تصدع الإخوان(النقد المحرم)

سامح عسكر في الأربعاء 17 اكتوبر 2012


 

منذ نشأة جماعة الإخوان كتنظيم دعوي لم يكن في حسبان القائمين عليها أن يطغى دورها السياسي على الدعوي، فالتربية في قوام العقل الجمعي الإخواني هي الأساس، ومما ساعد في نمو هذا الأصل كثرة المظالم التي تعرضت لها الجماعة على أيدي النافذين في السلطة،فالتأثير السيكولوجي في بناء وتشكيل الرأي عظيم بل وفي تفسير الأحداث لا يقل أهمية أيضاً، ومن هذه الخلفية تُبنى المرجعية ولكن ظهورها لا يجمع بين العقل والروح فتبقى المرجعية أسيرة لأحدهم دوناً عن الآخر، بمعنى أن الجمع إن كان دافعه العاطفة فالتأثير سيكون على الروح أقرب، وبتراكم الحالات نشأت لدى الإخوان قوة روحية عضدت بين الكوادر وجعلتهم أكثر تلاحماً..وهذا طبيعي في ظل سيطرة القوة الغاشمة على الحق المطلق والنسبي أيضاً ..فلا مكان للرأي الآخر.

الجماعة من الداخل تفتقر للنقد.."العنيف"..فهي لا تقبل أي نقد حاد كونه- في العُرف الإخواني- خروجاً على النظام العام وتمرداً على الفكرة..هناك سلوك نقدي داخلي ولكن بمقدار الاستدراكات والاستشكالات ولا يقبلون الطعن بأيٍ من "المسلمات" ولو كان المبرر حاضراً وقويا..هذا هو فهمهم للشورى وأنه من الأدب أن لا يكون النقد حاداً أو عنيفاً مهما بلغ الضرر والخطأ مبلغه..هذا الوضع طبيعي في ظل سيادة الروح على العقل وبالتالي علو المُجاملات على حساب الثقافة ، فكم من مثقف ترك الجماعة ليس لأجل تمرده على الفكرة بل لاتساع معارفه واستشكال أمور أعظم من قدرات الجماعة أن تناقشها ولو على مستوى النُخب.فالكيان التنظيمي القائم على العمل الجماعي في الغالب لا يستوعب قيمة السؤال وأهميته في البناء،بالضبط كالعمل العسكري لا يجوز فيه السؤال ولو جاز فهو في أضيق الحدود ويبقى الرأي الأول والأخير للقائد..هذا بالضبط ما يحدث داخل الجماعة.

إن اختياري لمُصطلح.."النقد العنيف".. لم يأتِ جزافاً....حيث ما دام الإنسان-في الغالب- يجهل العلل التي تدفعه لأفعاله فهو بالكاد يصادر حرية الآخرين، لأنه يظن في قرارة نفسه أنه السيد والوصي وأنه الآمر الناهي ولو –ولو بعقل الجماعة-فينشأ لديه شعور لا يقبل التخطئة ،خاصةً في ما يظنه مسلمات وبالتالي لا يبرز من قيمة النقد سوى الحوار، والذي يتم في الأعم الأغلب على شكل حوار أخوي هو عماد صورة.."الشورى"..في أذهانهم...هذا السلوك يحجب الحقيقة لديهم وذلك لأنهم يخلطون بين مفهوم الإنسان كونه غاية وكونه وسيلة في ذات الوقت، فيصادرون الإنسان الغاية لحساب الإنسان الوسيلة بمعنى أن الإنسان الوسيلة وجوده ممكن لوجودهم الواجب -في مضامير عمل الجماعة، ..فالكوادر جميعهم مسخرون لخدمة القادة وبالتالي فلا يجوز النقد العنيف كونه يُخرج الإنسان الوسيلة لديهم من إنسان تابع إلى إنسان مستقل ليس فقط ذاتياً بل أيضاً مستقل الإرادة..وهنا الخط الأحمر الذي يهابه كل إخواني..ففتح الباب أمام استقلال الإرادة يعني انهيار عمل الجماعة، ذلك كونه الجماعة نشأت للعمل التنظيمي الذي لا يعرف سوى مبادئ السمع والطاعة في المنشط والمكره.

إن حُرمة النقد العنيف داخل الجماعة خلقت لديهم ضعفاً ثقافياً وعزلاً اجتماعياً هائلاً..ولولا تودد الكادر الإخواني للشعب بما نشأ عليه من أخلاق تربوية لما كان للإخوان أي شعبية ولثار عليهم المجتمع كما يثور على أي تيار يجعل من تياره هويته، فيُفرق بين الناس على أسس الانتماء الحزبي سواء كان سياسياً أو دينياً ، تحدث تلك العملية ولو بالإضمار الذي ينعكس أحياناً على سلوكهم وتصريحاتهم..هم يعتقدون أن هذا التودد هو جوهر الإسلام الذي سيُقرّب إليهم الحُلم الأعظم ألا وهو.."أستاذية العالم"..وهذا جهل مركب يعاني منه الكوادر والقيادات على حدٍ سواء..فمعنى التودد سواء بالقول أو بالفعل أو بالعمل الخيري والاجتماعي أو بمعارضة الحاكم الظالم ليس كافياً كونه يخضع لرقابة الثقافة، فهي التي يستطيع بها الإخواني تجريد كافة أعماله السابقة وإدخالها في مضمار الإصلاح، وبدون الثقافة يفشل الكادر الإخواني في ترجمة وتفسير بعض الأحداث فيفشل في التعاطي معها والتي تكون في الغالب أحداث مفصلية أو نتائج لمقدمات منهج الجماعة أو لرواسب أخلاقية وسياسية تورطت فيها الجماعة عن جهل أو عن عمد.

أعتقد أن الخروج من هذه الأزمة الفكرية -والتي ربما تطيح بالجماعة-أن يُقدم قادتها وشيوخها على أحد اختيارين هما أصعب من بعض..الأول هو حل الجماعة وحصر أعمالها في عمل الحزب السياسي..الثاني هو السماح بتعدد الأحزاب داخل الجماعة وترك حرية التحزب السياسي للكادر الإخواني يختار أيما يشاء من أحزاب على الساحة ينضم إليها..والاختيار الثاني أؤيده بشده حيث فوائده أعظم من أن تُحصر في مقال..وأعتقد أن امتناع الجماعة عن عدم تطوير نفسها سواء بإجراء تغيير جوهري في هيكلتها أو تذمرها من أي نقد عنيف هو ثمرة من ثمرات التفكير من داخل النَسَق والتي تعاني منه الجماعة منذ وفاة الشيخ حسن البنا..فالرأي الآخر يكاد يكون موضع شبهة و متآمر وأنه يريد منفعته على حساب الجماعة..هذا سلوك مبرر أخلاقياً كونها نشأت في ظروف معقدة حتى أن مرور الحقب السياسية عليها كان مروراً ليس لطيفاً..بينما الحقيقة أن إهمال الرأي الآخر كان هو السمة الأبرز التي صنعت صورة عن الإخوان أقرب للبراجماتية.

أعتقد أنه لولا تسلط السياسيين على معارضيهم في مصر لرأينا جماعة إخوان أخرى غير التي نراها، فما بين عشية وضحاها أمست الجماعة في كرسي الحكم ساعين للتمكين بكل ما أوتوا من قوة، ووضع كهذا يخلق صداماً لم تكن تتوقعه الجماعة، فدائرة الإصلاح المجتمعية في وعيهم الجمعي قد تكون سراباً في عقول ووجدان الأغلبية قبيل العام 2011..بينما وكان الإضمار يعلو على التصريح خاصة في قضايا ذات أهمية .."كالديمقراطية والشريعة"..رأينا تخبطاً سياسياً وفكرياً أثناء كافة الانتخابات بعيد قيام ثورة 25 يناير..فيُقال نحن ديمقراطيون وسنطبق الشريعة ثم يسأل سائل ومتى ستطبقون الشريعة؟..الجواب: ليس الآن!!..هذا تصرف غريب وهو أعظم دلالة على عدم وضوح الفكرة الإصلاحية في العقل الجمعي الإخواني ككل، فمسألة التصريح بالشريعة يضعك أمام خيارين:

أحدهم هو تفهمك الكامل لقضية الإصلاح والشريعة وطريقة المزج بين أي نقيضين أو التعامل معهم، مما سيدفع الجماعة لشرح الفكرة شرحاً مستوفياً يتضمن برنامجاً مميزاً لم يسبقهم إليه أحد في أصول غير مشتركة تضع الجماعة على رأس جميع النخب المثقفة، وهذا لم يحدث، حيث وبشبهة بسيطة كالموقف من النص والتاريخ والاستفهام عن منهج الإسقاط يأتي على الفور الحديث بمفردات.."كالوسطية والسماحة والعفو..وما إلى ذلك"..فالحقيقة أن هذه المفردات ليست محل خلاف فهي مبادئ عامة تتغير وسائلها من فصيل لآخر، أما تحجيم تلك المفردات وحصرها في الرد على الشُبهات لهو الاختزال والضعف بعينه، فالتاريخ السياسي للمسلمين وللخلافة في معظمه لم يكن على ما يرام، حتى أن البعض يصل بخياله إلى القول بأن العُمرين."ابن الخطاب وابن عبدالعزيز".. هما الأعدل والأبرز بين كافة خلفاء وأمراء المسلمين منذ وفاة الرسول، وبغض النظر عن صحة هذا الادعاء فنحن أمام حقيقة واقعة تقول بأن أغلب من يتحدثون عن الشريعة يرفضون الحديث في التاريخ وفي منهجية التعامل مع النصوص حتى أنهم يزعمون أن العدل ملازم للنص تحت أي ظرف وما سواه ليس بشرع وليس بعدل، وهذا لعمري لإجحافٌ شديد فأين هم إذاً من سلوك عمر ابن الخطاب رضي الله عنه إذ منع أشياء كان يفعلها المسلمون على عهد الرسول منها ما نص عليه القرآن كمتعة الحج وأشياء أخرى أعتقد أن ابن الخطاب لو كان حاكماً في هذا الزمان وفعل هذه الأشياء اجتهاداً فسيُكفّر لأجل اجتهاده.

أما الخيار الثاني فهو عدم التلفظ مُطلقاً بلفظ الشريعة ولو على سبيل التأجيل كما يفعل بعض الجُهال منهم..والجهل وصف لحال موجود وليس انتقاصاً من أحد، فمعنى الحديث عن الشريعة هو تفهمها كمفهوم وسلوك ثم التطبيق، أما التأجيل فهو حرق للمفهوم في الأذهان، فتكرار المفاهيم دون التطبيق يحرقها في العقل حتى يبدأ في تصورها بشكل جديد عما هو متعارف عليه، وبالتالي يكونون قد وضعوا الخيار للشعب بالرفض دون شعور منهم بما يحدث في العقول من برمجة وعمليات تجريد لا يدركونها أو حتى يرصدونها،وهذه إحدى علامات الجهل لدى هؤلاء...فهو يعتقد أن المفهوم مُجرد ومُجرّب وجاهز للتطبيق فقط هم يحتفظون به لحين ميعاد تطبيقه وهذا غير صحيح فمع أول احتكاك مع مخالفيهم-الذين يعتبرونهم مخالفي الإسلام-يتضح لهم أن العمل السياسي يقبل الخطأ والصواب، أما الدين فلا يقبل سوى الحلال والحرام، وبالخلط بينهم يصلون لطريق مسدود فيأتي التكفير بمجرد الرأي.

اجمالي القراءات 5023

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2012-09-25
مقالات منشورة : 788
اجمالي القراءات : 5,336,160
تعليقات له : 102
تعليقات عليه : 411
بلد الميلاد : Egypt
بلد الاقامة : Egypt