موقف الإمامين مالك وابن حنبل من أبي حنيفة النعمان

سامح عسكر في الثلاثاء 11 فبراير 2014


موقف أئمة مذهب السنة من أنفسهم مبني على موقف كلٍ منهم من الحديث، فمالك وابن حنبل كانوا يكرهون أبي حنيفة لقوله في الحديث برأيه، وأن العقل لديه ضابط لكشف السنة، وأنه لا يطمئن لمرويات بشرية على حساب القرآن والعقل، والأداة الأخيرة استخدمها في القياس ببراعة، حتى اشتهر مذهبه بأنه مذهب العقل والقياس.

 ولكن بعد وفاة أبي حنيفة بفترة زمنية ليست بالقصيرة ،وبالتحديد بعد سطوة الحديث ونشره بأوامر مباشرة من سلطة بني العباس، انخرط الأحناف في التحديث، وانشغل بعضهم بالرد على المذاهب الأخرى بنفس الأسلوب الروائي، مما أفقد مذهب أبي حنيفة بريقه ولمعانه، حتى إذا عاد الأحناف إلى أدوات شيخهم برعوا في الفقه وظهرت إبداعاتهم للعيان.

أما الشافعي أحد أضلاع مثلث الحديث مع مالك وابن حنبل ،كان له موقف من الأحناف، حتى حاربه الأحناف بنفس أسلوبه الروائي ، واخترعوا حديث مرفوع عن أنس.."سيظهر في أمتي رجل يقال له محمد بن إدريس هو أشد على أمتي من إبليس، ويكون في أمتي رجل يقال له أبو حنيفة هو سراج أمتي"..هكذا كانت صراع الشيوخ والمذاهب عن طريق وضع الأحاديث، لما كان لها من رمزية خاصة ومعنى ديني في نفوس المسلمين، ولكن يشفع البعض للشافعي تتلمذه على يد محمد بن الحسن الشيباني(ت189هـ) وهو تلميذ أبي حنيفة، حتى قالوا أن الشافعي وسطاً بين الرأي والحديث، وهذا غير صحيح، وله مقام آخر للرد عليه.

نعود إلى موقف مالك وابن حنبل من أبي حنيفة ، الذي سجله أحد أقدم محدثي ومؤرخي هذا العصر، وهو عبدالله بن أحمد بن حنبل، وقد جمع عبدالله المتوفي عام 290هـ في كتابه.."السنة"..عشرات المواضع من ضمنها:

1-عن مطرف اليساري الأصم ، عن مالك بن أنس ، قال « الداء العضال الهلاك في الدين أبو حنيفة الداء العضال »

2-حدثني أبو الفضل الخراساني ، ثنا إسماعيل بن أبي أويس ، قال : قال لي خالي مالك بن أنس « أبو حنيفة من الداء العضال وقال مالك : أبو حنيفة ينقض السنن »

3-حدثني أبو معمر ، عن الوليد بن مسلم ، قال : قال مالك بن أنس « أيذكر أبو حنيفة ببلدكم ؟ » قلت : نعم ، قال : « ما ينبغي لبلدكم أن يسكن »

4-حدثني منصور ، مرة أخرى قال : سمعت مالكا ، يقول في أبي حنيفة قولا يخرجه من الدين ، وقال : « ما كاد أبو حنيفة إلا الدين »

كان في هذا الزمن عداء شديد بين الأحناف وبين أهل الحديث الذين يمثلهم المالكية والشافعية والحنابلة، وبنقل عبدالله بن أحمد ابن حنبل لهذه الأقوال ظهر أنها كانت رأياً واضحاً لأبيه، والثابت -عند البعض- أن كتاب.."المسند"..لأحمد ليس من كتابة أحمد بل من كتابه إبنه عبدالله.

وهذا يرجح أن هذه الأقوال كانت رأي أحمد بن حنبل في أبي حنيفة ،وإلا نقل الرجل مقالاً لأبيه يُنصف الأحناف مثلما فعل البغدادي والشيرازي وابن عبدالبر بعد ذلك ب200 عام..

هذه الأقوال التي أنصفت أبي حنيفة من مالك والشافعي وابن حنبل هي مكذوبة مخترعة، ظهرت في زمن كان فيه صراعاً بين الأحناف والشافعية وبين الأحناف والحنابلة...وكان الغرض من نشرها هو التقريب بين المذاهب ،وإزالة بذور الاحتقان الديني والتعصب المنتشر في تلك الأزمنة.

مُجمل هذا الكلام المُفترى هو فيه ثلاثة أقوال:

1--من أراد أن يتبحر في الفقه فهو عيال على أبي حنيفة.

2- من أراد الحديث الصحيح فعليه بمالك، ومن أراد الجدل فعليه بأبي حنيفة.

3-سئل مالك بن أنس هل رأيت أبا حنيفة وناظرته ؟ فقال: نعم رأيت رجلا لو نظر إلى هذه السارية وهي من حجارة، فقال إنها من ذهب لقام بحجته.

كل هذا مكذوب بقصد التقريب بين المذاهب، وتقريباً ظهرت هذه الأقوال على يد اثنين من كبار المؤرخين والفقهاء في القرن الخامس الهجري وهم...

1-الخطيب البغدادي الشافعي المتوفي عام 463هـ في كتابه.."تاريخ بغداد"

2-أبو إسحاق الشيرازي المتوفي عام 476هـ في كتابه.."طبقات الفقهاء"

وعنهما نقل ابن عساكر المتوفي عام 571 هجرية في كتابه.."تاريخ دمشق "..وعنهم جميعاً نقل ابن خلكان المتوفي عام681 هجرية في كتابه.."وفيات الأعيان.

الخلاصة: أن فترة ال200 عام بعد وفاة عبدالله ابن حنبل ظلت فيها هذه الأقوال المنسوبة للشافعي وابن حنبل ومالك مجهولة، فمن أين جاءت؟!...المؤكد أنها ظهرت فجأة، والمعترض على هذا الكلام نتحداه أن يأتي بتلك الأقوال في الفترة ما بين موت عبدالله بن حنبل (290هـ) وموت الخطيب البغدادي وابن عبدالبر (463هـ).

اجمالي القراءات 22012

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2012-09-25
مقالات منشورة : 735
اجمالي القراءات : 4,011,025
تعليقات له : 93
تعليقات عليه : 373
بلد الميلاد : Egypt
بلد الاقامة : Egypt