المثقفون فى ضلال مبين

د. شاكر النابلسي في الأحد 15 يناير 2012


 

 

-1-


الثورات العربية، التي اندلعت وأدت إلى سقوط الأنظمة السياسية في تونس، ومصر، وليبيا، والثورات العربية التي تحاول إسقاط الأنظمة في اليمن، وسوريا، والسودان، ومناطق أخرى من العالم العربي، لم تفعل شيئاً – حتى الآن-  غير إسقاط الأنظمة السياسية، واستبدال حاكم بآخر، ربما يكون أفضل ممن سقط، وربما يكون مثله، وعلى شاكلته، وربما يكون أفضل منه. ويعتمد ذلك على البلد ذاته، وعلى توفر النخب السياسية الصالحة، والقادرة على الحكم.
فلماذا أصبح المثقفون في ضلال مبين، كما يقول عنوان هذا المقال؟
لنشرح بالتفصيل.
 

                                                  -2-
ليست مهمة الثورات، أن تُحدث التغيير الشامل الفوري. فهذا ما لم تقدر عليه أية ثورة سابقة في التاريخ!
ولكن الثورة لا تصبح ثورة، إلا إذا أحدثت تغييراً جذرياً في السياسة، فجاءت بالعدالة بدل الظلم، وبالمساواة بدل المحاباة.. الخ.
والثورة لا تصبح ثورة، إلا إذا أحدثت تغييراً في البُنية الاجتماعية، فأشبعت الفقراء، وكست العُراة، وشغَّلت العاطلين، وأمَّنت كافة المواطنين – مدى الحياة - صحياً، وتعليمياً، واجتماعياً.
والثورة لا تصبح ثورة، إلا أحدثت إصلاحاً حقيقياً في التعليم، وجعلت التعليم لصالح العلم، وليس التلقين، ولصالح المعرفة، وليس الخرافة.
والثورة لا تصبح ثورة، إلا إذا أنقذت الاقتصاد من الإفلاس والتدهور.
فالثورات كالعجين، يجب أن تختمر، لكي تُصبح خبزاً للفقراء، وليست (كعكاً) على مائدة الأثرياء والنبلاء.

                                          -3-
بعد نجاح الثورات في بلدان ثلاثة، تقرر إجراء انتخابات نزيهة، وشفافة، ومراقَبة من قِبل كافة عيون العالم السياسية، والإعلامية، المباشرة وغير المباشرة.
وكان مجرد الإعلان عن إجراء مثل هذه الانتخابات، أن يصبح الفائز فيها – مسبقاً - هو التيار الديني، لا محالة. ذلك أن هذا التيار، كان هو الفائز الحقيقي في السابق، في انتخابات كثيرة جرت. ولكن سلطات الأمن، في الأنظمة السياسية السابقة والساقطة، لم تكن تعلن نتيجة التصويت الصحيحة والواقعية. وتعلن عن اكتساح "حزب السلطة" الانتخابات بنسب خُرافية مضحكة، تصل إلى 99%. إضافة إلى منع التيارات الدينية، من الترشُّح، وعدم السماح لها بممارسة العمل السياسي، بحجة أن لا سياسة في الدين. وما كان الدين غير سياسة في معظمه. والرسول عليه السلام – كما هو معروف تاريخياً - قد أقام الدولة السياسية (دولة الرسول) في المدينة المنورة، قبل اكتمال الرسالة الدينية.

                                          -4-
إذن، فقد تربى، ونشأ الناخب العربي – مسلماً كان أم مسيحياً - تربية وتنشئة دينية في السياسة، وسياسية في الدين.
وهو لا يفقه في السياسة، كما يفقه في الدين.
ولكي يكون سياسياً (ناصحاً) يجيد الاختيار السياسي العصري الحديث، يلزمه أن يقرأ كثيراً، ويعرف كثيراً. 
إذن، فالناخبُ العربي ناخب ديني، وليس ناخباً سياسياً.
بمعنى أنه – كمتدين تديناً شعبياً - ينتخب رجل الدين، والمتدينين على شاكلته، ومن يفهم منهم وعليهم، وإن كانوا لا يفقهون بالسياسة، ويعتبرون "الديمقراطية" بضاعة الكفار المستوردة. فكل ما حول الناخب العربي، هو من التراث الديني التقليدي، في البيت، والشارع، والمعهد، والمكتب، وفي الراديو، وفي التلفزيون، وفي الكتاب، وفي الصحيفة، وعلى الورق، وعلى شاشة الكومبيوتر. والثقافة الدينية الشعبية، لا السياسية، هي السائدة وهي "دماغ" الغالبية العظمى. وساعد الفقر، والخوف من عذاب الآخرة، والجهل العلمي والتعليمي، رجال الدين، على أن يكونوا في الصدارة، والأمارة، والإغارة، كذلك.
فلماذا كل هذا العجب من المثقفين؟
ولماذا يستكثر- الآن - كثير من المثقفين على اليمين العربي، أن يفوز بما فاز اليوم، وهو الفائز في الأمس، وقبل الأمس، وفي كل انتخابات سابقة، لو كانوا يعدلون؟

                                           -5-
وحين تعامل المرشح الديني، مع الناخب العربي، عرف جيداً كيف يتعامل معه، وكيف يخاطبه، ومن أي الأبواب الانتخابية يدخل إليه، ليحصل على صوته الانتخابي.
فأدرك المرشح أن ناخبه ديني وليس سياسياً، فعليه أن يخاطبه بالشعارات الدينية:
 "الإسلام هو الحل"،
 و"انتخبونا من أجل القضاء على الرذيلة"،
و" انصرونا لتنصروا الإسلام"،
و"من لا ينتخبني، لا يدخل الجنة"،
و "من لا ينتخبنا فهو كافر".. الخ.
وأدرك المرشح الديني الفطن، أن غالبية ناخبيه من الفقراء الجائعين. فوزَّع عليهم قبل الانتخابات أكياس الرز، والسُكَّر، واللحم، وقوارير الزيت.
وأدرك المرشح الديني الفطن، أن ناخبيه ليسوا هولنديين، أو سويديين، أو بريطانيين ذوي تاريخ عريق في الوعي السياسي، وفي الديمقراطية، أو حتى أتراك، ممن اسقطوا الخلافة الإسلامية، وألبسوا الإسلام ثوب الحداثة والمعاصرة، وإنما هم أناس بسطاء، ليس لهم في العير السياسي، ولا في النفير الديمقراطي.
وهمهم الوحيد، العيش بسلام، وشبع، وستر.
وكانت هذه وعود المرشحين الذين اكتسحوا الساحة، وفازوا بالسبق.
وللموضوع صلة.

اجمالي القراءات 5473

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
التعليقات (2)
1   تعليق بواسطة   ربيعي بوعاقل     في   الإثنين 16 يناير 2012
[63947]

شخصتم الداء، فأين الدواء؟

سلام عليكم طبتم، وطابت مساعيكم، أخي شاكر، أحسب أن معظم الكتاب والمحللين السياسين يدركون طبيعة  الداء وأسبابه، فمن ربع قرن ـ على الأفل ـ وهم يرددون ماقلته، ثم لا شئ بعد ذلك، إلا الحوقلة والبكاء على الأطلال.. واقرأ ـ إن شئت ـ ذاك النشيد الحزين الذي كان جمال الدين الأفغاني يردده في أرجاء مصر دون جدوى  :(( ألا ما أصعب الداء وما أقل العارفين بطرق العلاج .)


ألا ما أكثر الساسة، وما أقل العرفين بسبل السياسة.. ألا ما أكثر الكتاب والمحللين وما أقل الأطباء المعالجين . ( ستوب ) توقفوا ، كفوا عن الكلام فقد باتت كل المواقع وكل الصحف سوداء مسودة، نهارها كليلها، وليلها كخافية الغراب الأسحم.


 


2   تعليق بواسطة   محمد عبدالرحمن محمد     في   الخميس 19 يناير 2012
[64036]

إدّيِ الدّيـــــــــك ربنا يِدّيـــــــــــك..!!

 الدكتور شاكر النابلسي سلِمْتَ وسلم قلمك .. على جرس الانذار هذا الذي هو في صور مقال .. متخصص .. وأعتقد انه موجه لصناع الوعي بالوطن العربي..


لابد للمثقفين أن يعترفوا بهزيمتهم في هذه المرحلة.. أمام طيور الظلام.. كهنوت الإسلام السياسي..


 أقول هذه المفارقة العجيبة التي تؤكد ما جاء بالمقال.. من أن المرشح العربي فطن إلى حقيقة لم يفطن لها المثقف العربي في معالجته لإشكالية نشر الوعي.. وهو ان المرشح العربي المتأسلم  قد فهم طبيعة الناخب العربي ونزل إلى مستواه الطبيعي في التدين السياسي والتسيس الديني!!


 وكان هناك شعار غريب في منطقة عملي قد ذاع مؤخرا!!


على لسان مرشح مصري في أعماق ريف مصر.. وكان رمز المرشح السلفي.. هو (الديك)  وكان شعار حملته الانتخابية لناخبي أهل دائرته هو الآتي..


  أنه يتسول أصواتهم الانتاخبية واعداً لهم بالجنة في الآخرة والخبز لهم والأسمدةلزرعهم في الدنيا فهناك أزمة أسمدة في هذه المنطقة الزراعية.. إن هو نجح في الانتخابات.. وكان شعار الحملة الانتخابية التي انتهت بفوزه بالطبع على مرشحي الكتلة المصرية.. الشعار هو


   (إدّي الديـــــــــك ربـــنا يـديك) يعني إعطي صوتك لرمز الديك لأن الناخبين لايقرأون ولايكتبون  والمرشح يستخدم رمز لكي يستطيع الناخب التعرف عليه.. وربنا يعطيك الثواب ونحن  سوف نعيط جلباباً


 وبالفعل كانوا يوزعون قطعة قماش 3 متر لكل ناخب حتى يخيطيها جلباباً..!


 


أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2007-01-16
مقالات منشورة : 334
اجمالي القراءات : 2,204,158
تعليقات له : 0
تعليقات عليه : 362
بلد الميلاد : الاردن
بلد الاقامة : الولايات المتحدة