الخلود فى النار وعدل الله جل وعلا ورحمته ف 3 / 4

آحمد صبحي منصور في الخميس 23 ابريل 2015


مقدمة

الابتلاء الأكبر هو فى الحرية المطلقة للبشر فى الايمان او الكفر ، فى الطاعة أو المعصية ، وما يترتب على هذه الحرية المطلقة من جزاء مطلق بالخلود فى الجنة أو الخلود فى النار. إدراك عاقبة هذه الحرية المطلقة للإنسان فى هذه الدنيا وأنه الخلود فى نعيم دائم أو عذاب دائم يجعل الحرية التى نتمتع بها أفدح إبتلاء لنا. والعادة أن أغلب البشر يخسرون فى هذا الابتلاء لأنهم يتمتعون بحريتهم ولا يدركون مسئوليتهم ، مع إن البشر يعرفون فى حياتهم الدنيا أن الحرية تقابلها المسئولية . يطبقون هذا فى تعاملهم فى الدنيا ولا يطبقونه فى الدين . إذا قيل له عن الخلود فى النار إستكثره ورآه ظلما دون أن يلوم نفسه . ولقد جاءتنى أسئلة من نوعية : (هل من العدل الخلود فى النار على عصيان استمر طيلة حياة الانسان وهى قصيرة  ؟) ونجيب هنا على هذا السؤال .

أولا : عدل الله جل وعلا فى الخلود فى الجنة أو الخلود فى النار :

 السائل يرى فقط الخلود فى النار ويستبشعه ، ولا يرى المُعادل له وهو الخلود فى الجنة ، أى هو العدل بين هذا وذاك . أكثر من ذلك لا يرى الحقائق القرآنية التالية :

  حرية البشر فى الاختيار بين هذا وذاك

1 ـ إن قرار دخول الجنة أو دخول النار يكون بمشيئة الفرد . هناك حتميات لا إختيار لنا فيها ، ولسنا مُحاسبين عليها . وهى : ما يتعلق بالميلاد ، والموت و الرزق والمصائب . بعدها فنحن أحرار فيما نختاره لأنفسنا .

2 ـ  لقد سألتنى أمريكية من أصل أفريقى عن العدل الالهى فى أن تكون سوداء بينما غيرها أبيض . وقلت لها : ما يخص الميلاد ولون الانسان وملامحه هو من الحتميات المُقدرة سلفا ، ولا نملك تغييرها ، ولسنا مؤاخذين عليها ، ثم هى مرتبطة بحياة دنيوية قصيرة زائلة ستنتهى سريعا بالموت . الأهم هو الخلود فى الآخرة فى الجنة أو فى النار . وهذا الخلود فى الجنة أو النار يقرره الفرد بمشيئته وإختياره ، إذا شاء أن يؤمن ويعمل صالحا يرجو الآخرة ورحمة ربه فإن الله جل وعلا ــ الذى لايُخلفُ الوعد والميعاد ــ سيدخله الجنة خالدا فيها. إذا غفل عن الآخرة وغرته الحياة الدنيا ولم يقدر الله جل وعلا حق قدره وعصى وطغى وبغى فقد إختار بمشيئته وعمله الخلود فى النار. وقلت لها إن اللون الأسود الذى تبغضينه فى هذه الدنيا يمكنك بإيمانك وعملك الصالح أن تبدليه بوجه أبيض وبنور دائم خالد فى الجنة ، بينما ذلك الأبيض العاصى فى الدنيا سيكون أسود الوجه خالدا فى النار . يقول جل وعلا : (يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (106) وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (107) آل عمران ) .ويقول جل وعلا : (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (38) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (39) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (40) تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ (41) أُوْلَئِكَ هُمْ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ (42) عبس ) ويقول جل وعلا عن أئمة الأديان الأرضية وسواد وجوههم يوم القيامة ( وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ (60) الزمر )

 العدل المطلق أساس يوم الحساب

1 ـ العدل المطلق لا وجود له فى هذه الدنيا ، ولكن يقيمه يوم الحساب الرحمن جل وعلا الذى يملك التحكم يوم الدين ويعلم خائنة الأعين وما تخُفى الصدور. هو عدل مُطلق يقول عنه رب العزة جل وعلا : ( الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (17) غافر ) فلا ظلم يوم الحساب ، وهو على حسب ما فعلته كل نفس ، ويقيمه الذى ( يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ (19) وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ (20) غافر).

2 ـ  ثم التوفية فى يوم الحساب تعنى الحكم العادل الذى لا مجال فيه للظلم ، ولهذا تكرر فى القرآن الكريم توفية كل نفس بشرية حقها بلا ذرة من الظلم : ( وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (281) البقرة )، وبما يشمل الأنبياء : ( وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (161) آل عمران ). 

3 ـ ومن ملامح المحكمة الالهية العادلة يوم الحساب وزن العمل بميزان يقيس العمل بالذرة وأجزاء الذرة ، يقول جل وعلا : ( وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (47) الانبياء ).  

4 ـ ومنها تنوع الشهادات . إذ يُتاح لكل نفس بشرية أن تٌجادل وتدافع عن نفسها أثناء توفية عملها يوم الحساب: (يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (111)النحل ) . وتشهد عليها جوارحها :( يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (24) النور )، ( حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (20) وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (21) فصلت ).

ثم هناك شاهد أو شهيد على كل قوم من داخلهم : (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيداً (41) النساء )، ( وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيداً عَلَى هَؤُلاء )  (89) النحل ).

والشاهد الهام هو كتاب الأعمال الفردى لكل فرد ، وكتاب الأعمال الجماعى للفرد مع مجتمعه . إن كل ما يطير من الانسان من عمل هو طاقة لا تتبد ، بل يتم حفظها وتسجيلها من صوت وحركة ومشاعر . يتم تسجيلها وتخزينها وحفظها فى كتاب أعماله ليتعلق بعنقه يوم القيامة ، يراه ليقرأه بنفسه ليكون بنفسه حسيبا على نفسه . ولهذا فإن من يهتدى فهو يهتدى لنفسه ومن يضل فإنما يضل على نفسه ، ولا يتحمل أحد وزر أحد ، ، ثم إنه جل وعلا لا يُعذّب من لم يبعث له رسولا . وهذه قمة العدل. يقول جل وعلا عن كتاب الأعمال الفردى : ( وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنشُوراً (13) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً (14) مَنْ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً (15) الاسراء ).  يوم القيامة يرى المجرمون بأنفسهم ( فيديو ) الاهى يُجسّمُ تاريخ حياتهم فى خلواتهم وأسرارهم وعلانيتهم وما كانت تكُنُّه قلوبهم. يُصابون بالذهول من هذا الكتاب الذى لم يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ، وجاء بعملهم ( الماضى ) حاضرا. ولا يظلم ربك أحدا . عن كتاب الأعمال الجماعى يقول ربى جل وعلا : ( وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً (49) الكهف ).

 أصحاب النار يتعذبون بعملهم ، وأصحاب الجنة يتنعمون بعملهم

1 ـ فى مقارنة بين أصحاب الجنة وأصحاب النار يقول جل وعلا : ( وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (72) لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ (73) إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (74) لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (75) وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمْ الظَّالِمِينَ (76) الزخرف ). أصحاب الجنة ورثوها بعملهم ، وأصحاب النار خالدون فيها بلا تخفيف ، وما ظلمهم الله ولكنهم هم الذين ظلموا أنفسهم ، فبعلمهم السىء يتعذبون .

2 ـ وفى مقالات بعنوان ( لكل نفس جسدان ) ناقشنا قرآنيا آلية النعيم فى الجنة بالعمل الصالح وآلية التعذيب فى جهنم. بالعمل السىء. الانسان يُولد ومعه وعاءان ؛ أحدهما للعمر المحدد الذى سيعيشه فى هذه الحياة الدنيا ، ويبدا العدُّ التنازلى لعمره بأول ثانية ودقيقة حين يولد ، ويستمر الى أن ينتهى أجله بالموت ، وكل ثانية أو دقيقة تمر من وعاء العمر المحدد له تنزلق الى الوعاء الآخر وهو وعاء العمل ، تنزلق مُحمّلة بعمله ، حيث يتم تسجيل أعماله بالصوت والصورة والمشاعر ، وبإنتهاء ( أو توفية ) وعاء العمر يمتلىء ( أو تتم توفية ) وعاء العمل ، أو كتاب العمل ، ويموت الانسان أو ( يتوفى ) أى تتم وفاة وتوفية عمله وعمره ، وتعود نفسه الى البرزخ الذى أتت منه ، وهى تحمل جسدا آخر بدلا من الجسد الأرضى المادى الذى كانت ترتديه فى الدنيا ثم غادرته وتركته ليبلى فى الأرض . وفى البعث تأتى النفس تحمل عملها . إن كان عملها سوءا يكون حملها وزرا ، يقول جل وعلا عن القرآن الكريم ومن يُعرض عنه فيأتى يوم القيامة يحمل وزرا : (وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْراً (99) مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْراً (100) خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلاً (101) طه ) ويقول جل وعلا عن الخاسرين يوم القيامة وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم : (  قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (31) ويقول جل وعلا بعدها ناصحا واعظا:( وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ (32) الأنعام ). أئمة الأديان الأرضية وشيوخها ووُعّاظها سيحملون أوزار أنفسهم كاملة ومعها (بعض ) أوزار أتباعهم : ( لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (25)  النحل ) . وفى كل الأحوال : ألا ساء ما يزرون . لن هذا الحمل السىء به سيُعذّبون .! وهنا لا ظلم من رب العزة ، بل هم الذين كانوا أنفسهم يظلمون . يقول جل وعلا عن الجميع عند البعث: ( إِنْ كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ (53) فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَلا تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (54) يس ) . ويقول جل وعلا عنهم قبيل الحساب ، وكل أمة جاثية ترى كتاب أعماله وتنتظر دورها حيث يتم جزاؤها بعملها : ( وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (28) هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (29) الجاثية )

3 ـ آيات كثيرة فى تنعم أهل الجنة بعملهم ؛ يقول جل وعلا  : ( الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمْ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (32) النحل )( وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمْ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (43) الاعراف )( وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (72) الزخرف )( إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ (41) وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ (42) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (43) الرحمن )

4 ـ وآيات أكثر فى تعذيب أهل النار بعملهم ؛ نذكربعضها أملا فى ان يتدبرها القارىء الكريم . يقول جل وعلا : ( مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلاَّ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (84) القصص )( ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (52) يونس )( إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الأَلِيمِ (38) وَمَا تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (39) الصافات)( اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (16) الطور )( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (7) التحريم )( يَوْمَ يَغْشَاهُمْ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (55) العنكبوت )( فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (14) السجدة ).

وعن تعذيبهم بأموالهم التى بخلوا بها فى دنياهم يقول ربى جل وعلا بأسلوب التأكيد الثقيل :( وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ )(180) آل عمران )، وعن تعذيب أئمة الأديان الأرضية بما يجمعونه من مال السُّحت وبما يكنزونه من ذهب وفضة يقول ربى جل وعلا : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنْ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (34) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ (35) التوبة ). هل يتعظ أصحاب البلايين من المحمديين ؟ ألا يقرأون هذا القرآن العظيم ؟ هم بلا شك به عارفون ، وبه يكذّبون ، لذا فهم فى العذاب خالدون .

وأملا فى العظة : نتوقف بالتدبر مع قوله جل وعلا عن تعذيبهم : (وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (36) وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمْ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (37)  فاطر ). هم فى خلودهم فى النار أحياء خالدون ، حياة فظيعة ، لايتمتعون براحة الموت ولا براحة التخفيف من العذاب . وهم من شدة العذاب يصطرخون ـ وليس فقط يصرخون ، يرجون رب العزة الخروج لفرصة أخرى : ( رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ ). لم يقولوا : ربنا أخرجنا نؤمن ، فقد آمنوا فعلا ـ ولكن بعد فوات الأوان . الذى ينقصهم وهم فى النار هو العمل الصالح ، إذ أنهم يتم تعذيبهم فيها بعملهم السىء ، وحتى يتم تخليصهم من هذا العذاب لا بد من تبديله بعمل صالح غير الذى كانوا يعملونه ، لذا يطلبون الخروج ليعملوا عملا صالحا غير الذى كانوا يعملون . ويأتيهم الرد الذى يجب أن نعتبره جيدا لننجو : (أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمْ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ ) . أى أعطاهم الله جل وعلا عمرا فى الدنيا أتاح لهم أن يتذكروا وأنزل لهم النذير  فأعرضوا ، وإكتسبوا لهم جسدا من أعمالهم السيئة يتم به تعذيبهم . لذا يقول جل وعلا : ( وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (118) النحل ).

هذا هو العدل المطلق يوم القيامة ، وتلك أيضا هى مسئولية الحرية المطلقة التى يستخدمها الانسان فى الضلال والإضلال والعصيان والطغيان ، ثم يتعجب من عقابه بالخلود فى الجحيم جزاءا عادلا ، مع أنه يستطيع بسهولة جدا أن يكون من الخالدين فى الجنة، لو أراد .

 ثانيا : بين العدل والرحمة

  تشريعات الخير فى الاسلام :

 من يريد الخلود فى الجنة يساعده على هذا أن تشريعات الاسلام قائمة على

1 ــ الخير والاصلاح  للفرد والمجتمع ، كما جاء فى سور الأنعام ( 151 : 153 ) والإسراء ( 22 : 39 ) والفرقان ( 63 ــ ) والنحل ( 90 : 97 ) والنساء ( 36 : 39 ).

2 ــ التخفيف .

2/ 1 : فلا حرج ولا مشقة فى الشريعة الاسلامية :( مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ )( 6) المائدة ) ( وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ )(78) الحج )( يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ ) (28) النساء )( ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ (178) البقرة )

2/ 2 ــ والله جل وعلا لايكلف نفسا إلا وسعها ( البقرة 286 ) (الأنعام 152 )(الأعراف 42 ) ( المؤمنون 62 ) ( الطلاق 7 ) . 

2/ 3 ـــ والله جل وعلا لا يؤاخذ على الخطأ غير المقصود والنسيان : (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (286) ) البقرة )، بل الخطأ المتعمد : ( وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (5) الاحزاب ).

2 / 4 :ويعفو عمّن يقع عليه إكراه فى العقيدة : ( مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنْ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (106) النحل )، أو فعل الفاحشة ( وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ (33) النور ). ويؤسس الاسلام على أنه لا إكراه فى الدين : ( لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنْ الغَيِّ (256) البقرة ) ، ويمنع النبى منه :( وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (99) يونس )، ويجعل من أهداف القتاال الدفاعى منع الإكراه فى الدين أو الإضطهاد الدينى أو الفتنة فى الدين ( البقرة  193 ، الأنفال 38 ) ، حتى يكون مجال الدين حرا ليتحمل البشر مسئوليتهم على إختيارهم الدينى يوم الحساب أو يوم الدين ، وبهذا يكون الدين لله ، فى الحرية المطلقة التى أعطاها لنا فى الدنيا وفى  مسئوليتنا المطلقة عليها أمامه جل وعلا يوم الدين .

 3 ـ والتوبة ، التى تعطى المذنب فرصة أخرى : ( فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (275) البقرة )، ويترتب على التوبة المقبولة غفران يوم القيامة : ( ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (119) النحل )

4 ـ والابتلاءات ، كما سبق ، هى جرس إنذار لينتبه الغافل ويتوب العاصى .

 5 ـ يبقى بعد هذا من رحمته حل وعلا أن الحسنة بعشر أمثالها والسيئة بمثلها ( مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (160) الانعام ) ( مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ (89) وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (90) النمل )

خلاصة ما سبق : إن الله جل وعلا لا يظلم مثقال ذرة ، بل يضاعف الحسنة ، ويجازى السيئة بمثلها ( إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً (40) النساء ).

 سبحانه جل وعلا رب العالمين .!!                         

اجمالي القراءات 3854

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2006-07-05
مقالات منشورة : 2768
اجمالي القراءات : 21,835,445
تعليقات له : 3,595
تعليقات عليه : 11,163
بلد الميلاد : Egypt
بلد الاقامة : United State

مشروع نشر مؤلفات احمد صبحي منصور

محاضرات صوتية

قاعة البحث القراني

باب دراسات تاريخية

باب القاموس القرآنى

باب علوم القرآن

باب تصحيح كتب

باب مقالات بالفارسي