خواطر فلسفية لتربية الأطفال

سامح عسكر في الإثنين 07 مايو 2018


منهج تربية الأطفال

صورة عامة ذهنية للطفل

عند دخوله المرحلة الابتدائية يكون الطفل بين مرحلتين الأولى ليست فيها مسئولية بل يملأها التدليل واللعب، وفور دخوله المدرسة تخطف الطفل حالة من الإرهاب العقلي والنفسي يكون فيه متوترا ، فوالديه ليسوا معه ولا أخواته وعائلته، بل أشخاص لا يعرفهم، وتكليف بأشياء لا يفهمها ولا يستوعبها عقله، حتى رغباته لم تعد تُنفّذ كما في السابق.

السبب في حدوث هذه الحالة أن الطفل من ثلاث إلى ست سنوات-تقريبا- يمر بمرحلة يعرفها البعض بمرحلة التساؤل، فهو يريد معرفة كل شئ يلفت انتباهه، ويريد تجربته ولو باللعب ، حتى لو كانت الإجابة غير مقنعة لديه الأهم أن يسأل ويلعب، ومرحلة التساؤل هذه تعني أن الطفل لديه (المبادرة) وهي حالة من (الحرية المطلقة) يشعر بها الطفل تنتهي فور دخوله المدرسة، لأن طبيعة المدارس تنقل المبادرة من الطفل إلى المُعلّم، وتُقيّد حركته في اللعب، فينخفض لديه معدل التساؤل ويصبح مُكبّلاً بهموم الواجبات المدرسية، وشعور الانطلاق السابق لديه في اللعب انتهى أيضا..والنتيجة حالة من الإرهاب تخطف الطفل في أيامه وأسابيعه-بل وربما أشهره الأولى- في الدراسة..

الطفل كالأرض المزروعة إما خيرا وإما شرا

التربية كعلم هي كالسياسة كفعل، أي التربية في حقيقتها تشبه ما يقوم به الحاكم، فالنفس البشرية تجنح للحرية وتحطيم القيود، وبما أن الحرية المطلقة أذى وصل الإنسان لفكرة (القانون) أو الدولة بهدف تنظيم حياة البشر وتقييد حرية الفرد والجماعة الجزئية لصالح الجماعة الكلية وهي (المجتمع)، والمُربّي في المُجمل هو القائم على قانون التربية..يعني هو المسئول عن حياة الطفل وأفكاره وغرس مبادئه ومراقبة سلوكياته، وينبغي على المُربي أن يكون قدوة ، فالطفل في مراحله السِنّية الأولى (كائن مقلد) ومن فرط (بياض) ذهنه وخلوّه من أي معارف يستقي فوراً معارفه بطريقة ظاهرية، فلو كان الأب هو الأقرب إليه يأخذ منه..ولو كانت الأم يأخذ منها..وهكذا.

لذلك كان تشبيه الطفل بالأرض المزروعة صحيحاً من هذه الناحية، ولكن حذار من الأخطاء ، فالخطأ التربوي للطفل يبقى معه بعد البلوغ ويصعب معه العلاج..بل أحياناً يستحيل، فمرحلة الشباب-مثلاً- إذا وصل إليها متشبعاً بعُقد وأخطاء تربوية في الطفولة يصبح من الصعب علاج هذه الأخطاء، ولو فشل المربي في العلاج تكبر معه حتى يصير شيخا، والسبب أن الإدراك في الطفولة (كلَوحة الرسم) فإدراك الشجر والبحر غير إدراك الصحاري القاحلة، وإدراك الحرب والعنف غير إدراك السلم والأمن، وإدراك العدل غير إدراك الظلم..وهكذا..

فالمجتمعات الصحراوية لديها صورة عن الحياة والكون مختلفة بشكل كبير عن مجتمعات المدن، والمجتمع الزراعي لديها فكرة عن الحياة تختلف عن المجتمع الصناعي..

والطفل قبل الابتدائية يتلقى الأسلوب التربوي بشكل جزئي غير منضبط، والسبب كما قلنا أن الأعباء عليه غير موجودة، وأن التدليل واللعب سمة عليا له، لذلك يجب تأسيس الطفل في المرحلة الابتدائية بالذات على (إدراك سليم) يتقبل به (منهج التنوير) ويتشربه حتى يصير معه للأبد..وكما تم استغلال هذه المرحلة لتدريبه على تلقي الأعباء وحملها بارتياح..يجب استغلال تطور الطفل في مراحله السنية المختلفة بنفس المنهج التربوي..أي يتم الاعتبار بعُمر الطفل وعدم التعامل معه بما يناسب مرحلة عُمرية أخرى.

الطفل يمثل كل مقومات الفطرة البشرية

أصل هذه الفطرة في قوله تعالى.." والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون"..[النحل : 78] وهو إقرار إسلامي بالصفحة البيضاء للطفل التي أقرها الفيلسوف الألماني .."إيمانويل كانط"..وأن سائر المعارف والسلوكيات التي يكتسبها البشر لمجتمعاتهم دور أصيل فيها.

ومعنى الفطرة هنا أن الطفل يبدأ بإدراك معارفه وأشياءه عن طريق (حواسه الخمسة) فقط، وما دون ذلك من شعور ومنهج عقلي يأتي إليه بالاكتساب، أي يتعلم الطفل الاستقراء والاستنتاج من والديه، فلو كانت النافذة هي مصدر الضوء والهواء للمنزل..فهذا يعني أن الظلام يلزمه فتح النافذة، وأن الضوء يلغي الظلام..وهكذا..يتعلم الطفل أساسيات عقله بما فيها (العلة والمعلول) فدواليب الملابس-مثلا- مصنوعة..إذن لو لمن يكن فلان الصانع ما كان هذا الدولاب..وهكذا..

كذلك فالطفل كائن فيلسوف بطبعه والسبب أنه (مندهش) أي يرى الأشياء بشعور الاندهاش وما يعقبه من السؤال، لذلك يمكن القول أن الطفل (كائن متسائل) أيضا، والفلسفة هنا ليست بمعنى العمق والدراية..بل بمعنى (الإقرار بالجهل) ولمن يتبحر في الفلسفة يعلم أن الاعتراف بالجهل هو في ذاته فلسفة، وأن أشهر فلاسفة التاريخ أقروا بجهلهم في أشياء كثيرة..لكن ما يميز الفيلسوف أنه لا يستسلم لجهله بل يبحث عن مصادر المعرفة، ولو تعذر عليه الوصول لتلك المصادر بطرق شرعية ربما يلجأ لأساليب وحيل غير شرعية ..كالاستفزاز مثلا

سقراط كان من هؤلاء..فلسفته قائمة على الجدل وتحفيز العقول للسؤال والجواب بطريقة دائرية (استفزازية) ، أي هو المؤسس الأول للجدلية الماركسية، كان يعتقد أن هذا الأسلوب هو المصدر الوحيد للمعرفة ، ولأنه يتطلب غزارة معلوماتية ودراية عقلية لا يمكن للكثيرين الاندماج أو التعايش مع هذه الفلسفة، لكن الطفل يمارس الجدل حسب حدود معلوماته ودرايته العقلية..أي له حد معروف وحاجز يقف عنده يعجز فيه عن الإكمال..لذلك عقلية الطفل هي (اللبنة الأولى) للعقل الإنساني..وأن إكماله لطريق الجدل مرتبط فقط بامتلاكه المعلومة وبخبرة استعماله لعقله..

وأشير أيضا أن تمثيل الطفل بالفلسفة يجعله يتأثر بكل ما تأثرت به الفلسفة، فالعلوم الطبيعية-مثلا- كالفيزياء والرياضيات والكيمياء..والعلوم الروحية كعلم النفس والباراسيكولوجي كانت جزء من الفلسفة قديما، وانفصلت عنها مؤخرا بفضل تطور العلوم، وهذا يعني أن الطفل معرض لانفصال بعض معارفه وسلوكياته بمرور الزمن، فما كان يجيده في الخامسة من عمره ليس شرطا أن يجيده في العاشرة، وما كان يفشل فيه طفولته ينجح فيه في رجولته، وما كان يكرهه صغيرا ربما يحبه كبيرا...وهكذا..بل ربما يكتسب الطفل سلوك جديد (وربما غريب) لم يـألفه من قبل..ولا حتى عائلته..

عُمر الطفل ليس علامة للنضوج

نخطئ كثيراً في معاملة الأطفال ذوي السن الواحد بطريقة واحدة، هذا يتعلق بحالة (النضوج ) للطفل..والأطفال لا ينضجون بالزمن..بل بعوامل أخرى كالذكاء والعاطفة والظروف الاجتماعية والأسرية، كذلك تتعلق بالتطور العام الذي يصيبه منذ أشهر ولادته الأولى إلى أن يدخل المدرسة، فالأسرة لها دور في نضوج أطفالها وبتصرفاتها تحدد متى وأين سينضج الطفل.

هذا الكلام يجب أن يفهمه المعلم، فالأطفال في الفصل الدراسي لن يدركوا المادة الدراسية بطريقة متساوية، ويجب التعامل معهم كطريقة تعامل (مدرب الأحمال) مع فريق كرة القدم، بحيث يعطي المادة الدراسية لتناسب مستوى الطفل من الذكاء والإدراك والوعي، وهذا يعني أن هناك مادتين دراسيتين في الفصل، الأولى يلقيها المعلم للتلاميذ بشكل عام..وهي تطرح الأساسيات والعموميات، الثانية يلقيها بشكل خاص حسب تصنيف كل فرد أو مجموعة مع نفسها ، وهذا يعني أن المعلم يجب مع بدء السنة الدراسية أن يبدأ في امتحان (أوّلي) لتحديد وتصنيف قدرات التلاميذ ومهاراتهم، ويسجل ذلك في كراسة أو اسطوانة مدمجة أو برنامج.

صفات يجب توافرها في المعلم

أول هذه الصفات حُسن الخُلق والصوت الهادئ المنخفض، هذه الصفات توفر الطمأنينة والثقة للطفل، إضافة إلى أنها توفر البيئة المناسبة لتلقي العلم، كذلك يجب توفر صفة (الجاذبية) وهي لمحة أولى عن شكل وطريقة كلام المُعلّم، والمعلم الجذّاب يكون مريح ولطيف مع التلاميذ، كذلك يجب توفر صفة (المرح) وهي خفة الدم التي تضخ الدوبامين في الجسم، وتجعل الطفل هادئا واثقا.. وأكثر تقبلاً للمنهج العلمي مهما كان مكثفاً أو جاء على غير رغبة أو قدرة منه.

أحيانا يكون الطفل مرهق ولا يستطيع البوح بذلك خشية أن التصريح به يعرضه للعقاب، فالتربية المنزلية أحيانا تفرض نفسها، لذلك فالمعلم لديه دور لعلاج هذه التربية المنزلية السيئة، وصفة المرح بالذات تُحبب الأطفال في المدرسة ..بل وفي هذا الفصل الدراسي بالذات...لكن إقرار صفة المرح لا تعني أن يكون المعلم سفيهاً لحد الاستهزاء به، لذلك قلت يجب توافر صفة الجاذبية أيضا كونها تعطي للمعلم قدر من الاحترام والثقة .

ضرورة إنشاء الطفل على مبدأ (التحدي)

علمونا ونحن صغار ماذا نريد من هذه الحياة؟..الأفلام والمسلسلات بها مشهد مكرر (عاوز لما تكبر تطلع إيه ياحبيبي؟) ولو لم يعلم الطفل -أو يدربه أهله- يلقنه السائل (مهندس ولا دكتور؟) الدافع في ذلك بناء فكرة لدى الطفل حول أهمية النجاح والعلو في المجتمع، وأهمية هذه الوظيفة بالذات لأنها تمثل في (الوعي البشري) قمة النجاح والتأهيل لأن يمارس حياته بشكل طبيعي.

هذا السؤال هو المحفز (الطبيعي) لمبدأ التحدي، لكن في تقديري الموضوع أبعد وأوسع من ذلك، فالتحدي بالعموم طاقة نفسية لإثبات الذات، فالطفل مثلا حين يخسر في صراع مع إخوته أو أصدقائه يحضر لديه شعور فوري بضرورة التعويض، وهذا ما يجعل الطفل (ينتقم) من ضاربه مثلا، وبعض الآباء يفقهون ذلك فلو ضربت الأم طفلها يحمله الأب للانتقام بطريقة لطيفة ولو بضربة خفيفة تشعره بالرضا ومن ثم إثبات نفسه وتعويض مظلوميته..هذا يعني أن مبدأ التحدي هو (شعور فطري) عند البشر، حتى مملكة الحيوان لديها هذا المبدأ، فالقطة عندما تضربها لا تتركك بل تسارع في الانتقام، وهذا في ذاته تحدي.

وتدريب الطفل على هذا المبدأ ليس فقط بإحياء هذه الغريزة-أو الشعور الفطري –فيه، بل (بطريقة تفكير) تجعل هذه الغريزة منضبطة بحيث توجه لصالح البناء لا الهدم..لصالح العدل لا الظلم، لصالح الوحدة لا التفرق، وأزعم أن سبب كبير لانتشار العنف والحروب في العالم العربي الآن هو أن الأسرة والمدرسة عجزت عن ضبط غرائز أطفالها وتوجيهها في المسار السليم، فنشأت حالة من الدونية انتشرت حتى صار كل مواطن عربي هو مشروع للعنف، فالمسلم يتحدى المسيحي والسني يتحدى الشيعي..بدلا من أن يتحدى كليهما نفسه في بناء أوطانهم والنهوض كما نهضت دول وشعوب أوروبا وأمريكا..

ضرورة إنشاء الطفل على مبدأ (الحرية)

أصل هذا المبدأ في شعور .."الاستقلال"..وهو شعور قد يزعج أحياناً الأسرة والمُعلّم في الفصل، لأن الطفل المستقل غالبا متمسك برأيه وعنيد، أما الكبار عادة يرونه (مكابر أو جاهل) وبالتالي يستحق الوصاية وربما العقاب..وهذا خطأ تربوي شهير، فالطفل المستقل-مهما كان سيئا- لديه صفات إيجابية كثيرة تؤهله للنجاح، كشجاعته وثقته في نفسه وعدم خوفه من وقوعه في الخطأ، أي في المجمل هذا الطفل هو (كائن عملي) وليس نظري..

والكائن العملي هو الأكثر عرضة للنجاح، لأن سبق التجربة لديه تكسبه مهارات سلوكية ومعرفية، وتصقل مواهبه بتوالي الزمن..والطفل المستقل هو (كائن حُرّ بالضرورة) لأن ميله للاستقلال يمنعه من تقليد الآخرين..وهي آفة تربوية تصيب خصوصا ذوي التعليم الديني القائم على الحفظ وتقديس الأئمة، حتى امتدت هذه الآفة وأصابت كافة صنوف التعليم المهني والأكاديمي، لذلك يجب الحفاظ على هذه الشخصية المستقلة، بل ومساعدتها في تطوير نفسها للأفضل في سياق حريتها واستقلالها.

ضرورة إنشاء الطفل على مبدأ (المساواه)

في هذا الباب للأسرة دور كبير، لأن الظلم في تفضيل الأبناء على بعضهم ينعكس سلبا على المتضرر.. وهو (الطفل المفضول) أي أن دور المدرسة هنا تكميلي لدور الأسرة، وتأسيسي في مرحلة متقدمة ربما لا يستوعبها الطفل في المرحلة الابتدائية، فثقافة المساواة تظهر (مجردة) في مرحلة متأخرة ربما في الإعدادية أو الثانوية، والسبب أنها تتطلب أولاً معرفة (الهويّات) من هذا ومن تلك؟..ما هذا وما هذه؟..ولماذا وكيف؟..ولو لم يعرفها فكيف سيُساوي؟

العقل البشري يفهم المساواة كمرحلة لاحقة لفهمه الهويّات والحقائق، ولو كان جاهلا بهويّة الأشياء فكيف سيفهم الفصل بينهم ومن ثم مساواتهم ببعض؟.. إنه على أفضل الأحوال سيرى أن هذه الأشياء كلها واحدة.

لذلك يفضل تعليم الطفل مبدأ المساواة في المرحلة الابتدائية كمبدأ تكميلي لما تقوم به الأسرة، وتطبيق ذلك يكون عمليا بالتدريب على حُرمة تفضيل الطفل لنفسه أو لشخص على آخر، وبعد دخوله الإعدادية أو الثانوية يكون ذهنه قد اكتمل وأصبح مستعدا لقبول ثقافة المساواة والبحث في الهويّات، مع تعليمه أساسيات قوله تعالى.." يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم "..[الحجرات : 13]

ويتم شرح التقوى هنا بالعمل الصالح فحسب، أي الصدق والتسامح وحب الناس..إلخ، ويمنع منعاً باتا تعليم الطفل معنى التقوى عند بعض المشايخ الذين يرون أنها تعني الشريعة والعمل بالتنزيل والاستعداد للموت..فهذه كلها قيم لا تعني الطفل بشئ ولا يفهمها، وكذلك في حكم الأصوليين والعقلانيين فاسدة، فشريعتهم تعني الظلم والقتل والذبح لا العدل والعفو والسماحة، والتفكير بالموت قد يعرض الطفل لأزمات نفسية وعقلية تلاحقه في الكِبَر، وحبذا لو كان المعلم يمتلك قدر قليل من الثقافة في الإسلام ويشرح التقوى بأسلوبه الخاص بما يوافق قيم البناء عالية..

ضرورة إنشاء الطفل على مبدأ (الثقة بالنفس)

يقول الفيلسوف الصيني .."لاوتسه".."إذا لم تثق بما فيه الكفاية لا أحد سيثق بك"..والمعنى أن ثقة الآخرين فيك تعتمد على مدى ثقتك بنفسك، والطفل لابد أن يتعلم ثقته في نفسه في سن مبكرة، فلا يخشى من التصريح برأيه، ولا يخشى الأذى، وإذا دعته الضرورة لتغيير رأيه ومراجعة نفسه فلا يتأخر ..هذه من شروط الثقة في النفس أن يراجع المرء ذاته وقت الخطأ، فكلنا بشر نخطئ..ولكن ليس كلنا يمتلك الشجاعة ولا الثقة بالنفس.

ضرورة إنشاء الطفل على سلوك (الإصغاء وعدم مقاطعة أحد حين يتحدث)

الطفل في المرحلة الابتدائية لديه الإصغاء بالفطرة، لأن مقاطعة المتحدثين سلوك في الغالب للكبار، والسبب أن الكبار قد تكونت معارفهم ولديهم خبرة بحيث يمتلكون تصور كامل للحياه، أما الطفل فهو (كائن مُصغي بالفطرة) لذا فلا غضاضة من تعليمه أساسيات الإصغاء (المكتسب) باعتبارها تحقق له السلامة النفسية والبدنية من جهة..وسلامة الأخلاق من جهة ثانية..وتزيده علما ومعرفة من جهة ثالثة.

فالفطرة لا تكفي في غرس بذور الخير في الإنسان، لأن الإنسان يكبر ومع تعدد تجاربه في الحياه يفقد هذه الفطرة الحسنة، وقديما قالوا ان الإنسان (كائن اجتماعي) أي يكتسب كل معارف وطباع مجتمعه..ويؤمن بها لحد القداسة، ومهمة المعلم أن يشرع في تحصين التلميذ من مساوئ المجتمع..بحيث يكبر وتظل فطرته (الإصغائية) معه.

ويجب على المعلم أن يفهم خطورة عدم الإصغاء، فالمقاطعين غالباً أشخاص عدوانيون، وإهمال تلك العدوانية في الطفل نقص في المعلم، لذلك يجب أن يكون المعلمين من ذوي الأخلاق الحسنة بحيث يعطون القدوة للصغار قبل الحديث، مع ضرب بعض الأمثلة في الواقع وتمثيل ذلك للتلاميذ عيانا بيانا..ولو بآداء مسرحي يكون فيه المعلم هو (المُخرِج)

كذلك يتم تدريب الطفل على موهبة (الحديث مع النفس) فهذه الموهبة توسع الأفق والخيال، وتساعد في فن الإصغاء، فسماع النفس هو أول الطرق لسماع الآخرين، ومن لم يفهم نفسه لن يفهم أحد، كثير من المقاطعين -إن لم يكن أغلبهم-تأثر بعنصر (المفاجأة) فهو حين يسمع رأي معارض له-بطريقة مفاجأة- يسارع فورا بتكذيبه والطعن فيه، وعنصر المفاجأة يزول مع (التوقع) والتوقع نتيجة طبيعية للحديث مع النفس.

لذلك حين يتحدث الطفل مع نفسه يكتسب ميزة التوقع وسرعة البديهة، وتكون صورة الشئ قد انطبعت في ذهنه وفهمها بطريقة أفضل، والطفل حين يفهم لا يتأثر بعنصر المفاجأة...ويكون لديه اطمئنان داخلي على سلامة معلوماته وثقة بالنفس أكبر وبالتالي قدرة على الإصغاء أعلى..

ضرورة إنشاء الطفل على مبدأ (الحوار)

وهذا المبدأ متعلق بمبدأ الإصغاء السابق، فلا حوار لمن لا يجيد الإصغاء للآخرين، والمعنى أن من يمتلك القدرة على الحوار هو من (يفهم الآخرين) وأنت لن تفهمهم دون أن تصغي إليهم.

أفضل أن يكون هناك آداء مسرحي للتلاميذ في الفصل على فن الحوار والقدرة عليه، والتنبيه أن بعض الناس ليست لديهم القدرة على الحوار ..إما لجهلهم أو لعدوانيتهم، لذلك فالطفل يجب أن يكره الجهل والعدوانية معا، ويفهمهم قبل أن يكرههم، فلربما كره معنىً آخر غير موجود.

ضرورة إنشاء الطفل على مبدأ (الشجاعة وقول الحق دائما)

وهذه تبدأ بتعليم الطفل كيف يكون (إيجابيا) أي مبادر، وهي نقطة تُضاف إلى جزئية الاستقلال في الرأي والحرية، فالطفل الشجاع هو كائن حر ومستقل بالضرورة، لكن ما يفصل الشجاعة عنهم هو أن الإيجابية قد لا تعني الاستقلال المطلق في الرأي، لأن الحق في الأذهان واحد أو متشابه، وقد يجمع البعض على حقيقة لا يعني ذلك أنهم جميعا غير مستقلين، لأن الأصل في الإنسان أن يبحث عن الحقائق لذاتها وليست لتوافق هوى فلان أو علان..

مثال: المصريون مستقلون عن إسرائيل، لكن هذا لا يعني أن لو إسرائيل قالت حقيقة نسارع فوراً برفضها..هذا خطأ..فلو قالت مثلا إسرائيل أن (الظلم حرام) لا يعني ذلك عند المصريين أنه (حلال) بل هو حرام قولا واحدا..والترجيح هنا صفة المبادر والشخص الإيجابي الذي نطلبه، أن يكون مع الحق بصرف النظر عن ماهية قائله ..أو أن يطعن في نواياه..فالطعن في النوايا بالذات ليس من صفات الكائن الشجاع..بل هي صفات كائن أحمق متهور، لأن الشجاعة كما أنها تعني الإيجابية تعني أيضا الالتزام بخلق الشجاعة وهي (كف الأذى وصون اللسان) وحبذا لو تم ضرب الأمثلة على بعض شجعان العرب كعنترة بن شداد الذي ناضل من أجل حريته ومع ذلك لم يؤذ أحد بلسانه، وكان أعف قومه أخلاقاً وأحسنهم لفظا..

نقطة أخيرة في جزئية الشجاعة والإيجابية..وهي أن الطفل يحتاج دائما إلى مُحفّز معنوي ليواصل شجاعته أو أن يملك الإرادة ليُصبح شجاعا، والتحفيز المعنوي هنا قد يعني تذكيره بنجاحاته ومواهبه وقدراته المميزة في بعض الأشياء..حتى لو في اللعب، كذلك لا يُكثر المعلم من اللوم والتوبيخ له وتذكيره بمواطن نقصه أو ضعفه، بل لو ذكرت مواطن ضعفه يجب معها تحفيزه للتخلص منها وإعطائه الأمل أن ينتصر عليها بالكلية..

ضرورة إنشاء الطفل على مبدأ (الزهد والتواضع وحُرمة الغرور واعتبار الغرور والكِبر نقص فيه وسلوك سئ)

دائما أذكر نفسي أن أول شرط للزهد والتواضع هو أن يكون الشخص (موضوعيا) فلا يلجأ لأساليب عدوانية ولا أن يترك الفكرة ويذكر الشخص، كلها آفات دالة على الجهل والكراهية، أما الموضوعية هنا تعني احترام الرأي الآخر والرد عليه بعلم ورؤية متبصرة هادئة..قد لا يفهم الطفل ذلك في مرحلة متقدمة –كالابتدائية- ولكن مدخل أخلاقي بسيط وهو (الاحترام) يعني أن الطفل قد يصبح موضوعيا منذ صغره.

كذلك لا يتحدث الطفل في أمر يجهله وأن يملك الشجاعة للتعبير بجهله، كما في قوله تعالى.." ولا تقف ما ليس لك به علم"..[الإسراء : 36] والموضوعية هنا تعني الاعتراف بالقصور ..لا عيب في ذلك، سترى بنفسك كيف أن الطفل أصبح زاهدا بطريقة عملية..بعيداً عن تعقيدات الشيوخ وبعض التربويين بتركيزهم على تحصيل الزهد بقصص الصالحين، وهي قصص قد تناسب أشخاص لكن قد لا تناسب آخرين، لكنها في المجمل لا تناسب الأطفال خصوصا في المرحلة الابتدائية..فنحن هنا نريد أن يخرج الطفل زاهدا بطريقة عملية لا نظرية معتادة..

كذلك تتطلب الموضوعية عدم الحكم على الأشياء إلا (بدليل وحُجّة راسخة) كما في قوله تعالى.." يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم"..[الحجرات : 12] وأيضا في قوله تعالى.." يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين".. [الحجرات : 6].. والطفل هنا يجري تعليمه الآيات بطريقة (مسرحية) بحيث يدعي طفل على آخر أنه كذا وكذا بصفات سيئة فيسارع آخر بتصديقه، فيأتي ثالث بنهيه عن ذلك وتذكيره بالآية وأن العقل يتطلب منه التأكد واليقين بأدلة وحجج راسخة، وأن يُحسن الظن في الناس إلى أن يظهر منهم ما ينفي ذلك أيضا بأدلة قطعية لا شك فيها..

هذه كلها صفات الزاهدين..أنهم يؤثرون الحقيقة ولو على أنفسهم، ولا يسارعوا في تلبية رغباتهم أو الاستسلام لنزعاتهم العدوانية، وأذكر أن التطرف الديني والإرهاب بالعموم لم يظهر في العرب والمسلمين إلا بتلك الأخطاء التربوية التي جعلت الشباب يستسلم تماماً للشيوخ ودعاة الفتن، وأنهم منذ أن كانوا صغاراً لم يروا ضرورة الرد العلمي الموضوعي..بل التعصب فقط لرأيهم باعتباره هو (رأي الله) كما يزعمون..

ضرورة إنشاء الطفل على مبدأ (حُرمة إيذاء الآخرين لا بالقول ولا بالفعل)

ويتم ذلك بتدريب الأطفال على خُلُق (التأنّي والتروّي) يعني عدم الحكم على الأشياء بسرعة، وأن يأخذوا وقتهم بكل أريحية قبل الرد، وقبل الرد يجب أن يكونوا متسلحين بالمعلومات الكافية، فتدريب الطفل على التروّي يمنعه من أذى الآخرين، لأن غالبية من يؤذي الناس هم كائنات متهورة سريعة الأحكام، وهذا يتطلب كيفية التخلص من سرعة الأحكام هذه التي تجلب الأذى، وفي القرآن تحذير من ذلك، قال تعالى.." ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد"..[قـ : 18]

أعلم جيداً أن الطفل قد لا يعي ذلك، ولكن بتدريبه على التأني والتروي يجعله متحفظاً وممسكاً لسانه على الأذى، وبتطور الطفل في مراحله الدراسية مع احتفاظه بتلك الميزة يخرج إنساناً مثالياً رائعا، قليل الخوض في الناس ولا يعرف حتى كيفية أذيتهم، فما تلقاه في الصغر من تأني وتروّي حمله على أن يكبر ويشيب على العدل والهدوء والعلم.

لاحظ أيها القارئ أنني مع كل مبدأ تعليمي أستعمل لتحصيله (سلوك عملي) فالزهد يتطلب الموضوعية، وكف الأذى يتطلب تأنياً وتروّيا، والشجاعة تتطلب الإيجابية..وهكذا، فالتعليم المتخلف قائم بالأساس على طرق نظرية لتحصيل مواد نظرية، بينما الأصل أن المادة النظرية تحتاج لوسائل عملية مفهومة كي تصبح واقعاً معاشا.

ولفهم أصل المشكلة التعليمية أن الطريقة النظرية المستعملة الآن في مصر وأغلب بلاد العرب يُكثِر فيها المعلم من ذكر القصص التي تشتت انتباه الأطفال، وربما في بعض ملامح تلك القصص يأتي التعليم بنتائج عكسية، فالأسلوب القصصي مهما كان مفيدا في التربية إلا أن عدم تجريده وتفكيك القصص وفهم محتوياتها وملامحها قد تُنتج في الأخير حقيقة مزيفة أو لا تعني الأطفال بشئ، أو تثير انتباههم لأمور أخرى يفقد معها الطفل اعتداله وربما عقله في بعض الأحيان، ولنا في قصص شيوخ السلفية مثال، حيث استمدوا ذلك من الجانب الأدبي في التراث والمناسب لثقافات ناس ميتة منذ مئات -وربما آلاف- السنين، يُجبرون معها الأطفال على عيش زمان غير زمانهم، وربما ثقافة غير ثقافتهم.

وأذكر مثال على ذلك قصص السلفيين عن عقاب الله لمن يسمع الموسيقى، وهي قصص مفبركة ألّفها سكان الصحاري الذين –بحكم بيئتهم الصحراوية- لا يتعايشون مع الفنون، فإذا ذكرت تلك القصص في مجتمع متحضر -كمصر أو سوريا- فورا يتأثر الطالب بملامحها ويعتقد أن الله يأمره بكراهية المجتمع الذي يعيش فيه، وهذا منبع التطرف الديني الذي اجتاح العرب منذ 40 عاما إلى الآن..وخصوصا بعد انفتاحهم على مجتمع الصحراء في شبه الجزيرة العربية وامتلاك هذا المجتمع للبترول آنذاك والمال الوفير الذي عن طريقه نجحوا في نشر مذهبهم الصحراوي..حتى شاع ما يعرفه بعض المثقفين (بالتصحّر المعرفي) أي جفاف وفقر شديد للمعارف والعلوم عند العرب..

ضرورة تعليم الطفل (واقع العالَم الآن) بمنتهى الموضوعية والحيادية، ويفضل أن يكون ذلك في مرحلة متأخرة

أتذكر لما كنا صغارا في الثمانينات والتسعينات لم تكن المدرسة مهتمة بشرح واقع العالم لنا ولو بطريقة تناسب عقولنا في هذا السن، فنشأنا بعزلة تامة عن الواقع، كانت لهم حجتهم وهي عدم إشغال الطفل بمشاكل وهموم بلده صغيرا..والجواب: أن الطفل لا يدرك معنى الهموم والمشاكل أصلا في سنوات عمره الأولى إلى أن يبلغ –تقديرا- ما بين 16: 20 عاما، وكل شعوره بالمشاكل محدود داخل (دائرة مصالحه المادية) أي يريد الأموال لينفق، يريد حرية اللعب، يريد لباس جديد، يريد أصدقاء طيبين، يريد أصدقاء أقوياء يعتز بهم ويحموه.

وبالتالي عند الحديث معه عن الوطن أو الواقع العالمي والإقليمي يكون ذلك من باب (الاستئناس) أي زيادة في المعلومات والاهتمامات، تكبر معه حتى ينشأ رجلاً إيجابيا مشاركاً في الأحداث ولو برأيه، يمتلك ولو قدر ضعيف من المعلومات هو أفضل من غيره ممن يفتقر لتلك المعلومات بالكلية..وربما يلحظ مراحل تطور هذه المعلومات والاعتقادات لديه في الكبر فيفطن لأقرب حقيقة وتصور واقعي عن المشهد.

أي أن تعليم الأطفال هذه الجزئية في المنهج يكون من باب (المشاركة) فتدريبهم على طرح رأيهم بشجاعة.. وحضهم على الإطلاع واحترام الآخرين..سينتج حتماً (كائن مشارك) والمشاركة أحد سمات الشخص الإيجابي، وهي سمة مميزة تجعل المرء مبادرا على طول الخط، وحبذا لو تم شرح واقع العالم للأطفال بطريقة بسيطة، أي لا يتكلف المعلم –مثلا- في شرح (أزمة سوريا) بل اختصارها- حسب المنطق التنويري -بجيش يحمي الشعب ويحارب إرهابيين مجرمين، هذا له أثر كبير في نفسية وعقلية الطفل عندما يكبر، وقتها سيتذكر أن ما كان يحدث في سوريا مشكلة ثقافية بالأساس، وأنه مطالب بإجراءات احترازية ومقاومة لهذه الأفكار الضالة التي خربت المجتمعات.

ضرورة تأسيس أفكار الطفل باعتمادها على أساسيات (الإنسانية والأديان) 

والإنسانية تعني أن تكون واقعيا، فالطفل يجب أن يتشرب (فلسفة الواقع) القائلة بأن هذا الكون للجميع، وأنه لا كائن أفضل من آخر، بل الجميع يُكمّل بعضه بعضا، أي اعتقاد آخر يعني بحث ومفاضلة، هذا أسوأ وهذا أحسن..وبالتالي ينشغل الطفل في تقييم غيره وينسى نفسه، ومع الوقت يضيع آدميته إلى كائن آخر أكثر عدوانية وتصنيف..

هذا ما أسميه التربية على أساس (التكامل) لا (التفاضل) فكلاهما مبادئ رياضية صحيح لكن لهما انعكاس في الواقع غريب، بمعنى أن علوم الرياضيات ليست فقط مجرد علوم نظرية بل تمس حياتنا بشكل مباشر، والطفل الذي يتعلم مبدأ (التكامل) يصير كل الناس لديه سواسية، وهو مدخل مهم لأنسنة ذلك الطفل في مرحلة سنية مبكرة، كذلك فالأديان لا تتعارض مع مبدأ التكامل ففي الإسلام كل الناس خلقوا من طين، والأمر بالعبادة للجميع، ولا شعب أفضل من آخر، حتى في تقرير مصائر العباد في الآخرة منع الله أي احتكار للجنة أو الحقيقة المطلقة.

قال تعالى.." إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون".. [البقرة : 62]

وقال أيضا.." إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابؤون والنصارى من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون".. [المائدة : 69]

وقال أيضا.." إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة إن الله على كل شيء شهيد".. [الحج : 17]

وقال أيضا.." ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا ".. [النساء : 123]

الآيات الأربع تقرر مبدأ التكامل وأن كل الأمم والشعوب مهمتها فقط في الدنيا هي العمل، وأن الأفضلية والتفاضل ليس من سلطة بني البشر، وأن الجميع يدخل في رحمة الله، وبالتالي حين يخطئ أي طرف يتحمل هو (وحده) نتائج أخطاءه..هذه قمة الواقعية أن يتبرأ الإنسان من أي معتقد أيدلوجي أو مثالي يؤثر على طبيعته البشرية ويحوّله إلى كائن مسخ مهمته الوحيدة في الدنيا هي الكراهية

هذه الأفكار ربما لا يتقبلها الطفل في سن متقدمة، لذلك أنصح فقط بالمعيار وهو (التكامل) كمبدأ عام سهل وبسيط لا يجد المعلم أي جهد في شرحه، العقدة فقط في التفاصيل والشرح يمكن أن يغذى به الطفل في مراحل متأخرة..ربما تبدأ- مثلا-في الصف الخامس الابتدائي أو السادس، ففي هذا السن يبدأ الطفل في التفاعل مع مجتمعه والمشاركة، كمثال ما يحدث من اعتماد الوالدين على أطفالهم في هذا السن ..سواء في بعض الخدمات المنزلية والعائلية، وقتها يكون الإعلان عن حياة جديدة للطفل انتقل منها من مرحلة يكون فيها عالة ومتطفل إلى مرحلة يصبح فيها أهم ومشارك ضمن النسيج الأسري..

ضرورة تعليم الطفل المسلم على مبادئ (القرآن) فحسب..ويمنع منعاً باتاً تعليقه بأقوال المشايخ

وفي هذا الباب لما لأقوال المشايخ من آثار نفسية سيئة تبقى مع الطفل ربما حتى مماته، والسبب أن قوة أسلوب الشيخ ومعلوماته وتشويقه أو ربما ذكاءه الاجتماعي يجبر الطفل على تقليده..حتى لو كانت معلومات الشيخ كاذبة أو أفكاره عدوانية أو رجعية..إلخ..ومع تطور الطفل في مراحله العمرية المختلفة يتشرب مبدأ التقليد، ويصبح أي شخص ذو مهارة إلقائية وخطابية –كهذا الشيخ-يصلح لتقليده..

البديل أن يجري فقط تعليم الطفل مبادئ القرآن المستمدة من أحكامه الكلية، كحرية العقيدة والتكامل والسلام والعفو والحوار..إلخ مع غرس مبدأ الحرية بداخله يكون الطفل متشبع باستقلالية تحفظه من التقليد وتبعية الغير، ويُفضل أن يحضّ المعلم على (خطورة تقديسه) أي يعلم التلاميذ أنه شخص يصيب ويخطئ وأن مجاله فقط الدراسة، وأن الدين شأنك أنت مع الله ولا أحد –أياً كان هو –له سلطة أن يتدخل في تلك العلاقة..

ضرورة تحديد الهدف من تعليم الطفل كغاية إنشاء مجتمع متسامح وواقعي في نفس الوقت

هذه الجزئية بالذات محتاجة صبر وفهم من المعلم ، لأن أي محاولة لنسج خيال الطفل بمجتمع (متسامح مطلق) ستأتي بنتائج عكسية، ويصبح الطفل طوباويا مثاليا ، وبدلا من أن يعيش الواقع نعزله داخل أقفاص ودهاليز الأيدلوجيات..

والمعنى أن يفهم الطفل أنه (بشر) يصيب ويخطئ، وأن الخير والشر أصل في هذه الحياة، وأن الخير موجود لخدمة الإنسان ومن يخدمه سيفوز بالجنة، والعكس أن الشر موجود كصفة للإنسان الطمّاع والشهواني الذي يكره ولا يحب..يجهل ولا يعلم، وبالتالي فكرة إنشاء (مجتمع متسامح مطلق) أو (مجتمع ملائكي) هي مستحيلة ولا يمكن تحقيقها، بل الخير والشر يلازمان الإنسان حتى مماته..

المطلوب فقط أن نجتهد في هذه الدنيا لنُعلي نسبة الخير على الشر، وأن ننصر المظلوم على الظالم، وأن نعلم ولا نجهل، وأن نحب ولا نكره..وهكذا..والهدف إنشاء مجتمع قابل للحياة، فأي مجتمع تعلو فيه نسبة الشر والجهل على نسبة الخير والعلم هو مجتمع ظالم يموت بسرعة، وبالتالي أي جهد لنصرة الخير هو لاستمرارية الحياة بالأصل، وأي جهد لنشر العلم كي نواكب التطور الذي يحدث لنا وللعالم..

ضرورة تعليم الطفل (حقوق الإنسان)

هذه أهم جزئية تختصر منهج تربية الأطفال بالكامل، لذلك وضعتها الأخيرة، والمعنى أن كل ما سبق يلخص إيمان الطفل بحقوقه الشخصية على أنها نفس حقوق للآخرين، يعني لو من حقك تأكل ما تريد فالآخرين لهم نفس الحق، ولو من حقك تلبس ما تريد..فالآخرين لهم نفس الحق..وهكذا

حقوق الإنسان مقسمة ما بين حقوق طبيعية (ثابتة) لا يمكن تغييرها أو الاستغناء عنها أو المشاركة فيها مع أحد كحق الطعام والملبس والمشرب والسفر والحركة والرأي والعبادة أيضا..يعني هذه حقوق أصيلة لك باعتبارك إنسان تتمتع بها كما تتمتع بأملاكك، أما الحقوق الغير طبيعية وهي (المتغيرة والنسبية) كحقك في معاملة حسنة ووظيفة في الدولة وأصدقاء جيدين..وتأتي هذه الحقوق تبعا للدولة والمجتمع الذي تعيش فيه، كذلك تؤثر الظروف في هذه الحقوق أحيانا، وبعضها أيضا يتوقف على مهارتك وأسلوبك في التعامل، والبعض يتوقف على مشاركتك الاجتماعية وعلومك الشخصية..

هذا يعني أن أول مبدأ من مبادئ حقوق الإنسان أن تحترم حقوق الآخر الثابتة، كحقه أن يأكل ويشرب ما يريد، أن يعبد من يريد، أن يقول ما يريد..وهكذا، أما حقوق الآخرين في معاملتك لهم معاملة حسنة فهذا يتوقف على سلوكهم معك، وإن كنت أفضل أن يكون الإنسان مبادر وسبّاق بالخير..ومهم سياسة الضبط والربط، لأن جزء كبير في التعليم ليس في المادة التعليمية نفسها بل في القيود والقوانين التي توضع على الطفل في مقدمة حياته، وكما أشرنا في المنهج أن الطفل يدخل على مرحلة جديدة يجهل كل أبعادها، ويتخوف من طبيعتها ونتائجها، والتعامل معه يجب أن يكون بمنتهى الحذر حتى يعتاد الدراسة..

وفي الضبط والربط يجب مراعاة أن نسبة تقبل الطفل للتعليمات في عمر 6 سنوات هي نسبة قليلة جدا، تصل إلى حد العدم في بعض الأحيان، والسبب أن الطفل يتعامل (بإدراك حسي بديهي) مع الأشياء في هذا السن، أي يرى الأشياء بانطباعاته الشخصية، وليست بالضرورة أن تكون هذه الانطباعات سليمة، فلو سمع أو رأى أي تعليمات من المعلم ربما يخطئ في انطباعه ويفهمها بطريقة مختلفة عن المراد، كأن تطلب منه مثلا عدم الحركة إلا بإذن يعتقد أن عليه الحركة أولا وبعد ذلك يستأذن..

وقتها يعتقد المعلم أن الطفل تعمد الخطأ فيعاقبه، وهذا غير سليم، فالتفاعل بين الإدراك الحسي للطفل وبين نشاطه قليل في هذا السن، والوسيلة الوحيدة التي تزيد من هذا التفاعل وتجعل الطفل أكثر قابلية للفهم هو (اللعب) فعلى المعلم خصوصا في الفصلين الأول والثاني أن يتيح مجال أكبر للطفل أن يلعب، وفي تقديري أن نسبة الضبط والربط في هذا الفصل يجب أن تكون في أدنى معدلاتها وسأضع نسبة تقديرية تبدأ ما بين 20: 30% حسب رغبة ورؤية المعلم..

تزيد هذه النسبة بشكل تصاعدي بمقدار 10 أو 20% كل فصل دراسي، حتى إذا انتقل للصف السادس وقتها يكون الطفل قد تقبل معنى التعليمات وأصبح الانضباط سمة فيه بدون أن يكره المدرسة..

كذلك يجب التخفيف قدر الإمكان من الشروط القاسية التي يضعها بعض المعلمين، كمنع الطفل مثلا من الطعام والشراب داخل الفصل ، يجب السماح بذلك في حدود نسبة الضبط والربط المعلنة، على اعتبار أن الطفل هو (كائن مادي) في النهاية، ولا يعرف أي قيم، بل يتلقاها بالتقليد والترديد، وبالتالي حين يجوع أو يعطش أو يشتاق للحلوى مثلا على المعلم أن لا يمنعه من ذلك حسب نسبة الضبط والربط المعلنة، مع التنبيه عليه أن ذلك خطأ وغير مسموح، لكن تيسيرا عليه سنسمح له في حدود قد يراها المعلم مثلا في الالتزام بنظافة وشكل الفصل.

وكعادة المدارس يبدأ الطفل بتعلم اللغة المحلية، لغة الكتابة ولغة الصوت، فالحروف يتلقاها منفصلة ويتم تجميعها في كلمات ثم تُفكك بعد ذلك..وهكذا..والهدف أن يكتسب الطفل مهارة اللغة، لكن وبما أن هذا المقال مجرد خواطر فلن نستفيض في المواد الأخرى كاللغة والرياضيات والعلوم والدين، لكن أكتفي باستبدال مادة الدين بمادة (التنوير) وعلى المدرسة أن لو رأت تعارضاً بين الاستبدال وبين قوانين الوزارة أن تلحق التنوير بالدين كأن يتم (تنصيف) الحصة-مثلا- جزء للدين والآخر للتنوير، مع زيادة قليلة في زمن الحصة لو أمكن..

وعلى المعلم أن يشرح معنى الحب، وكيف أن الله خلقنا لنُحب وليس لنكره، مع شرح الفارق بين الحب والكراهية، وتأثير ذلك في حياتنا العملية، مع الوضع في الاعتبار أن الطفل قد لا يستوعب بعض هذه الشروح النظرية فيجب فورا تمثيل ذلك وأداءه بطريقة مسرحية، وأشدد أن المسرح في التربية جزء أساسي في التكوين.

قصدت بالحب لكي نعزل الطفل عن أي مشاعر سلبية وأفكار سيئة تلقاها في محيطه الأسري، فقد يتعرض الطفل للظلم أو الاضطهاد، أو أن يكونا أبويه على قدر قليل من العاطفة والذكاء فيعلمانه بطريقة غير سليمة، والبدء بالحب يعزل الطفل عن هذه البيئة بل وبفهمه لمعنى الحب قد يعشق مادة التنوير بالكامل..

يبدأ الطفل كالعادة بأن يفقه معنى حب الأرحام من الدرجة الأولى ثم الثانية، كحب الأبوين، أنا أحب أبي وأمي، أحب أخي وأختي، أحب خالتي وعمتي..إلخ..ثم حب الأصدقاء..أنا أحب صديقي فلان، وحب الزملاء في الفصل وحب المُعلّم..وهكذا..فالطفل يولد وهو لا يملك أي من تلك المقومات والمشاعر، وبتعليمه إياها وحضه على اكتسابها ترسخ في ذهنه كأصل تربوي.

بالمناسبة: تعليم الحب سأضعه في كل مراحل التنشئة ضروري، فالحب ليس مخصوص بفترة زمنية بل قيمة ومشاعر تعيش مع الإنسان حتى مماته، والسبب في وضعها في كل الصفوف الدراسية أن الطفل يتطور وتتطور معه المفاهيم، فإذا امتنعت عن تدريسه الحب بعد الصف الأول أو الثاني ستتكون لديه صورة جديدة عن الحب اكتسبها من محيطه الاجتماعي، وقد تكون هذه الصورة سلبية أو تتعارض مع الصورة الراسخة في ذهنه منذ الصف الأول، لذلك فمادة الحب رئيسية في تكوين الطفل في المرحلة الأساسية وعليه أن يفهمها ويستوعبها ، وإذا ما قدر لهذه المجموعة النجاح واستوعبت مادة الحب فسيخرج من بينهم الحكماء وذوو البصائر النافذة..

الحب كذلك سبب في زيادة معدل الذكاء، فالأصل في الذكاء (الارتياح) وفي تقديري أن أغبى الناس هم أكثرهم كراهية، وأضعف الناس كذلك هم من يكرهون، وبالتالي فالحب ليس فقط ذكاء..بل قوة وبصيرة وشخصية، والأنشطة التربوية القائمة الآن على مستوى الجمهورية لا تهتم بهذه المادة..بل لو ناقشتها فسيكون بطريقة عابرة أو مادة في صف دراسي واحد ثم تنتهي، وهذا خطأ كما أشرت، فتطور الطفل سيكسبه صورة جديدة عن مفهوم الحب..والفظيع أن يأخذها من شيخ..وقتها سيحب فقط المتدينين أو من يوافقوه الرأي..وهذا ضد منهج التنوير..

أخيرا: فالطفل الذي ينشأ في مجتمع متسامح يتعلم السماحة وحب الناس، والطفل الذي ينشأ في مجتمع عدواني يتعلم الكراهية والقتال، فعلى المدرسة والوزارة أن توفر بيئة التسامح للطفل، وأن يكون الحب قاعدة لتعليم هذه القيمة وتوفير تلك البيئة الطيبة..

اجمالي القراءات 517

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2012-09-25
مقالات منشورة : 712
اجمالي القراءات : 3,739,867
تعليقات له : 92
تعليقات عليه : 364
بلد الميلاد : Egypt
بلد الاقامة : Egypt