مكائد إبليس وفن التدليس

كمال غبريال في السبت 04 فبراير 2012


تطلق كلمة "العشوائية" على الخليط غير المتجانس ولا المتوافق من العناصر، وقد آن لنا أن نعترف أن الشعب المصري صار "أمة عشوائية" بجدارة. . ليست العشوائية في مدننا وشوارعنا والحجم الهائل للاقتصاد غير الرسمي فقط، لكن أخلاقنا وسلوكياتنا ذاتها عشوائية، مزيج عجيب من الفضائل والرزائل، يصعب تصور تجمعها لدى نفس الشخص. . أفكارنا وتديننا عشوائي، يجمع بصورة مذهلة بين روح التقوى والفجور، حتى رؤانا للمستقبل عشوائية، تجمع بين تطلعنا للرخاء والتقدم والحداثة، وبين غرقنا في أوهام الماضي المقدس أو السعيد الذي نحاول استعادته بكل السبل. . هكذا أنجبت هذه الأمة د. فرج فودة ود. أحمد زويل ود. فاروق الباز ود. مجدي يعقوب، كما أنجبت سيد قطب وأيمن الظواهري ومحمد عطا. . هذه العشوائية المصرية هي السر في صعوبة تعرف العالم علينا وتحديد من نحن بالفعل وماذا نريد، كما هي بذات القدر وراء عجزنا على فهم أنفسنا، ذلك الفهم الضروري كنقطة بداية لأي محاولة للتغيير أو الإصلاح.


حين تسود العشوائية لا مجال للحديث عن التفكير الرصين العلمي، فالفكر والعلم نظام وانتظام، ولا يصلح للتعامل مع العشوائية إلا إذا استطاع فرز كل الأوراق وإعادة ترتيبها، وهذا إن حدث سيكون تشويهاً للحقيقة العينية الخام الموجودة على الأرض، ليكون أفضل توصيف للعشوائية هو ما يتم عبر العشوائية، أي التعامل مع الشظايا والشذرات المتناقضة قطعة بقطعة، لننتج في النهاية توصيفاً عشوائياً لحالة نموذجية من العشوائية، فنجدنا محبذين متحمسين للثورة والتغيير، رغم ما وصلنا إليه من فوضى وترد، ومن سيطرة طيور الكراهية القتل والظلام على السلطة بالبلاد. . الأمر هنا ليس تناقضاً محضاً، فما يجري الآن بالبلاد لا يعيب الثورة، بل بالعكس يرفع من قيمتها، فلقد ساهمت ليس في فضح نظام مبارك فقط، ولكن في فضح الحاضنة التي ترعرع في حضنها كل ذلك الفساد. . شكراً للثوار الذين أيقظونا جميعاً على حقيقتنا المرعبة المقززة!!
إذا أضفنا عاملاً جوهرياً آخر للعشوائية الفكرية لدى عموم المصريين، وهو "الأبوية الفكرية" بمعنى التفكير عبر "ثقافة بطريركية"، ترى الحياة وكل ما يحركها رهناً بإرادة قوة عليا قاهرة، سواء كانت قوة ميتافيزيقية متسامية، أو حاكم أرضي مسيطر عادلاً كان أو ظالماً، مما يترتب عليه تبرئة تامة لعموم الأفراد من كل ما يحدث لهم، خاصة إذا كان ما يحدث وبيلاً، سنجد والحالة هذه سيادة ما يمكن تسميته "التدليس" على الذات الفردية والجمعية للشعب، فنجد من قبيل التقوى كثرة الاستناد إلى مقولة "قدر الله وما شاء فعل"، حتى لو كان ما نشير إليه يتنافى تماماً مع ما نؤمن أنه يدخل ضمن فهمنا لطبيعة "المشيئة الإلهية"، وعلى المستوى السياسي يكون الحاكم هو المسؤول عن كل مناحي تردي حياتنا، بدءاً من إلقائنا لأكياس القمامة من الأدوار العليا لمنتصف الشارع، ووقوف سائق سيارة في منتصف الطريق ليأخذ صديقاً عزيزاً عليه بالأحضان، وانتهاء بمسئولية عدم تمكن الشعوب العربية من إلقاء اليهود في البحر، وإزالة دولة إسرائيل من الوجود!!
هكذا انقسمت القنوات الفضائية والمتحدثون فيها ومعهم الجماهير إزاء ما يحدث في أنحاء مصر الآن من جرائم وفوضى إلى فريقين لا يقل أحدهما عشوائية وتدليساً عن الآخر، الأول يلقي بالمسئولية على أعداء الثورة والفلول والأجهزة الأمنية وإسرائيل وأمريكا وقطر، والثاني يلقيها على الثوار واللهو الخفي، وأيضاً على إسرائيل وأمريكا وقطر، الذين يريدون جميعاً إحراق مصر، وتجاهل أو جهل الفريقان أننا بعد أن كنا "أمة ضحكت من جهلها الأمم" قد صرنا "أمة اشمأزت من تخلفها الأمم".!!
لكي أكون واضحاً بلا لبس، ما أراه هو أن الثورة قد فضحت فساد الشعب المصري، وأن فساد نظام مبارك ما هو إلا ثمرة من ثمرات هذا الفساد، وإن ساهم ذلك النظام في تعميق هذا الفساد والتردي، فالأساس هو أن النظام صنيعة الشعب، ليعود ما أنتجه الشعب ليرتد عليه بالمزيد مما سبق وأنتج، ويحدث هذا في كل من حالات التقدم والتدهور على السواء، ولا يعنيني هنا إن كان كلامي أو توصيفي هذا بمثابة إهانة لصنم "الشعب البطل" أم لم يكن، لأنني لم ولن أكون يوماً من عبدة أي طراز من الأصنام، ولأن ما يعنيني حقيقة هو وضع اليد على أصل الداء ومكمنه، لكي نصل إلى بداية طريق الإصلاح. . شعبنا يتمتع بجهالة وفقر مادي وثقافي، بالإضافة لصفات الخسة والنذالة التي لا تبرأ منها قطاعات كبيرة عاشت عمرها في ظل الكبت والقهر بجميع أنواعه، لتنطبق على سيكولوجيتها مقولة "يوم ما تقدر ما تعفيش" أو "تخاف وما تختشيش"، وهذه الخسة واضحة في أغلب سلوكياتنا الآن. . ولكي أريح المتعجبين والمستنكرين لكلامي أقول لهم: بالتأكيد أنا واحد من هؤلاء الذين أتجرأ على وصفهم بما سلف من صفات، فنحن ننتمي جميعاً لذات الجينات والثقافة والبيئة!!
هكذا أيضاً يكون من العبث ما يحاوله الثوار من البحث عن "أب بطريرك" يتحمل وحده مسئولية كل ما واجه ثورتهم (ثورتنا) من فشل، لأننا جميعاً شركاء في ذلك الفشل، وإن اختلفت الأدوار من حيث النوعية والحجم والوزن، وليس فقط لأن الثوار الحقيقيين خارج دائرة السلطة في جميع الأحوال في المرحلة الحالية، وانسحاب المجلس العسكري من الساحة السياسية سيسلم البلاد كاملة لمن لا يرحم، بل ربما كان انتخاب رئيس الجمهورية وفق اتفاق بين المجلس العسكري والإخوان يعد إنقاذاً للبلاد من انتخابات تحت جناح الإخوان منفردين، كما أننا نحن "الشعب البطل" الذين أتينا بالإخوان والسلفيين في أول برلمان بعد الثورة (ولا نسميه برلمان الثورة)، وليس أمامنا هكذا إلا القبول بنوع آخر من "التدليس" على الذات، بالتعلق بأمل أن يرحم الإخوان المسلمون الجماهير التي أتت بهم من الحظر للحكم، رغم ندرة من يخفى عليهم أن الفارق بين خطاب الإخوان وخطاب السلفيين لا يأتي من وسطية أو خبرة سياسية، فهم يعتنقون نفس الأفكار، ولكنه مبدأ "التقية" أو "الإيهام في القول" الذي يتبعه الإخوان في مرحلة "الاستضعاف" حتى يصلوا لمرحلة "التمكين"، وحينها يظهر التطابق بين الجميع وصولاً لتنظيم القاعدة.
صعب على النفوس الضعيفة مواجهة الذات بنقائصها وأخطائها، وما ألطف وأظرف البحث عن كبش فداء نسند له كل فشلنا وموبيقاتنا. . مريح أن نهتف "يسقط حكم العسكر" أو "يسقط حكم الظلاميين"، كما يبعث على الانتشاء والحماسة أن نهتف "يسقط الصهاينة والصليبيون" و"تسقط أمريكا وقطر والسعودية". . لكن غير مسموح لأحد أن يواجه الشعب بالحالة التي أصبح عليها، وبأنه ينبغي لكي يحصل على حياة أفضل أن يسعى أفراده جدياً لاكتساب ثقافة أفضل، وسلوكيات تؤهله لأن يصنف ضمن "البشر الأسوياء". . فهذا لو حدث سيسهل عليه انتخاب مجلس شعب ورئيس جمهورية يحققون له ما يسعى إليه من "حياة بشرية" كريمة، لكن قبل أن يحدث هذا لن يكون مثل هذا الشعب جديراً إلا بما هو فيه الآن.
هل ثمة من يتوقع شفاء لمريض يرفض الاعتراف بمرضه، ويصر على كيل الاتهامات للطبيب ولمعمل التحليل الذي عدد ما يسري في جسده من فيروسات، وأظهر بالأرقام حجم الفشل في سائر وظائف أعضائه؟!!
لم ولن أكون من دعاة اليأس أو المتشائمين، ولا أهدف للدفاع عن أي "إبليس" أو "لهو خفي" تشير إليه الأصابع عن حق أو عن "تدليس"، لكنني لا أرى مفراً من دعوة كل فرد مواطن مصري إلى الثورة على ذاته. . على فكره وقيمه وسلوكياته، وإلا سنظل ننتج ذات ما أنتجنا في الماضي من فشل، وإن اختلفت أشكاله ومعالمه. . أعرف جيداً ما ستجلبه علي تلك السطور، ومستعد لتقبله عن طيب خاطر، طالما أنا غير مستعد لإسناد فشلي إلى "مكائد إبليس"، كمشاركة مني فيما برعنا فيه من "فن التدليس"!!

 

اجمالي القراءات 6540

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
التعليقات (1)
1   تعليق بواسطة   مصطفى اسماعيل حماد     في   السبت 27 يناير 2018
[87892]

أصبت كبد الحقيقة


(النظام صنيعة الشعب وما ينتجه الشعب يرتد عليه بالمزيد مما سبق وأنتج) عبارة تجسد المصيبة بكل مظاهرها وتفضح أسبابها وتكشف فساد هذا الشعب ككل .الحقيقة قاسية ومقززة ولكنها الحقيقة. ترى أما زال الدكتور صبحى يحمل مصر فى قلبه جرحا نافذا؟



أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2007-03-23
مقالات منشورة : 598
اجمالي القراءات : 3,964,581
تعليقات له : 0
تعليقات عليه : 264
بلد الميلاد : Egypt
بلد الاقامة : Egypt