الدروز.. مجمع الأديان

سامح عسكر في السبت 23 يوليو 2016


الدروز

أو الموحدون

دعوة للاطلاع على هذا الدين أو المذهب الذي في كثير من جوانبه غامض حتى للمثقفين، وفي هذه السطور سنبحر من مصادر متعددة للوقوف على أوضح صورة للدروز..أو الموحدون كما يُحبوا أن يُطلق عليهم..أو بني معروف كما يعشقوا هذه التسمية..وسنبحر كذلك في عقائدهم حتى يرى السامع والبصير أن هذه الديانة حَوَت من كل الأديان الرئيسة في العالم، وأن مبدأ التوحيد لديهم غير قاصر على توحيد الإله..بل توحيد البشر أنفسهم بزعم وحدة الأديان وبيان أن أصلها وفصلها واحد..

مبدئيا هناك آداب يجب أن تُراعى حين الحديث عن الأديان، أولها وأهمها نقل الصورة التي يتحمس لها ذلك المتدين، وهو ما يعني حُرمة النقل من خصومه الذين بالطبع سيعرضون صورة شريرة تتنكر للحق وتُعادي المؤمنين وتحقد على الشعوب، وهي صورة- في الأغلب- منطبعة عند ذوي الأديان، ثاني هذه المبادئ هو التوسع في النقل والتحليل من مصادر متعددة.. وعدم ترجيح أي رأي كي لا يجعل نفسه حَكَماً في النهاية على ذلك الدين بشكل مطلق، ويقتصر رأيه فقط في التحليل والتفكيك والتجريد، ثم بعد ذلك النقد، وهي مهمة شاقة بالتأكيد تتطلب معارف لا حصر لها..

وفي ظني أن أكثر من كتب عن الدروز لم يراعوا هذا السلوك فوقعوا في الكذب تارة وفي الاختزال تارةً أخرى، في النهاية سيؤدي ذلك لا محالة إلى تجهيل المجتمعات، وهي النتيجة الطبيعية لتصدر الشيوخ ورجال الدين ساحة الثقافة، فهم غير مؤتمنين على العلم وتسود خطابهم روح الكراهية.

ولمعرفة من هم الدروز يجب أولاً فهم أصل التسمية أو النشأة

توجد ثلاثة روايات عن نشأتهم نعرضها بلا ترجيح

الأولى: كانوا قبائل عربية تسكن جبل لبنان استعان بهم العباسيون لصد الغزوات الصليبية، وبعد تمكن الفاطميين من لبنان اعتنقوا المذهب الإسماعيلي بشكل جماعي..وبعد ظهور دعوة الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله (ت 411هـ) تأثروا بدعوته التي كانت في جانب كبير منها ديني إصلاحي..

الثانية: كانوا معارضين لمجمع نيقية المسيحي المنعقد سنة 325م، وهو ما يعني أن وجودهم سابق الإسلام ،وبذرتهم في معارضة سلطة روما في القسطنطينية من الشام..وحين قدوم العرب للشام أجبروهم على اعتناق الإسلام في العصر الأموي..فتعاطفوا مع الشيعة المعارضين آنذاك، واستمروا في المعارضة طيلة الفترة العباسية إلى أن ظهرت الدعوة الفاطمية في المغرب انقمسوا حينها إلى فريقين، الأول سني أطلق على نفسه.."دولة الموحدين".. في القرن 12 الميلادي، والثاني شيعي مؤيد للسلطة الفاطمية وأطلقوا على أنفسهم أيضاً .."الموحدون"..

وعلى ما يبدو أن أصل هذه الرؤية يدور حول تسميتهم بالموحدين الذي يقوم على معارضة مجمع نيقية وما انتهى إليه من إعلان (الثالوث المسيحي) وبحكم موقعهم في المعارضة كان يجب التمييز بإسم آخر ومدلول مختلف وهو التوحيد..

الثالثة: بعد إعلان الحاكم بأمر الله نفسه خليفة اتجه إلى إصلاح ما أفسده الإخشيد في مصر من انحراف خُلقي فشرع في تسمية بعض القوانين التي كانت في جزء منها غريب..لكن هذا يعود بالأصل لرؤيته الإصلاحية المتمردة على السائد..فاستعان باثنين من كبار علمائه في نشر دعوته وهما نشتكين الدَرَزي (ت 411هـ) وحمزة بن علي (ت 433هـ)، لكن نشب صراع بين الإثنين في النهاية أدى لمقتل نشتكين وتمكن حمزة الذي شرع في وضع فلسفة الدعوة..أو ما تُعرف برسائل الحكمة ومصحف .."المنفرد بذاته"...

واضح من الروايات الثلاث أن نشأة الدرزية كجماعة أو طائفة حدثت في العصر الفاطمي وبالتحديد فترة الحاكم بأمر الله، ولكن الاختلاف في دوافع وأحداث تلك النشأة، كذلك واضح أنهم جماعة تحكمهم روابط القبيلة والجغرافيا قبل الدين بدلالتين: الأولى :طبيعتهم العشائرية الحالية التي تتكون من عشائر آل بحتر وآل تنوخ وعشائر أخرى، الثانية :بجمع الروايتين الأولى والثانية لنشأتهم يتضح أنهم قبائل تسكن منطقة الشام، وبإضافة الرواية الثالثة التي دارت أحداثها في مصر يظهر أن أصل دعوتهم في القاهرة..وفور وصول الدعوة لديهم في الشام استجابوا لها بسرعة.

يُرجى العلم أن لقب الدروز ليس محببا لديهم، فهم يفضلون بني معروف أو الموحدين، كذلك أغلب ما قيل فيهم من مؤرخي السنة-في تقديري – هو ثمرة صراع نشتكين ضد حمزة بن علي إبان صراعهم الشهير في القرن الخامس الهجري ، فالسنة يتهموهم بذم الأنبياء وإسقاط فراض الدين وهي –ربما- كانت اتهامات نشتكين لحمزة، كذلك يتهموهم بتأليه الحاكم بأمر الله وهي التهمة التي لاحقت نشتكين من أنصار حمزة ومن العوام، أي أن وضعهم الحالي وعقيدتهم بحاجة إلى بحث وتدقيق خصوصا في الجذور.

أما تسمية الدروز ففيه أربعة أقوال، الأول: أنه لفظ فارسي معرب من (دُروز) أطلق على نشتكين، ويعني الوضاعة الاجتماعية ، فلان درزي أي أنه وضيع، ويوجد اختلاف هجائي..هل الدروز أصلها بفتح الدال أو ضمها، ويعني هذا التفسير أنه لقب أطلق عليهم-وعلى نشتكين- دون رغبة، وبفضل عزلتهم العشائرية توسع المفهوم وانتشر وأصبح يلاصق أي موحد، الثاني: أنه لفظ فارسي معرب أيضا ولكن من (دَرَز) ويعني النعيم، وبالتالي الدروز هم (أهل النعيم) وهي تسمية تشبه مدلول الفرقة الناجية التي يعتقدها كل دين ومذهب..

الثالث: نسبة لأنوشتكين الدُرزي (والذي يقال عليه الدوزبري) وصاحب هذا الرأي هو غالب أبو مصلح في كتابه.."الدروز في ظل الاحتلال الإسرائيلي"..عن علي سليم الهشي في كتابه .."الاسماعيليون عبر التاريخ".. ولا أرجح هذا الرأي بسبب تسمية أنوشتكين بالدوزبري وليس الدُرزي تاريخيا، الرابع : أنه العلم أو المعرفة في اليونانية القديمة drous ومنه اشتق إسم (دروس) على جلسات العلم في العربية، ونشتكين كان مهتم بالفلسفة اليونانية، والأقرب لديهم أن التسمية أطلقت على نشتكين تيمنا بالعلم اليوناني، لذلك يعدهم بعض الباحثين أنهم مزيج من فلسفات المشرق واليونان، ولاعتقادهم بتناسخ الأرواح عدهم البعض مزيج من التوحيد الإسلامي والفلسفة اليونانية مع تأثيرات هندوسية.

نعم التناسخ أو ما يدعي بتقمص الأرواح موجود في الدرزية عبر ما يُعرف.."بميثاق ولي الزمان"..ويعني العهد الجديد للإنسان المتمرد على وضعه القديم، وهو مجموعة أفكار ورؤى فلسفية تعارف عليها الدروز في طور النشأة، وفي بنود هذا الميثاق أن روح الإنسان تتنقل عبر الأجيال، وإيمانها بذلك الميثاق ضمانة للتوحيد وحصنا ضد البدع والأهواء، وهذا يعني إيمانهم بأن الجسد مجرد وعاء يفنى ويتبدل مع خلود الروح، وهي نفس فكرة التناسخ عند الهندوس، لكن ولغموض الدرزية لا زال موقفهم من التناسخ غير واضح بشكل كلي..هل هم يؤمنون بالتناسخ المطلق الهندوسي ..وبالتالي لا جنة ولا نار في عالم الغيب..أم بتناسخ محدود ينتهي بقيام الساعة..سنرى ذلك بعد قليل..

إن إيمان الدروز بالقرآن الكريم وتفسيرهم له ..ثم تسمية أنفسهم بالموحدين يجعلهم مسلمين ، لكن ضمهم فكرة التناسخ وعدم استيضاحها وتمييزها عن الهندوس أحدث لبساً عند بقية المسلمين وجعل الكثير منهم يعدوهم فرقة غير مسلمة، ربما يملكون رؤية فلسفية للتناسخ -لا أعرفها -تكون مميزة عن الهندوس، لأنه لو ثبت إيمانهم بالتقمص المطلق في حين القرآن يؤكد على البعث وعلى المعاد يعني إنكار لحقائق القرآن..فلا معنى إذن لإيمانهم به..ويجب حسم هذه المسألة بشكل واضح..ولا يعني ذلك تمييزهم بالكفر كما يفعل المتطرفين..فاللدروز عقائدهم وقناعاتهم في النهاية وهم غير ملزمين بشرح ما هم عليه..ووجوب حسم مسألة التناسخ لغرض معرفي أصيل..

كذلك فانتماء الدروز للشيعة في تقديري هو .."انتماء تاريخي"..أكثر من انتمائهم العقدي والفقهي، وذلك بحُكم معارضتهم للبيتين الأموي والعباسي طيلة 6 قرون كاملة اجتمع فيها الدروز والشيعة سياسيا (وهو ما سنتعرض له في الشق التاريخي)، أما في العقائد فتوجد اختلافات جذرية وتباينات منهجية، كاختلافهم في الإمامة والرجعة، وهذا جانب في مقارنة الأديان مهم جدا وشيق لدى الباحثين..ولكن لكون الحاكم بأمر الله إسماعيلي فتأثر جانب كبير في فلسفتهم وشعورهم الديني بالاسماعيلية، وهو شعور شيعي بالأساس..أي يتحدون مع الشيعة في حب آل البيت وتقديس رموزهم، وقد وضح ذلك في موقفهم من الصحابيين علي بن أبي طالب وسلمان الفارسي.

ولاختصار ذلك كله وتنظيم البحث سنعرض فرقة الدروز عبر جانبين، الأول تاريخي والثاني فكري

أولاً : الجانب التاريخي

تاريخهم الرسمي يبدأ من عام 410 هـ، وهي السنة التي انتصر فيها حمزة بن علي على نشتكين الدَرَزي في معركة حدثت في القاهرة قبل غيبة الحاكم بأمر الله بعامٍ واحد ، قبل هذه السنة كان الوضعين السياسي والديني على مقربة من (حب آل البيت) الذي رفعه العباسيون شعاراً للثورة على الأمويين الذين اضطهدوا آل البيت فترة من الزمن نتج عنها في النهاية سقوطهم المهين على أيدي السفاح في معركة الزاب عام 132 هـ

خلال العهدين الأموي والعباسي تأسست بذور دعوة التوحيد الدرزية في مصر، وفلسفتها القائمة على ثلاثة أركان، الأول ديني وهو التوحيد، الثاني أخلاقي وهو الصدق، الثالث سياسي وهو حب آل البيت، ومن هذه الأركان تظهر معالم الدرزية أنها اتحدت مع دعوة الشيعة سياسيا، وميل الشعور الدرزي مع الشعور الشيعي في رد مظالم وحقوق آل البيت، ومع ذلك كانت تلك المعالم مستقلة عن المعارف الشيعية في البرهان على التوحيد وعلى مكانة الصدق كركن أصيل في الدين..وسياسيا أيضا على تسمية الإمام..بما يعني أن الدرزية في الأخير مذهب منفصل عن التشيع وإن اتفق معه في بعض الأصول.

وخلال العهد العباسي الثاني -الذي بدأ في النصف الأخير من القرن الثالث الهجري- ضعفت سلطة الخليفة وتسلط الغرباء على القصر الملكي الذي كان حكرا للعرب قبل ذلك..فتسلط الأتراك والفرس وقادة الجيش..وعن إثرها بدأت الانشقاقات واستقلال بعض الأقاليم والدول عن الخليفة ، قامت على إثرها بعض الدول كالبويهية والسامانية والسلجوقية في تركيا وإيران، والقرمطية في الأحساء ، والفاطمية في شمال أفريقيا، ومن دعوة الفاطمية الإسماعيلية خرج الدروز للعلن

كرونولوجياً- ومن هذا الخط الزمني- يتضح أن إعلان الدروز ارتبط بضعف سلطة الخليفة، وهذا هو وجه التشابه الذي يجمعهم مع بعض الاتجاهات الأخرى التي ظهرت ذلك الزمان كالقرامطة والحشاشين، حتى الاسماعيلية التي أعلنت عن نفسها بغزو بلاد المغرب العربي والقضاء على دول كالأغالبة والرستمية والمدارية والأدارسة..وأسست بعد ذلك دولتها الفاطمية، أو كما يحب أن يطلق عليها مؤرخو السنة (بالعبيدية) تمييزاً لها بشخص عبيد الله المهدي (مؤسس الفاطمية) وإنكاراً لهم بالانتساب إلى السيدة فاطمة الزهراء..

ولا يُفهم من ذلك أن إعلان المذاهب والمعتقدات -إبان ضعف الخليفة العباسي- أنه قدح أو ذم لتلك المذاهب..بل-في تقديري- هو علامة صحة وشيوع (مَلَكة النقد) التي غزت بلاد المسلمين هذه الفترة، حتى أن النهضة المعرفية الحقيقية (والوحيدة) التي عاشها المسلمون كانت هذه الفترة، فظهر الفلاسفة والمحققين..وإعلان الدروز جاء في هذه الأجواء التي كانت فيها حرية الفكر والمعتقدات بلغت قمة الهرم، ويمكن تسمية هذه الفترة بعصر النهضة الإسلامي الذي بدأ مع وفاة المتوكل في منتصف القرن الثالث إلى نهاية القرن السادس الهجري، حتى بدأ الضعف يدب في أوصال دول المسلمين حتى غزاهم التتار ، ومن هذا الزمن بدأ ما أسميه (عصر الإحياء الثاني لعلم الحديث) وهو عصر ابن تيمية وبن القيم الذي وضع فلسفة المسلمين اليوم بإحيائه قداسة التراث السني ورموزه في عصر المتوكل..

أي أن الدروز كعقيدة وضعت وتأسست قبل معارف ُسنة اليوم، وكتب ورسائل حمزة بن علي تنضح بالاتجاه الغنوصي السائد هذه الفترة..والذي انقلب عليه ابن تيمية حتى وضع كل رموز هذا الاتجاه في صندوق تكفيري واحد طال الجميع، من الدروز والعلويين إلى الصوفية والمسيحيين..حتى طال أيضاً الفلاسفة وخصوصا أصحاب النزعة العرفانية كأمثال ابن عربي والمطهّر الحلي والسهروردي..وبإحياء محمد بن عبدالوهاب لمذهب ابن تيمية بعد ذلك عاد نفس موقفه من الغنوصيين العرفانيين إلى الواجهة وتصدر معتقدات السنة إلى اليوم..وهو موقف عدواني شديد التطرف..قبل ذلك كان الدروز شأنهم كشأن أي جماعة مسلمة يسعى لتدجينهم الحاكم أو استعمالهم في حروبه.

أسماء كثيرة عند الدروز وأحداث متعددة تدور معظمها في (صراعات السياسة) واحتكار السلطة والدين معا، فحمزة بن علي ونشتكين الدَرَزي كانا حلفاء في الدعوة لمذهب التوحيد (الدُرزي) تحت راية الحاكم بأمر الله ، ولعوامل ساقها المؤرخون نشب الصراع بينهم، واختصار هذه العوامل في الضغينة والحسد ومدى قرب كليهما من الخليفة، كذلك.."أنوشتكين الدوزبري"..الذي أنقذهم من اضطهاد صالح بن مرداس وقتله في معركة الأقحوانة التي سنتعرض لها بعد قليل..

أهم شخصية عند الدورز هو.."الحاكم بأمر الله"..الذي تولى الخلافة بعد موت أبيه.."العزيز بالله"..سنة 386 هـ، وكان عمر الحاكم وقتها 11 سنة، أي ما زال طفلا لابد له من وصي، فتولى له بعض الأوصياء الذين خانوا العهد معه وورطوا الدولة الفاطمية في حروب عبثية مع الروم..كانت هذه الفترة 4 سنوات بعدها استقل الحاكم بالسلطة وشرع في استخدام نفوذه وسلطات الخليفة لأول مرة.

وفي رسائل الحكمة لحمزة بن علي يعترف أن الحاكم كان (يعشق الليل) فكان يعمل ويكثر من تعبده في الليل، حتى أن دولته اشتهرت بأن نهارها كليلها من شدة ولع الخليفة بأجواء الظلمة الليليلة، وفي تقديري أن عشاق الليل دائماً حالمون ومنفتحون، أي كانت لدى الحاكم خيالات وظنون وأهداف يسعى لتحقيقها وهو ما شرع فيه بالفعل، فأكثر من استخدام نفوذه وشاعت قراراته التي عدّها البعض من الغرائب، وفي تقديري أن تلك الغرائب تتسق مع نشأة الحاكم التي شابها الخيانة من الأوصياء، أي يمكن لهذه الغرائب أن تكون رد فعل على ما تعرض له من قهر واستهانة من هؤلاء الأوصياء.

وقد أنكر المتعصبين للحاكم هذه الغرائب وعدّوها محاولة لتشويه الرجل، لكن في تقديري هي صحيحة وقد اعترف ببعضها حمزة بن علي كما نقل اعترافه الأنطاكي في تاريخه صـ 185 قائلا أن الحاكم كان يستمتع بالمناظر المثيرة خصوصا التي تجمع عدة أشخاص يتصارعون ثم يقتلون بعضهم البعض، كذلك نقل الأنطاكي أن الحاكم بأمر الله حظر أي حضور نسائي في المياتم والعزاءات، كذلك كسر أواني الخمور ومنع بيعها، والأنطاكي المعروف.."بيحيي بن سعيد الأنطاكي"..متوفي عام 458هـ أي عاصر زمن الحاكم وشهادته موثقة تاريخيا..بل هي من أهم الشهادات على عصر الحاكم برمته..

ومنزلة الحاكم في الدرزية كونه باعث عقليتها الأول وحامي الطائفة وراعي حمزة ورجاله، فالعقل الديني يعشق من يعطيه الأمان.. فما بالك بمن يدافع عنه بل وينشر فكرته..وهو وإن لم يخط شيئاً بيده ليبقى كمصحف إرشاد وتعاليم إلا أن سيرته مروية بالتوارث في مجتمع الدروز، إضافة إلى رسائل بن علي ومنها (رسائل الحكمة والسيرة المستقيمة) كلها روت أحداث نشأة الموحدين في زمن الحاكم، وكشفت أضواء كثيرة على شخصية هذا الرجل التي تعتبر من أعقد وأغمض وأغرب شخصيات التاريخ..

أما ثاني شخصية بعد الحاكم فهو.."حمزة بن علي"..ولقبه (الهادي) ونسبه (الزوزني) نسبة إلى زوزن في إيران، وهو تجسيد للعقل الكلي الذي يحكم المذهب، وأصل الحكمة الفلسفية للدروز، ويمكن القول أن مبادئ حمزة وفلسفته هي الأصل لديهم، وهي فلسفة تأويلية بالمجمل وتتضح بجلاء في تسمية المعاني للشخوص، فحمزة هو العقل الكلي والتميمي هو النفس الكلية والقُرشي هو الكلمة، والتميمي والقرشي كانا من أصدقاء حمزة الذين نصروه في حربه ضد نشتكين..

المؤرخون المصريون تحاملوا على حمزة بن علي ، كالمقريزي الذي اتهمه بإجازته لنكاح المحارم وإسقاط فريضتي الصلاه والصوم، كذلك تحاملوا على نشتكين بوصفه داعٍ للدرزية واتهموه بإشاعته ألوهية الحاكم حتى قُتِل( وقد سقنا نتائج ذلك بشيوع هذه السمعة لدى مؤرخي السنة) ويعود ذلك لسمعة الدرزية بعد زمن الحاكم بأمر الله في مصر، وهي سمعة سيئة، كذلك لاتجاه نشتكين للدعوة بالعنف والجبر، وهو سلوك مشين يخلق عند الخصوم نزعات دفاعية ترتد إلى الخصوم على شكل اتهامات مبالغ فيها، بينما حمزة بن علي لم يمارس نفس الدور العنيف الذي سلكه نشتكين وفضّل الدعوة بالقلم واللسان والموعظة الحسنة..

وعموما تهمة تأليه الحاكم التي وجهها المقريزي لنشتكين نفاها الكاتب بدوي عبدالرحمن في .."مذاهب الإسلاميين"..نقلا عن ابن عماد في شذرات الذهب، كذلك قصة مقتله رويت بطريقة أخرى بعد حصاره لجماعة حمزة بن علي (خصمه اللدود) في جامع ريدان في مصر، وانحياز الحاكم لحمزة بن علي في الأخير.

الغريب أن أصل المذهب الدرزي كان في مصر، وكل أحداث نشوءه بداية من دعوة الحاكم إلى صراع حمزة ونشتكين كلها دارت في مصر، لكن وجودهم الآن يتركز في ثلاثة دول هي بالترتيب حسب العدد (سوريا-لبنان-إسرائيل) أما وجودهم في مصر معدوم لأسباب ربما تتعلق باضطهادهم من بعض الخلفاء الفاطميين بعد ذلك كالخليفة .."الظاهر لإعزاز دين الله"..( وهو الذي بنى المسجد الأقصى الحالي في القدس كما تقدم، راجع دراسة معنونة بالأدلة..المسجد الأٌقصى ليس في فلسطين)، وسبب اضطهاد الظاهر لهم رفضهم لإمامته لإيمانهم بإمامة الحاكم وحمزة الذين غابا عن البشر -كما يقول الدروز- كغيبة الإمام المهدي ويعودا آخر الزمان..

توجد معركة مفصلية في تاريخ الدروز يقدسونها جدا بوصفها السبب في بقاءهم منذ العصر الفاطمي إلى الآن ، وهي معركة.."الأقحوانة"..وحدثت عام 419 هـ واختصارها حرب بين القائد الفاطمي (أنوشتكين الدوزبري) وبين (صالح بن مرداس) والغريب هذه المرة أن القائد الفاطمي كان مدافعا عنهم ضد محاولات بن مرداس القضاء عليهم للأبد، وانتصر أنوشتكين في المعركة، وبعدها ب3 أعوام سعى نصر بن صالح بن مرداس لتحريض الروم البيزنطنيين على الدروز انتقاماً لأبيه..ونجح في تحريضه مما تسبب في فتنة طائفية أهلكت الكثير منهم ولم تُنجِهم سوى تعاليم حمزة بن علي باستخدام التقية كوسيلة دفاعية وقت الأزمات..

يجب التفريق بين إسمين متشابهين في تاريخ الدروز، الأول (نشتكين الدَرَزي) بفتح الدال، وهو خصم إمامهم الأعظم حمزة بن علي..أي هو شخص مذموم لديهم ويكرهونه جدا ، وبين (أنوشتكين الدوزبري) الذي أنقذهم من اضطهاد صالح بن مرداس، الأول عدو والثاني منقذ، ولكون الدروز مذهب تأويلي فالعاطفة لديهم جياشة والحب والكره لديهم شديد، فإذا أحبوا شيئا قدسوه ، وإذا كرهوه لعنوه..

وبعد انقضاء الدولة الفاطمية تعرض الدروز للاضطهاد في زمن الأيوبيين والمماليك والعثمانيين..وأخيرا من داعش التي رأت أتباع الطائفة كفار ومرتدين يجب إشهار إسلامهم وإما دفعوا الجزية أو الحرب، وهو ما حدا بأبناء الطائفة لتشكيل مجلس دفاع ذاتي عن قراهم في محافظة السويداء السورية، وكذلك تطوع العديد منهم في الجيش العربي السوري، وقد نجحت هذه الخطة العسكرية في كف أذى داعش .. حتى نجح الدروز في إبعاد الخطر الداعشي عنهم جغرافيا بنسبة كبيرة، ولا تزال بعض التفجيرات في مناطقهم تحدث بين حينٍ وآخر، ولكن لقوة وترابط المجتمع الدرزي (الذي سنفصل له في الجانب الفكري) نجحوا في الصمود.

لكن ما زال دروز لبنان موقفهم غامضاً من داعش، وزعيمهم وليد جنبلاط كسول جدا وفي تقديري غير كفء لقيادة الدروز هذه المرحلة، لكن براجماتيته ربما تشفع له حين نجح في عقد التحالفات وضم الدروز لتركيبة المجتمع اللبناني المعترف بها، ونقدي لوليد جنبلاط ينبع من عدم تصديه العملي لفكر داعش بالحث على مساعدة الجيش اللبناني وحركات المقاومة اللبنانية ضد داعش وجبهة النصرة كحزب الله، فالرجل ما زال يعيش بقايا مشاعر حربه الأهلية في الثمانينات..هذه الحرب الملعونة التي ما زال لبنان يعيش آثارها إلى الآن حتى مع استفحال خطر داعش..

كذلك دروز إسرائيل لا زال موقفهم غير واضح، وربما يتسق مع سياسة إسرائيل العامة بمساعدة الجماعات الدينية ضد الجيش السوري، وهذا سيكون له انعكاسات داخلية في إسرائيل نفسها حيث تنتشر مساحة التطرف الديني مع زيادة سطوة هذه الجماعات أو تشكيل مظلة أمن وحماية لها، والتطرف الديني يعني تهديد عملي لمجتمع الدروز أياً كان مكانه ..حتى لو في قلب إسرائيل المعروفة بالدولة الأكثر أماناً الآن في الشرق الأوسط..

ثانياً: الجانب الفكري

أصول الدين عند الموحدين الدروز

في تقديري توجد لديهم أًصول نظرية متعددة وأصل واحد عملي، الأصول النظرية كشفها مكتب شياخة عقل الطائفة بخادمها.."الشيخ نعيم حسن"..عام 2010 وقد دونها في كتابه.."السبيل إلى التوحيد"..الطبعة الثانية 2012 تحت عنوان.."ثوابت الموحدين"..وهي خمسة ثوابت (العدل-النبوة-الإمامة-المعاد-خلود الروح) والثابت الأخير يخدم عقيدة التقمص ببقاء الروح وفناء الجسد،ومع ذلك بتشريع إسلامي أصيل يقضي بخلود تلك الروح لخلودها في نفس آدم مصداقا لقوله تعالى.." ثم سواه ونفخ فيه من روحه"..[السجدة : 9] وروح الله باقية في نفس آدم وذريته.

كما أن فناء الجسد يستدلون عليها بقوله تعالى.." خلق الإنسان من صلصال كالفخار".. [الرحمن : 14] وهذه العناصر تفنى وتنحل بمرور الزمن، وفي تقديري لو كانت هذه الرؤية صحيحة في سياق إثبات فناء الجسد إلا أن الاستدلال بها عجيب لإثبات خلود الروح، فلا رابط بين الروح المعنوية الغير محسوسة وبين مادتي الصلصال والفخار..فكليهما مواد، ويلزمهم للربط أن تكون لتلك المواد معنىً روحيا، أي تصبح المادة مقدسة..هذا لو ثبت-فرضا- أن الإنسان مصنوع من صلصالٍ وفخار، فالعلم والواقع المحسوس يشهد ببناء مختلف للإنسان من لحمٍ ودم، وهذه مواد تختلف عن المذكورة في القرآن، وربما كان المقصود في القرآن يخص آدم دون غيره..على فرض عدم صحة نظرية التطور..

كما أن الإيمان بالمعاد يكشف أن عقيدة التناسخ/ التقمص لدى الدروز مؤقتة وليست مطلقة..تنتهي بقيام الساعة وبدء الحساب، وهو ما يعني اختلافها عن تناسخ الهندوس، كذلك فإيمانهم بالنبوة والإمامة والعدل كثوابت يجعلهم أقرب إلى التشيع والاعتزال كعقائد، وبالعموم هي ثوابت أوضح من التي يؤمن بها السنة، حيث لم يجعل السنة مذهبهم قاضيا باشتراط العدل كثابت وفرض من فروض الدين، وقد أثر هذا على رؤية السنة لدينهم بعيداً عن مقتضيات العدل..إذ جعلوا فرائضهم الخمسة الأخرى (الشهادة والصلاه والصيام والزكاه والحج) تكفي لتحقيق شرط الدين، وهو ما يعني أن العدل في ثقافتهم ثانوي..رغم أنه إسم وصفة لله..وغاية بشرية دنيوية وقيمة إلهية عظمى يُحاسَب عليها الفرد يوم القيامة..

هذه هي الأصول الخمسة النظرية عند الدروز..فما هو الأصل العملي الوحيد لديهم؟

الجواب: هو الصدق..فلا معنى لتلك الثوابت النظرية مع الكذب، وفي ذلك يقول الشيخ نعيم حسن شيخ عقل الطائفة.."يعتبر الموحدون أن الصدق هو عماد الأمر وبه تمامه"..ويقول أيضا.."تنعقد أمور المسلك عند الموحدين بالصدق، فهو كالنواه التي لا يصح دون صلاحها دين"..(السبيل إلى التوحيد صـ 31)..ويقول الشيخ حسين فضل الله.."المبادئ الثلاثة التي تقوم عليها دعوة التوحيد الدرزية هي صدق اللسان وحفظ الإخوان والتبرؤ من عبادة العدم والبهتان"..(الموحدون الدروز في الإسلام صـ19)..فلو كانت الصلاه هي عماد الدين عند السنة فالصدق هو عماد الدين عند الدروز

حقيقة كتاب السبيل إلى التوحيد للشيخ نعيم حسن تشعر معه أنه كُتِبَ خصيصاً للمسلمين، وبالأخص السنة، أي أنه موجه، لذلك لم أعتمد عليه كثيراً في بيان عقائد الدروز، واكتفيت فقط بالأصول النظرية واستنتاج الأصل العملي الذي سنتكلم عنه لاحقا بمزيد من التوضيح، فالكتاب معمم بشكل واضح، ولم يفصل كثير من الإشكاليات والمتشابهات..ومن ذلك مثلا أن إيمان الدروز بالقرآن يعني إيمانهم بتعدد الزوجات، بينما التعدد في الدرزية ممنوع، وفي ذلك يقول الشيخ محمد حسين فضل الله .."أنه في عام 1948 صدر قانون الأحوال الشخصية في لبنان يلزم الدروز باتباع المذهب الحنفي إلا في المواضع التي اختلفوا فيها ومنها .."حرمة تعدد الزوجات واشتراط 4 شهود للزواج "..(المصدر كتاب الموحدون الدروز في الإسلام-محمد حسين فضل الله صـ 14) 

فالقرآن واضح بتشريعه تعدد الزوجات وكذلك شاهدين لعقد النكاح، بينما في الدروز هذا غير جائز، ولم يفصل الشيخ نعيم حسن ذلك أو إشارة لحقيقة القرآن لديه.

الدروز والهندوسية

أشياء مشتركة تجمع بين الهنادكة والموحدين تظهر في الجانب السلوكي، فكلتا الطائفتين يميلان إلى العزلة (والخلوة) ولا يكون الرجل صالحا إلا بالخلوة والتفكر والتدبر في ملكوت الخالق، كذلك في (الطبقات) فالهندوس يعتقدون بالنظام الطبقي ..حيث تعلو هذه الطبقات (البراهمة) وهي طبقة رجال الدين، وتتوسطها (الكشاتريا والويشاش) وهم رجال الجيش والوزراء والقائمين على أمر الناس، وتدنوها طبقة (الشودر) وهي الفقراء والعمال..بالضبط ما يحدث عند الدروز ، فالكون لديهم طبقي تعلوه طبقة (الرؤساء والعقال) وهم رجال الدين ، ثم (الأجاويد والجثمانيون) وتدنوهم جميعا طبقة (الجُهّال) وهم العوام..

أما عن التقمص فحسب ثوابت الشيخ نعيم حسن فهو تقمص مؤقت ينتهي بقيام الساعة، وما يثير فضولي أن الشيخ محمد حسين فضل الله -أثناء بحث تقمص الدروز- أشار إلى وجوده عند المتصوفة وأشهرهم.."أبو حامد الغزالي وسعد الدين التفتازاني وابن القيم الجوزية والشعراني"..على ما يبدو أن التناسخ/ التقمص هو قاسم مشترك بين الأديان والمذاهب الغنوصية، وفي تقديري أن من يقول بالتناسخ عند الصوفية يقصد به انتقال الروح إلى بدن جديد يوم القيامة، أي أن الأبدان الحالية دنيوية تختلف عما سيكون عليه الحال في الآخرة، لذلك لم يتعرض الصوفية لهجوم كما تعرض الدروز والسبب أنهم لم يقولوا بالتناسخ في الدنيا..رغم أن الفكرة واحدة..

نعم الفكرة واحدة..معنى انتقال الروح إلى بدن جديد في الآخرة تعني انتقالها في الدنيا، أي يلزم المؤمنين بالتناسخ في الآخرة إيمانهم بصحة التناسخ في الدنيا، فالإمكان يعني جواز حدوث ذلك في عالم المادة والمحسوس، فلو قال الصوفية أن الآخرة (حِسّية) يعني إيمانهم بحياه مادية دنيوية في الآخرة، قد تختلف في الشكل ..لكن المضمون واحد..وهو ما يؤمن به الدروز، أن البحث في أحوال الروح في الدنيا قادهم للقول بالتناسخ وانتقالها عبر الأبدان، وذلك بمؤثر محسوس ومادي هو نفس المؤثر الذي سيطر على أذهان وخيالات الصوفية عند قولهم بالتناسخ في الآخرة..

بالمناسبة حتى السيخ في الهند-وهم الأقرب للإسلام والصوفيين-يؤمنون بالتناسخ، وكبيرهم ومعلمهم الأول (نانك) المتوفي في بدايات القرن 16 الميلادي أقر التقمص كحالة تعتري الأبدان، وأن الروح خالدة والجسد فاني..إلى آخر عقائد الدرزية في التقمص، ويستفاد من ذلك أن صورة الروح بين الهندوس والسيخ والدروز تكاد تكون متشابهة لحد التطابق..

لكن يُجدر الإشارة إلى أن الإيمان بتناسخ مؤقت عند الدروز يعني إنكارهم (للكارما) الهندية، وتعني حتمية العودة لحياة أخرى في جسد آخر-أو كائن آخر- لينال جزائه إما ثواب أو عقاب، وهو المفهوم من تناسخ الهندوس، أي أن التقمص عند الدروز ليس فقط محدود ومؤقت بل ربما له معنى روحاني فقط لا علاقة له بعالم المادة، وهو الفارق الذي جعلهم يؤمنون بحياه أخرى بعد الموت بخلاف الهندوس الذين لا يؤمنون بتلك الحياه..وأن الجنة والنار والثواب والعقاب محصور فقط في رحلة التناسخ..

الدروز والبوذية

نعود إلى الصدق وكيف أصبح ثابت في دين الدرزية، وفي تقديري أن الأصل الديني للدروز هو أخلاقي بحت..قريب من البوذية التي تشترط لروادها الأخلاق كي يُصبحوا بوذيين، فالبوذيون في الحقيقة لايؤمنون بإله متعالي صاحب قدرة مطلقة يقعد في مكان غيبي لا يراه أحد كالأديان الإبراهيمية الثلاث..حتى بوذا لديهم رمز للاستنارة الكاملة..أي ليس معبود..وهم يُجسمونه على هيئته الجالسة والواثقة منتفخة الصدر تعبيرا عن وصوله لحالة النيرفانا ..وهي الاتحاد التام مع النفس وبلوغ الكمال الإنساني، لذا فالبوذية دين قائم على الإنسان ولمعرفة الصواب والخطأ لدى البوذي عليه أن يفهم نفسه ببناء وعي وإدراك سليم ومعرفة صادقة وأخلاق رفيعة..

أي أن فلسفة الصدق عند الموحدين ليست محصورة فقط في صدق اللسان، بل صدق النوايا على أن تكون تلك النوايا جميعها تمتاز بالحب والعطاء والكرم والتسامح..إلخ..وفي ذلك يقول الشيخ نعيم حسن-شيخ عقل الطائفة- أن النوايا هي قطب الأعمال والأمور بمقاصدها، ولك أن تتخيل وصفه للنوايا بقطب الأعمال أي رأسها، لكن-وكما سبق بيانه-أن الشيخ نعيم حسن كان يخاطب المسلمين بكتابه فأخطأ بالاستدلال بحديث البخاري.."إنما الأعمال بالنيات"..لأن في ذلك تشريع فعل القبيح بالنوايا الحسنة وتقرير بأن الأعمال ليست بالظواهر..(راجع مقالتنا السابقة بعنوان.."الإرهاب وحديث الأعمال بالنيات"..)..أي يمكن لأي داعشي أن يقتل الشيخ باعتباره مرتد أو كافر وله في ذلك أجر، لكن ولأن الشيخ يؤمن بالصدق كأصل ديني لم يربط بين هذا الخلق الرفيع وبين حديث البخاري الذي يتخلله المكر والجهل..ورجّح معنى البخاري في النهاية..وهذا جزاء من يتملق لطائفة أو دين..!

سيقول قائل: وهل معنى ذلك أن أصول الدين عند الدرزية هي نفسها عند البوذية؟

الجواب: نعم فالبوذية أصولها أخلاقية بحتة..والصدق رأس هذه الأصول باعتباره المعيار الأول لرؤية الصواب والخطأ..وبالتالي الكف عن كل المحرمات كالظلم والقتل والسرقة ..وهذا المشترك الأوضح بين الدروز والبوذيين، ولك أن تلمس هذا الأصل في أخلاقهم ومقارنته بأحوال البوذيين..وإن لم تلمسه كواقع حاول أن تلمسه كعقيدة، فلربما كان الجيل الحالي للدروز مُقصّر في دينه..وكما قلت فالبوذية تهتم بالإنسان كمصدر للمعرفة، والدرزية كذلك بإيمانهم بالصدق كأصل ديني يعني اهتمامهم بالإنسان كمصدر أيضا للمعرفة..

الدروز والمسيحية

يؤمن الموحدون برجعة الحاكم بأمر الله كمهدي منتظر آخر الزمان، فهو في غيبته امتحان للمؤمنين، ولم يذهب الحاكم فوق الجبل ليموت أو يختفي..بل ليرفعه الله ويعود كمخلص للبشرية من الظلم، وهي نفس الفكرة االتي حملت المسيحي للاعتقاد برجعة المسيح ، وهي فكرة (المخلص) عموماً التي دخلت معظم الأديان، حتى عند السنة والشيعة يوجد لديهم مهدي منتظر ومخلص مختلف.

كذلك فالثالوث المسيحي شئ أقرب إلى معتقد (النجمة الخماسية) لدى الموحدين، والمعنى إله واحد بصور متعددة، ، فكما سبق القول أن حمزة بن علي هو عند الدروز العقل الكلي والتميمي هو النفس الكلية والقُرشي هو الكلمة، ويشبه هذا التقسيم الله والآب والروح القدس في المسيحية، وفلسفة الثالوث عموماً هي فلسفة تأويلية ترى أن ظواهر الكون لها قانون إلهي واحد لا يسري ولا يُطبق إلا بعدة صور، وهي نفس الفكرة التي حملت الفراعنة قديما وحضارات بلاد الرافدين على الإيمان بتعدد الآلهة، ولا يعني ذلك أن الدروز والمسيحيين مشركين في الحقيقة بل إيمانهم بالإله الواحد يجعلهم في مصاف الموحدين، أما هذه الصور المتعددة فكما قلنا هي صور تأويلية يسوغ فيها الخلاف..

كذلك هم غنوصيون، يقول الدكتور سامي مكارم في أضواء على مسلك التوحيد صـ 100.." دعوةُ التوحيد انّما هي استمرارٌ للمسالكِ العرفانيّةِ القديمةِ وتطوّرٌ لها. وقد استبطَنتْها الشرائعُ السماويّةُ السابقةُ، كما احتضَنها الإسلامُ فيما بعد وغذَّاها"..انتهى 

وتأثرهم بالاتجاه الغنوصي العرفاني واضح في رسائل الحكمة لبن علي، والغنوصية تهتم بالأخلاق والسلوك فوق التنظير للعقائد، ولا يهتمون لعالم المادة وصوره المتعددة في المال والسلطة، ويتفكرون في ذات الإله وقدرته في عالم المادة بالتأمّل ، لذلك هم لا يهتمون لإثبات حقيقة دينهم ويؤمنون أن المؤمن الحق-أو الموحد- هو من صدق مع أخيه، ومن صدق مع أخيه صدق مع إمامه، ومن صدق مع إمامه صدق مع الله ، فهم قوم يكرهون الكذب، لذلك فالصدق لديهم أصل في الدين، ولو قيل أن أركان الإسلام خمسة عند السنة والشيعة..فالركن الركين عند الدروز هو (الصدق) به وعليه يقوم الدين ويصلح حال العبد مع الناس ومع الله.

وغنوصيتهم- كما قلنا -تجعلهم يؤمنون بمُخلّص آخر الزمان الذي هو سمة كبرى للاتجاهات الغنوصية العرفانية، فالعزلة –الشعورية- عن عالم المادة تعطيهم الكفاية عن لذة الدنيا، ولأن النفس توّاقة لتلك اللذة يجلعون وسيلة حصولهم عليها في طاقة ما ورائية عظيمة يرسلها الله ليكافئ بها المؤمنين، وهذا المخلص في الدرزية مشهور باسم (الفرقد) وهو أحد النجوم الذي يبدو أن التسمية به من بقايا دين الصابئة.

نقطة جديرة بالإشارة أن المعتقدات المؤمنة بمُخلّص آخر الزمان تضع نفسها في مأزق، لأن الإيمان بالمُخلّص يعني انتظار العدالة الإلهية وشيوع الخير والقضاء على الظلم والفساد..وهو ما لم يتحقق-ولن يتحقق- في التاريخ الإنساني بوصفه سمة ملازمة لبني البشر..توجد معهم أينما ووقتما عاشوا، وأن القيم الأخلاقية في الأخير وضعت للحد من هذه الظواهر وليست للقضاء عليها بالكلية فهو ما لا يمكن حدوثه، وبالتالي طول فترة انتظار هذا المخلص مع شيوع الظلم وتكرار إيهام الناس بقدومه يعني ثورة لا محالة..تخرج غالبا في شكل ثورات فكرية أو انقلابات سياسية، لذلك من الخطأ السياسي-والديني- الكبير إيهام الناس بالمدينة الفاضلة أو وعدهم بها..لأن النتيجة المحققة لذلك هي إما زوال تلك السلطة وبشكل سئ وإما هدم هذا الدين بنشر مبادئ الشك وشيوع قيم الانفتاح..

حدث ذلك مع الدعوة الفاطمية حيث هُدمت بنفس الطريقة، حين ملّ الناس وضجروا من مزاعم عودة المهدي المنتظر لكي يملأ الأرض قسطا وعدلا ..فلما يرى الناس طيلة أكثر من 200 عام سوى خلاف ذلك ..والطبيعة البشرية في الأخر مُحّكمة، كذلك مع القرمطية نفس الشئ..وفي تقديري دول شيعية أخرى زالت بنفس الطريقة كالبويهية والحمدانية، وأزعم أن لو نجح الدروز في إقامة دولة لهم على غرار الدولة الفاطمية لانتهوا منذ زمن بعيد، ويشفع لهم وجودهم الآن عدم تقلدهم أي سلطة بل وزهدهم عنها..وفي العصر الحديث نجحت إيران في إقامة دولة ولاية الفقيه وبنفس دعاوى مخلص آخر الزمان..واستمرارهم في تلك الدعاوى يعني نهاية محققة في تقديري لن تختلف كثيرا عن ما آلت إليه مصائر الفاطمية والقرمطية..


نقطة مهمة جدا في فلسفة الدرزية وهي تعصبهم الديني خصوصا ضد المسيحيين، وقد ظهرت جلية في اضطهادهم لمسيحيي الشرق في سوريا ولبنان في القرن التاسع عشر، وتسببهم –مع الأكراد- في مقتل 25 ألف مسيحي في ما عُرف بمجزرة (1860م) ويعود ذلك في تقديري لتعصب الحاكم بأمر الله ضد أهل الكتاب، لما رواه ابن تغري في .."مورد اللطافة 1/274".. أنه كان يفرض الزي الأزرق على المسيحيين والأصفر على اليهود، وأن لا يركبوا الخيول والبغال، ويبني مقابل كل كنيسة جامع يؤذن على رؤوسهم..وهي سُنّة ما زالت باقية إلى اليوم في مصر.

كذلك لما رواه المقريزي في الخطط أنه كان يحرق صلبان وأملاك النصارى ويمنعهم من تزيين كنائسهم، وأنه كان يضطهدهم بالضرب والإهانة في الشوارع، ويمكن لمس هذا التعصب الديني في العصر الحديث خصوصاً ما حدث في الحرب الأهلية اللبنانية في سبيعنات وثمانينيات القرن العشرين ( راجع أحداث حرب الجبل عام 1983)، والمصالحة الأخيرة التي تمت بين الدروز والمسيحيين برعاية الرئيس اللبناني ميشيل سليمان.

الدروز والشيعة

كما سبق في الجانب التاريخي أن جذور الموحدين بدأت مع التشيع في العصر الأموي، فاختلط الشعور الشيعي بالشعور الدرزي بالاضطهاد، وخرج في اليقين بجرائم الأمويين وعدواتهم لله ورسوله، حتى أن بعض رموز الشيعة كسلمان الفارسي وعلي بن أبي طالب وأبو ذر الغفاري وعمار بن ياسر هم نفس رموز طائفة الموحدين..كذلك ولأن الحاكم من آل البيت ودولة الخلافة الفاطمية عموما..وهذا ما جعل البعض يعدهم فرقة من الإسماعيلية ..وهذا خطأ..فالدرزية ديانة جامعة لم تتقيد بأسس وثوابت الإسماعيلية.

كذلك فمن وسائلهم الدفاعية مبدأ (التقية) هو مبدأ شيعي الجذور ظهر في العصر الأموي كوسيلة دفاعية ضد جرائم الأمويين، وتكشف هذه الوسيلة مدى تأثرهم بالاضطهاد الديني الذي تعرضوا له خصوصا الذي تم على أيدي الدولة العثمانية في القرن 19 حيث حاول الأتراك القضاء على الدروز وقتل زعيمهم الشيخ .."بشير جنبلاط"..عام 1825 ولكن كعادة الفرق المنتسبة للشيعة يستخدمون التقية وقت الأزمات..بما ساعد على حمايتهم والحفاظ على وجودهم إلى الآن..

الدروز والصلاه

يقول السيد حسين فضل الله أن الدروز ليست لديهم مساجد الآن، لكن يصلون في مجالسهم الخاصة والسبب أن العثمانيين كفروهم في قديم الزمان وهدموا مساجدهم، فلجأ الموحدين للصلاه في السر، لكنها معروفة بينهم، وبمرور الزمن أصبح هذا تقليد حتى تحول لعُرف أن يصلي الدرزي في بيته وفي السر..مما حدا ببعضهم بالإفتاء بوجوب الصلاه في المنزل ومنع بناء المساجد نزولا لمقتضى العرف الذي تحول بفعل الجهل والتقليد إلى دين، وهذا التوضيح ربما يفسر غموض الدرزية عند مجتمعات العرب والمسلمين..فهم إلى حالهم ذلك منذ هدم مساجدهم..لكن لم يتسنَ لي التأكد من صحة رواية فضل الله..لكن بالعودة لفروض الدين عند الشيخ نعيم حسن-شيخ عقل طائفة الموحدين- نجد من بينها الصلاه..لكن مع عدم بيان كيفيتها مما يعد قرينة على صحة كلام فضل الله..

كذلك فالصلاه فريضة فقط على متديني الطائفة أو ما يصفهم البعض بالطبقة العليا (كالعقال) لكنها ليست فرض على (الجهال) وهي الطبقة الأدنى في سلم الموحدين، وعليه يظهر أن النظام الطبقي أثر بشكل كبير على رؤية الدروز للشعائر، وفي المحصلة أن القول بعدم فرضية الصلاه على العوام يعني عدم وجود أي سلطة لإجبار الناس على العبادات كما هو معروف في المذهب السني، وهذا الاختلاف يراه السنيون جذريا حتى تصاعد لديهم ورأوا أن الدروز يمنعون الصلاه بل ويحرموها..وهذا خطأ..فالموحدون مؤمنون بالقرآن في النهاية وفرضية الصلاه لديهم على نظام الطبقات يعني أنها (مُأوّلة) والتأويل كما في أصول الفقه عند السنة من موانع التكفير..

الدروز والمرأة

على غير كثير من الكتابات التي تتهم الموحدين باضطهاد المرأة، فقد رأيت بُعداً آخر يحمل الدرزي على احترامها، وأصل هذا البُعد تحريمهم لتعدد الزوجات، ومساواة الرجل بالمرأة في الميراث، ومنع زواج القاصرة، وأضيف أن منعهم عودة الأزواج لبعضهم فور الطلاق يعني تشريع عنيف وحاد جدا ضد عمليات الطلاق، بما يعني قلة هذه الظاهرة لديهم وما يتبعها من تفكك أسري واجتماعي، وهذا يفسر قوة الدروز الاجتماعية التي شهد لهم بها القاصي والداني..وأن هذا المجتمع (المنغلق) صمد لعدة قرون مع غرابته عن محيطه..

لاحظ أن منع الدروز لتعدد الزوجات تم في القرون الوسطى التي كان فيها التعدد قدس الأقداس ويحييه الآن جهابذة السلفية في الخليج، وهذه جرأة وشجاعة منهم وقفزة فكرية تضاف إلى سجلهم، كذلك فالمرأة في المجتمع الدرزي لديها الحق في اختيار شريك حياتها..وهذه سلطة أنثوية قلما وجدت في مجتمع متدين..فما بالك وقد حدث ذلك منذ 1000 عام تقريبا، كذلك في فرض التعليم على الرجل والمرأة على حد سواء..وهذا يعني في المحصلة نظرة درزية للمرأة تكاد تقترب من نظرة الحضارة الغربية المعاصرة..الفارق الوحيد أن الدروز قالوا ذلك منذ مئات السنين..

أما فرض النقاب لديهم على الإناث فهو فقط على المتدينات منهن، وهذه الجزئية أشكلت عليّ بعد قراءة بعض الشهادات عنهم..ولكن بعد استشارة صديق يقطن في قرية ذي غالبية درزية أكّد لي هذه الحقيقة، وهي في المحصلة لا تنقص من قدر احترام الدروز للمرأة لأن فرض الأزياء المعينة على الإناث هو طبيعة (عُرفية) وليست (دينية) وفي هذه الجزئية استسلم الدروز لأعرافهم المتوارثة إلى حد كبير، أي يمكن للدروز الذين يعيشون في مجتمع منفتح أن يسمحوا للمتدينات بكشف الوجه..كذلك فالمرأة الغير متدينة غير ملزمة بالنقاب..وهذا يعني أن ارتداء هذا الزي لديهم (بمحض الاختيار) ولا سلطة لأحد أن يجبر المرأة على سلوكٍ تكرهه..

الدروز والزواج

كشأن معظم الأديان تحرم الزواج من منتسبي غيرها، فالطائفة الدرزية ليست بدعاً عن ذلك..وهي تحرم الزواج من غير منتسبي الطائفة، ولكن للأمر بُعداً آخر وهو يتعلق بتناسخ الأرواح، حيث يعتقد الموحدون بخلود مؤقت للروح إلى البعث يوم القيامة، وبالتالي فما دامت الدنيا دام التناسخ..وعليه فالزواج من غير الدروز يعني أن الروح قد تنتقل للغير في رحلتها الدنيوية..

ورؤية الموحدين للزواج لا تختلف كثيرا عن رؤيتهم للمرأة، فهم يرون الزواج رحلة شراكة بين طرفين مسئولين لكل منهم دور في الحياه، فالرجل عليه أن يؤمن حاجيات البيت الرئيسة من المسكن للغذاء..إلخ..وعلى المرأة أن تُربّي الأولاد وتنشأهم تنشأة كريمة ومثقفة..نعم مثقفة..فالزوجة لها دور كبير في تربية المجتمع الدرزي، وهذه الجزئية (عُرفية) بحتة أي لا علاقة بها بأصول الدين ، ووارد أن نرى بعض الجهال وهو يربط بين هذا العرف الدرزي وبين الدين..كما حدث عند جهال السلفية في الخليج حيث نسبوا كل أعرافهم للدين..بحيث أصبح كل تقليد وسلوك متوارث هو أمرُ من الله مطلق يحرم عصيانه..

خاتمة

إن طائفة الموحدين في النهاية هي طائفة غامضة بل تعتبر أكثر الديانات سرية في هذا العالم، وهذا المبحث ليس ادعاءً بفهم الطائفة بشكل مطلق أو يقيني ومؤكد..بل هي محاولة للفهم في إطار كوني ومعرفي فحسب..ووارد أن تحدث الأخطاء الغير مقصودة، فالبحث هو نتائج عمل أكثر من شهر في البحث والاطلاع عن أحوال الطائفة ، ولعل قرار الدروز بعد موت الحاكم بالامتناع عن التبشير كان سبباً في ذلك، لكن ليس معنى سرية الطائفة أن المعلومات عنها محجوبة..بل القول بسريتها ربما يكون من بقايا الأزمان الغابرة، والعلم الآن والتواصل المعلوماتي والتكنولوجي أتاح للباحثين أن يعرف عنهم أكثر مما عرفه أمثال ابن تيمية وابن حزم والشهرستاني.

وفي الحقيقة لا أخفي سعادتي وأنا أطلع على دين الموحدين الدرزي، أو بني معروف كما يحبوا أن يُطلق عليهم، فغموضهم عندي أضاف بعض المتعة عند استكشاف أو ظهور أي معلومة، وتزداد هذه المتعة بالمقارنة، فلست ممن يقيمون المعلومة على رأي صاحبها بل أعرضها للقياس على الآراء المختلفة.. وخصوصا ممن أسميهم بالخصوم، وقد يلمس البعض ذلك بين ثنايا تلك الدراسة، حيث أنها تحوي بعض الانتقادات للدروز بنفس الكم التي تحوي به أيضا بعض التقريظات، ويقيني أن من يريد مدح الدروز سيجد في هذا المبحث مبتغاه، ومن يريد انتقادهم سيجد أيضا ما يهدم بعض ثوابتهم، وليس الغرض هذا أو ذاك..بل الدراسة بغرض المعرفة فحسب..وهي كما يعنيها العنوان..أن الدرزية هي مجمع الأديان..

نعم رأينا ما يجمع الدروز مع الشيعة ومع المسيحيين ومع الهندوس والبوذيين، وفصلنا في رؤيتهم لبعض الجوانب التي يُستشفّ منها قيمة الطائفة المعرفية والإنسانية كنظرتهم للمرأة وللزواج، لكن في النهاية الدرزية كأي دين يرى التميز في ذاته والانحلال والتفسخ والغباء في غيره، وجمعهم لتلك الأديان وثوابتها ليس من قبيل الصدف..بل في رؤية زعماء الطائفة ومؤسسيها الأوائل الذين رأوا أن الفساد السياسي والديني والانحلال الخلقي الذي رأوه في عصر الإخشيد وبسببه انطلق المعز لدين الله الفاطمي للقاهرة..هو نفس ما رآه الحاكم بأمر الله وأتباعه ..خصوصاً بعد شعور الحاكم بالخيانة من أوصيائه فعقد العزم على الإصلاح..

إن أي دين أو فكرة هي في النهاية تهدف للإصلاح..أما أن تصيب أو تخطئ هذا شئ آخر، والجاهل فقط من يختلط عليه الأمور ويظن أن مجرد النية كافية للعمل الصالح، والتاريخ ملئ بالنوايا الحسنة..وبالأشرار في نفس الوقت، وفي تقديري أن الأشرار كانت نواياهم حسنة لكن بجهل الإنسان وعناده وطمعه وعصبيته فقد مقوّمات العدل فجار على الإنسانية وحدثت الكوارث، والدرزية في الأخير شأنها كبقية الأديان ..وكما قلنا أنهم مثلما أصلحوا أفسدوا أيضا..فهم في حاجة لتحرير موقفهم من الآخر الملتبس جدا..وموقفهم من المسيحيين على وجه الخصوص بوصفهم الجار الأقرب، كذلك فسلوكياتهم الرفيعة حقيقي رائعة لكن الدين ليس بمجرد السلوك..بل بالرؤية الشاملة للكون يتحقق العدل ويتحد السلوك الرفيع مع الرؤية العقلانية الموزونة..

المصادر:

1- تاريخ المسلمين الموحدين الدروز..صالح زهر الدين ،المركز العربي للأبحاث بيروت طـ2 عام 1994

2- اتعاظ الحنفاء بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفاء..المقريزي

3- صفحة بني معروف الموحدون الدروز على الفيس بوك

4- موقع رصيف 22 على الإنترنت

5- موقع جولاني على الإنترنت

6- رسائل الحكمة لحمزة بن علي والتميمي وبهاء الدين السموقي، الطبعة الخامسة، دار لأجل المعرفة..ديار عقل..لبنان..

7- بين العقل والنبي بحث في العقيدة الدرزية (لأنور ياسين ووائل السيد وبهاء الدين سيف الله) دار لأجل المعرفة، ديار عقل ..لبنان.

8- دعوة التوحيد الدرزية، تذكر يامروان..سليمان سليم علم الدين، دار نوفل بيروت، الطبعة الأولى..

9- السبيل إلى التوحيد، شيخ عقل طائفة الموحدين نعيم حسن ط2 عام 2012

10- الموحدون الدروز في الإسلام-محمد حسين فضل الله

11- مجلة العمامة الدرزية على الإنترنت

اجمالي القراءات 2206

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
التعليقات (1)
1   تعليق بواسطة   ahmad Faris     في   الأحد 24 يوليو 2016
[82562]

السلام عليكم


في كل زمان تضهر جمعات لشك بالاسلام باسماء اسلاميه 



سبحان الله


أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2012-09-25
مقالات منشورة : 520
اجمالي القراءات : 2,183,881
تعليقات له : 68
تعليقات عليه : 272
بلد الميلاد : Egypt
بلد الاقامة : Egypt