معدل:
موقف القرءان الكريم من تحريف الكتب المقدسة

يوسف ترناصت في الخميس 23 يوليو 2020


   من خلال تدبر القرءان الكريم وتفحص معانيه بدقة نجد فيه العديد من الحقائق التي تغير افكارنا ونظـرتنا حول الكثير من الامور والقضايا الجدلية، ومن هذه القضايا نجد قضية تحريف التوراة والانجيل حيث كثيرا ما نسمع ان التوراة والإنجيل كتب محرفة، فما هو اذن موقف القرءان الكريم من هذه المسألة ؟ وما معنى التحريف ؟.

     ان القرءان الكريم نفسه توجد به آيات كثيرة تؤكد وبشكل قطعي ان الكتب السماوية السابقة، هي كتب غير محرفة حفظها الله سبحانه كما حفظ القرءان الكريم، لكن رجال الدين اليهودي ورجال الدين النصراني كانوا يكتمون اياتها ويحرفون معانيها ويسترزقون من ذلك بسبب جهل الكثير من الناس بالكتاب، كما ان اتباع الدين اليهودي قد تركوا وهجروا التوراة، وان اتباع الدين النصراني قد هجروا وتركوا بدورهم الإنجيل، وحيث جاءت آيات القرءان الكريم لتلزم أهل الكتاب بتبيان وتجلية ايات التوراة والانجيل للناس وعدم كتمانها وعدم اتخاذها تجارة ربوح لأنه كان لرجال الدين (الأحبار والرهابنة) اطروحات يدافعون عنها وبسبب الخوف من بور تجارتهم كانوا يكتمون ايات التوراة والإنجيل على حساب اطروحاتهم المنافية لمقاصد الإله العليا، يقول سبحانه {..يَأَهْلَ الكِتَابِ قَد جَاءَكُم رَسُولُنَا يُبَيِّن لَكُم كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُم تَخْفُونَ مِنَ الكِتَابِ وَيَعْفُوا عَن كَثِير قَد جَاءَكُم مِن الله نُورٌ وَكِتَابٍ مُبِينٍ، يَهْدِي بِه الله مَن اِتّبَعَ رِضْوَانَه سُبُلَ السّلاَمِ وَيُخْرِجَهُم مِنَ الظُلُمَاتِ اِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِم اِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ(المائدة 15 و16)}، وقد وعد الله سبحانه تجار الدين الذين يكتمون ويخفون عن الناس ما انزله الله عليهم بأشد العذاب حيث يقول سبحانه وتعالى {..إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمنا قليلا أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار ولا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم، أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة فما أصبرهم على النار، ذلك بأن الله نزل الكتاب بالحق وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد (البقرة 174 الى 176)}.

  - من هم أولا أهل الكتاب وما الفرق بينهم وبين الأميين :

      في القرءان الكريم هناك فرق بين أهل الكتاب وبين الأميين، فأهل الكتاب هم كل طائفة من اتباع رسول معين، كأتباع موسى او اتباع عيسى او اتباع يحيى..، ويقصد بهم الله سبحانه على وجه الخصوص اتباع موسى واتباع عيسى، اما الأميين فهم الذين لا يعرفون عن كتاب الله (الكتب السماوية) شيئا وليسوا من اتباع رسول معين.

      وقد جاء النبي محمد عليه السلام برسالته للناس جميعا سواء لاهل الكتاب او للاميين، يقول سبحانه لرسوله الكريم {..قل يأيها الناس اني رسول الله اليكم جميعا الذي له ملك السموات والارض لا اله الا هو يحي ويميت فءامنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلمته واتبعوه لعلكم تهتدون(الاعراف 158)}، ثم جاءت الآيات  بعد ذلك لتمييز بين اهل الكتاب والأميين يقول سبحانه وتعالى عن كفار اهل الكتاب {..إن الدين عند الله الإسلام وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ومن يكفر بءايات الله فان الله سريع الحساب، فان حاجوك فقل اسلمت وجهي لله ومن اتبعن} ثم يقول سبحانه { وقل للذين اوتوا الكتاب والأميين ءأسلمتم  فان أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك البلاغ والله بصير بالعباد.....ألم تر الى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون الى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون(آل عمران)}.

     وقد جاء الرسول محمد عليه السلام برسالته لأهل الكتاب من أجل التوضيح لهم ما كانوا يكتمون ويخفون عن الناس من الكتاب (سواء التوراة او الانجيل) ويبين لهم ويفصل في اختلافاتهم من اجل توحيد كلمة الله، كما جاء للتخفيف عنهم من الكثير من الأعباء والتكاليف التي وضعوا لانفسهم من خلال تحريف معاني الكتاب وتأليف أقوال أخرى نسبت للوحي (من خلال التعاليم الشفوية لموسى وعيسى)، فأنزلوها منزلة الوحي الإلاهي كما فعل المسلمون بعد فجر الاسلام حيث نسبوا لمحمد الكثير من الأقوال بحجة انه لا ينطق عن الهوا، يقول سبحانه عن اهل الكتاب {..يأهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفوا عن كثير قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين}، ويقول سبحانه عن بعضهم {..الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم اصرهم والأغلال التي كانت عليهمفالذين ءامنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي انزل معه أولئك هم المفلحون(الأعراف 157)}.

     والأمية بمعنى الجهل بالكتاب السماوي لم يسلم منها حتى أهل الكتاب انفسهم حيث كان البعض منهم ولا نقول كلهم (وقد وصفهم الله سبحانه - بالذين اوتوا نصيبا من الكتاب)، كانوا يتبعون ما صنعه البشر من اقوال التي نسبت زورا للوحي الإلهي وكانت مستقلة عن التوراة والانجيل ككتب سماوية (ككتاب التلمود)، يقول سبحانه : {..ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني وإن هم إلا يظنون، فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون(البقرة 78 و79)}، وهذا ما وقع للمسلمون بعد فجر الإسلام بقليل وبعد انتقال الرسول الكريم الى الرفيق الأعلى حيث تم تدوين الأحاديث ونسبت زورا للنبي واعتبروها في حكم الوحي الإلهي وهذه العادة البشرية السيئة نجدها في كل الأديان، وقد أشار الى ذلك القرءان الكريم في قول المولى عز وجل {..وكذلك جعلنا لكي نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم الى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون، ولتصغى اليه افئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون، أفغير الله أبتغي حكما وهو الذي أنزل اليكم الكتاب مفصلا والذين ءاتيناهم الكتاب يعلمون انه منزل من ربك بالحق فلا تكونن من الممترين، وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم، وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون(الانعام 122 الى 116).

     والرسول محمد عليه السلام لم يكن من اتباع رسول معين، بل كان من الأميين ايضا ودليلنا على ذلك قول المولى عز وجل {..هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين(الجمعة 2)}، فالأميين كانوا في ضلال وجهل كبير وكانوا يعبدون الأصنام من البشر والحجر ولم يكونوا يعرفون عن الكتب الإلهية السابقة شيئا، لكن النبي كان يمتاز عنهم بالحكمة والرزانة، فلما جاءه الوحي اتهموه تارة بالجنون وتارة أخرى بالسحر وبالشعر، وكانوا يطالبونه بشيء آخر غير القرءان حتى يتماشى مع أهواءهم يقول سبحانه وتعالى {..واذا تتلى عليهم ءاياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرءان غير هذا او بدله قل ما يكون لي ان ابدله من تلقاء نفسي ان اتبع الا ما يوحى الي اني اخاف ان عصيت ربي عذاب يوم عظيم، قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم عمرا من قبله افلا تعقلون، فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بءاياته انه لا يفلح المجرمون، ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل أتنبءون الله بما لا يعلم في السموات ولا في الأرض سبحانه وتعالى عما يشركون(يونس 15 الى 18)}.

     فالرسول عليه السلام لم يكن من أهل الكتاب، لذا اختاره الله لحكمة يعلمها هو يقول سبحانه {..وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدى إلى صراط مستقيم(الشورة 56)}، فالنبي محمد لم يكن كتابيا بل كان يجهل تماما بالكتب والرسالات السابقة، فلما بعثه الله سبحانه نبيا ورسولا صدّق بنبوته ورسالته من صدّق سواء من من الكتابيين او الأميين وما كفر بنبوته ورسالته الا الكافرون يقول سبحانه {..وكذلك أنزلنا إليك الكتاب فالذين ءاتيناهم الكتاب يؤمنون به ومن هؤلاء من يؤمن به وما يجحد بآياتنا إلا الكافرون، وما كنت تتلوا من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لاتاب المبطلون، بل هو ءايات بينات في صدور الذين أوتوا العلم وما يجحد بءاياتنا إلا الظالمون (العنكبوت 47 الى 49)}.

     والقرءان الكريم كان يحث الأميين الغير المؤمنين بأن يسألوا أهل الكتاب (اليهود والنصارى) عن الأنبياء والوحي الإلهي، وبما ان التوراة والانجيل غير محرفة فالله يرشدهم اليها للتأكد من حقيقة بعث الله للأنبياء والرسل وانه قد تم الإيحاء اليهم، يقول سبحانه {..وَمَاۤ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ إِلَّا رِجَالا نُّوحِیۤ إِلَیۡهِمۡۖ فَسۡـَٔلُوۤا۟ أَهۡلَ ٱلذِّكۡرِ إِن كُنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ، بِٱلۡبَیِّنَـٰتِ وَٱلزُّبُرِۗ وَأَنزَلۡنَاۤ إِلَیۡكَ ٱلذِّكۡرَ لِتُبَیِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَیۡهِمۡ وَلَعَلَّهُمۡ یَتَفَكَّرُونَ (النحل 43 و 44)}، ويقول ايضا {..وَمَاۤ أَرۡسَلۡنَا قَبۡلَكَ إِلَّا رِجَالا نُّوحِیۤ إِلَیۡهِمۡۖ فَسۡـَٔلُوۤا۟ أَهۡلَ ٱلذِّكۡرِ إِن كُنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ(الأنبياء 7)}، بل ان الله سبحانه كان يحث محمدا نفسه (باعتباره من الأميين ولم يكن يعرف عن الوحي الإلهي شيئا) بأن يتعلم من مؤمني أهل الكتاب (اليهود والنصارى)، اي بمعنى ان التوراة والأنجيل كانت مصادر معرفتهم وايمانهم وهدايتهم للطريق المستقيم وانها صحيحة وخالية من التحريف يقول سبحانه {..فَإِن كُنتَ فِی شَكّ مِّمَّاۤ أَنزَلۡنَاۤ إِلَیۡكَ فَسۡـَٔلِ ٱلَّذِینَ یَقۡرَءُونَ ٱلۡكِتَـٰبَ مِن قَبۡلِكَۚلَقَدۡ جَاۤءَكَ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡمُمۡتَرِینَ (يونس 94)}.

     لكن المعركة التي كانت بين النبي وأهل الكتاب، هي نكران طائفة منهم لنبوة محمد ورسالته، مع العلم ان التبشير بنبوته جاء في التوراة والانجيل يقول سبحانه وتعالى {..وَإِذۡ قَالَ عِیسَى ٱبۡنُ مَرۡیَمَ یَـٰبَنِیۤ إِسۡرَ ءِیلَ إِنِّی رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَیۡكُم مُّصَدِّقا لِّمَا بَیۡنَ یَدَیَّ مِنَ ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَمُبَشِّرَۢا بِرَسُولیَأۡتِی مِنۢ بَعۡدِی ٱسۡمُهُۥۤ أَحۡمَدُۖ فَلَمَّا جَاۤءَهُم بِٱلۡبَیِّنَـٰتِ قَالُوا۟ هَـٰذَا سِحۡرمُّبِین(الصف 6)}، وقد كان صنف منهم يعلم حقيقة النبوة والرسالة التي جاء بها خاتم النبيين، لكن كانوا يكتمون الحق مع علمهم بذلك ولما جاءهم الرسول الذي تنبأت به التوارة والإنجيل اخفوا هذه الكتب وتصرفوا على انهم لا يعلمون عن الرسول محمد شيئا حيث يقول سبحانه وتعالى فيهم {..وَلَمَّا جَاۤءَهُمۡ رَسُولمِّنۡ عِندِ ٱللَّهِ مُصَدِّقلِّمَا مَعَهُمۡ نَبَذَ فَرِیقمِّنَ ٱلَّذِینَ أُوتُوا۟ ٱلۡكِتَـٰبَ كِتَـٰبَ ٱللَّهِ وَرَاۤءَ ظُهُورِهِمۡ كَأَنَّهُمۡ لَا یَعۡلَمُونَ(البقرة 101}، ويقول كذلك {..وَمَا قَدَرُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ قَدۡرِهِۦۤ إِذۡ قَالُوا۟ مَاۤ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ بَشَرمِّن شَيۡءقُلۡ مَنۡ أَنزَلَ ٱلۡكِتَـٰبَ ٱلَّذِی جَاۤءَ بِهِۦ مُوسَىٰ نُورا وَهُدى لِّلنَّاسِۖ تَجۡعَلُونَهُۥ قَرَاطِیسَ تُبۡدُونَهَا وَتُخۡفُونَ كَثِیراۖ وَعُلِّمۡتُم مَّا لَمۡ تَعۡلَمُوۤا۟ أَنتُمۡ وَلَاۤ ءَابَاۤؤُكُمۡۖ قُلِ ٱللَّهُۖ ثُمَّ ذَرۡهُمۡ فِی خَوۡضِهِمۡ یَلۡعَبُونَ(الانعام 91)}، ومنهم من انحرف تماما  فوصفهم الله سبحانه بالكفر (كفار اهل الكتاب) لأنهم فرقوا بين الرسل حيث يقول سبحانه {..ان الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون ان يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون ان يتخذوا بين ذلك سبيلا، أولئك هم الكافرون حقا وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا(النساء 151 و152)}.

     وفي المقابل كان من أهل الكتاب من آمن وصدق بنبوة محمد عليه السلام فاستحقوا بذلك الثناء من الله عز وجل حيث يقول سبحانه {..الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم اصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين ءامنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي انزل معه أولئك هم المفلحون(الأعراف 157)}، ويقول سبحانه كذلك {..وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل اليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله لا يشترون بءايات الله ثمنا قليلا أولئك لهم أجرهم عند ربهم إن الله سريع الحساب(آل عمران 199)}.

     وبسبب أن الكثير من أهل الكتاب كانوا يعتقدون انهم هم النخبة والفرقة الناجية باعتقادهم انهم شعب الله المختار، {..وَقَالَتِ ٱلۡیَهُودُ وَٱلنَّصَـٰرَىٰ نَحۡنُ أَبۡنَـٰۤؤُا۟ ٱللَّهِ وَأَحِبَّـٰۤؤُهُۥۚ قُلۡ فَلِمَ یُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُمۖ بَلۡ أَنتُم بَشَرمِّمَّنۡ خَلَقَۚ یَغۡفِرُ لِمَن یَشَاۤءُ وَیُعَذِّبُ مَن یَشَاۤءُۚ وَلِلَّهِ مُلۡكُ ٱلسَّمَـٰوَ ٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَیۡنَهُمَاۖ وَإِلَیۡهِ ٱلۡمَصِیرُ(المائدة 18)}.

     وحيث ان اليهود يقولون انه لا أحد سيدخل للجنة الا من كان يهوديا، والنصارى يقولون انه لن يدخل الجنة الا من كان نصرانيا، والآن يقول المسلمون انه لن يدخل الجنة الا من كان مسلما فكل فرقة احتكرت الخلاص لنفسها وحرمت الجنة على الفرق الآخرى يقول الله سبحانه {..وَقَالَتِ ٱلۡیَهُودُ لَیۡسَتِ ٱلنَّصَـٰرَىٰ عَلَىٰ شَیۡءوَقَالَتِ ٱلنَّصَـٰرَىٰ لَیۡسَتِ ٱلۡیَهُودُ عَلَىٰ شَیۡءوَهُمۡ یَتۡلُونَ ٱلۡكِتَـٰبَۗ كَذَ ٰلِكَ قَالَ ٱلَّذِینَ لَا یَعۡلَمُونَ مِثۡلَ قَوۡلِهِمۡۚ فَٱللَّهُیَحۡكُمُ بَیۡنَهُمۡ یَوۡمَ ٱلۡقِیَـٰمَةِ فِیمَا كَانُوا۟ فِیهِ یَخۡتَلِفُونَ(البقرة 113)}، ويقول ايضا {..وَقَالُوا۟ لَن یَدۡخُلَ ٱلۡجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوۡ نَصَـٰرَىٰۗ تِلۡكَ أَمَانِیُّهُمۡۗ قُلۡ هَاتُوا۟ بُرۡهَـٰنَكُمۡ إِن كُنتُمۡ صَـٰدِقِینَ، بَلَىٰۚ مَنۡ أَسۡلَمَ وَجۡهَهُۥ لِلَّهِ وَهُوَ مُحۡسِنفَلَهُۥۤ أَجۡرُهُۥ عِندَ رَبِّهِۦ وَلَا خَوۡفٌ عَلَیۡهِمۡ وَلَا هُمۡ یَحۡزَنُونَ(البقرة 111 و 112)}، لذلك فالله سبحانه العادل في قضاءه وأحكامه لا يميز بين الملل والفرق الدينية والجنة لن يدخلها الا من أسلم وجهه لله حنيفا وعمل عملا صالحا سواء أكان من اتباع الديانة اليهودية او من اتباع الديانة النصرانية او من اتباع الديانة الإسلامية او اي ديانة اخرى موحدة لله يقول سبحانه {..إِنَّ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ وَٱلَّذِینَ هَادُوا۟ وَٱلنَّصَـٰرَىٰ وَٱلصَّـٰبِـِٔینَ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡیَوۡمِ ٱلۡـَٔاخِرِ وَعَمِلَ صَـٰلِحا فَلَهُمۡ أَجۡرُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ وَلَا خَوۡفٌ عَلَیۡهِمۡ وَلَا هُمۡ یَحۡزَنُونَ(البقرة 62)}، ويقول ايضا في موضع آخر {..إِنَّ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ وَٱلَّذِینَ هَادُوا۟ وَٱلصَّـٰبِـُٔونَ وَٱلنَّصَـٰرَىٰ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡیَوۡمِ ٱلۡـَٔاخِرِ وَعَمِلَ صَـٰلِحا فَلَا خَوۡفٌ عَلَیۡهِمۡ وَلَا هُمۡ یَحۡزَنُونَ(المائدة 69)}.

     وهذا الجدال لم يكن قائما فيما بين اليهود بل كان قائما بينهم (بعضهم طبعا) وبين من آمن من الأميين (غير الكتابيين) برسالة ونبوة محمد عليه السلام حيث يقول سبحانه {..وَقَالُوا۟ كُونُوا۟ هُودًا أَوۡ نَصَـٰرَىٰ تَهۡتَدُوا۟ۗ قُلۡ بَلۡ مِلَّةَ إِبۡرَ ٰهِـۧمَ حَنِیفاۖ وَمَا كَانَ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِینَ(البقرة 135)}، وبسبب النزعة العنصرية التي كانت عندهم وانهم شعب الله المختار فقد كانوا يضطهدون ويحابون ويتعاملون بأسوء المعاملات مع كل من آمن بمحمد من الأميين يقول سبحانه في موقف من مواقفهم {..وَمِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَـٰبِ مَنۡ إِن تَأۡمَنۡهُ بِقِنطَاریُؤَدِّهِۦۤ إِلَیۡكَ وَمِنۡهُم مَّنۡ إِن تَأۡمَنۡهُ بِدِینَارلَّا یُؤَدِّهِۦۤ إِلَیۡكَ إِلَّا مَا دُمۡتَ عَلَیۡهِ قَاۤئِماۗ ذَ ٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَالُوا۟ لَیۡسَ عَلَیۡنَا فِی ٱلۡأُمِّیِّـۧنَ سَبِیلوَیَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَ وَهُمۡ یَعۡلَمُونَ(آل عمران 75)}.

     وكل الكلام الذي سبق ان قيل ليس معناه ان أهل الكتاب ليسوا على دين الحق بل بسبب انهم نبذوا الصراط وفرطوا في التوراة والإنجيل كلام الله وتركوه واتبعوا كلام واقوال البشر فاصبحوا على ملة غير التي ارتضاها الله سبحانه، حيث انهم قد زعموا انهم شعب الله المختار، وانهم لا يدخلون النار الا أياما معدودات..الى غير ذلك من الأمنيات التي لا وجود لها أصلا في كتبهم المقدسة، بل الله سبحانه وتعالى قد نعى عليهم بأنهم تركوا التوراة والإنجيل حيث يقول سبحانه {..قل يأهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيلوما أنزل إليكم من ربكم..(المائدة 68)}، لكن حيث انه في المقابل هناك من أهل الكتاب من يلتزم بتعاليم التوراة والإنجيل ويطبقها في حياته وفي علاقته بالآخرين، يقول سبحانه {..لَیۡسُوا۟ سَوَاۤءۗ مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَـٰبِ أُمَّةقَاۤئِمَةیَتۡلُونَ ءَایَـٰتِ ٱللَّهِ ءَانَاۤءَ ٱلَّیۡلِ وَهُمۡ یَسۡجُدُونَ(آل عمران 113)}،ويقول سبحانه {..وَلَوۡ ءَامَنَ أَهۡلُ ٱلۡكِتَـٰبِ لَكَانَ خَیۡرا لَّهُمۚ مِّنۡهُمُ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَأَكۡثَرُهُمُ ٱلۡفَـٰسِقُونَ(آل عمران 110)}، {..وَإِنَّ مِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَـٰبِ لَمَن یُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَمَاۤ أُنزِلَ إِلَیۡكُمۡ وَمَاۤ أُنزِلَ إِلَیۡهِمۡ خَـٰشِعِینَ لِلَّهِ لَا یَشۡتَرُونَ بِـَٔایَـٰتِ ٱللَّهِ ثَمَنا قَلِیلًاۚ أُو۟لَـٰۤىِٕكَ لَهُمۡ أَجۡرُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِیعُ ٱلۡحِسَابِ(آل عمران 199)}،

  - مـا معنـى التحريـف ؟

     التحريف في القرءان الكريم جاء بمعنى تحوير مبتغى الله من الءية الكريمة الى معنى آخر يليق بتصور المحرف، فهو ليس محو ءاية وكتابة اخرى مكانها، بل التلاعب بالألفاظ وحملها على غير محملها، ويكون تحريفا كذلك كل كتابة يكتبها البشر وينسبها لنبي معين بحجة انها وحي كذلك.

     فأما التحريف الأول فقد جاءت فيه ءايات كثيرة، عن أهل الكتاب منها قوله تعالى {..وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون(آل عمران 78)}، فهم كانوا يحرفون معاني الآيات ومقاصدها، ويقول سبحانه كذلك عن بعض اهل الكتاب {..أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون(البقرة 75)}.

     أما التحريف الثاني بمعنى كتابة أقوال تضاهي الوحي الإلاهي فيقول سبحانه {..ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب الا أماني وان هم الا يظنون، فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون(البقرة 78 و79)}، فهم اخترعوا اقوالا ونسبوها للوحي وترسخت في عقائدهم على مئات السنين ودونوها في كتب (ككتاب التلمود - التعاليم الشفوية لموسى) وقد اختلوا في مدى صحتها وهي كلها قائمة على الظن لا يمكن ان ترقى الى درجة اليقين الذي جاء به الكتاب السماوي، ومن الأماني التي أخترعوها انه من يدخل للنار سيخرج منها، حيث تعامل الكثير منهم على هذا الأساس ففعل ما فعل واقترف ما اقترف بحجة انه سيخرج من النار فغرهم في دينهم ما كانوا يفترون، يقول سبحانه {..أَلَم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون الى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريقا منهم وهم معرضون، ذلك بأنه قالوا لن تمسنا النار الا أياما معدودات وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون(آل عمران 23 و24)}

  - والآن هـل الكتـب المقدسـة محرفـة كما يقولون ؟

     ان كثيرا من اتباع موسى وكثيرا من اتباع عيسى قد نبذوا الصراط  وتركوا كتاب الله وراء ظهورهم، وكان كثيرا منهم يدرسون كتاب الله ولا يعملون به، يقول سبحانه عن بعض اليهود وهم الأكثرية {..مَثَل الَّذِينَ حُمِّلُوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا بئس مثل القوم الذين كذبوا بءايات الله والله لا يهدي القوم الظالمين(الجمعة 5)}.

     التوراة والإنجيل ككتب سماوية هي كتب غير محرفة ومنزهة عن كل تحريف، وكان الله سبحانه يطالب أهل الكتاب بالتمسك بكتبهم والعمل بها فكيف يطالبهم بذلك وكتبهم محرفة، يقول سبحانه وتعالى {..قل يأهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيلوما أنزل إليكم من ربكم..(المائدة 68)}، ويقول سبحانه {..ولو أنهم أقاموا التوراة والانجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم منهم أمة مقتصدة وكثير منهم ساء ما يعملون(المائدة 66)}، ويقول سبحانه على أهل الإنجيل {..وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيهومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون(المائدة 47)}، فكيف يحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه وهو محرف أيعقل هذا الكلام ؟؟؟؟؟.

     وقد كان الرسول يفصل في النزاعات التي تقع بين بعض اهل الكتاب فيما بينهم، وقد أمره الله سبحانه ان يحكم بينهم بالقسط، الذي جاء به التوراة والإنجيل الذي اتخذوه مهجورا، يقول سبحانه {..سماعون للكذب أكلون للسحت فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيءا وان حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين، وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله ثم يتولون من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين، إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا بءاياتي ثمنا قليلا ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون(المائدة 42 الى 44)}.

     والدليل كذلك على صحة التوراة قول المولى عز وجل {..كل الطعام كان حلا لبني اسراءيل الا ما حرم اسراءيل على نفسه من قبل ان تنزل التوراة قل فأتوا بالتوراة فاتلوها ان كنتم صادقين(ال عمران 93)}، فكيف يأمرهم الله بأن يأتوا بالتوراة ويتلونها وهي محرفة ؟؟؟؟.

     والقرءان الكريم جاء مصدقا لما في التوراة والإنجيل، أي ان التوراة والإنجيل غير محرفة وان القرءان جاء ليؤكد على صدق نبوة النبي محمد ورسالته من خلال الإشارة الى نفس التعاليم والوصايا والتشريعات الموجودة في التوراة والإنجيل بالإضافة الى نبوته المشار اليها في تلك الكتب، وأهل الكتاب كانوا مطالبين فقط بالإيمان بنبوة محمد ورسالته مع بقاءهم في ملتهم (طقوسهم وطريقة عباداتهم)، يقول سبحانه {..يا بني اسرائيل اذكروا نعمتي التي انعمت عليكم وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم وإيي فارهبون، وءامنوا بما أنزلت مصدقا لما معكم ولا تكونوا أول كافر به ولا تشتروا بءاياتي ثمنا قليلا وإيي فاتقون(البقرة 40 و41)}، ويقول سبحانه أيضا {..وإذا قيل لهم ءامنوا بما أنزل الله قالوا نؤمن بما أنزل علينا ويكفرون بما وراءه وهو الحق مصدقا لما معهم قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين(البقرة 91)}، (معنى لما معهم اي لما معهم من التوراة حيث ان الكلام على بني اسرائيل)، ويقول سبحانه كذلك {..يأيها الذين أوتوا الكتاب ءامنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت وكان أمر الله مفعولا(النساء 47)}.

     وقضية الكفر بنبوة ورسالة محمد من بعض أهل الكتاب، فهي ليست بقضية جديدة، فقد أرسل الله من قبله عيسى على بني اسراءيل واتاهم بالإنجيل مصدقا لما معهم من التوراة أي اتاهم بكتاب به نفس التعاليم الموجودة في التوراة الغير المحرفة فكفروا بنبوة عيسى ورسالته (باستثناء الحواريين)، يقول سبحانه {..وإذ قال عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوارة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد فلما جاءهم بالبينات قالوا هذا سحر مبين(الصف 6)}، ويقول سبحانه كذلك {..وَقَفَّیۡنَا عَلَىٰۤ ءَاثَـٰرِهِم بِعِیسَى ٱبۡنِ مَرۡیَمَ مُصَدِّقا لِّمَا بَیۡنَ یَدَیۡهِ مِنَ ٱلتَّوۡرَىٰةِۖ وَءَاتَیۡنَـٰهُ ٱلۡإِنجِیلَ فِیهِ هُدى وَنُور وَمُصَدِّقا لِّمَا بَیۡنَ یَدَیۡهِ مِنَ ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَهُدى وَمَوۡعِظَةلِّلۡمُتَّقِینَ(المائدة 46)}، فالله سبحانه وتعالى يقول بان النبي عيسى عليه السلام جاء مصدقا لما بين يدي التوراة أي ان التوراة كانت موجودة في عهده وجاء ليبين لهم ما فيه لأن بني اسرائيل قد تركوه وراء جانبا ولم يعملوا به.

     وقد أشارة القرءان الكريم الى بعد ايات التوراة والانجيل وضمها في القرءان الكريم وهي كثيرة ومنها نبوة محمد عليه السلام حيث ان التوراة والانجيل قد اشار الى نبوته اسما ورمزا ففي التوراة نجد قول الله في سفر أشعيا "وما أعطيه لا أعطيه لغيره، أحمد يحمد الله حمداً حديثاً، يأتي من أفضل الأرض، فتفرح به البَرّية وسكانها، ويوحدون الله على كل شرف، ويعظمونه على كل رابية".،ويقول كذلك في سفر حبقوق الإصحاح الثالث"وامتلأت الأرض من تحميد أحمد، ملك بيمينه رقاب الأمم"، وجاء كذلك في سفر أشعيا  " إني جعلت اسمك محمداً، يا محمد يا قدوس الرب، اسمك موجود من الأبد"،وجاء في سفر التكوين(الإصحاح 49/10) :"لا يزول صولجان من يهوذا أو مشترع من قدميه حتى يأتي شيلوه وله يكون خضوع الشعوب"، وجاء كذلك فى سفر التثنية من العهد القديم على لسان نبي الله موسى مخاطبًا قومه قائلا لهم : (تثنية 18/15 - 20) : "يقيم لك الرب إلهك : نبيًا من وسطك، من إخوتك، مثلى، له تسمعون، حسب كل ما طلعت من الرب إلهك فى حوريب يوم الاجتماع قائلا: لا أعود أسمع صوت الرب إلهي ولا أرى هذه النار العظيمة أيضا لئلا أموت، قال لي الرب : قد أحسنوا فيما تكلموا، أقيم لهم نبيًا من وسط إخوتهم مثلك وأجعل كلامي في فمه فيكلمهم بكل ما أوصيه به، ويكون أن الإنسان الذي لا يسمع لكلامي الذي يتكلم به باسمي أنا أطالبه، وأما النبي الذي يطغى فيتكلم باسمي كلاما لم أوصه أن يتكلم به أو الذي يتكلم باسم آلهة أخرى فيموت ذلك النبي".

     وفي الإنجيل توجد دلالات رمزية على نبوة محمد، حيث ورد في انجيل يوحنا الإصحاح (6-27) "لا تسعوا وراء الطعام الفاني بل وراء الطعام الباقي إلى الحياة الأبدية، والذي يعطيكم إياه ابن الإنسان لأن هذا قد وضع الله ختمه عليه"، كما جاء في الإنجيل نفسه في قول النبي عيسى عليه السلام "إن لي أمورًا كثيرة أيضا لأقول لكم ولكن لا تستطيعون أن تحتملوا الآن، وأما متى جاء ذاك روح الحق فهو يرشدكم إلى جميع الحق لأنه لا يتكلم من نفسه بل كل ما يسمع يتكلم به ويخبركم بأمور آتية، ذاك يمجدني لأنه يأخذ مما لى ويخبركم"، وجاء في سفر الرؤيا "ثم رأيت السماء مفتوحة ، وإذا حصان أبيض يسمى راكبه باسم (الصادق الأمين) الذي يقضي ويحارب بالعدل"،

     ويسمي اليهود محمد بمحمديم (اي محمد العظيم) حيث جاء في أنشودة عبرية "حِكو مَمْتَكيم فِكلّو محمديم زيه دُودي فَزيه ريعي"، وترجمتها باللغة العربية تعني "كلامه أحلى الكلام إنه محمد العظيم هذا حبيبي وهذا خليلي".

     وقد اشار القرءان الكريم الى الكثير من الآيات الموجودة في التوراة والإنجيل، ونخص بالذكر الآية 45 من سورة المائدة التي جاء فيها {..وَكَتَبۡنَا عَلَیۡهِمۡ فِیهَاۤ أَنَّ ٱلنَّفۡسَ بِٱلنَّفۡسِ وَٱلۡعَیۡنَ بِٱلۡعَیۡنِ وَٱلۡأَنفَ بِٱلۡأَنفِ وَٱلۡأُذُنَ بِٱلۡأُذُنِ وَٱلسِّنَّ بِٱلسِّنِّ وَٱلۡجُرُوحَ قِصَاصۚفَمَن تَصَدَّقَ بِهِۦ فَهُوَ كَفَّارَةلَّهُۥۚ وَمَن لَّمۡ یَحۡكُم بِمَاۤ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُو۟لَـٰۤىِٕكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ}، فهذه الأية نجد ما يقابلها في الإصحاح (23-25) من سفر الخروج "وَاِنْ حَصَلَتْ أَذِيَّةٌ تُعْطِي نَفْسًا بَنَفْسٍ وَعَيْنًا بَعَيْنٍ وَسِنَّا بِسِنِّ وَيَدًا بِيَدٍ وَرِجْلاً بِرِجْلٍ وَكَيَّا بِكَيٍّ وَجُرْحًا بِجُرْحٍ وَرَضًّا بِرَضِّ".

     كما ان القراءن الكريم يقتبس من الكتاب المقدس (التوراة والانجيل) ويستشهد به كقوله تعالى {..ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون(الأنبياء 105)}"، وهو كلام نجد في سفر مزمور الاية 29 "الصديقون يرثون الأرض ويسكنونها إلى الأبد".

     ويتفق القرءان الكريم مع التوراة والإنجيل في الوصايا العظمى وفي تحديد المحرمات، ولم يثبت في الإنجيل ان عيسى ابن الله او قول مباشر منه بأن يتخذوه الاها حيث ان هناك اربعة اناجيل فقط معتمدة (وهي انجيل متى ولوقا ومرقس ويوحنا) وكل هذه الاناجيل الاربعة المعتمدة يدعو فيها عيسى المسيح بوحدانية الله -إنجيل متى الإصحاح 4 : 10 من أقوال المسيح عليه السلام : -" للرب إلهك تسجد وإياه وحده تعبد، - إنجيل متى الإصحاح 6 : 24 من أقوال المسيح عليه السلام : -" لا يقدر أحد أن يخدم سيدين"، -إنجيل متى الإصحاح 19 : 17 + إنجيل مرقس الإصحاح 10 : 18 من أقوال المسيح عليه السلام : -" ليس أحد صالحاً إلا واحد وهو الله"إنجيل متى الإصحاح 22 : 37 - 38 من أقوال المسيح عليه السلام : -" تحب الرب إلهك من كل قلبك …..هذه هي الوصية الأولى والعظمى"- إنجيل متى الإصحاح 23 : 9 من أقوال المسيح عليه السلام : -" لأن أباكم واحد الذي في السماء"- إنجيل مرقس الإصحاح 12 : 29 من أقوال المسيح عليه السلام:-"إن أول كل الوصايا… الرب إلهنا رب واحد"- إنجيل مرقس الإصحاح 13 : 32 من أقوال المسيح عليه السلام : -" وتلك الساعة فلا يعلم بهما أحد ولا الملائكة الذين في السماء ولا الابن إلا الآب"- إنجيل يوحنا الإصحاح 1 : 18 " الله لم يره أحد قط"- إنجيل يوحنا الإصحاح 17 : 3 من أقوال المسيح عليه السلام : -" أنت الإله الحقيقي وحدك"

 اما باقي الاناجيل فهي كلها اناجيل مزورة وباعتراف المسحيين انفسهم، اما التوراة فهناك خمس اسفار صحيحة ومعتمدة وهي التي يتم تلاوتها كل يوم سبت ويمارس بها اليهود طقوسهم وهذ الاسفار هي : 1 - سفر التكوين، 2 - سفر الخروج، 3 - سفر اللاويين، 4 - سفر العدد، 5 - سفر التثنية.فهذه الاسفار تشكل الوحي الالاهي المباشر على بني اسراءيل في جبل سيناء، اما الاسفار الاخرى فمنها اعمل الرسل والكتابات وهي من تأليف البشر لا يمكن الوثوق من مضمونها.

  ويتفق القرءان مع الكتب المقدسة في الأمور التالية :

  - تحريم القتل؛ بالنسبة للتوراة جاء في سفر الخروج الاية 13" لا تقتل"، وبالنسبة للإنجيل جاء في انجيل متى الاية 21 "قد سمعتم أنه قيل للقدماء لا تقتل، ومن قتل يكون مستوجب الحكم"، وفي نفس الإنجيل جاء في الايتين (18 و19) " قال له ايّة الوصايا فقال يسوع لا تقتل، لا تزن، لا تسرق، لا تشهد بالزور".

   - التحذير من الكذب وشهادة الزور؛ جاء في إنجيل متى الايتين 18 و19 "قال له ايّة الوصايا فقال يسوع لا تقتل، لا تزن، لا تسرق، لا تشهد بالزور"، وبالنسبة للتوراة جاء في سفر اللاويين الاية 11 "لا تسرقوا ولا تكذبوا ولا تغدروا احدكم بصاحبه".

 - تحريم الخمر؛ ففي التوراة جاء في سفر الأمثال الأية 1 "الخمر مستهزئة، المسكر عجاج ومن يترنح بهما فليس بحكيم"، وجاء في سفر اشعياء الاية 11 "ويل للمبكرين صباحا يتبعون المسكر، للمتأخرين في العتمة تلهبهم الخمر.

 - تحريم السرقة؛ ففي التوراة جاء في سفر الخروج الاية 15 "لا تسرق"، وفي سفر الاويين الاية 11 "لا تسرقوا ولا تكذبوا ولا تغدروا احدكم بصاحبه"، وفي سفر التثنية الاية 19 "ولا تسرق"، اما في الانجيل فقد جاء في انجيل متى "قال له ايّة الوصايا، فقال يسوع لا تقتل، لا تزن، لا تسرق، لا تشهد بالزور"

- تحريم الربا؛ في التوراة يقول الله في سفر اللاويين الاية (37) "فضتك لا تعطه بالربا وطعامك لا تعط بالمرابحة".، وفي سفر الامثال الاية ( 8) "المكثر ماله بالربا والمرابحة فلمن يرحم الفقراء يجمعه"، وفي سفر حزقيال الاية (5-9) "والانسان الذي كان بارا وفعل حقا وعدلا،لم يأكل على الجبال ولم يرفع عينيه الى اصنام بيت اسرائيل ولم ينجّس امرأة قريبه ولم يقرب امرأة طامثا،ولم يظلم انسانا بل رد للمديون رهنه ولم يغتصب اغتصابا بل بذل خبزه للجوعان وكسا العريان ثوبا، ولم يعط بالربا ولم ياخذ مرابحة وكفّ يده عن الجور واجرى العدل والحق بين الانسان والانسان، وسلك في فرائضي وحفظ احكامي ليعمل بالحق فهو بار حياة يحيا يقول السيد الرب"، ويقول الله كذلك في سفر الخروج "إن اقترضت فضة لشعبي الفقير الذي عندك فلا تكن له كالمرابي ولا تضع عليه الربا".، وجاء كذلك في سفر اللاويين الاية 3 "لا تأخذ منه ربا ولا مرابحة بل إخشى إلهك فيعيش أخوك معك، فضتك لا تعطه بالربا وطعامك لا تعطه بالمرابحة"، وقد اشار القرءان الكريم الى تحريم التوراة للربا في قول المولى عز وجل

 - تحريم الزنا؛ بالنسبة للتوراة جاء في سفر الخروج الاية 14"لا تزن"، في الأنجيل جاء في انجيل متى الاية 28 "واما انا فاقول لكم ان كل من ينظر الى امرأة ليشتهيها فقد زنى بها في قلبه"،.

- اضطهاد الآخر؛ جاء في سفر الخروج  "ولا تضطهد الغريب ولا تضايقه.لانكم كنتم غرباء في ارض مصر"، وجاء في سفر ارميا "هكذا قال الرب اجروا حقا وعدلا وانقذوا المغصوب من يد الظالم والغريب واليتيم والارملة لا تضطهدوا ولا تظلموا ولا تسفكوا دما زكيا في هذا الموضع".

 - الشذوذ؛ جاء في سفر اللاويين الاية 22 "ولا تضاجع ذكرا مضاجعة امرأة، انه رجس" وجاء في سفر كورنتوس "ام لستم تعلمون ان الظالمين لا يرثون ملكوت الله، لا تضلوا، لا زناة ولا عبدة اوثان ولا فاسقون ولا مأبونون ولا مضاجعوا ذكور".

 - أكل لحم الخنزير؛ جاء في التوراة "كلم الرب موسى وهارون قائلاً لهما... هذه هي الحيوانات التي لا تأكلونها الخنزير... هو نجس لكم، من لحمها لا تأكلوا، وجثتها لا تلمسوا - سفر اللاويين(1 - 8)".

- تحريم اكل الميتة، جاء في التوراة في سفر اللاويين الاصحاح 22 الاية 8 "مِيْتَةً أَوْ فَرِيسَةً لاَ يَأْكُلْ فَيَتَنَجَّسَ بِهَا. أَنَا الرَّبُّ".

    اما بعض الوصايا التي لم تذكر في الانجيل كتحريم لحم الخنزير، فلأن عيسى قد بعث لبني اسراءيل الذي كان معهم التوراة، ويقول عيسى في انجيل متى الاصحاح 5 الاية 17 "لاَ تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأَنْقُضَ النَّامُوسَ أَوِ الأَنْبِيَاءَ. مَا جِئْتُ لأَنْقُضَ بَلْ لأُكَمِّلَ"، ويقول كذلك في الاصحاح 5 الاية 18 "فَإِنِّي الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ : إِلَى أَنْ تَزُولَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ لاَ يَزُولُ حَرْفٌ وَاحِدٌ أَوْ نُقْطَةٌ وَاحِدَةٌ مِنَ النَّامُوسِ حَتَّى يَكُونَ الْكُلُّ".

 

    لذا على المسلم ان يؤمن بالكتب السابقة التوراة والاناجيل الصحيحة فهي سواء كالقرءان وعلى المسلم ان يقرأها باحترام وتبجيل، يقول سبحانه {..قل امنا بالله وما انزل علينا وما انزل على ابراهيم واسماعيل واسحاق ويعقوب والاسباط وما اوتي موسى وعيسى والنبيون من ربهم لا نفرق بين احد منهم ونحن له مسلمون"( البقرة 4 وآل عمران 84)ـ وقوله "والذين يؤمنون بما انزل اليك وما انزل من قبلك وبالآخرة هم يقنون(البقرة 4)، ويقول "..والمؤمنون يؤمنون بما انزل اليك وما انزل من قبلك...اولئك سنؤتيهم اجرا عظيما"(النساء 162 والعنكبوت 46)، ويقول سبحانه ان الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون ان يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون ان يتخذوا بين ذلك سبيلا، أولئك هم الكافرون حقا واعتدنا للكافرين عذابا مهينا(النساء 150-151. 70-72. 136). ...

 

    اللهم لا علم لنا الا ما علمتنا.

    ذ. يوسف ترناصت.

    باحث في الثراث الإسلامي.

  

 

 

 

 

اجمالي القراءات 412

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2020-04-05
مقالات منشورة : 26
اجمالي القراءات : 20,440
تعليقات له : 19
تعليقات عليه : 24
بلد الميلاد : Morocco
بلد الاقامة : Morocco