دراسة علمية عن الإخوان

خالد منتصر في السبت 28 ابريل 2018


وصلتنى تلك الرسالة من الصديق د. حاتم توفيق، يقول فيها: قرأت لك هذا الأسبوع كتاباً شديد الأهمية، مكتوباً باللغة الإنجليزية للمفكر المصرى الفذ وأستاذ علم الاجتماع السياسى بجامعة كامبريدج ببريطانيا د. حازم قنديل، وفيه يطرح الكاتب دراسة علمية منهجية لفكر جماعة الإخوان، وهى دراسة بحثية قحة لا دخل فيها للعواطف الإيجابية أو السلبية تجاه تلك الجماعة.

ويبدأ الكاتب بأطروحة أن فشل الجماعة يعود إلى ما يطلق عليه المؤلف نزعة الجماعة إلى معاداة المذهب العقلانى فى التفكير

ويسوق أدلة كثيرة على ذلك، منها مثلاً أسس اختيار وتجنيد الأعضاء الجدد، وما أثار انتباهى هو ما أشار إليه الكاتب أن الجماعة تشترط فى اختيار أعضائها منذ اللحظة الأولى أن يكون العضو متواضع الثقافة، متمتعاً بقدر يسير من المعلومات حول السياسة والتاريخ بل والدين أيضاً!!! وإن كان جامعياً، فإن الجماعة تتعمد تجنيد أعضائها من الكليات العلمية من طب وهندسة وصيدلة وعلوم وتتعمد إبعاد طلبة العلوم الإنسانية، مثل التاريخ والسياسة وعلم الاجتماع، تلك التخصصات التى تعتمد على الجدل والسجال بين نظرية وأخرى وهو ما لا تحتمله جماعة ترى أنها الحق المطلق، وفهمت أخيراً سر تفشى ظاهرة الأخونة والأسلمة فى كليات الطب، حيث لا وقت لهؤلاء الطلبة الغارقين فى دراستهم فى الجدل، ولا حتى التفكير فيما تفرضه عليهم الجماعة، فالمطلوب هو الطاعة العمياء لتفسير الإخوان الخاص للقرآن والسنة، تماماً كما يطيع الجندى قائده فى وقت الحرب بمعنى آخر المطلوب هو جندى للإخوان بعواطف جياشة وحب غريزى للدين بدون علم ولا عمق حتى لا يشكك فيما يتلى عليه وربما هذا الطرح يفسر أن فكر الإخوان كان وسيظل دائماً أيديولوجية بلا منظّرين. تعانى دائماً من الإفلاس العقلى وهو ما لمسناه جميعاً فى مشروع النهضة المهلهل الفضفاض وطائره الهلامى الذى لم يحط على أرض صلبة أبداً.

يفاجئنا الكاتب فى الفصل الثالث بأطروحة فلسفية تفسر كثيراً من تصرفات الإخوان وشعاراتهم العجيبة إبان حكمهم القصير لمصر، وهى ما يطلق عليها المؤلف أطروحة الحتمية الدينية، وهى أطروحة اقتبسها الإخوان بسطحية شديدة من الفلاسفة الماركسيين وأساسها تفسير إخوانى مغلوط لآيات الكتاب الحكيم «إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم»، حيث يرى المفكر الإخوانى (إن وجد) أن الطريق الصحيح لتحقيق النجاح الدنيوى هو التحول للنهج الإسلامى من لبس وطعام وكلام.. إلخ، وأنه إذا نجح الإخوان فى أسلمة المجتمع طبقاً لنهجهم الخاص، فإن ذلك سيؤدى تلقائياً إلى نصر من الله قريب، وازدهار للمجتمع على المستوى الاقتصادى والسياسى والعلمى دون أى مجهود دنيوى يذكر من قبل القائمين على الحكم من رجالات الإخوان، وهذا يفسر المقولة التى كان يرددها الإخوان على مسامعنا ليل نهار: «اصبروا على مرسى شوية»، فالصبر لم يكن لغرض تحقيق مجهودات تنموية ملموسة بقدر ما كان محاولة لإعطاء فرصة للرئيس السابق لالتقاط الأنفاس وأسلمة المجتمع الذى سينهض تلقائياً بعدها فى حتمية دينية سقطت سقوطاً مدوياً كنظرية فى يونيو 2013 وأصابت مريدى جماعة الإخوان بصدمة أيديولوجية ما زالوا يعانون من آثارها النفسية حتى اليوم بعدما أوهمهم منظّرو الإخوان من خطباء الاعتصام أن معتصمى رابعة هم «جيل النصر المنشود»، الذى سيعيد بناء المجتمع المسلم ويعيد مجد الإسلام السابق وتخليص الأمة من المنافقين والكفار (اللى هما إحنا أفراد الشعب المصرى).

وربما يفسر هذا التوجه الفلسفى لدى الإخوان المعنى الحقيقى لشعار الإخوان الفضفاض (الإسلام هو الحل)، الشعار الذى طالما طالبت أصدقائى من الإخوان بتفسيره، وربما خجل العقلاء منهم أن يشرح لجاهل مثلى المغزى الحقيقى من وجهة نظر الإخوان أن أسلمة المجتمع هى الطريق والغاية والوسيلة.

فى نهاية الكتاب، يطرح الكاتب أطروحة مفاجئة أن ثورة 25 يناير 2011 وليس فض اعتصام رابعة هو ما دفع الإخوان للعنف مرة أخرى، حيث يرى الكاتب أن اختفاء السلطة الحاكمة المفاجئ فى عدة دول عربية استراتيجية بعد 2011 خلق فراغاً هائلاً فى السلطة أشبه بالثقب الأسود شجع الإسلاميين المتطرفين من جميع أنحاء العالم على العودة للمنطقة إلى سيناء وليبيا وسوريا واليمن وخلق طبيعة تنافسية بين الفصائل الإسلامية المتناحرة البقاء فيها فى النهاية قد يكون للأكثر دموية بسبب ميل تلك الحركات الفطرى للعنف وهو ما دفع الإخوان للعنف مرة أخرى منذ 2011 أو على الأقل الإعداد والاستعداد جيداً له وهذا يفسر ما حدث فى مصر من أحداث عنف بعد 2013.

وماذا بعد، هل انتهى الفكر الإخوانى، وهل انتهت ظاهرة الأسلمة؟

اجمالي القراءات 1785

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
التعليقات (1)
1   تعليق بواسطة   أسامة فاخوري     في   الإثنين 30 ابريل 2018
[88528]

إيمان الضمير وإيمان التجنيد


الإيمان بين الضمير والتجنيد :


 


 إن حركات التدين السياسي (سلفية، وهابية، إخوان ...) تسعى لنشر نوع من التدين والإيمان، ألا وهو الإيمان بالتجنيد والقوة والإكراه، رغم أن التنزيل الحكيم يعارض هذا {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ۚ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} (البقرة 256)، فالإيمان الحق هو إيمان الضمير وبناء له، وهذا النوع - إيمان الضمير - هو الذي جاء به محمد عليه الصلاة والسلام، فنجد قوله عز وجل {وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ ۖ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا} (الإسراء 13) {بَلِ الْإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ} (القيامة 14). ونجد قول النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث المنسوب له (اسْتَفْتِ قَلْبَكَ وَاسْتَفْتِ نَفْسَكَ وإن أَفْتَاكَ النَّاسُ وَأَفْتَوْكَ).


وهذا الإيمان جاء من أجل بناء إنسان مستقل ذو ضمير وحكمة، وإنسان يحاسب نفسه بنفسه قبل الحساب الأخير عند رب العالمين، متيقنا أنه لا توجد وساطة بينه وبين ربه {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} (البقرة 186).


 


أما التيارات السياسية المتدينة - وليست الدينية - فلا تؤمن بهذا الإيمان ولا تعترف به، فمن وجهة نظرهم - كما ذكرنا سابقا - الإيمان كالتجنيد والخدمة العسكرية، فهم يأمرون أتباعهم بافعل ولا تفعل، ويجب على التابع أن يطيع وينقاض لأوامرهم وإلا سيغضبون عليه ويخرجونه من دائرة الرحمة التي يتوهمون أنهم يملكونها، وإذا غضبوا عليك فسيغضب الرب عليك، كما لو أن الرب عز وجل دمية في أيديهم ليسييرونه كيفما شاؤوا وأرادوا.


 


ولنأخذ بعض الأمثلة ليتبين أسلوبهم الوقح :


إذا قال لك شيخ منهم، يجب أن تكون لحية طويلة مقصوصة الشارب ولم تستجب لدعواه، فأنت من المغضوب عليهم.


وإذا قال لك أنه يجب عليك تغيير عملك (شغلك) لأنه عمل غير صالح - من وجهة نظره - لأن السلف لم يشتغل تلك المهنة - حتى وإن لم تكن في ذلك العصر - فيجب أن تطيع الفتاوى والأوامر وإلا ستصبح من الضالين والخارجين عن الدين، ويجوز قتلك حينئذ لأنهم يؤمنون بحد الردة، رغم أن القرآن ينكره {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَّمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا} (النساء 137).


لذلك تجدهم يؤمنون بأن كل فتوى تصدر منهم يجب أن تطاع وتسمع فورا وبدون نقاش، وهذا ما ذكره أسامة بن لادن في مذكراته، حيث قال أن أي شيء تريدون نشره في الأمة، فلينشر تحت مسمى الشيخ يوسف القرضاوي، كي تأخذ الصبغة والختم الديني، وكأن القرضاوي إله معبود.


 


أسامة فاخوري


باحث إسلامي


أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2007-01-12
مقالات منشورة : 289
اجمالي القراءات : 2,075,369
تعليقات له : 0
تعليقات عليه : 351
بلد الميلاد : Egypt
بلد الاقامة : Egypt