التصالح مع الإخوان..جريمة

سامح عسكر في الثلاثاء 13 مايو 2014


مبدئياً لو عاد التاريخ 40 عاماً للوراء ورفض السادات أي تعاون مع الإخوان واستكمل ضدهم سياسة عبدالناصر.. ما كان لمصر أن تقع فريسة للتطرف والإرهاب منذ أواخر السبعينات إلى عصرنا هذا..ليس تحميلاً للسادات المسئولية، ولكنه تذكير بأننا لو فكرنا بنفس منطق السادات واعترانا الخوف على أنفسنا فربما تعاني الأجيال اللاحقة من الإخوان، أبناءنا وأحفادنا سيُعانون كما نعاني، وتظل مصر دولة غير مستقرة إلى أن يأتي إليهم من يُعلي مصلحة الدولة والشعب على مصلحة الأفراد..

إن معنى التصالح هو الغفران، وماذا سنغفر للإخوان ؟..هل سنغفر لهم جرائمهم الجنائية أم السياسية أم الفكرية ؟.هل سنُحاسبهم على ضياع جيل كامل من الشباب بين أحضان التطرف والتكفير ؟..وكيف سنُحاسبهم ؟

قيادات الإخوان الحالية انتهوا على المستويين الفكري والتنظيمي ، وهذا يعني أن سعيهم للمصالحة الآن يهدف لإنتاج قيادات جديدة بروح جديدة وأساليب جديدة تهدف للبقاء ولا تقترب من الفكرة الفاسدة لديهم التي قامت عليها الجماعة وهي خلط السياسة بالدين، وهذا يعني أن الجماعة لم تقم بأي مراجعات فكرية تحملهم على الاعتراف بالأخطاء.

المصالحة الحقيقية مع الإخوان هي التي تبدأ من تصالح الإخوان مع أنفسهم، المبادرة بأيديهم، لابد أن يُراجعوا مناهجهم التي أهلكت الشعوب وأضاعت الشباب بين رواسب وفتن الماضي وتخلف التراث وإرهاب الشيوخ، عليهم بعقد مراجعات مؤلمة حول رؤيتهم للدين وللسياسة، لابد وأن يعيدوا إنتاج المفاهيم بروح عصرية بعيدة عن تعقيدات الماضي ورؤى بشر عاشوا منذ مئات السنين..

ليس رفضي لمنطق التصالح مع الإخوان يعني موافقتي على قتلهم أو إبادتهم، هذه أنفس معصومة إلا أن تعتدي تفقد عصمتها، ومنطقي يقوم على إقصاء وإبادة الفكر وليس الإنسان، علينا أن نُصارحهم بنوايانا كي يعلموا حجم المشكلة، وأن قبولهم في المجتمع مرة أخرى وبهذا الفكر وبنفس الأسلوب هو غير مقبول على الإطلاق..قولاً واحداً، وإذا أصرّوا يعني معارك جديدة وفتن جديدة هم أول من سيكتوي بنارها كما حذّرهم العُقلاء من قبل أن يصنعوا فتنتهم الحالية.

إن من أكثر الوسائل القذرة التي حرص الإخوان على اتباعها مع الشعب المصري ودولته هو أنهم كانوا غامضين وكذابين يُخفون في أنفسهم ما لا يُبدون، بمعنى أوضح .."كانوا بوجهين"..ومثل هذه الأساليب تُنشئ جيلاً معزولاً عن مجتمعه ويصر على تحميل الآخرين أخطائه، إنها التقية السياسية والفكرية..وهي منطق الاستعباط واستغفال الآخرين، وللعلم أنهم ليسوا وحدهم يعانون من هذه المرض وتلك الوسائل الغير شريفة، ولكن هم أكثر من يستعملونها ويحرصون على إشاعتها، وبلغ من فُجرهم أنهم ألبسوها لباساً دينياً فأباحوا الكذب تحت دعاوى التورية..كيف تُصالح من يُبيح الكذب، وكيف تتواصل مع كائن غامض، وكيف تطمئن لمن عاش معك سنوات بوجهين ؟!

معلومة: أن الإخوان جماعة قامت على أسس فكرية أهمها التمرد على العصر ومفاهيمه وأشكاله البنيوية، ربما لا يعلم الكثيرين أن أصول الإخوان كانت في صحراء شبه الجزيرة العربية حيث استمد البنا إسم جماعته من .."الإخوان السعوديون"..الذين استخدمهم آل سعود في حرب القبائل وبناء دولته ثم تخلص منهم في النهاية..

أتعلمون من هم الإخوان السعوديون؟

هم البدو الأعراب الذين ثاروا على القبائل العربية ثورة دينية متكاملة في مطلع القرن العشرين..وساعدوا الملك عبدالعزيز آل سعود على تحقيق أمنيته بإقامة الدولة السعودية الثالثة، هي حركة ترفض أي مظهر من مظاهر المدنية، لقد كفّروا من يركب السيارة ويستعمل التلغراف والتليفون، قالوا أنها جميعاً بدع نصرانية كافرة لا يجوز استخدامها، طالبوا بالعودة إلى فقه ابن تيمية وابن حنبل وابن عبدالوهاب، وقد عادوا بالفعل وأصبحت الجماعة هي أقوى جماعة حربية سيطرت على قبائل الصحراء إلى أن جرى القضاء عليهما بواسطة حلفائهم السابقين من آل سعود.

لقد أنشأ البنا جماعته في عز قوة وانتصار هذه الجماعة في السعودية عام 1928 ، ومنها استمد عنوان الجماعة وأفكارها الثورية والرجعية في نفس الوقت، ولكن البنا نجح في مراعاة الفارق بين بدو الصحراء ومصر المدنية فاعترف"جزئيا"ببعض هذه المظاهر المدنية ، ولكنه اعترافاً شابه النفاق فمن حيث كان يطعن بالحضارة الغربية وبمُنجزاتها ..كان يستعمل هذه المنجزات لصالحه دون إشارة واحدة لأسباب نجاح الغرب في ذلك، وهو الفكر والأسلوب الذي ورثه كافة الإخوان والجماعات الإرهابية منذ هذا الزمن ، فحسن البنا هو المؤسس والقدوة ، وأي اعتراف به وبأفكاره يعني دوران فارغ حول أصل المشكلة دون مكاشفة ومصارحة وصدق مع النفس.

نخلص من ذلك أن الإخوان في الأصل هي جماعة بدوية وروح أعرابية، وكل ما ينطبق على البدو والأعراب من ثقافة وأساليب وأعراف هي تنطبق على الإخوان، وقد صدق الأديب والمؤرخ الكبير.."أمين الريحاني"..في وصف الأعراب إذا قال في وصفهم.. (البدو سيف في يد الأمير اليوم وخنجر في ظهره غداً" (نجد وملحقاتها ص260)

والسبب أن البدو براجماتيين ونفعيين إلى درجة كبيرة، حتى أن بعض الدول –ومنها مصر –تعاني منهم حيث يعملون ضد الدولة إذا ما استدعت مصالحهم ذلك، ويعملون معها إذا ما استدعت أيضاً مصالحهم ذلك..

لقد شرب الإخوان نفس الثقافة والأسلوب البدوي.. حتى باتوا من أكثر الجماعات براجماتية نفعية، ولولا النزعة الدينية المتطرفة لديهم والتي حملتهم على مواجهة الدول والشعوب.. لقلنا أنهم بارعون في سياسة الاختراق، والسبب أن الإنسان البراجماتي النفعي هو يمتلك قدرة اختراقية عالية، حتى أنهم كادوا يخترقون مؤسسات الدولة المصرية بالكامل ومن ضمنها الأزهر الشريف...

وقد شاء الله أن يسقطوا بنفس الادعاء الذي قاموا به ..وساعدهم على القيام والاختراق باسم الدين، لقد سقطوا دينياً في نَظَر الشعوب قبل أن يسقطوا سياسيا، وفي مثل هذه الظرف تكون الصدمة عليهم كبيرة ، حتى أنهم مستعدون لتجاوز كل الخطوط الحُمر من أجل الانتقام الذي يظنون في هواجسهم أنه مقاومة، بل هو انتقام وإجرام وإرهاب ناتج عن ردود أفعال متهورة وغير عقلانية.

إن التصالح مع الإخوان يعني التصالح مع الإرهاب والتراث الدموي الفاسد، ويبقى الحال على ما هو عليه، وتبقى معه الأجيال اللاحقة مُهددة في دينها وإيمانها وأرواحها وممتلكاتها، فقط لمجرد أننا أشخاص أنانيون ، رفضنا أن نحمل المسئولية وعجزنا عن حمل الأمانة، تلك الأمانة التي ورثناها عن الآباء والأجداد الذين جاهدوا هذه الفئة حسب قدراتهم ولم ينجحوا، وآخرين خُدعوا في تدين الإخوان الزائف وساروا على طريقتهم ففجروا في خصومة الناس وجعلوا من أنفسهم أوصياء على رقابهم.

اجمالي القراءات 7328

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2012-09-25
مقالات منشورة : 788
اجمالي القراءات : 5,447,335
تعليقات له : 102
تعليقات عليه : 411
بلد الميلاد : Egypt
بلد الاقامة : Egypt