المتحولون عن التنوير (3)

سامح عسكر في الجمعة 08 مارس 2019


طالما تحدثنا عن الطب وعلاقته بالتنوير فمن أعراف الطب كتمان خطورة الحالة عن صاحبها، وإيهامه غالبا بسهولة الدواء لكي يتفاعل نفسيا مع طُرق العلاج مما يجعل مهمة الطبيب أكثر سهولة، فالمريض هو نفسي بالأساس وتتعلق نسب شفاءه بحماسه للعلاج في النهاية..وهذا لن يحدث سوى بالثقة المتبادلة بين الطبيب ومريضه وتواصلهم الدائم..

كذلك التنوير يلزمه تواصلا للنقد، ثم إقناع مرضى الفكر بأنهم مرضى أولا، مسألة الخطورة هذه لاحقا بنفس العُرف الطبي، أي على المفكر أن يتواصل أولا مع خصومه الفكريين ليكسب ثقتهم..ثم يبدأ في شرح أبعاد المشكلة، في حين هذا لم يتحقق في النموذج المشار إليه في الحلقة الأولى وهو نموذج الكاتبة الصحفية التي تعرضت للقهر والإذلال من العلمانيين لمجرد الخلاف، وكان على الواجب أن يتواصلوا معها بالنقاش والشرح فإن أبت يُنظر فورا لخطورة حالتها بأسئلة منطقية، أولا: هل تلك الحالة سلمية أم عنيفة؟ فلو كانت سلمية ينبغي فورا احترام رأيها ما دام سلميا لا يخرق القانون، ولو عنيفا تُقدّم البلاغات ضدها، بينما أحسب أن تلك الحالة سلمية يمكن اعتبارها حالة خاصة جدا لا يمكن أن تتكرر بنفس الظروف وهو ما لا يريد فهمه الخصوم المتحولون الذين أرادوا إجبارها على رأيهم.

ثانيا: هل تلك الحالة منهجية أم فوضوية؟ وبناء على الجواب يتحدد رد الفعل، فلو كانت منهجية تعقد اللقاءات والمؤتمرات لمناقشة تلك الحالة صحفيا باعتبارها ليست مجرد طريقة عيش بل منهج فكر، ويتم تحديد منهجية الحالة بدراسة دقيقة في التاريخ والفلسفة وذلك باستعادة نماذج التحرر الشكلي والسلوكي والتمرد النوعي في المجتمعات، وأنا أسأل هل المثقفين - ومن بينهم د سيد القمني – ناقشوا ذلك؟..هل درسوا الحالة جيدا أم أصبحوا مجرد رد فعل؟ يُفترض مثل هذا الترتيب لعلاج المشكلات هو ما يُشغل بال المثقفين وليس الانضمام لحملات ألكترونية وذباب وحشود مضادة لإرهاب المخالف ليس إلا..

تناقشت سابقا مع أحد المثقفين واتهمها (بالخَرَف) قلت: المُخرّف فاقد لذاته بينما هذه تعرف من هي جيدا وتواجه خصومها بكل تحدي، هذه التهمة – الخرف – كانت حصرية للمثقفين الخارجين عن القطيع في التاريخ، واتهام تلك الكاتبة بالخرف سيجعلها منهم بعدما تتحول في المستقبل لأيقونة ضد الظلام والجهل الذي نضع فيه أنفسنا بغباء، هذه يمكن وصف سلوكها فقط بالارتباك والاضطراب ليس إلا، فكما أشرت في الحلقة الأولى أنها استفزت خصومها وأصبحت هي الأخرى رد فعل (متحوّل عن التنوير) فلم تعد الثقافة تشغلها وباتت في معركة يومية تحرص فيها على التنوع بالصور الفاتنة والفيديوهات المرحة..وهذا عندي سلوك مضطرب كونه رد فعل بالأساس، وللإنصاف فأكثرنا يقع في هذا ويضطرب حتى يصبح مسيئا، فكمّ ومقدار الحملة الموجهة ضدها كبيرة بينما يبدو لي أنها أضعف من المواجهة بعقل متزن.

كثيرا من خصومها لو تعرضوا لما ينالها سيتصرفوا مثلها بالضبط، فسلوكيات مثل الكيدية واللامبالاه والاستفزاز وأحيانا الإساءة لا تشكل رد فكري بل إجراء دفاعي مثلما تدافع عن نفسك ضد مجموعة بالضبط.

أذكر بعدما تعرضت له في قناة الآرامية كان يفترض – حسب هذا السياق – أن يكون رد فعلي هجوم شرس على المسيحية وشخصنة الحوار بتعميمه على الكل، وقد يؤذى مني الأقباط بالخصوص كونهم في وجه المدفع، وقتها لن يكون انتقامي – لو حدث – ليس موجها في الحقيقة لمن كانوا في الحوار الذي تحول لنكتة سخيفة، بل سيطال ربما أصدقائي من المسيحيين والمفكرين والباحثين ممن عهدت عليهم الإنصاف والتجرد، وهذه آفة ردود الأفعال..الشخصنة، لذا رأيت كل الحملات التي في ظاهرها دفاع عن الشرف والمجتمع والعادة ما هي إلا شخصنات في الحقيقة لا تمس جوهر الموضوع وهو سؤال فوري: هل أنت الوكيل عن الشعب لحماية عاداته؟..من فوضك للدفاع عنه والحديث باسم القيم؟ وماذا لو تطابق موقفك هذا مع متشدد في حال كنت ترى في نفسك الاعتدال؟..وهل من العقل أن تتحالف مع متشددين ضد أي علماني ومفكر لمجرد الخلاف معه؟

بالعكس ..رأيت أن من القوة الفكرية والثبات الانفعالي أن لا أشخصن قضيتي الأساسية كالسلام والتسامح والحقيقة في شخص قناة أخطأت، ما ذنب مسيحي فقير وبرئ أو مثقف نابغة منهم في همجية مذيع أو إسفاف ضيف؟..هنا الانتصار للنفس يمثل مفرزة أخلاقية لاختبار قوة النفس ومعرفتها وثقتها في نفسها، فلو تناول خصوم الكاتبة حالتها من جانب ثقافي كان أفضل ،بل ما أشعل الموضوع في رأيي ووصل للتحريض على قتلها هو اختزال قضايا التنوير في الزي والملبس مثلما تنكر ذلك عليها بالضبط، فمثلما تُنكر عليها التحرر كي لا يصبح ذلك تشويها للاستنارة فانشغالك بملبسها هو الوجه الآخر من العُملة..بمعنى أنك تعاني من نفس المرض.

في المقابل لم يكن تحوّل هذه الكاتبة عن التنوير متعلقا فقط بمشكلتها مع حراس الفضيلة العلمانيون..!..بل تحولت يوم ما أصبحت من جوقة المُطبّلين للسلطة الرجعية المصرية التي تتحالف مع الأزهر والسلفيين ثم تحاكم المثقفين وتسجنهم بازدراء الأديان ، والتي تصطف مذهبيا ضد شعب اليمن المسكين فلم تعد تبالي بصرخات الجوعى واليتامى والأبرياء ، ولا أدرك كيف لا يفطن مؤيدي السلطة من المثقفين لهذه المشكلة؟..أن دعاويهم التنويرية بالأساس سقطت بتبرير دكتاتورية ورأسمالية سلطة سحقت الفقير ودمرت الأحزاب وأشاعت الخوف والجوع معا كأسوأ حال يمكن أن يصل إليه شعب فيؤدي به إلى الكبت والاكتئاب والتدمير الذاتي..

أذكر من ضمن لقاءاتي الثقافية مع أحدهم وهو من عائلة شهيرة تدعى "حتاتة" ويكتب في عدة مواقع كمثقف علماني أنه ومنذ ثلاث سنوات ادعى أنه حضر لقاء السيسي مع المثقفين ثم خرج مبشرا بنوايا الرئيس بإلغاء قانون ازدراء الأديان ، وأن عصر سجن المثقفين والصحفيين قد ذهب، قلت له أن ذلك غير ممكن وليس في نوايا الرئيس أي تغيير سوى أنه يستغل صوره مع المثقفين لترويج دعاية مغشوشة تظهر حكومته كمستنيرة ضد الرجعية وما شابه، فالثابت عندي أن دعوة الأزهر بتجديد الدين تمثل في جوهرها عدم فهم لطابع التنوير نفسه، وقد سبق لي أن شرحت ذلك بالتفصيل في أعمالي السابقة ولست بوارد تكرار ما جاء فيها.

إنما أكتفي بالقول أن السلطة المستنيرة لا تدمر أحزاب وقنوات ورأي آخر، بل توظفهم لخدمة المعرفة، ولا تتحالف مع أزهر وجماعات سلفية من تيار طاعة الحاكم بل تضعهم كعنصر منافسة مع آخرين لإفراز منتج تنويري.

وانتهى اللقاء بتحدي بيني وبينه، قلت لو ألغى أو عدّل السيسي قانون ازدراء الأديان سأعتكف عن الكتابة لمدة شهر أراجع فيها نفسي بإعادة فهم لنظامه السلطوي من جديد، ثم أعود باعتذار لقرائي عن خطأي في استنتاج رجعية نظامه وأنه مثلما دأبت على وصفه منذ سنوات بالتخلف سأعود للبحث عن لمحاته التقدمية، ولكن مع مرور الأيام صدقت وجهة نظري فتم حبس إسلام بحيري والشيخ عبدالله نصر والحكم على فاطمة ناعوت بالسجن 5 سنوات، في حين أطلق العنان للسلفية والأزهرية في الإعلام يسنون أقلامهم وألسنتهم على دعاة الاستنارة..وبعد أن ذكّرت الصديق حتاتة بما حدث وأنه قد خسر التحدي غضب غضبا شديدا لم يحتمل فيه قول الحقيقة..

هذا النموذج هو أزمة في العقل العلماني المصري بالخصوص، فلم أدرس عقول علمانية غير مصرية كما درست هذا العقل الذي يعد هو الأقدم عربيا في دعوته للاستنارة، أذكر أن مثقفي مصر ولبنان كانا رواد الاستنارة العربية ونقل العلوم الجديدة والاكتشافات لمجتمع يعاني من الظلم والظلام والجهل، لكن أبرز ما أكسبوه لأنفسهم وتلاميذهم أنهم لم يصطفوا بجانب سلطة..على الأقل كانوا محايدين لضمان تبرؤهم من أخطاء وقصور الحُكم، فمن وجهة نظري أن أغبى القرارات التي قد يتخذها إنسان هو أن يصطف ويتحالف مع غبي أوفاشل أو حكومة..وقتها سيتحمل كل أوزارهم فإن ذهبوا..ذهب معهم..

لنا عودة..

اجمالي القراءات 635

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2012-09-25
مقالات منشورة : 777
اجمالي القراءات : 4,618,784
تعليقات له : 102
تعليقات عليه : 409
بلد الميلاد : Egypt
بلد الاقامة : Egypt