العلمانية :
العلمانية الإيجابية

زهير قوطرش في الأربعاء 19 اكتوبر 2011


بعد قيام الثورات في بعض الدول العربية وانتصارها ,بدأت معركة ما بعد الثورة ,إن جاز التعبير. وقد طلع على الناس من بدأ يخوف بالحكم المدني,ويدعو إلى الحكم الإسلامي , ويخوف من الحكم  العلماني(وكأن العلمانية نمط حكم),وصارت المدنية والعلمانية من وجهة نظرهم, نمطان يقابلان الحكم الإسلامي من كل الوجوه ويتناقضان معه. ,وإذا ذكرت العلمانية ,فأنها في رأي البعض من الإسلاميين  هي  ضد الدين وضد الإسلام حصراً .

  الحقيقة هذا تشغيب وتلبيس وتدليس على الناس.لأن العلمانية مصطلح فضفاض ورجراج,والعلمانية ليست نظاماً في الحكم ,ليست رؤية في الحكم محددة,لهذا يمكن أن يكون نظام الحكم علمانياً ولكنه قهرياً استبدادياً ,ويمكن أن يكون النظام علمانياً وأن يكون ديمقراطياً.

وقد تمت مناقشة هذا الموضوع من على هذا الموقع الكريم ,وخاصة مقالات الدكتور أحمد منصور وغيره من الأخوة الأعزاء الذين أغنوه بحثاً ودراسة.

لهذا أحببت أن أضيف إلى تلك المساهمات مقالة للأب الشاب الواعد طوني دورة ,المعروف بثقافته ومواقفه العقلانية ,وهو من المعارضين لنظام الحكم في سوريا ,وفي الوقت نفسه يدعوا إلى الحوار مع النظام ,للوصول إلى مخرج للإزمة في سوريا بأسرع وقت ممكن حتى لا تتدهور الأوضاع إلى حروب أهلية أو تدخل خارجي.

وفي هذه المقالة يتعرض  الاب طوني للمرة الأولى لمفهوم العلمانية الإيجابية ,كمصطلح جديد ...أرجو من الأخوة المهتمين أغناء الموضوع بأرائهم القيمة  وشكراً.

المقالة

 

طُرح مصطلح "العلمانيّة الإيجابيّة" بشكلٍ واضح وصريح للمرّة الأولى في وثيقةٍ كنسيّة رسميّة ضمن وثيقة الخطوط العريضة للسينودس من أجل الشرق الأوسط "شركة وشهادة" الذي انعقد في تشرين الاول 2010 في الفاتيكان. ولم يكن طرحًا عارضًا وإنّما طُرح على مستوى الحلّ لأكبر أزمة وجود يُعانيها الحضورالمسيحي في الشرق الأوسط.فما هي العلمانيّة؟ وإن كان قد اصطُلح على تسميتها في الوثيقة الكنسيّة بالـ"إيجابيّة"،فهل هناك من "علمانيّة سلبيّة"؟ وكيف لوثيقةٍ كنسيّة كاثوليكيّة أن تستخدممُصطلحًا، لَطالما اعتُبر من نقائض الدين عموماً والدين المسيحي في أوروبا خصوصًا؟هل هو تراجعٌ في الموقف الكنسيّ أم اكتشافٌ جديد لمحمول هذا المصطلح؟ أم تغيُّرٌوتطوُّرٌ في المفهوم الوجودي لعيش الكنيسة في الشرق والعالم؟ أسئلةٌ سأُحاولمُقاربتها بما هو متوافر من أدوات التعريف والتحديد والتحليل.
إنّ استبياننا لفحوى ومحمول "العلمانيّة" سيُفاجئنا بانتمائه إلى الأرضيّة الراعية لنموّ الإيمان الروحي كاختبارٍ إنسانيّ يستمدُّ أصالته من الحريّة كأفقٍ للوجودالإنسانيّ.فلطالما جرى الخلط ما بين"العلمانيّة" و"الإلحاديّة". لأنّ "الإلحاد" هو دينٌ بما يملكه من رؤيةٍ تتجاوزالظاهرة التجريبيّة، لتذهب إلى ما وراءها متناولةً طبيعة الموجودات الجوهريّة وماهيّتها ومعناها النهائي والأخير. وبالتالي، فإنّ الأنظمة السياسيّة التي تتبنّى الإلحاديّة تحت عنوان العلمانيّة ليست إلاّ أنظمة دينيّة - لا إلهيّة- رافضة لهذاالدين أو ذاك، لا رافضةً للدين بما هو عليه من رؤية وموقف وممارسة.أمّا العلمنة الحقيقيّة فهي موقف تتجلّى فيه حياديّة الدولة تجاه الأديان، أي امتناع الدولة، كدولة (لا كأفراد في سُدّة الحكم بالدولة)،عن التزام وإلزام الدولة بأيّ مُعتقد أو دين أو فلسفة، تاركةً هذه المعتقدات لضميركلّ مواطن، بما هو إنسان، لحريّة ضميره وقناعاته الشخصيّة. لذا فإنّها تمتنع عن فرض أيّ موقف يأخذ الصبغة الدينيّة باسم مؤسسات الدولة أو منابرها أو إعلامها وإعلانها،لا نشرًا ولا مُكافحةً أو إقصاءً.
وهذا لا يعني بالضرورة إقصاء الدين عن المجال العام أو عن حياة الأمّة وتوجّهاتها ومؤسّساتها، خصوصا إذا كانت الدولة تُعبّر عن شعبٍ يُحيي إرثه الدينيّ بفاعلية في حياته الأخلاقيّة. من هنا، على الدولة أن تستلهم إرث هذا الشعب بما هو موروث حضاري إنسانيّ ثقافيّ يُؤثّر إيجابًا على روح التشريع ومناهج التربية، خصوصًا في البُعد الأخلاقي للمجالات الحيويّة للحياة كالعمل والأسرة، وتدعيم ثقافة التعدد والاختلاف. وعلى الدولة ان تسمح عبر مؤسساتها للعائلات الروحيّة المتعدّدة والمتنوّعة في الوطن، بالتثقيف والتوصيف والتعبيروالتعريف عن تراثها الروحي كاختبارٍ إنسانيّ أصيل دون الدعوة اليه أو التوجيه نحوه أو الترويج له. ويتم ذلك مثلا من طريق إدخال مادّة علم الأديان المُقارن في البرامج التربوية، وهو علمٌ يبحثُ في منشأ الاديان وفلسفتها وطقوسها وأخلاقيّاتها وممارساتها، واصفًا بحياديةِ ثقافة استعراضيّة دون التفضيل أو التوجيه أو الدعوةإليها، ولا سيما بما قدمته هذه الروحانيّات المختلفة من قيمِ عدالةٍ وجمالٍ ورحمةٍ وإنسانيّة...وبناءً على التعريف السابق نستطيعُ الاستنتاج:انّ العلمنة تُشكّلتوافقًا مع الإيمان بما يحتاجه من مناخٍ حُرٍّ أكثر من النظام الطائفي أو الدولةالطائفيّة.1- لأنّ النظام الطائفي (أوالدولة الدينيّة)، لا يُقيم وزنًا للحريّة الشخصيّة، تلك الحريّة التي لا إيمانَ حقيقيّا مُحترِما للضمير البشريّ بدونها. فالإنسان محسوب على الطائفة التي يُولدفيها، تُفرَضُ عليه مراسمها وأحكامها (التربية، الزواج، الطلاق، الميراث... والجنازة) من دون أن يُحسب حساب لمواقفه وقناعاته الشخصيّة، ممّا يُفرز نوعًا منالتديّن السطحي ويُغذي الرياء الاجتماعي والانتهازيّة في التديّن الظاهري لبلوغ المآرب، وخصوصًا تجاه السلطة. أما العلمنة فتُنشئ مناخا من الحريّة يستقيمُ فيهالإيمان الذي يشترط الحياديّة تجاه الحقائق الوجدانيّة المُختَبَرة والمُكتشفة،وبالتالي الثبات في القناعة والإخلاص.2- العلمنة تكفل للدين نقاء التجربة الروحيّة بنأيها عن مطامع ومطامح الربح والجوع إلى السلطة ليبقى في مناخ المجانيّة كمعيارٍ لسلامة عيشه. فيبقى ما لقيصر لقيصر وما لله لله، فلا نزجُّ اللهَ بما لقيصر ولا نُعطي قيصرَ سلطةَ الله، فلا هالة إلهيّة للسلطة ولا حُكم مُتسلّطا باسم الله.
3-
العلمنة تسمح بصهر المواطنين في مجتمع واحد متساوين كلّهم بالحقوق والواجبات والكرامة، على مسافة واحدة من العقدالاجتماعي المُكوّن لصيغة الوطن والأمّة، فيقفون سدًّا منيعًا بوجه الدسائس والمؤامرات التي تُحاك ضدّ الهويّة الوطنيّة كما يجري في لبنان والعراق مثلا... وكلّ بلد يُعاني من الطائفيّة سواءً بالنفوس أو بالنصوص. وتتيح للمواطنين ان يعملوابيد واحدة على النموّ والازدهارومواجهة الأزمات والمشاكل بتآزر الجهود المُخلصة وتكامل المواهب.
هذا في حين أنّ الدولةالدينيّة تجعل من الأقليّات العدديّة كيانات هامشيّة في وطنها الذي قد يكون قد تسمّى باسمها، فيَضعُفُ الولاء للوطن وتعمل هذه الكيانات بروحٍ فئويّةٍ تخلق التفاوت والتباين والتناقض والتصارع، ويُصبح الكلّ للجزء بدلا من الجزء للكلّ. لذافإنّ العلمنة، بما هي كافلة للحريّة والعدالة، تُضحي ضامنة للإيمان المستقيموالضمائر الحرّة والإرادات الخيّرة وحاجة إنسانيّة ترتقي بارتقائها وتتطوّر بحراكها وفعاليتها.
تأخرت كنيستي، لكنها بشجاعة تأمّلت وتخطّت ما كان يعتبر محرما، وتبنت"العلمانية الايجابية". فما حال الأنظمة السياسية هلاّ تجرأت وأقدمت؟؟

 

اجمالي القراءات 9996

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
التعليقات (3)
1   تعليق بواسطة   لطفية سعيد     في   الأربعاء 19 اكتوبر 2011
[60918]

مقارنة حيادية بين النظام الديني والعلماني

المقال قيم جدا ويشمل افكارا رائعة تساعد في  علاج الاحتقان الطائفي المنتشر في مجتمعنا العربي  وعلى وجه الخصوص مجتمعنا المصري الان فقد اورد كاتب المقال حلامثاليا سوف يساعد في علاج هذه المشكلة،  وهو دراسة علم الأديان المقارن التربوية ، وقد قرأت  كثيرا عن أبحاث أو اقتراحات تشبه هذا الموضوع فكرة وياليتها تتم وهي :  أن تتم الاستعاضة عن دراسة التربية الدينية مسيحية او اسلامية بمادة " الثقافة الإسلامية "  التي تشتمل على كل ما يحتاج له المواطن من مباديء اخلاقية سامية ،تهذب الأخلاق ،وتقوم السلوك،  وتحث على الحب والخير والجمال .


2   تعليق بواسطة   نورا الحسيني     في   الأحد 23 اكتوبر 2011
[61080]

السلفيه . ومحاربة الدولة المدنية

شكرا للأستاذ المحترم / زهير قوطرش على تنقيبه المستمر على هذه المقالات التي تهدف إلى محاولة بث الوعي في الإنسان العربي ومحاولة تعليمه ثقافة قبول الآخر .


لفت نظري هذا الخبر عن الداعية الإسلامي حسب تسميتهم له "أحمد فريد لا يبشر بالخير لقيام دولة مدنية علمانية في مصر والذي أكد فيه أكد فيه " أن السلفيين لن يسمحوا للمجلس العسكري الذي أعلن أنه أمين على الثورة وعلى مصر ان يحولها إلى دولة مدنية كما قال عنان، ولن يفرضوا على الشعب المصرى المسلم السنى دولة مدنية أو علمانية، مضيفا أن السلفيين سيطلبوا الشهادة فى سبيل إقامة دولة إسلامية. مشيرا إلى ضرورة ان يتعظ الجميع من تساقط الطواغيت من حكام العرب الفاسدين واحد وراء الآخر وزج مبارك فى السجون لبعدهم عن الإسلام.


فكيف سوف يتم مناقشة السلفية وإقناعها بقيام دولة مدنية أو علمانية يكون فيها لجميع طوائف الشعب بما فيهم المرأة والأخوة المسيحيين مشاركة حقيقية والتعبير عن الرأي بحرية ؟! .


3   تعليق بواسطة   كمال بلبيسي     في   الإثنين 26 مارس 2012
[65415]

هل يقبلوا بها

تحية للأستاذ زهير قوطرش على نقله لهذا المقال القيم ولكن السؤال هل يقبل اهل الدين ألأرضي ان يتنازلوا طوعا عن ما يستفيدون منه من تجارة رابحة بإسم الدين ووصلوا للحكم في بعض البلاد التي قام الشباب فيها بثورة وهم سرقوها بإسم الدين والدولة الدينية ، وما يطالب به صاحب المقال من تدريس علم ألأديان المقارن في البرامج التربوية ضرب من الخيال في ظل الدولة الدينية التي يخططون لقيامها ولذلك اقترح ان تنشر دراسات عن هذا العلم عن طريق موقعكم الموقر ومواقع علمانية اخرى بالإتفاق معها


أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2007-02-25
مقالات منشورة : 275
اجمالي القراءات : 4,619,101
تعليقات له : 1,199
تعليقات عليه : 1,465
بلد الميلاد : syria
بلد الاقامة : slovakia