عصا موسى وعصا فرعون

د.حسن أحمد عمر في الثلاثاء 10 ابريل 2007


"هكذا

كثيرون هم من يفضلون العنف منهجأ , والتخويف مسلكأ لقهر الآخر وفرض رأيهم عليه قوة واقتدارأ , ومن أسف أن نجد الموروثات الإجتماعية تؤيد هذا المبدأ المرفوض وتؤكد عليه , فكلما غدوت و عدت قابلتك ثقافة لها العجب تعتمد القوة منهجأ , والتخويف مسلكأ للوصول لما يريدونه , وتحقيق ما يحلمون به , فانظر معى لتلك الأمثلة وتفكر معى فى نشأتها وكيف انتشرت فى مجتمعاتنا وتشربها الناس تشرب الظمآن للماء :


1- ناس تخاف ما تختشيش :
لا يمكن لأحدنا أن ينكر أنه يسمع هذا المثل يوميأ عدة مرات فى عدة أماكن , ومفاده أن الناس الذين يتعامل معهم لن يحترموه ولن يؤدوا طلباته , ويحققوا أهدافه إلا إذا خافوا منه بأى وسيلة من وسائل الخوف , كأن يوحى لهم بأنه يملك اقارب ذوى سلطان كبير فى البلد , وبيدهم أن ينفعوا ويضروا فيخشى منه الطرف المقابل , ويخضع لما يريد , أو يخيفه بأنه يستطيع أن يضربه فى مكان ما أو يدفع لمجموعة متشردين للإقتصاص منه إذا لم يحقق المطلوب منه , أو يوحى له أنه تربطه علاقة قرابة أو صداقة مع شخص مؤثر يمكن أن يفصله من عمله , أو يدخله فى سين وجيم لا ينتهى منها , والغريب أن الإنسان الذى يستعمل هذا المنهج يؤمن به جيدأ وهو فى قرارة نفسه متأكد أنه لو لم يستخدم أسلوب فرد العضلات أو قرص الأذن , أو تخويف الطرف الآخر بأى أسلوب يروق له فلن يحصل على مراده من خدمات أو علاوات أو ترقيات أو حتى أشياءاً ليست من حقه , وبعد ذلك يردد هذه الحكاية فى كل مكان ويتبعها بما آمن به ( ناس تخاف ما تختشيش ) .
2- بين له العين الحمرة :
يأتى شخص ما من مكان معين يحكى لصديقه أو زميله قصة معينة مع شخص آخر ويرى أنه كان مظلوماً فيها فيرد عليه صاحبه أو أخوه أو زميله قائلأ ( بينت له العين الحمرة ؟ ) يعنى كشرت عن أنيابك وأنت تتكلم معه ؟ أم كلمته بأدب ؟ فإذا اتضح أنه كلم المذكور بأدب .. صاح فيه ناصحه : روح بين له العين الحمرة وعرفه مقامه وهو يخاف منك ويعمل لك ألف حساب وتحصل على مرادك وبدون العين الحمراء ستنداس تحت الأقدام , أنت لا تدرى كيف يفكر هؤلاء دول ناس مايجوش بالأدب والذوق دول ييجوا بالعين الحمرة .
3- عصاية موسى وعصاية فرعون :
وهى سياسة العصا والجزرة وتستخدمها الدول ضد بعضها وكبار السياسيين فى المؤتمرات والمؤامرات , والأنكى أن يستخدمها الناس العاديون فى الشوارع وفى الشركات وفى أماكن العمل فيستخدمون حيلة ذكية بها حوافز وتشويق ( الجزرة أو عصا موسى كما يدعون ) فيقدمون رشوة مالية أو دعوة على سهرة مية مية , فإذا لم تفلح هذه الطريقة كان البديل هو الإرهاب والتخويف بقطع لقمة العيش أو خطف الأبناء أو الضرب بيد بعض المأجورين أو حتى الإغتيال إذا لزم الأمر وهذا ما يطلقون عليه ( عصا فرعون ) لما تميز به فرعون من كفر وجبروت وبشاعة وإجرام لم يشهد لهما التاريخ مثالأ .ومما لا شك فيه أن هناك اشخاص يطبقون العدل فى حياتهم فلا يهتمون بالرشوة ولا يوافقون على السهرة , ولا يخشون التهديد , ولا يعملون حساباً للوعيد حتى لو فقدوا مناصبهم أو حياتهم , يموتون فى سبيل كرامتهم والدفاع عن مبدأهم غيرا عابئين بأى تهديدات او إغراءات .
4- دبحت لها القطة ليلة الدخلة ؟؟:
حتى العروس المسكينة ليلة زفافها , تواجه بهذا التخلف فى معظم البيئات العادية حيث يكون لدى زوجها فكرة مسبقة أنه يجب أن يذبح لها القطة ليلة الدخلة حتى تعرف أنه قاسى ومش سهل وواد فتك ودموى فلا تمتطيه ولاتركبه حمارأ وتدلدل ساقيها على ظهره قائلة ( حاه يا حمار ) .. فيمسك لها ليلة الدخلة على أهيف شىء لكى يضربها علقة سخنة فتعرف أنه الفتى الهمام والفارس المقدام , فتعيش خائفة منه خاضعة له طول العمر .. وينجح البعض فى إرهاب المرأة بهذه الطريقة فترة زمنية معينة ولكن فى أغلب الأحيان تنتهى حياتهم الزوجية إما بطلاق , وإما بتقطيعه فى أكياس بلاستيك وتوزيعها على صناديق الزبالة .. ولكن موضوع ذبح القطة ليلة الزفاف لا ينجح فى أغلب الأحوال حيث تمتطى المرأة رجلها ويعيش العمر رهن إشارتها ويلقى تحقيراً وتوبيخاً من الأهل والأقارب كلما غدا أو راح ويسمونه ( حمار المرأة ) أي أنه لا يستطيع السيطرة عليها ولا يرهبها ولا تخشى منه .. أو باختصار يحبها و يحترمها ويقدرها كإنسان ويزن رأيها فى كل أمور حياته .. ولكن الكثير من البيئات المتخلفة يعتبرون ذلك عيباً كبيراً فى الرجل إذ لا يزالون ينظرون للمرأة كمخلوق من الدرجة الثانية تابع خاضع للرجل بلا رأى أو فكر .
5- الطيب فى الزمن ده يقولوا عليه ضعيف :
الكثيرون طيبون ومسالمون يحبون الحياة ويحبون السلام ويسعون خلف الإستقرار والطمأنينة , ولكنهم , وبحكم الظروف يتعرضون لمواقف صعبة وقاسية ومحرجة فى الشارع والمواصلات وأقسام الشرطة ومصالح الحكومة ومع جيرانهم وزملائهم في العمل , ولأنهم طيبون فإنهم تغلب عليهم طيبتهم ويتعاملون بالحسنى , فمن الناس من يقدر أدبهم وإخلاصهم وطيبتهم , ومن الناس من يعتقد أنهم ضعفاء , فإذا ذهب الواحد منهم وقص إحدى قصصه فى الطيبة والأدب والتسامح سمع الناصحين اللئام يقولون له : الطيب فى الزمن ده يقولوا عليه ضعيف , فيحاول قدر الإمكان أن يتخلى عن طيبته ويتخذ القسوة سبيلاً حتى لا يقال عنه أنه ضعيف .. ولقد عاصرت آلاف الأمثلة الحية لهؤلاء الطيبين الذين تحملوا الكثير بسبب أدبهم وطيبتهم ولكنهم ملوا الظلم والذل خاصة أن معظم المتعاملين معهم من نوعية ( ناس تخاف ما تختشيش ) كما أسلفنا , فيحدث لهم تحول تدريجي فى مكوناتهم الشخصية وينطبق عليهم المثل القائل ( إتق شر الحليم إذا غضب ) .
6- الكف السابق سابق :
مثل سىء جدأ , وفيه دعوة قبيحة للبدء بالاعتداء وهو ما يخالف كل الشرائع السماوية والقوانين الإنسانية العادلة , ويعتقد مروجو هذا المثل أن من يبدأ بالضرب أو العدوان يكسب المعركة مهما طاله من ضرب من الطرف الآخر , ومهما حاق به من خسائر , وهى نظرة قاصرة وتافهة إذ أنها تلغى وجهة نظر الآخرين فى البادئ بالاعتداء حيث يظل دائما هو الأقل خلقاً والأدنى منزلة ولدينا مثل مهم جدا وصحيح جدا هو ( البادئ بالشر أظلم ) وطبعاً يستحق هذا البادئ بالشر كل ما يحدث له بعد ذلك ولا يجد من يؤيده أو يسانده أو يقف إلى جواره .
7- خدوهم بالصوت لا يغلبوكم :
مثل تافه أيضاً يدعو أحد الظلمة أو المعتدين لرفع صوته جدا بالتهديد والوعيد ضد من يطلب حقه منه معتقداً بذلك أنه سيخيف المطالب بحقه ويقهره ويرغمه على التنازل عندما يرفع له صوته بشكل حاد ويغير من ملامح وجهه ببضعة حركات بهلوانية توحي للطرف المطالب بحقه أن يسكت ويصمت ويكف وإلا ناله عقاب خطير من هذا الحقير .

إستخدام القوة والعنف سواء بالتصريح أو التلميح للحصول على ما نريد هي ثقافة اجتماعية غاية في السوء والاندحار الأخلاقي وهى موروثة من جيل لجيل , نتمنى التخلص منها لتسود ثقافة المحبة والتسامح ويحصل كل إنسان على حقه الطبيعي بأدب وشرعية وكرامة .

اجمالي القراءات 20276

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
التعليقات (6)
1   تعليق بواسطة   لطفية احمد     في   الثلاثاء 10 ابريل 2007
[5490]

الإنسان بين أمرين

الإنسان في هذه الحياة مطالب بأن يحدد هويته وشخصيته لمن يحيطون به. ولابد من أن يصلوا إلى تحديد وإلا قالوا إنهم لا يفهمونه أو أنه غامض ويقولون في هذا الشأن أيضا "اشتري منه وما تبعلوش "
الحقيقة أن هذه الآمثال توارثناها، وأصبحت لغة تحظى بالتصديق . ولكن لابد من انتقاء الامثال الجيدة وأخذ منها العبر، لأنها تعبر عن تجارب حقيقة وصادقة وإبعاد غيرهاوالفيصل قي ذلك للإنسان فليس مطلوبا منه على طول الخط بأن يمسك بعصا موسى ، وأيضا هناك بعض المواقف التي لا يصلح معها إلا عصا فرعون.
وفي النهاية تحية من القلب للدكتور حسن على هذا المقال الجيد .

2   تعليق بواسطة   آية محمد     في   الثلاثاء 10 ابريل 2007
[5502]

القهر والخوف سمة عربية أصيلة

شكرا د. حسن على المقال. للأسف سياسة الأمر والتنفيذ متأصلة فى العرب حتي من بعد وصول رسالة الإسلام السمحة. فالتاريخ الإسلامي الأول خير دليل على القهر وأن العصى كانت جاهزة لمن عصى أي أمر يأتي من أولى القوة والجبروت.
يبدو أن المنطقة العربية كلها قد تشبعت بهذا السلوك وأصبح من الصعب تغيره الآن ولكن أدعو الله أن يمن على منطقتنا بحب الكرامة والعزة بعيدا عن الخوف من خفافيش الظلام.
وشكرا...

3   تعليق بواسطة   عثمان محمد علي     في   الأربعاء 11 ابريل 2007
[5524]

فين حقن الوريد يا دكتور؟؟؟

اخى الحبيب الغالى د- حسن _ عندى كلمتين حأقولهم لك واجرى قبل ما تضربنى(ههههههههههه)) مقالتك حلوه قوى قوى ولكن ؟؟هذه مقالة الصحفى \حسن أحمد عمر ..فأين مقالة المسلم القرآنى \حسن أحمد عمر -الذى ينقد العادات والتقاليد وألامثال على اساس قرآنى:::: ويحكم على العادت والتقاليد وألامثال من خلال القرآن الكريم ...والتى تظهر فيها بصمة (المسلم القرآنى)التى لو قرأها اى أحد يعلم ان هذه المقاله كتبها مسلم قرآنى وليس مجرد ناقد للعادات والتقاليد....فمثلا عند مناقشة المثل القائل (4- دبحت لها القطة ليلة الدخلة ؟؟: )لم تشر ابدا إلى مخالفة هذا المثل صراحة إلى العرف القرآنى والتعاليم القرآنيه فى الموده والسكينه والمعاشره بالمعروف والتقوى وووووو.فيا صديقى المقاله ممتازه (إجتماعيا )ولكن نريدها بناءه وملفته إلى غفلة الناس عن القرآن وتعاليمه وندعوهم للعوده إليه مرة أخرى وضبط إيقاع حياتهم على تعاليمه الراقيه إن أمكن ....ولك خالص شكرى وتحياتى..
(وحياتى عندك ما تضرب قوى علشان انا إبن عمتك يا إبن خالى هههههههههههه)

4   تعليق بواسطة   د.حسن أحمد عمر     في   الأربعاء 11 ابريل 2007
[5533]

أختى الفاضلة الأستاذة لطفية أحمد

تحياتى لكم
شكرا على مروركم وتعليقكم الكريم , ولكن صراحة رغم وجود مواقف قد تحتاج لعصا فرعون إلا أننى لا أوافق على استخدام هذه العصا مهما كانت الأسباب , ,افضل دائمأ عصا موسى التى تتسم بالحكمة والمحبة والسلام واللين والصدق والحق. شكرا لك

5   تعليق بواسطة   د.حسن أحمد عمر     في   الأربعاء 11 ابريل 2007
[5534]

أختى الفاضلة الأستاذة آية محمد

تحياتى لكم
فعلأ أكثر إنسان فى الدنيا الآن يستخدم العنف المعنوى والمادى لتحقيق مآربه هو الإنسان العربى على مستوى الأفراد وليس على مستوى الدول , وهو- أى العنف - وليد أكثر من ألف عام من التخبط الفكرى والفقهى والعلمى والدينى والإجتماعى , وأعتقد أننا كعرب سنحتاج لألف سنة أخرى حتى نعرف معنى الحب والسلام وتوصيل المعلومة بأدب والحصول على ما نريد بطريقة شرعية مهذبة , حتى الدعوة إلى الله تعالى تتم بالعنف والجبروت والتخويف , وتجعل من كان يحب أن يفهم يفضل عدم الفهم ليمر بسلام من بين هؤلاء الذين يرهبونه ويخيفونه ويهددونه ويكفرونه بمجرد أن يحرك عقله أو أن يفكر , حسبنا الله ونعم الوكيل.
شكرا لك

6   تعليق بواسطة   د.حسن أحمد عمر     في   الأربعاء 11 ابريل 2007
[5535]

أخى الحبيب د عثمان

تحياتى لك من القلب
حقن وريد ايه يا ريس , هذا مقال إجتماعى يناقش أمثلة شعبية سائدة منذ قرون فى المجتمع العربى , ويحاول أن يتوقف عند أسبابها وطرق علاجها , ولا أقول لك أن القرآن ليس له دور هنا حاشا لله تعالى ولكننى أكتب هنا مقالأ إجتماعيا ,اطرح الحلول من وجهة نظر إجتماعية , وكل الناس الذين ينهجون نهج العنف يؤمنون من أعماقهم أن هذا العنف يخالف القرآن وكل الشرائع السماوية , ولكنهم يمارسون العنف رغم ذلك وحججهم فى ذلك داحضة ولكنه الطمع والرغبة الجامحة فى الحصول على المآرب مهما كانت التضحيات .
شكرا لك صديقى الغالى

أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2006-09-03
مقالات منشورة : 209
اجمالي القراءات : 2,836,047
تعليقات له : 1,171
تعليقات عليه : 1,054
بلد الميلاد : Egypt
بلد الاقامة : USA