الدولة العسكرية الأمنية ( الفرعونية ) ( السيسية )التى تستعلى على الشعب :
الدولة العميقة بين الرئيس السيسى وفرعون موسى ( 1 من 3 )

آحمد صبحي منصور في الخميس 05 مارس 2015


مقدمة

جمع فرعون موسى فى يده قيادة العسكر والأمن والحكومة المدنية التى تشتغل بالانشاءات الهندسية والمعمارية . وهى الدولة العميقة التى تستعلى على الشعب وتسخره ، والتى إستعادتها دولة العسكر المصرية منذ حركة الجيش فى يولية 1952 . وإذا كان فرعون موسى له ( ها ـ مان ) قائد الجيش ومهندس الانشاءات الهندسية فإن السيسى فى عصرنا هو المتحكم فى العسكر والأمن ، وله مهندس هو ( مح ـ لب ) . انتهى فوعون موسى وجنده وقومه الى الهلاك فى البحر الأحمر بسبب العلو والفساد ومعهم دولتهم العميقة ، وتم تدمير كل المنشئات والقصور التى أنشأها ( ها ـ مان ) : ( وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ (137) الاعراف ). قوم فرعون هم جند فرعون هم ملأ فرعون ، أما الشعب المصرى فقد كان ــ ولا يزال ـ ضحية الدولة العميقة الفرعونية فى مصر ، بعسكرها وأجهزتها الأمنية والحكومية . الرئيس السيسى ـ بعد أقل من عشرة أشهر فى الحكم ـ ظهر الشبه سريعا بينه وبين فرعون موسى ، فكيف به إذا حكم ثلاثين عاما مثل مبارك . لذا نكتب هنا للوعظ والتحذير ، لأن مصير فرعون موسى ولعنته تلحق بكل من يسير على ( دأب فرعون ). ولهذا تكررت قصة فرعون فى القرآن الكريم فى معرض العظة والعبرة مع التركيز على أنه وقومه ودولته العميقة ( أئمة يدعون الى النار ). خوفا على السيسى ودولته العميقة ومصر ( العتيقة ) نكتب هذه المقالات .

الدولة العسكرية الأمنية ( الفرعونية ) ( السيسية )التى تستعلى على الشعب :

الدولة العميقة و العلو فى الأرض

يقول جل وعلا : ( تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الأَرْضِ وَلا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (83)( القصص ) . الواضح هنا ببساطة أن الفوز فى الدار الآخرة هو للمتقين الذين أمضوا حياتهم الدنيا لا يريدون علوا فى الأرض ولا فسادا . التدبر فى الآية الكريمة يعطينا الآتى :

1 ــ المتقون ( لا يريدون علوا فى الأرض ولا فسادا ) ولذلك فهم أصحاب الجنة فى الآخرة . أما الآخرون الذين لا يؤمنون بالآخرة والذين ليس فى الجنة نصيب فهم ( الذين يريدون علوا فى الأرض وفسادا ). أى قرروا وأرادوا التصارع فى سبيل الوصول للسلطة التى يتعالون بها على الناس .الإرادة وحدها لا تكفى ، لا بد من توفير أسباب القوة و(إستضعاف الخصم ) . وفى هذا الصراع بين الخصوم الذين يريدون علوا فى الأرض يفوز البعض ويخسر البعض ، ولكنهم جميعا أرادوا ( العلو ) فى ( الأرض ) واستخدموا كل الوسائل الفاسدة التى تمكنهم من الوصول للحكم تحت شعارات مختلفة وطنية أو دينية أو قومية . ولكى يظل المتغلب فى ( عُلُوه ) فى الأرض فإنه يقوم بتفريق الشعب لإضعافة ، أى يخلق عدوا داخليا يضربه ليفرق الشعب شيعا ، وهذا ما فعله فرعون وما يفعله بعده كل فرعون : هنا نسترجع قوله جل وعلا : :( إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِ نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُفْسِدِينَ (4) القصص ).  فرعون بعسكره وأجهزته الأمنية والحكومية أقام الدولة العميقة التى ( علا ) بها فى الأرض .

العسكر فى الدولة العميقة لفرعون موسى والدولة العميقة للرئيس السيسى

 إرتبطت حياة عبد الفتاح السيسى بالجيش والحياة العسكرية ، وتقلب فى المناصب ، وكان أهم ما تولاه المخابرات الحربية ، أى جمع فى شخصه القائد العسكرى والرجل الأمنى معا . وهكذا كان نظام فرعون موسى . وهذا يستلزم تفصيلا :

( الدولة العسكرية الفرعونية والدولة العسكرية الحالية ):

1 ــ يتميز فرعون موسى بصفته العسكرية ، بل إعتبره رب العزة جنديا فقال : ( هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ (17) فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ (18) البروج ) . وتأنى كلمة ( الجنود ) مرادفة له فى القصص القرآنى .وكانت صفته قائدا عسكريا لجنوده تصاحبه فى كفره السلوكى فى بغيه وعدوانه ، يقول جل وعلا عنه وهو يُطارد بجنده إثنين من الأنبياء وقومهما لمجرد أنهم أرادوا الهروب من طغيانه وتعذيبه وإضطهاده : (وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْياً وَعَدْواً ) (90) يونس ). كما تصاحبه كلمة ( الجنود )  فى كفره العقيدى بالله جل وعلا مستكبرا متعاليا : ( وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لا يُرْجَعُونَ (39) القصص ). أى إنه بعسكره وجنده أعلن التحدى لرب العزة فى مؤتمر أمام جنده ، قال فيه لهم وللرجل الثانى فى دولته ( هامان ): (  وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلأ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ مِنْ الْكَاذِبِينَ (38) وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لا يُرْجَعُونَ (39) فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (40) القصص ). ونلاحظ أن التعبير القرآنى يقول ( وجنوده ) أى إنه يملك الجيش والجند .

 ولأنها دولة عسكرية تحتكر الثروة والسلطة والسلاح والقوة وتتحكّم فى شعب أعزل من الفلاحين فقد كان الجيش هو المسيطر على كل شىء عسكريا ومدنيا وأمنيا ، من أعمال المقاولات الى الأعمال العسكرية . وكان ( هامان ) الرجل الثانى فى دولة فرعون ، وكانت له وظيفة عسكرية، إذ  يأتى إسمه تاليا لفرعون فى قيادة الجنود ، يقول جل وعلا : ( وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ (6) ( إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ (8) القصص )، وهو أيضا القائم على المشروعات الهندسية والتعميرية ، لذا أمره فرعون بأن يبنى بالحجر صرحا يبلغ السماء ليطلع الى إله موسى : ( وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلأ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ مِنْ الْكَاذِبِينَ (38) القصص ).

لو تأملنا الآيات الكريمة السابقة وطبقناها على دولة العسكر اليوم فلن نجد فارقا هائلا بين عسكر فرعون وعسكر السيسى . أليس كذلك ؟

تعالى واستعلاء و ( علو ) قوم فرعون ( جند فرعون ) على الشعب المصرى

الجهاز الحاكم فى دولة العسكر المصرى الحالى يشعرون بأنهم هم ( أسياد البلد ) . قال بهذا صراحة أحد زعماء القضاة فى لقاء تليفزيونى ، وقالها من قبل لواء فى البوليس . هى نفس عقيدة العسكر الفرعونى فى عصر موسى عليه السلام .وبعقلية أنهم ( اسياد البلد ) يتصرف البوليس المصرى مع الشعب المصرى ، ويتصرف العسكر المصرى مع الشعب المصرى ، حتى مع العاملين فى خدمته وفى حكومته ، من الوزراء ونجوم الاعلام ، وهذا ما ظهر فى التسريبات فى حديث السيسى مع مدير مكتبه ، وقول مدير مكتبه عن أحد الوزراء ( الصايع الضايع ) وعن أحد نجوم الاعلام ( الواد ) فلان . منتهى الاحتقار العسكرى فى التعامل مع المدنيين خدم العسكر .!.

جند فرعون هم قوم فرعون :

1 ـ ويتكرر ايضا وصف قوم فرعون بالملأ ، وفرعون وملئه ، تعبيرا عن ملكيته لهذا الملأ . ولقد كان الملأ هم قادة الجند الفرعوني وكبار موظفيه في العاصمة والأقاليم.ونفس الحال مع ( قوم فرعون ) يقول رب العزة ( قومه ) أى هو يملك قومه . إن قوم فرعون هم جند فرعون مع ملأ فرعون ، فقوم فرعون هم الجند والملأ معا. كان الجند هم القطيع الذي يتم حشده من كل مدائن مصر خلف فرعون وملائه. و(جند) فرعون مع ملأ فرعون هم معا ( قوم فرعون) الذين هرولوا خلف فرعون يطاردون معه موسي واستقروا معه في قاع البحر. ويقول تعالي عن (قوم ) فرعون : ( فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ ،فَلَمَّا آَسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ " ( الزخرف 54 ) إذن أغرق الله فرعون وقومه  أجمعين. وفى نفس السياق يقول تعالي عن (جند) فرعون. " وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ ،فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ .."( القصص 39 : 40 ).إذن غرق(جند فرعون)  الذين هم (قوم فرعون ) .
2 ـ ويقول مؤرخ عصر الرعامسة ( بيير مونتييه : الحياة اليومية فى مصر فى عصر الرعامسة : 307 ) :( إن الجنود لم يكونوا يتعلمون مهنة أخري سوي مهنة حمل السلاح التي كانوا يتوارثونها ( وهو نفس الذى يحدث اليوم ) وكانوا جميعا من ذوي الأملاك ، اى كانوا يشرفون على الاقطاعات الزراعية التى يزرعها الفلاحون المصريون لصالح الفرعون الذى كان يملك الأرض ومن عليها. ومعني ذلك أننا أمام نظام الإقطاع العسكري حيث يقوم جيش الفرعون بالإشراف علي زراعة الأرض التي تقسم علي القادة والجنود ويتم تسخير الفلاحين في زراعتها في مقابل ما يقيم أودهم . وقد استمر الإقطاع العسكري الزراعي في مصر في فترات لاحقه كان آخرها في العصر المملوكي ( 1250ــ 1517م) وعاش الإقطاع العسكري فترات طويلة في أوربا فى العصور الوسطي.وكانت بدايته في مصر في عصر الرعامسة ..

ولا يزال الاقطاع العسكرى قائما فى مصر ، ليس فقط فى هيمنة الجيش على الأرض المصرية ، وبميزانيته المستقلة التى لا يملك أحد من الشعب معرفتها ، ولكن أيضا بتوزيع الأراضى على أنفسهم وأتباعهم بأثمان رمزية ، بل حين يقوم بعض الناس باستصلاح أرض يغتصبها قادة العسكر باعتبارها منطقة عسكرية ، أو يقيم بعض اللواءات من الشرطة والجيش جمعيات تستولى على هذه الأرض .

 3 ـ والقرآن الكريم يعطي أضواء علي نظام الإقطاع العسكري الزراعي الفرعوني، ويظهر ذلك في تكرار كلمة" حشر" في أفعال فرعون، أي أنه كان يحشد جنده وأتباعه من كل مكان فى العمران المصرى ليأتوا اليه فى مكان محدد وموعد محدد. يقول سبحانه وتعالي يصف نوعية الحشد العسكري الفرعوني الذي يضم كل المدن المصرية والقرى الزراعية، يقول جل وعلا: ( وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ ،فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ ،إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ ،وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ ،وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ ،فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ،وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ ،كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ) ( الشعراء 53 : 56 ) . أي أن فرعون أرسل منشورا إلي قادة الجيش في كل أنحاء المدائن المصرية ليحشروا ـ أو ليحشدوا ـ قواتهم ويسيروا بها إلي فرعون ، وذلك المنشور يقول أن بني إسرائيل شرذمة قليلة ولكنهم يسببون الضيق للفرعون وأنه يحذرهم ، وطبقا لذلك الأمر خرج كل الجنود من اقطاعاتهم الزراعية وكنوزهم التي يديرونها ويشرفون عليها ، ووصفها رب العزة جل وعلا  بقوله : ( فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ،وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ. "( الشعراء 57 : 58 ) . ويتكرر نفس المعني في قوله تعالي: ( كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ،وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ ،وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ ) ( الدخان 25 ـ ).

4 ـ ويعتبر فريدا فى وقته هذا الحشد العسكرى القادم من جميع العمران المصرى ليتجمع فى نقطة واحدة مركزية هى الفرعون . ونلاحظ تحكم قبضة فرعون المركزية فى الحكم ، فالحكام فى المقاطعات هم الملأ  التابعون المخلصون له ، وهو الذى يملك تعيينهم وعزلهم وقتلهم . ثم ـ وهذا هو الأهم ـ إنه لا بد من وسائل اتصال قوية ومرنة و مستمرة تعزز من التواصل والاتصال بين االفرعون وأؤلئك القادة ، وتجعل الفرعون كأنه موجود فى كل مكان . ووسائل الاتصال تلك من أهم وسائل السلطة المركزية المستبدة فى التحكم فى كل اطراف دولتها.

5 ــ وفى القرآن الكريم إشارات إلي نظم متفوقة في الاتصال بين فرعون في عاصمته وفرق جيشه في سائر العمران المصري القديم . وعن طريق ذلك الاتصال المستقر والمستمر كانت كل فرق الجيش وكل قوم فرعون في متناول يده في اللحظة التي يريدها ، ويكفي انه جمع جنوده من كل الإنحاء ولحق بموسي . وفى القرآن الكريم مثلان على دقة وتميز النظام الفرعونى فى الحشد و الحشر. أولهما ينتمى الى الأعمال المدنية ، حين تم تجميع كل السحرة من كل أنحاء مصر ليأتوا فى وقت محدد للمباراة مع موسى : ( قَالَ لِلْمَلإٍ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ ، يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ، قَالُوا أَرْجِهِ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ ، يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ ، فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ ، وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ ، لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمْ الْغَالِبِينَ) ( الشعراء 34 ـ ) ، إذن ذهبت الرسل إلي كل المدائن تجمع أمهر السحرة وتنقلهم إلي العاصمة في وقت محدد . ثم اندست مجموعات أخري من التنظيمات السرية للملأ الفرعونى بين الجماهير تحثهم علي حضور المباراة المرتقبة. وحتى يزيدوا في إثارة الجماهير لمشاهدة المباراة فإنهم لا يقطعون بفوز السحرة وإنما يقولون: لعل السحرة يفوزون . : (وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ ، لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمْ الْغَالِبِينَ).

ويقول تعالى يحكى عن فرعون بعد أن شهد آية موسى فى العصا و اليد : (قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِّثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لّا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنتَ مَكَانًا سُوًى قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَن يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى ) ( طه 57 : 60 ) 
هنا يتحدث الفرعون بلهجة الواثق من نفسه ، فيطلب من موسى أن يحدد ساعة الصفر مقدما ، ولأن موسى يعرف قدرة الفرعون على الحشد و الحشر فإنه يقول للفرعون: (مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَن يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى ) ، وبسرعة يتصرف الفرعون مستغلا إمكانات الدولة فى الحشر وفى الحشد ،أو بالتعبير القرآنى (فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى ). فالقرآن يصف أجهزة فرعون في الاتصال والتأثير في الجماهير بأنه " كيد" وهو أفضل تعبير عن الأجهزة السرية التي تخدم الحاكم المطلق.

أما المثل الآخر فى الحشد والحشر فقد كان عسكريا . وطبقا للنظام الاقطاعى العسكرى فقد كان جند الفرعون موزعين فى الأقاليم يشرفون على الزراعة وتسيير أمور المملكة ، ويحكمهم نظام إتصال على أعلى مستوى متقدم فى ذلك الوقت ، مركزه قصر الفرعون . ومن الطبيعى أن يكون الحشد العسكرى أهم وأخطر أنواع الحشد . وحين علم فرعون بنية موسى على الهرب ببنى اسرائيل أمر نظامه فى الحشد و الحشر بتجميع كل الجنود من كل اقاليم مصر، فتم ذلك بسرعة جعلت جيش فرعون يكاد يلحق ببنى اسرائيل ويكاد يفتك بهم لولا التدخل الالهى ، يقول جل وعلا (وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ ،فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ ،إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ ،وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ ،وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ ،فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ،وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ ،كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ) ( الشعراء 52 : 59 ) 

المخابرات الفرعونية  
1 ـ نستشفّ مما سبق وجود جهاز أمنى متشعب ومتعمق فى العمران المصرى ،  نتحدث هنا عن الأجهزة السرية للفرعون ،  كان منهم جهاز دعائى سرى يتخصص فى التأثير على الجماهير ، وسبق أن أشرنا اليهم فى سياق التعرض لقوله جل وعلا :(وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ ، لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمْ الْغَالِبِينَ). وربما كان منهم ذلك ( الرجل ) الذى كان في أطراف المدينة ، وعلم بالمؤامرة فجاء وحذر موسي :(وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ ) ( القصص 20 ). ربما كان يعمل ( مرشدا ) للملأ المحلى ، وربما كان من بنى اسرائيل فخاف على موسى فبادر بنصحه.ولا نستبعد وجود قارون عميلا للفرعون ضمن اجهزة الفرعون السرية التى كانت تتلصص على بنى اسرائيل.. 

2 ــ ولكن أخطرهم هم اولئك الذين يعملون فى الشرطة والجندية ويتخصصون فى إرهاب الناس.وقد تتبع عملاء فرعون وجواسيسه كل أفراد بني إسرائيل في عصر موسي ، ولم يشعر بهم بنو إسرائيل ، ولم يشعر موسي أو هارون بذلك النظام السري الفرعوني الذي يعد عليهم أنفاسهم.وتطلب الأمر أن يوحي الله تعالي لموسي يحذره من أولئك الجواسيس ، وجاء ذلك الوحي قبيل اللحظة الحاسمة" ساعة الصفر" أي وقت هروبهم من مصر للشرق.يقول تعالي: (وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ )( الشعراء 53 ) (فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ )( الدخان 23 ). أي كان بنو إسرائيل " متبعون" أي خلفهم جواسيس فرعون يتبعونهم حيث تحركوا .ومع إنهم تحركوا في ظلمات الليل سرا فإن البوليس السري الفرعوني ما لبث أن اكتشف السر وسارع بإبلاغه إلي فرعون ، وسرعان ما أرسل فرعون بالمنشور الذي يحشد به كل قواته من كل أنحاء مصر . ( وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ..)"
3 ــ واضح هنا أن النظام السري لفرعون كان يتكون من درجات مختلفة السرية .ودليلنا علي ذلك ـ أيضا ـ ما نستشفه من قوله تعالي: ( وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآَ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ."( يونس 87 ). فالله تعالي يأمر بني إسرائيل بأن يقيموا الصلاة في بيوت سرية خاصة في أنحاء مصر ، وقد جاءت هذه الآية بعد آيات أخري تفيد خوفهم من اضطهاد فرعون إلي درجة أن ذرية قليلة من بني إسرائيل هي التي آمنت لموسي ووثقت به . وتطلب الأمر أن يعتصموا بالله ويتوكلوا عليه ليستعينوا به في كربهم أمام اضطهاد الفرعون: (فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَن يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ ) ( يونس 83 ) .
ومعني ذلك أن رموز الإرهاب كانت تحيط ببني إسرائيل من الشرطة العلنية ونصف السرية.
وبعد أن كانوا يصلون لله في بيوت سرية فإن الأعين الفرعونية شديدة السرية كانت تلاحقهم. وحذر الله جل وعلا موسي من ذلك النظام السري الجهنمي . وفي النهاية أسرع فرعون بكيده إلي حتفه.

4 ـ ولأن جهاز الحكم الفرعون كله يخضع للمركزية الشديدة بما فيه نظام الاقطاع العسكرى فإن كل أفراد النظام المشرف على الحقول وإدراة الدولة مدنيا وإقتصاديا وعسكريا قد لحق بالفرعون فى ( نزهته الحربية) لكى يؤدب بنى اسرائيل الذين أرادوا الخلاص من إرهابه والتحرر من استبداده.وقد غرق نظام الحكم الفرعونى مع فرعون فى البحر الأحمر . وبقى الشعب المصرى العامل فى الحقول .  

هل يشمل تعبير " قوم فرعون " كل المصريين ؟

1 ـ هنا نسترجع قوله جل وعلا : :( إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِ نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُفْسِدِينَ (4) القصص ). ولقد كان بنواسرائيل وقت فرعون موسى أقليه تحتلف فى الدين والعرق عن بقية المصريين ، ومع ذلك فإن رب العزة يعتبرهم من ( أهل مصر ) أى مصريين : (وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ  ). وهذا هو حضيض الفساد .بينما إعتتبر فرعون وجهاز دولته ( العميقة ) : قوم فرعون أو آل فرعون أو ملأ فرعون .

وقد جمع فرعون دولته ونظام حكمه من كل الأنحاء ليطارد بهم خصومه، فغرق وغرقوا معه تاركين خلفهم أرض مصر الزراعية عامرة بما فيها من كنوز وجنات وعيون. ومعناه أن الفلاحين المصريين كان لا شأن لهم بما يجري من السياسة الفرعونية وتطوراتها.ولم يكن منتظرا أن يتركوا حقولهم ليحضروا مؤتمرا للفرعون في العاصمة، ولم يكونوا مؤهلين ليشتركوا في أعمال عسكرية. كان الفلاحون من ضحايا الفرعون شأنهم في ذلك شأن بني إسرائيل فنجوا من الغرق ورضوا بتحمل الظلم ـ ولا يزالون.

2 ـ يقول مؤرخ عصر الرعامسة أن أحقر المهن جميعا هي مهنة الزراعة التي يفني فيها الفلاحون ، وكانوا يتعرضون لأذى سادتهم . ويستغلهم السادة ومحصلو الضرائب علي السواء " وهذه هى حال رجل الحقول . تسجن زوجته ويؤخذ أولاده رهائن"( نفس المرجع 139) . أى نظام الرهائن المعمول بهم فى الدولة الأمنية الحالية فى مصر . تؤخذ الأم رهينة حتى يسلّم الابن المطلوب نفسه للشرطة .

، يقول بيير مونتييه: (  وعندما تبدأ سنابل القمح في الاصفرار يري الفلاح سادته ومعهم عدد كبير من الكتبه والمساحين والموظفين ورجال الشرطة يبدأون عملهم بمسح الحقل ثم يقدرون كمية الحبوب بالكيل ، ويكونون فكرة دقيقة عما يستطيع الفلاح أن يقدمه إلي مندوبي الخزينة ، وبعد إتمام الحصاد يحضر الكتبة والكيالون فيستولون علي المحصول ويعاقبون الفلاح الذي يخفي جزءا من المقرر عليه. ثم يتم تجميع المحاصيل كلها في صوامع ضخمة علي شكل أقماع السكر". ( نفس المرجع 154 )

وما سجله مؤرخو عصر الرعامسة كان يتكرر في العصرين المملوكي والعثماني ويتكرر بعضه فى دولة العسكر الحالية .

بين عسكر الفرعون ( الرعامسة ) والعسكر المصرى الحالى

فى الوقت الذى كان فيه الرجل الأوربى لم يهبط بعدُ من على الأشجار كان الفرعون من الرعامسة يحشد جيشه وقومه كما لو كان معه ريموت كنترول .

الدولة العسكرية الفرعونية كانت أقوى دولة فى العالم المعروف وقتها . مصر مع بداية حكم العسكر فى الخمسينيات والستينيات كانت تناطح أمريكا والغرب واسرائل ، وانهزمت وفقد سيناء ، وانتهى بها الحال الآن فى عهد السيسى تابعة للسعودية ودول الخليج وتتصارع مع حماس وقطر . الدولة العسكرية المصرية الفرعونية حولت مصر الى ( مدائن ): (فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ ). وكان الريف المصرى جنات وعيونا . تحولت مدن مصر وقراها الآن الى أكوام زبالة تحت حكم العسكر الحالى.

فرعون موسى كان يحكم وفقا لثقافة عصره فى الاستبداد والفساد . عسكر مصر الآن يحكم بالاستبداد والفساد مخالفا لثقافة عصرنا ، عصر الديمقراطية وحقوق الانسان . 

اجمالي القراءات 7271

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
التعليقات (2)
1   تعليق بواسطة   نجاح الشيمي     في   الخميس 05 مارس 2015
[77649]



استاذي العزيز ان هذه المقالة الرائعه تمتاز بالاسقاط الواقعي والجميل بين ماكان يفعله فرعون موسي وما يحدث الان وهذا هو مايفتقده الكثير من الكتاب والباحثين بين الربط  بين القرءان وما يحدث الان وهذا يثبت ماسجله الله عز وجل في قرءانه(مافرطنا في الكتاب من شئ) انها لمقالة رائعه توصف الحالة الت يتواجد عليها اهل الحكم في مصر زادك الله علما واكثر الله من امثالك  (فاستمسك بالذي اوحي اليك انك لعلي صراط مستقيم)



2   تعليق بواسطة   آحمد صبحي منصور     في   الجمعة 06 مارس 2015
[77651]

شكرا استاذ نجاح الشيمى ، واقول


لو آمن الانسان فعلا باليوم الآخر لأصبحت الحياة أفضل ، ولكنه خلال عمره القصير فى هذه الدنيا ينسى إنه سيموت لا محالة . يظن أنه خالد باق ، وتكون النتيجة إستمرار تعاسة البشر . وتشمل التعاسة الظالمين مع المظلومين . الاسلام هو دين التعقل. ولو تعقل الانسان لتجنب الكثير من الشقاء. 

شكرا على تعليقك ، وجزاك الله جل وعلا خيرا ..

أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2006-07-05
مقالات منشورة : 4451
اجمالي القراءات : 42,511,590
تعليقات له : 4,700
تعليقات عليه : 13,627
بلد الميلاد : Egypt
بلد الاقامة : United State

مشروع نشر مؤلفات احمد صبحي منصور

محاضرات صوتية

قاعة البحث القراني

باب دراسات تاريخية

باب القاموس القرآنى

باب علوم القرآن

باب تصحيح كتب

باب مقالات بالفارسي