركي مكة والمدينة) بدورهم عصوا رسولهم، ولم يتبعوه في طريق الهداية، فجحدوا وكفروا به، يقول سبحانه : {..إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله وشاقوا الرسول من بعد ما تبين لهم الهدى لن يضروا الله شيئا وسيحبط أعمالهم، يأيها الذين ءامنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ثم ماتوا وهم كفار فلن يغفر الله لهم(محمد 32 الى 34)}، وقوله : {..يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوّى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثا(النساء 42)}.

  لذلك فالله سبحانه أمر المؤمنين بعدم اتباع الكافرين في ضلالتهم، وأمرهم باتباع الرسول، والإقتداء بهداه، يقول سبحانه : {..لا يتخذ المؤمنين الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير ...(الى أن يقول سبحانه)...قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم، قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين(آل عمران 28 و31 و33)}.

  ب - طاعة الرسول في الأحكام وقضاء والتشريعات :

   * يقول سبحانه : {..إِنَّ الله يَأْمُرُكم أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالعَدْلِ إِن الله نِعْمًا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ الله كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا، يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا أَطِيعُوا الله وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِى الأَمْرِ مِنْكُم فَإِن تَنَازَعْتُم فِي شَيْءٍ فَرُدُّوه إِلَى الله وَالرَّسُولِ إِن كُنْتُم تُؤْمِنُونَ بِالله وَاليَوْمِ الءَاخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً، أَلَم تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُم ءَامَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطّاغُوتِ وَقَد أُمِروا أَن يَكْفُرُوا بِه وَيُرِد الشَيْطُان أَن يُضِلَّهُم ضَلاَلاً بَعِيدًا، وَإِذَا قِيلَ لَهُم تَعَالُوا إِلَى مَا أَنْزَلَ الله وَإِلَى الرّسُولِ رَأَيْتَ المُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا، فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَت أَيْدِيهِم ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِالله إِن أَرَدْنَا إِلاَّ إِحْسَانًا وَتَوْفِقًا، أُولَئِكَ الّذِينَ يَعْلَم الله مَا فِي قُلُوبِهِم فَأَعْرِض عَنْهُم وَعِظْهُم وَقُل لَهُم فِي أَنْفُسِهِم قَوْلاً بَلِيغًا، وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ الله وَلَو أَنَّهُم إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُم جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا الله وَاِسْتَغْفَرَ لَهُم الرَّسُولُ لَوَجَدُوا الله تَوَّابًا رَحِيمًا، فَلاَ وَرَبِّكِ لاَ يُؤْمِنُوا حَتَّى يُحَكِّمُونَكَ فِيمَا شَجَر بَيْنَهُم ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِم حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا(النساء 59 الى 65)}.

  فسياق الآيات واضح هنا، فقد نصت الآيات الكريمة على أداء الآمانات لأهلها، وإقامة العدل بين الناس في شجاراتهم وخلافاتهم، والرسول عليه السلام كان يقضي بين الناس في عهده، أما بعد وفاته أصبح القاضي (والي الأمر)، هو الذي يحكم في الخلافات بين الناس وفق شريعة الله ومنهجه الذي هو اقامة العدل، والقاضي هو المقصود به في سياق الآيات بوالي الأمر، وإذا قضى الرسول أو والي الأمر وفق شريعة الله ونهجه الذي هو إقامة العدل، فهنا ينبغي طاعته، وعدم عصيانه، وليس معنا طاعته هنا طاعة عمياء، بل طاعته في قضى وفقا لمنهج الله وأحكامه العادلة، لذلك يقول سبحانه : "يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا أَطِيعُوا الله وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِى الأَمْرِ مِنْكُم فَإِن تَنَازَعْتُم فِي شَيْءٍ فَرُدُّوه إِلَى الله وَالرَّسُولِ إِن كُنْتُم تُؤْمِنُونَ بِالله وَاليَوْمِ الءَاخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً"، فشريعة الله في المعاملات بين الناس، هي اقامة العدل وعدم أكل أموال الناس بالباطل إلا بالتراضي، وعدم أكل مال اليتيم إلا بالحق، وعدم نقض العهود والمواثيق..الخ، فالتحاكم الى خلاف ذلك يسمى بالتحاكم الى الطاغوت، لذلك قال سبحانه : "أَلَم تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُم ءَامَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطّاغُوتِ وَقَد أُمِروا أَن يَكْفُرُوا بِه وَيُرِد الشَيْطُان أَن يُضِلَّهُم ضَلاَلاً بَعِيدًا، وَإِذَا قِيلَ لَهُم تَعَالُوا إِلَى مَا أَنْزَلَ الله وَإِلَى الرّسُولِ رَأَيْتَ المُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا".

 * وما دمنا هنا نستحضر قصة النبي داوود عليه السلام، وكيف أمره الله بأن يحكم بمنهج الله تعالى، يقول سبحانه : {..وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب، إذ دخلوا على داوود ففزع منهم قالوا لا تخف خصمان بغى بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط واهدنا إلى سواء الصراط، إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة فقال أكفلنيها وعزني في الخطاب، قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه وإن كثيرا من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض إلا الذين ءامنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم وظن داوود أنما فتناه فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب، فغفرنا له ذلك وإن له عندنا لزلفى وحسن مءاب، ياداوود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب(ص 21 الى 26)}.

  * فالمؤمن حق الإيمان هو الذي يتحاكم الى ما أنزل الله، العادل في أحكامه وقضائه، فاذا حكم القاضي وفقا لكتاب الله ينبغي طاعته في ذلك، لأن طاعته هنا هي طاعة لله، يقول سبحانه لرسوله الكريم : " فَلاَ وَرَبِّكِ لاَ يُؤْمِنُوا حَتَّى يُحَكِّمُونَكَ فِيمَا شَجَر بَيْنَهُم ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِم حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا".

  ويقول سبحانه كذلك في موضع آخر : {..وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون، وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين، أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله بل أولئك هم الظالمون، إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون، ومن يطع الله ورسوله ويخشى الله ويتقه فأولئك هم الفائزون(النور 48 الى 52)}.

 * ومحمد رسول الله عليه السلام كان يحتكم في قضاءه، الى كلام الله، سواء في الخلافات بين الناس وفي تطبيق الحدود عليهم، وكان مؤمورا بذلك، يقول سبحانه : {..وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنْزَلَ الله وَلاَ تَتَّبِع أَهْوَاءَهُم عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الحَقِّ..(المائدة 47 و48)}.

 * اما اذا قضى الرسول بغير منهج الله (وهذا مستحيل ولم يقع)، فهنا لا ينبغي طاعته لماذا لأن الله سبحانه أمر الرسول أن يحكم بين الناس بما أنزل الله لقوله : {..فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنْزَلَ الله وَلاَ تَتَّبِع أَهْوَاءَهُم عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الحَقِّ(المائدة 48)}، وقوله : {..وَأَن اِحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنْزَلَ الله وَلاَ تَتَّبِع أَهْوَاءَهُم وَاِحْذِرْهُم أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أُنْزَلَ الله إِلَيْكَ..أَفَحُكمَ الجَاهِلِيَة يَبْغُونَ وَمَن أَحْسَنُ مِنَ الله حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ(المائدة 49 و50)}.

  فالذين أخترعوا بعض الأحاديث، لعنة الله عليهم وعلى من سمح بترويجها للأمة، ومن يتمسك بها من الفقهاء، فقد أفتروا على الله ورسوله الكذب، واحتملوا بذلك بهتانا وإثما عظيما، فنسبوا للرسول أنه قال بحد الرجم، وقتل المرتد، والزنديق، وتارك الصلاة والزكاة، واخترعوا حدا لشارب الخمر، وقتل شاتم الرسول حتى لو تاب، ووطئ السبايا، وقتل الأسرى، والإغارة على بلاد غير المسلمين..الخ، واعتبروا ذلك وحيا، ويعتبرون ذلك شريعة وسنة، فهذا حكم الجاهلية وليس حكم الله.

  واذا ما دُعوا اذا ما أنزل الله، يصدون عنك صدودا، ويشتمون من يتمسك بالقرءان، بأنه قرءاني، ولا يتكلمون عن داعش بينما يُكَفِّرُونَ القرءاني،..يتصالحون مع اسراءيل بينما، يخاصمون الشيعي،..يشتمون الحضارة الغربية، بينما يتمسكون بالسلف الطالح،..الحضارات الغربية تتسارع كل يوم فيما بينها في العلم والتكنولوجيا والطب، بينما المسلم لازال يتساءل عند دخوله لدورة المياه، هل يقدم رجله اليمنى او اليسرى ؟؟؟؟..الخ.

************************

 

 * والطاعة الرسول، تتجلى كذلك في اتباع كل الأحكام والتشريعات الربانية التي ينزلها الله سبحانه في كتابه، يقول سبحانه : {..وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة ومن أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا(الأحزاب 36)}.

  ونقف هنا عند أحكام الزكاة، فالله سبحانه وتعالى شرع صدقات بيت المال، لله في المقام الأول (بمعنى إصلاح بلاد المسلمين والطرقات وبيوت العبادة وتنميتها) وللرسول وللمحتاجين والفقراء والمساكين...الخ، وليس للميسورين والأغنياء، كما حدد سبحانه نسبة الخمس بالنسبة للغنائم (وهي ما يتم غنمه في الحروب)، يقول سبحانه : {..ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم وما ءتاكم الرسول فاخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب (الحشر 7)}، وقوله :  {..يسؤلونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين...واعلموا أنما غنمتم من شيء فإن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل إن كنتم ءامنتم بالله وما أنزل على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان والله على كل شيء قدير(الأنفال 1 و41)}، فالرسول عندما يقسم الفيء، ويجعل خمسه للمحتاجين، فهنا ينبغي طاعته، لأنه يطبق شرع الله لذلك قال سبحانه "وما ءتاكم الرسول فاخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا"، أي ما أتاكم من الفيء والغنائم فاخذوه وما نهاكم عنه (اي حقوق المحتاجين)، فانتهوا، كي لا يكون المال متداولا فقط بين الأغنياء (كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم)، و بعض الصحابة المنافقين كانوا يلمزون الرسول (أي لا يرضون بقضاءه) في الصدقات يقول سبحانه : {..ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون، ولو أنهم رضوا ما ءاتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون، إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم.....ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدا فيها ذلك الخزي العظيم(التوبة 58 الى 63)}.

 * كذلك فالله سبحانه حدد الأحكام العامة للمواريث، ونصيب كل وارث، وأمر الرسول بتطبيقها، لذلك فبعد أن فصّل في تلك الأحكام، قال : {..تلك حدود الله ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم، ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين(النساء 13 و14)}.

   3 - مظاهر إخلاص الرسول في تبليغ الرسالة :

  لقد اخلص الرسول عليه السلام في تبليغ رسالة ربه، ونفهم ذلك من خلال عدة مظاهر وهي :

  - في كتابة المصحف : حيث دون الرسول كلام الله، كما هو، بحيث حتى التوجيهات الله الخاصة له قد دونها، خاصة المحافظة على مصطح ((قل))، فمثلا ((قل هو الله أحد))، كان بإمكانه أن يدون في القرءان الكريم ((الله أحد)) بدون قل، ولكن بما أنها رسالة الله، فقد حافظ عليها ودونها، كما هي تماما، كما أن العتاب الذي كان يأتيه، من الله فقد دونه في القرءان الكريم.

 - في اتباع الوحي : حيث كان الرسول يتبع ما يوحى اليه من التوجيهات، ولم يكن يفتي من عنده حتى في أبسط الأشياء، حيث كان ينتظر الوحي، لتكون أقوال الرسول من داخل القرءان، وكان مؤمورا بذلك من خلال القرءان الكريم لقوله سبحانه : {..لاَ تُحَرِّك بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَل بِه، إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَه وَقُرْءَانَه، فِاذَا قَرَءْنَاهُ فَاِتَّبِع قُرْءَانَه، ثُمَّ إِنَّا عَلَيْنَا بَيَانَه(القيامة 16 الى 19)}، وقوله في سورة الكهف الآية : {..واتل مَا  أوحَى إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رِبِّكَ لاَ مُبِدِّلِ لِكَلِمَاتِه وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا(الكهف 27)}.

  ومن الأمثلة على التوجهات الربانية للرسول نجد الأيات التالية في قوله سبحانه : {..ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن..(النساء 127)}، وقوله : {..يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة..(النساء 176)}، وقوله : {..يسءلونك ماذا ينفقون قل..}، وقوله : {..يسءلونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير..(البقرة 217)}، وقوله : {..يسءلونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير..(البقرة 219)}، وقوله : {..ويسءلونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير..(البقرة 220)}، وقوله : {..ويسءلونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض..(222)}، وقوله : {..يسءلونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات..(المائدة 4)}، وقوله : {..يسءلونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما علمها عند ربي..(الأعراف 187)}، وقوله : {..يسءلونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول..(الأنفال 1)}، وقوله : {..ويسءلونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا(الإسراء 85)}، وقوله : {..ويسءلونك عن ذي القرنين قل سأتلوا عليكم منه ذكرا..(الكهف 83)}، وقوله : {..ويسءلونك عن الجبال قل ينسفها ربي نسفا(طه 105)}.

  وبعض الأسءلة كانت تتكرر، ويأتي نفس الجواب، كسؤال القوم عن الساعة وموعدها وأحوالها، كما كان يسءله القوم في أبسط الأشياء، كالهلال، ويأتي الجواب من الله سبحانه : {..يسءلونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج..(البقرة 189)}.

  ونقف هنا مع قصة المرأة التي أشتكت للرسول عليه السلام، بسبب تظاهر زوجها عليها (أي نفوره منها في الجماع)، يقول سبحانه : {..قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير، الذين يظاهرون منكم من نسائهم ما هن أمهاتهم أن أمهاتهم إلا الءي ولدنهم وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا وإن الله لعفو غفور، والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا ذلكم توعظون به والله بما تعملون والله بما تعلمون خبير، فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا ذلك لتؤمنوا بالله ورسوله وتلك حدود الله وللكافرين عذاب أليم(المجادلة 1 الى 4)}، فالعقوبات التي وضعها الله سبحانه في هذه الآيات لمن يظاهر زوجته، لم يفتي بها الرسول من عنده لأنه لم يكن يعلم بها، ولا شك أن الرسول قبل نزول الآيات قام بتوجيه المرأة ونصحها ويبقي ذلك رأيه الخاص، فهو لم يفتي بالعقوبات الى أن نزلت الآيات البينات ووضحتها.

   4 - مظاهر القدوة للرسول في تطبيق الرسالـة :

  الرسول عليه السلام بما أنه كان يتبع الوحي، فهو القدوة الحسنة للمسلمين في تطبيق ذلك الوحي، ومظاهر القدوة للرسول واضحة في القرءان الكريم، والله سبحانه وتعالى قال لنا "لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة"، وليس سنة حسنة فالرسول عليه السلام، كان يتبع الوحي باعتباره هو بدوره المخاطب به، وليس مصدرا مستقلا في التشريع بجانب الله.

  - كيف كان الرسل السابقون قدوة للنبي :

  * الله سبحانه قد أمر الرسول عليه السلام، بالإقتداء بهدى الرسل السابقون، أي السير على نهجهم وطريقهم المستقيم، يقول سبحانه : {..وتلك حجتنا ءاتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ربك حكيم عليم، ووهبنا له اسحاق ويعقوب كلا هدينا ونوحا هدينا من قبل ومن ذريته داوود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين، وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كل من الصالحين، وإسماعيل واليسع ويونس ولوطا وكلا فضلنا على العالمين، ومن ءاباءهم وذريتهم وإخوانهم واجتبيناهم وهديناهم الى صراط مستقيم، ذلك هدى الله يهدي به من يشاء من عباده ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون، أولئك الذين ءاتيناهم الكتاب والحكم والنبوة فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين، أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده..(الأنعام  83 الى 90)}.

 * كما أمره الله سبحانه وتعالى بأن يصبر في تبليغ رسالة الله، كما صبر أولوا العزم من الرسل، ولا يفعل كما فعل قيلي العزم منهم، يقول سبحانه : {..فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل ولا تستعجل لهم كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار بالغ فهل يهلك إلا القوم الفاسقون(الأحقاف 35)}، كما يقول سبحانه : {..فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت إذ نادى وهو مكظوم(القلم 48)}.

 * والرسل السابقون عليهم السلام، لم يكونوا قدوة للرسول فحسب بل هم قدوة لجميع المؤمنين في الهدايا والإيمان بالله وحده، وعدم مولات الكفار المعتدين سلوكيا، الذين يقاتلون الناس في الدين، ويخرجوهم من ديارهم، يقول سبحانه : {..لقد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برءؤا منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك وما أملك لك من اللله من شيء ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير، ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا واغفر لنا ربنا إنك أنت العزيز الحكيم، لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة لمن كان يرجوا الله واليوم الءاخر ومن يتول فإن الله هو الغني الحميد، عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة والله قدير والله غفور رحيم (الممتحنة 4 الى 6)}.

  - مظاهر قدوة الرسول عليه السلام :

 يقول سبحانه : {..لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجوا الله واليوم الءاخر وذكر الله كثيرا(الأحزاب 21)}، فالآية واضحة هنا، في أن الرسول قدوة للمؤمنين، في طريق الهدايا والالتزام بالأحكام والتشريعات الإلهية، وليس بمعنى مصدرا مستقلا في التشريع، وليس بمعنى اتباع الرسول في كل صغيرة وكبيرة، وشكله ومظهره وفلسفته في الحياة كطريقة لباسه ومشيه وكيفية دخوله لدورة المياه، ...الخ، فهذا يسمى غلوا في الدين، وبالتالي ليس اتباع الرسول في الرسالة وانما والهوس واتباعه في شخصه (كما فعل المسحيين لعيسى عليه السلام).

  ومن مظاهر القدوة الحسنة للرسول عليه السلام، نجد :

- في الإيمان والهدايا : يقول سبحانه : {..ءَامَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلِ إِليْهِ مِن رَبِّهِ وَالمُؤْمِنُونَ كُلُّ ءَامَنَ بِالله وَمَلَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفِرِّق بَيْنَ أَحَدٍ مِن رُسُلِهِ وَقاَلُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ المَصِير(البقرة 285)}.

- في قيام الليل : يقول سبحانه : {..إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَم أَنَّكَ تَقُوم أَدْنَى مِن ثُلُثَي الَّيْلِ و نِصْفِهِ وَ ثُلُثِهِ وَطِائِفَةً مِنَ الَّذِينَ مَعَك..(المزمل 20)}.

- في الصبر والتوكل على الله : يقول سبحانه : {..إِذ تَقُول لِلمُؤْمِنِينَ أَلَن يَكْفِيَكُم أَن يَمُدُّكُم رَبُّكُم بِثَلاَثَة ءَالَفِ مِنَ المَلاَئِكَةِ مُنْزِلِينَ (آل عمران 124)}.

 - في المجاهدة ومحاربة المعتدين : يقول سبحانه : {..لكن الرسول والذين ءامنوا معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم وأولئك لهم الخيرات وأولئك هم المفلحون(التوبة 88)}.

صدق الله العظيم على ايات القرءان الكريم.

ربنا لا تؤاخذنا ان اخطأنا او نسينا.

ذ.يوسف ترناصت.

باحث في الثراث الإسلامي.

اجمالي القراءات 293

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2020-04-05
مقالات منشورة : 21
اجمالي القراءات : 11,820
تعليقات له : 19
تعليقات عليه : 24
بلد الميلاد : Morocco
بلد الاقامة : Morocco