فلسفة التوحيد في الأديان الثلاثة

سامح عسكر في الجمعة 08 يونيو 2018


حين قرأت في القرآن قوله تعالى.."وقالت اليهود عزير بن الله"..قلت أكيد سنجد هذا الكلام في التوراة، ولكن بعد تصفح وعرض وسؤال سنوات لم أجد هذا القول منهم في العهد القديم، وكان الرد مباشرة، ربما قيل ذلك في زمن النبي من مجموعة يهودية لم تكن بالقوة المناسبة لفرض عقائدها على اليهود وبالتالي تدوين آرائهم كرسائل وشفرات مقدسة، أو قالوها شفويا ولم تدون في الكتب ويدعم ذلك نص الآية.."ذلك قولهم بأفواههم"

وبالبحث عن الموقف المسيحي من هذا القول – عزير ابن الله- المنسوب لليهود لا نجد له أثر لا في الإنجيل ولا الرسائل أو أي كنيسة ، وهذه قرينة أن ذلك القول المنسوب إنما قيل شفهيا ومن طائفة/ جماعة محدودة على عهد النبي، حتى دعاوى قتل الأنبياء يقول اليهود أنه كان سلوك المرتدين منهم إلى عبادة الإله الشامي.."بعل"..وسُمّوا في العبرية بأبناء.."البعليم"..وأشهرهم الملك آخاب زوج إيزابيلا..وفي سفر الملوك الأول شهادة لذلك.." إذ قتلوا الكثير من أنبياء الرب إلى أن صدهم النبي العظيم إيليا ( سفر الملوك الأول إصحاح 21 ) وأيضا.." كاد اليهود من أبناء البعليم أن يقتلوا أرميا النبي والقوه في جب الطين ليموت"..( ارميا 6:38)

أما لماذا ألصق القرآن بهم تهمة قتل الأنبياء فالتفسير الوحيد أنهم حتى لو كانوا مرتدين فهم من بني إسرائيل، والخطاب القرآني لم يُفصّل تلك الحوادث أو يحدد ماهية المسئولين عنها بوضوح.

لم يبق أمامي سوى دعاوى التحريف في حق أهل الكتاب فوجدت رأيين، الأول يقول أن كتب التوراة والإنجيل محرفة (لفظيا) الثاني يقول هي مُحرفة (معنويا) أي بالمعنى، بينما القول الأول يلزمه إثبات الأصل كشرط أساسي لثبوت التحريف بهذا الشكل، وأحسب أن هذا لم يحدث وفوق استطاعة بشر على الأقل حتى الآن، الثاني له وجاهته العلمية ..فقد طال ذلك حتى القرآن باستحداث علوم الناسخ والمنسوخ وفرض آراء وأحاديث الأئمة على الكتاب.

التوحيد في الأديان الثلاثة (الإسلام والمسيحية واليهودية) هو عقيدة راسخة، لكن في رأيي أن ظهور فلسفات اللاهوت وعلم الكلام حرف هذا التوحيد عن مقصده ، فنجد مثلا في الإنجيل يقول يوحنا [ 17: 3 و هذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك و يسوع المسيح الذي أرسلته ] وفي النص دليل قاطع على عبودية الجميع لله وأن المسيح مُرسل، لكن في اللاهوت لا نجد ذلك المعنى بل ظهرت أقانيم ثلاث وتعني ثلاثة حالات يتجلى بهم الرب الخالق (الأوحد) للبشر هم الآب والإبن والروح القدس، وفي ذلك خلاف عظيم بين المسيحيين أنفسهم ابتداء بالنساطرة والأريوسيين وصولا للنصارى وشهود يهوه.

ومنذ عام طرحت الفارق بين النصارى والمسيحيين في مقالي.."أضواء على المسيحية"..أنقل فيه ركن النصارى بالحرف:

أما الأبيونية: فهي طائفة يهودية انشقت عن المسيحيين، وظلت تجمع بين اليهودية والمسيحية، يُطلق عليها أحيانا (النصرانية) ويسميها المسيحيون (بالناصرية) غير أن هناك خلاف حول إذا ما كانوا فرقة واحدة أم اثنين، لكن طبيعتهم واحدة وهي القول بأن المسيح بشر مرسل من عند الله وليس إلها، ولهذا الأصل ظهرت حركات استشراقية أوروبية تتهم الإسلام أنه حركة نصرانية بالأصل اتفقت تعاليمه مع كل تعاليم النصرانية القديمة، وأن القرآن نصراني بالأساس..من هؤلاء دان جيبسون وباتريشيا كرون ولوكسمبرح، فضلا عن طائفة كبيرة من مسيحيي فرنسا تجتهد الآن لإثبات نفس النتيجة.

أما مسيحيي اليوم واستنتاج الفرق بينهم وبين النصارى فبقراءة كتاب الكاهن المصري.."يسي منصور"..رسالة التثليث والتوحيد يظهر الفارق، أن المسيحي يقول بتوحيد حقيقي وعبادة إله واحد بجوهر واحد، لكن تجلى للناس في ثلاثة أقانيم أي حالات سبق ذكرها ويختصرها المسيحي في عقيدتي (الثالوث والتجسد) فبالثالوث جمع الله صفاته، وبالتجسد ضحى الرب بأغلى أبنائه لتكفير خطية آدم، والتضحية بالأغلى منطقيا تمثل أعلى درجات التضحية التي يُفهم منها حب الله الغير محدود للبشر.

أما المسيح كلمة الله فهو الأقنوم الثاني منبثق من الآب الأقنوم الأول ضمن الثالوث الأقدس، ولحل إشكال الصلب عقليا قالوا بالناسوت واللاهوت، أي بطبيعتين للمسيح إلهية وأخرى بشرية لا تظهر أعراض البشر فيه إلا وقالوا بغلبة الناسوت، ولو رأوا أعراض القدرة – كالمعجزات- قالوا بغلبة اللاهوت، وفي تقديري هذا لب الإشكال التوحيدي بين المسيحية وخصومها منشأه في مجامع نيقية وخلقدونية من القرنين الثالث إلى الخامس الميلادي، فمنذ هذا التاريخ تقررت عقائد المسيحيين وصارت إلى هذا الشكل الذي يفترق مع المسلمين بالذات في جوهر الدين التوحيدي.

لكن في المقابل ورغم ادعاء المسلمين توحيدهم الخالص النقي لكن شابت أعمالهم وفتاوى كهنتهم سلوكيات يُفهم منها عبودية لمحمد، وتناقضات منها قتل شاتم الرسول والإعراض عن شاتم الله، وتفسير كلمتي (الله ورسوله) الواردة في عشرات الآيات على أنها إقرار إلهي بقدسية الرسول ووجوب تشريعه الخاص فيما اشتق منه بعد ذلك مفهوم السنة والأحاديث، التي قيل فيها هي الأخرى مصدرا ثانيا للتشريع ووحيا ثانيا أنزله الله مكتوبا بأقلام الأئمة، وهذا هو معنى تحريف القرآن بنسخ آياته لصالح أقوال وأحاديث الأئمة.

ومن ذلك جعل المسلمون النبي محمد جالسا على العرش الإلهي، وبالاستقراء وجمع تقليدهم للنبي في حركاته وسكناته وألفاظه وشفراته يتضح أن النبي ليس مجرد رسول في الإسلام إنما هو إله، ومن ذلك اتهمت طائفة القرآنيين – منكرة الأحاديث- بقية الشيوخ بتأليه النبي وسموهم (بالمحمديين) ووجدوا تأويلا مناسبا لإلحاق الرسول بالله في عشرات الآيات أنه خطاب المنادي والأمر لمجاميع الصحابة، وليس خطابا أو أمرا لبقية البشر في كل زمان ومكان، فما الضامن أولا على صدق الخبر عنه وثانيا إثبات أن الرسول له وظيفة التبليغ فحسب مصداقا لقوله تعالى.." ما على الرسول إلا البلاغ "..[المائدة : 99]..ووظائف أخرى منها الشهادة والتحذير والتبشير.." يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا".. [الأحزاب : 45]..ووظيفة أخيرة هي البيان.." وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه"..[النحل : 64]

ومختصر ذلك أن النص الإسلامي قال بالتوحيد فعلا لكن فتاوى وأحاديث الأئمة قالت بالتعدد، وهي مشكلة طالت كتب السابقين..ربما الأمر له علاقة بالأنثربولوجي وكيفية تعاطي الإنسان مع المقدس، فالملاحظ أن كل الديانات تعرضت لنفس الأمر حتى الفراعنة والسومريين وحركات الإصلاح الدينية – أشهرهم إخناتون – بغض النظر عن الصراع بين التوحيد والتعدد وحكمة وفلسفة كل منهم ..هذا شأن آخر، وأحسب أن هناك مدافعين عن التعدد عقليا وأن تحكم إله واحد في الكون هو نوع من العنصرية والأحادية الفكرية..وأولئك لم أجهد نفسي بالرد عليهم أو فهم دوافعهم فالمشكلة التي يعاني منها العالم الآن ليست تعدد وتوحيد بل إرهاب ناتج عن قيم عدوانية لا إنسانية تشجع الكراهية والتطرف..وهذا المبحث للتقريب وتصور أفضل للأديان المنسوبة لإبراهيم.

أشير لجانب آخر في اليهودية أنها لاعتبارات تاريخية تتعلق بنسل إبراهيم تحولت إلى (سلالة) أكثر منها عقيدة، فالدخول في بني إسرائيل عمليا هو دخول في اليهودية، ومن هذا الجانب اختفى تقريبا السلوك التبشيري عند اليهود، فهم لا يجهدون أنفسهم كالمسيحيين والمسلمين في التبشير ونشر دينهم، وقد تسبب ذلك في انخفاض أعدادهم حتى صاروا أقل أديان العالم كثافة بشرية، ومن هنا تم تعريف اليهودي اجتماعيا أنه من يولد لأم يهودية حفظا للجينات الوراثية المتصلة بإسرائيل، حتى لو كان ملحدا فهو محسوب على اليهودية نسبا.

كذلك ففي اليهودية أصل اجتماعي وهو .."الختان"..كشرط لرضاء الرب يقطعوا جزء من الأعضاء التناسلية في الذكور والإناث، ربما انخفضت أعداد المختونين للإناث نتيجة للحملة العالمية ضده، لكن ختان الذكور شائع لديهم بالضبط كالمسلمين.

يمكن هذين الأصلين (النسب والختان) هو ما يحدد قيمة اليهودي اجتماعيا ودينيا، لذلك فمسائل التوحيد لديهم في تقديري لم تعد تشغل اهتماما عاليا لدى مثقفي اليهود، ولا يُشغلون أنفسهم بالرد على المسلمين كما فعل المسيحيين خصوصا مسيحيو الشرق، وفي علوم النفس أن السكوت عن دفع الاتهام يعززه، لذا ومن كثرة اتهام المسلمين لليهود بالشرك وعدم التوحيد ثم عكوف اليهود عن الرد ..نقله من مجرد اتهام إلى حقيقة مؤكدة لا تشوبها شائبة انتشرت في مجتمعات المسلمين كالهشيم، وحين يُعرض هذا القول على اليهودي يستغربه..فهو لا يؤمن بآلهة أخرى غير.."يهوه"..في التوراة، حتى أن ذكر يهوه في العهد القديم أكثر من 6 آلاف مرة كإله واحد لم يشفع لديهم لتبرئتهم.

قلنا أن خرق التوحيد في الأديان الثلاث جاء من طريق واحد هو.."تقديس الكهنة"..وطبيعي عندما حدث مع اليهود سجله القرآن كملمح اعتراض بقوله تعالى.." اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله "..[التوبة : 31]..وكأنها إشارة إلى أن دوام نزول الوحي إلى القرن الواحد والعشرين كان ينقل النص إلى.."اتخذوا شيوخهم أربابا من دون الله"..في اتهام للمسلمين واضح بارتكاب نفس الخطأ وتقليد كل آفات أهل الكتاب بالحرف.

كذلك فالصيرورة الاجتماعية تنقل الشعوب من حال إلى حال، فلا يصح تصوير العرب وبني إسرائيل الآن بصورتهم قبل 1000 عام، فالعرب الآن أغنياء ساعدهم النفط على ترك وسائل رزقهم القديمة كالرعي والإغارة والنهب..صحيح يوجد بعض منهم الآن ..حتى أن الوازع الأخلاقي القديم لم ينته بالكلية..لكن هم اختلفوا بشكل جذري حتى صاروا يتعلمون الفلسفة في السعودية، نفس الحال لبني إسرائيل وأحفادهم من اليهود والمسيحيين اختلفوا أيضا وصارت بعض آيات القرآن التي تتحدث عن نقض الإسرائيليين للعهود وخيانتهم أمر غير واقعي.

فإسرائيل الآن ملتزمة مع مصر باتفاقية سلام لم تخرقها منذ 40 عاما، واقتصادهم أصبح من أقوى اقتصاديات الشرق الأوسط..بعيدا عن قدرتهم ونظامهم التعليمي وتقدمهم..لا يمكن النظر لهذا الوضع خارج أخلاقيات الالتزام بالعهود..وهي صفة أصيلة في المجتمع المتمدن، لذلك فقوله تعالى.." أو كلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم"..[البقرة : 100]..لا ينطبق على كل اليهود أو بالأحرى على السلالة، بل يُقصد به جماعة/ طائفة محدودة فعلت هذا الإثم في مجتمع المدينة.

يقول..جوزيف كاير"..في كتابة.."حكمة الأديان الحية"..أن الالتزام بالوصايا العشر للنبي موسى يعتبر ركنا (أخلاقيا) مهما لدى اليهود، حتى يمكن القول أن اليهودي لا يوصف بالأخلاق إلا بها، والكتاب من أكثر الكتب موضوعية ودقة في بحوث مقارنات الأديان، وفي رأيي أن الأمر ليس على إطلاقه فهم احتلوا أرض فلسطين وقتلوا شعبها باعتقاد ديني، وعصوا أمر النبي موسى بحرمة القتل ضمن الوصايا، وبالاستقراء رأينا أن كثيرا من اليهود يعارض ذلك القتل سواء من وجهات نظر أخلاقية كالحقوقيين لديهم أو عقدية كجماعة .."ناتولي كاردا"..لذا فالأخلاق عند اليهود ستظل معضلة وجانب تشويه للديانة ما داموا يحتلون فلسطين ويقتلون شعبها.

والعرض الأخلاقي لأصحاب الديانات مهم فهو يكشف تصورهم للتوحيد وحجم تسامحهم الديني وقدرتهم على الإيمان بالتعايش، فالتوحيد قد يمثل معضلة إذا رأى المتدين إلهه إقصائيا متوحشا كإله السلفية والإخوان..أما إذا رآه عدلا رحيما فسيراه كما رآه الصوفية، هنا ينقلب التوحيد من رؤية عقدية إلى برنامج سياسي، وبالتوحيد يجري (توحيد) كل البشر على ديانتهم، وفي تقديري أن متطرفي الموحدين في كل الأديان الإبراهيمية فعلوا ذلك، فمن أسس التوحيد لدى بعض اليهود أن لا تقوم دولة ولا تطبق شريعة إلا بعد نزول المسيح المخلص وبناء الهيكل، ومن أسس التوحيد عند أكثرية السنة أن تقوم الخلافة لحراسة دين الله حتى نزول المسيح وبعثة المهدي يوم القيامة، ومن أسس التوحيد عند أكثرية الشيعة أن لا تقوم سلطة دينية إلا ببعثة المهدي المنتظر.

هذا يعني أن التوحيد هو أمر نسبي بين البشر ويختلف حسب صورة الإله في الذهن وحجية تعاليمه ومقبوليتها أخلاقيا وعلميا، لكن يوجد دائما تصور مشترك يحكم كل أصحاب الديانات، وتتنوع العقائد بتنوع اللغة، وبجهل الإنسان بلغات الآخرين ربما يختلط عليه الأمر، فالإله يهوه اليهودي هو نفسه الله الإسلامي، والله في الإسلام هو الله في المسيحية أضافت له المسيحية بعدا آخر بتجلياته الثلاثة، نفس الشئ في الأديان التعددية، ففي الهندوسية يقوم كل إله مساعد للإله الأعظم.."برابراهما"..بنفس الدور التي تقوم به الملائكة في الإسلام، مع إضافة توجه هندي بتقديس هؤلاء الآلهة وعدم انفصالهم عن الرب فيما اصطلح عليه (بوحدة الوجود)

وفي حديث مع زميل مسيحي.."مستنير"..قال أن ما دفعه لنقد الكهنة والكنيسة أن صورة يسوع في الإنجيل مختلفة جذريا عن صورة يسوع المنشورة في الكنائس، ليست صورة شكلية إنما صورة .."عقائدية"..فهو يرى أن المسيح في الإنجيل شخص إسرائيلي عادي بعث بكرامات أيدها الله لوعظ البشر، وأن فكرة الثالوث لم تعد مقنعة لديه، لكن ما زال يؤمن بالتجسد والتضحية والفداء..فلربما هي معاني استخلصها من الإنجيل بحكم موقعه النقدي.

وفي الحقيقة أن التوحيد لو تناولناه من تلك الزاوية سنرى له شرطين، الأول: علو الخالق عن ما سواه، الثاني: افتراق الخالق عن المخلوق، والثاني أي لا صلة مادية ومعنوية بين العلة والمعلول إلا بجانب واحد هو (الأمر والطاعة) فالخالق منطقيا له أن يأمر وعلى المخلوق أن يطيع، أما الربط بينهم فهو الخارق للتوحيد كمن يجعل المسيح من جوهر الله، أو محمد مشرعا ومقدسا له نفس الرتبة الإلهية، أو أحبار اليهود لهم نفوذ رباني ومتحدثين عمليين باسم الرب يهوه وأمناء على الوصايا العشر والسلالة وأرض الميعاد.

في رأيي أن التحول الكبير الذي يطرأ على المتدين (الغير موحد) هو طريقته في التدين، فلو كان أقرب للتدين الشعبي كلما كان أقرب للتعددية الدينية عمليا، فالتدين الشعبي له صفات مختلفة عن الفردي، الأول يتأثر بحالات منها السُمعة والنفوذ والصراعات، هنا يتحول المتدين لمجرد آلة تعمل لصالح الغير، ويفقد استقلاليته مع الوقت حتى يصبح مجرد ترس في منظومة تعمل لصالح القوي، والإشكال الأكبر أن الأقوياء في غالب الحالات ضعفاء عقليا وعلميا فما دفعهم لتلك الصراعات إلا ضحالتهم وضعف مقدرتهم على التفكير والحلول المناسبة، بالتالي يتحول المتدين باتباع هذا الشخص إلى مشرك في الواقع حتى لو ادعى التوحيد.

كل الأديان تقريبا تعرضت لتلك الظاهرة، أنه وفور اندلاع أول صراع في الدين يفترق أتباعه وتتنوع نظرياتهم الدينية حسب رؤية القوي، حدث هذا في الإسلام مع الأمويين وبني العباس، وفي المسيحية مع قسطنطين ومع اليهود باختبارات طويلة منذ عصر الخروج الفرعوني إلى الأسر البابلي، كل هذا دفع المتدين لاعتقاد ثقافة شعبية تناولت الدين حسب منظور السلطة، بينما التناول الحقيقي للأديان يجب أن يكون .."بمنظور ثقافي نقدي"..بعيدا عن أهواء الكهنة والسياسيين معا، حيث يصبح نفوذ كل منهم مانعا قويا لأخلاقية الدين وتحويله منظومته الفكرية من الدعوة والرشد إلى الوصاية والقهر.

والعقل الثقافي حين يتناول مسألة دينية يجب أن يخضعها للتحليل الموضوعي المجرد من كل الزوايا المتاحة، كالمجتمع والسياسة والأخلاق والتاريخ والفلسفة ..وربما الاقتصاد، هذه مسائل فوق قدرة الجمهور العادي على تناولها، لذلك تظل حكرا على فئة بعينها أرادت البحث أو لها ملكة ومتعة الباحث، وميزة هذا التناول الديني من الثقافة أنه يضع الدين في صورته الحقيقية الأسمى دون تزييف، ويسأل أسئلة تجعل من رجال الدين مجرد بشر دعاة لهم وعليهم، وأن يضع الامتحان العقلي للسؤال عن الله في تجربة مثيرة تزيد النفس ثراء وتزخر ميراثها بالتسامح في النهاية.

فمنتهى عقل الباحث يرى أن الوصول لحقائق الأديان ليس بتلك البساطة التي تصورها الجمهور، وأن الآخر مهما رأيناه قبيحا أو غبيا فهو يملك مسحة من الذكاء والخير تجعله على الأقل يقتنع بنفسه، وفي رأيي أن التدين الشعبي تأثر بهوى المشايخ في تلك الجزئية، فقد صوروا لهم أن الكافر يعلم أنه كافر لكن يُعاند، ويعلم أنه سيدخل النار لكن يُكابر..وهذا غير صحيح، فكل متدين منسجم مع تدينه ويمارسه باتحاد تام مع النفس، ومثلما رأى الباحث أن الدين في الأخير حقيقة يرى المتدين العادي أن دينه حقيقة، لكن الفارق أن المثقف يحيل هذا المعتقد للشك والتحليل، أما المتدين العادي فلا.

كان هذا عرضا سريعا وموجزا لفلسفة التوحيد في الأديان الثلاث المسماة بالإبراهيمية، ابتعدت قدر المستطاع عن السرد والتفصيل الممارس في هذا الجانب، واختصرت المساحة قدر الإمكان بتناولها من جانبي الأخلاق والعقيدة فقط، فعندما أقرأ للمبشرين أو من يريد فرض رأيه الديني أصاب بالنفور من كثرة التطويل والتقعير الغير مهم والغير مفهوم، هنا أحسب أن اللغة كان بسيطة وسهلة ومباشرة دون مهادنة أو خوف، وأحسب أن هذا الأسلوب ربما ينتج خصوم فكريين أكثر من المتفقين، لكن على الأقل فقد أرضاني ومبادئي قبل كل شئ

اجمالي القراءات 501

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2012-09-25
مقالات منشورة : 700
اجمالي القراءات : 3,614,986
تعليقات له : 90
تعليقات عليه : 360
بلد الميلاد : Egypt
بلد الاقامة : Egypt