مشكلة مركزية الإنسان في الفقه الإسلامي.

مولود مدي في الأربعاء 27 ديسمبر 2017


لا مشكلة إن كان الإنسان متديّنًا، أو متبعًا مذهبًا معينًا، لكن المشكلة هي في حذف الحياة من طرف هذا التديّن ومن هذا المذهب، وفي تديين المفاهيم الوجودية وسلب معانيها المرسومة من الإله، فكان من المفروض أن الدين هو الذي يبحث عن الإنسان لكي يكون قربانه، مثلما قدمه لنا الأنبياء والحكماء، لكن أتى كهنة المعابد ليحولوا الإنسان إلى قربان للدين، لا قيمة له أمام هذا الأخير، محرّفين السبيل الذي رسمه الله له، ولهذا أصبحت المنظومة الفقهية الإسلامية بمبادئها الكهنوتية القديمة والعليلة، همّها هو الاحتراز من ضياع الدين وليس ضياع الإنسان، فعندما حمل أتباع المذاهب الإسلامية السيف، لم يفعلوا ذلك دفاعًا عن الإنسان وعدم إلحاق الضرر به، وإنما كان دفاعًا عن المقدّس حسب فهمهم.

لم يدرك الفقهاء المسلمون أن الدين دون الإنسان لا يساوي شيئًا، ولم يدركوا حقيقة مركزية الإنسان في الدين، فتزحزح مفهوم الدين إلى غير مفهومه الأصلي والذي هو الإصلاح، فالنبي محمد لم يكن يهذي عندما قال إن الإسلام لا يلغي الأديان الإبراهيمية السابقة؛ لأن كل الأديان قبل الإسلام كان لها الهدف نفسه والمفهوم الذي ذكرناه، واختلاف طريقة الوصول إلى ذلك المفهوم لم يكن إلا باختلاف الظروف التي ظهرت فيها، وقد كان لزامًا أن تختلف كل الطرق؛ لأن مصالح الإنسان كثيرة التقلّب مثل طباعه المتقلّبة، لكن على ما يبدو أن الفقهاء سواء شعروا أم لم يشعروا، قد حوّلوا الإسلام إلى دين للإفساد وليس للإصلاح فأصبح المسلم يخسر بسببه أكثر مما يكسب، فزادت عدد المساجد وانحط الإنسان وارتفعت منه خطابات الوعظ وضاع المسلم، وباسمه ارتكبت الجرائم في حق الإنسانية وبررتها منظومة فقهية قامت على التقليد والتكفير، بل أصبح الدين عند العرب ذا وجه قومي، بحيث إذا انبرى كهنة المعابد إلى الدفاع عن الموروث الفقهي ففي الحقيقة هم يقصدون الدفاع عن الآباء والأجداد وليس عن الدين، والمعضلة هي أنهم يفتخرون بما لديهم من الفقه ويقولون إن علوم الدين قد وصلت إلى ذروتها، بينما المسلم وصل إلى ذروة الانحطاط الفكري والخلقي.

ولأن هم المنظومة الفقهية الإسلامية، لم يكن يومًا خدمة الإنسان؛ لأن حسبهم هو الذي يجب أن يخدم الدين، أو إصلاح المجتمعات التي تسبّبوا بتفكيكها عن طريق المحاصصة الطائفية، أو نشر ثقافة العدل والمساواة التي لا توجد في قواميسهم؛ لأنهم يميّزون الناس على حسب المعتقد والجنس، واحترام حق الإنسان في الحياة، كان الهم هو الدين، حتى أصبح في يومنا هذا، الفقيه الفلاني أهم من الرسول، والدين أهم من الإنسان والرسول والله، فيكفي أن نلقي نظرة على أحد مكوّنات الموروث الفقهي الإسلامي، كعلم الكلام لنفهم أكثر ما نقول، أن علم الكلام الذي يفتخر به الفقهاء المسلمون، تسبب في ضياع المسلمين وتفريق صفوفهم لتضييعهم الوقت في جدالات عقيمة لم نر لها أي أثر في حياة المسلم؛ لأنه ببساطة لا مكان للمسلم في تلك الجدالات، فعلم الكلام انشغل بمواضيع الذات الإلهية وصفاتها، أكثر من انشغاله بعلاقة الإنسان بالله وبالعالم.

إن مشكلة المنظومة الفقهية الإسلامية، هي أن المواضيع التي تشكّلها، تسببت في ارتداد المعنى الديني وغموضه واختفاء موضوع الإنسان فيه تمامًا، والأخطر ضياع الفهم الأصلي البسيط للدين الذي تحوّل إلى طلاسم وألغاز، فما يجهله المسلم هو أن قيم الإسلام العظيمة هي قيم عابرة للمكان والزمان وهي غير قابلة للاختزال والحصر؛ لأن الدين لم ولن يكون علمًا، وإنما هو عبارة عن قيم ذاتية، أما المنظومة الفقهية الإسلامية فقد تسبّبت في غلق الدين على مفاهيم آبائية ومنع محاولة فهم النص من خارجه، وتسليط العرف والتقاليد المجتمعية أو بالأحرى شريعة الغاب على الدين، وبعد غياب مفهوما الحياة والإنسان في هذه المنظومة، حصل ما يسمّى بتوحّش المفاهيم في علاقة الإنسان مع الله والدين والآخر، وأبرزها مفهوم الجهاد وتأسيس العلاقة مع الآخر على أساس القوة والحرب والغلبة، وعلاقة الإنسان مع الله هي علاقة بين مستبدّ شديد البطش والعذاب بإنسان ضعيف لا حول ولا قوة له.

فمفتي مصر الدكتور «شوقي علام»، على سبيل المثال، في موقع «أخبارك» بتاريخ 31 مارس (آذار) 2017 أكد وجود أكثر من 3 آلاف فتوى لهدم الكنائس في مصر، وأغلبية تلك الفتاوى تحرّم التعايش مع المخالف دينيًا، والمدارس العربية وجامعاتها ما تزال تدرّس فتاوى عجيبة وتتمسك بها بطريقة عجيبة، رغم أنها أولى مراجع الإرهاب؛ ففي معاملة أهل الديانات الأخرى فحدث ولا حرج، فكتاب «روض المربع» ص 200 يقول «لا يدفنون في مقابرنا، يحذف مقدم رؤوسهم لا كعادة الأشراف، وشد زنار، وخاتم رصاص برقابهم، لهم ركوب الخيل كالحمير بغير سرج، لا يجوز تصديرهم في المجالس ولا القيام ولا بدؤهم بالسلام أو بكيف أصبحت أو أمسيت أو كيف حالك. ولا تهنئتهم وتعزيتهم وعيادتهم وشهادة أعيادهم، ويمنعون من إحداث كنائس. ومن بناء ما تهدم منها ولو ظلمًا» وفي كتاب «الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع» ج1 ص 73 في باب شروط الاستنجاء «فإذا كانت الأداة المستخدمة حجرًا فله شروطه: أن يكون جامدًا طاهرًا قالعًا، ولا يجوز استخدام الورق المحترم، وهو ما كتب عليه اسم معظم أو علم كحديث وفقه، لكن يجوز استخدام الورق غير المحترم مثل ما كتب فيه علوم الفلسفة أو المنطق، أو بورق التوراة والإنجيل شرط فحصها أولاً والتأكد أن اسم الله غير مذكور فيها»، فهل هذه هي رسالة الإسلام؟ هل بعث محمدًا رحمة للعالمين أم بعث بالسيف وجاءهم بالذبح؟.

إن الحل كما سبق وأن طرحه المفكّر «محمد أركون» هو إحلال الرؤية الإنسانية للعالم والإنسان، وإعادة إنتاج دور الدين في المجتمع بالعودة إلى أصوله الأولى، وشرطه الأول هو تحرير عقل المسلم من المكبّلات الكهنوتية التي تسيطر عليه، وفتحه على التأويل الحر والمختلف وإقامة علاقة جديدة بين الإنسان والنص والإنسان والعالم، تكون الأسبقية فيها للإنسان، إذ يكون الدين معبّرًا عن مصالحه وتأويل نصوصه يتم بعيدًا عن كل محدّداته القبلية، من أجل إعادة تشكيل المجتمعات الإسلامية وفق أسس حديثة، فالتشريع والفقه عمومًا، هو مادة إنسانية محضة، وبالرغم من بزوغ بعض الآراء الفقهية الثورية في الفقه الإسلامي التي تدعم طرحنا الشخصي، فإنها أجهضت عمدًا، مثل آراء المعتزلة، أو المقولة التاريخية للفقيه الحنبلي «نجم الدين الطوفي» الذي ظهر في القرن الثالث عشر، «أي تشريع لا يراعي مفهوم المصلحة فهو باطل»، ومن يحدد المصلحة؟ المصلحة يحدّدها الواقع، أو كما يسمّيها الإمام الجويني «التقلّب في المعاش»، لذلك المغالطة المنتشرة حاليًا في المجتمعات الإسلامية، هي أن مصلحة الإنسان تحدد قبليًا عن طريق شريعة الغاب السلفية والتي يسمّيها الإسلاميون «الشريعة الإسلامية» التي رأينا نتائجها في أفغانستان ذات يوم، وهذه أكذوبة كبيرة ساهمت في استسلام المسلم لآراء سدنة المعابد، بإيهامه بأنه هو المطالب بالتكيّف مع المصالح حسب القوانين، وليس العكس.

اجمالي القراءات 4773

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2017-04-13
مقالات منشورة : 58
اجمالي القراءات : 211,524
تعليقات له : 23
تعليقات عليه : 39
بلد الميلاد : Algeria
بلد الاقامة : Algeria