الدمقراطية صراع وليست سلاماً

سامر إسلامبولي في الإثنين 15 يناير 2007


ة سابقاً تحمل المشعل لوحدها وتستأثر بذلك العلم والنور وتستخدمه في استعباد الأمم الأخرى مستغلة حالة الظلام المطبقة عليها. ويستثنى من ذلك الأمة الإسلامية فقد أوصلت نور المشعل إلى كل أمة تواصلت معها فساهم الجميع برفد الحضارة الإسلامية لذلك نلاحظ أن معظم العلماء المسلمين في كافة العلوم ليسوا عرباً.

فالعالم اليوم هو أشبه بمدينة واحدة كبيرة، فما يحصل في الشرق يعلمه أهل الغرب مباشرة، والعكس صحيح بصورة نسبية، والعلم والفكر أخذا حريتهما وصارا عالميي الهوية غير مرتبطين بأمة معينة، وبالتالي تقلص الاحتكار للعلم والفكر إلى أضيق سبله وهو المحصور بالدول الكبرى الاستكبارية في العالم نحو علم الفضاء وما يتعلق به من علوم ومكتشفات تتكدس وتتراكم عندهم وذلك لتحافظ هذه الدول الفرعونية على تقدمها على شعوب العالم لتستمر في استعبادها وتحافظ على فرعنتها!.

  فانفتاح الأمم على بعضها علما وفكراً وثقافة وتجارة هو أمر واقع مشاهد له أبعاده على كافة الأصعدة، فما ينبغي على أمة أن تغفل عن هذا الانفتاح لأن الغفلة عنه هي بداية لزوال تاريخ وثقافة هذه الأمة المغفلة! والمسألة مرتهنة بالوقت. وما هو قادم لا محالة فحكمه الحصول علماً الذي ينتظر الحصول عيناً. والذكي هو الذي يتعامل مع العلم ولا ينتظر أن يحصل ذلك في الواقع المشاهد ليصَدُقَ الحدث ولكن بعد فوات الأوان ويكون ما حصل قد حصل وانتهى الأمر.

  أيها الأخوة والأخوات الكرام.إن تقدم الفكر في العالم غير متوازي مع التقدم التقني المدني، فالإنسان وصل إلى كوكب المريخ ولكن في مجال النفس الإنسانية والعقل والروح والتفكير مازال أرسطو وابن سينا وغيرهم من العلماء حاضرين بقوة وثقل في هذه العلوم وهذه العلوم الإنسانية لها جذور وأسس في مادة الوحي الإلهي الخاتمي التي أنزلها الخالق لعباده كونها متعلقة بالإنسان والمجتمع نهضة وتقدماً. ونحن كان لنا الشرف في احتضان هذه المادة الإلهية الخاتمية حيث نزلت بلغتنا للناس جميعاً. فتفاعل معها سلفنا الصالح فأنشئوا حضارة إنسانية ساهمت إلى حد كبير في رفد وتأسيس الحضارة الحالية سواء اعترف الغرب بذلك أم أنكروا الحقيقة كعادتهم، فنحن لا ننتظر اعترافهم لأننا لا نريد أن نعيش الماضي ونجتر أمجاده، نحن أبناء اليوم والمستقبل، والذي أريد أن أقوله موجه إلى أنفسنا كي نستعيد ثقتنا بأنفسنا وبقرآننا ونتفاعل معه تفاعلاً معاصراً حياً مستخدمين العلوم كونها سنن وآيات الله المتعلقة بالآفاق والأنفس ونضمها إلى آيات الله المتلوة المتمثلة بالنص القرآني ليصيرا مع بعضهما بعضاً كتاب الله بِبُعْدَين:

  البُعْد الأول: سنن الآفاق والأنفس وهو بُعْد مَوضوعي.

  البُعْد الثاني: آيات القرآن المتلوة وهو بُعْد لغوي.

  ونقوم بدراسة كتاب الله ببعديه لا يفترقان أبداً، وهذه الدراسة متعلقة بالإنسان والكون والحياة وعلاقتهم ببعضهم بعضاً. لنصل إلى معرفة النظام الذي يحكم هذه العلاقات وفق الثابت والمتغير. وهذه الدراسة ليست معنية في محاضرتنا هذه، وإنما لها مجالها ووقتها. والذي يعنينا فيما ذكرت هو أننا نمتلك ثقافة عظيمة معتمدة على القرآن فلماذا نلهث وراء الآخر ونلتقط تجاربه العقيمة مقلدين له في كل حركاته؟ وقصدت بذلك الديمقراطية هذا الفكر الغريب عن نسيج ثقافتنا نريد أن نزرعه فيها.فما هي الديمقراطية؟وقبل الجواب على ذلك لا بد من التعرض لمفهوم على درجة من الأهمية متعلق بالديمقراطية بل هو أساس لها وهو مفهوم (العلمانية).

  فماذا تعني كلمة العلمانية؟        

العلمانية

  إن العلمانية هي ترجمة لكلمة فرنسية (اللايكية)1وهذه الترجمة غير موفقة ومجانبة للصواب لأن كلمة (لايك) لا ترتبط بأية علاقة اشتقاقية مع لفظة (علم). إن أصل الكلمة يوناني: (لايكوسي) ومعناها ما ينتمي إلى الشعب، إلى العامة وذلك في مقابل ((كليروس)) أي الكهنوت: رجال الدين الذين يشكلون فئة خاصة (رجال الكنيسة بالنسبة للمسيحية).وإذن فاللايكي هو كل من ليس كهونتياً، من لا ينتمي إلى سلك رجال الكنيسة.ذلك هو المعنى الأصلي للكلمة. ثم حصل نوع من الشطط في استعمالها (بالفرنسية) فاستعملت للدلالة على العداء للدين ورجاله. وبما أن تعليم الدين كان من اختصاص الكنيسة، وكان يتم في الأديرة، فإن التعليم العمومي الذي أقامته الدولة كان مقصوراً في الغالب على العلوم الرياضية والطبيعية والإنسانية، ومن هنا ارتبطت بمخيلة عوام الناس والمثقفين (اللايك) بالتعليم، فأصبحت تعني(( تعليم العلم في المدرسة وتلقين التربية الدينية في الكنيسة)).واضح إذن أن اللايكية فكرة مرتبطة أصلاً بوضعية خاصة، وضعية المجتمع الذي تتولى فيه الكنيسة السلطة الروحية بين الإنسان والخالق. وعندما قام العرب بترجمتها أخذوا المعنى السائد في مخيلة عوام الناس والمثقفين في الغرب حتى أن مؤلفي قواميس اللغة الأجنبية كذلك وقعوا في نفس الخطاً عندما قاموا بترجمة كلمة العلمانية بأنها فصل الدين عن الحياة أو الدولة تقليداً ومحاكاة لترجمة كلمة اللاييك المحصورة المعنى برجل الدين الكهنوتي الكنسي، ولكن الذي جرى أن الكلمة ترجمت بشكل مجرد عن واقعها فانتشرت بمعنى الدين فقط حيث أن في الفكر  المسيحي يندمج رجل الدين مع الدين إذ هو الوسيط الروحي بين الإنسان المسيحي والخالق عز وجل. فصارت كلمة اللايك تعني اللادين، والعلمانية نظام حياة يقوم على العلم فقط مع استبعاد الدين2 من الحياة كونه يعارض العلم والتطور. هذه هي ترجمة كلمة العلمانية واللاييك، وكما هو ملاحظ أنهما صدى ونتيجة لمعاناة الشعوب الأوربية من تسلط الكنيسة على الدولة، ورجال الدين المسيحي على المجتمع ككل، ومحاربة الكنيسة للعلم والتطور.فهل المجتمع العربي والإسلامي يعاني من تسلط المسجد على الدولة؟ وهل يوجد في الدين الإسلامي رجال وسطاء بين الإنسان والخالق يقومون بإعطائه صكوك الغفران، وتعميده والسيطرة على فكره؟

  وهل يحارب الدين الإسلامي العلم والعلماء والتطور والتجديد؟ فالجواب معلوم للجميع من خلال الواقع والتاريخ الإسلامي، فالمسجد هو مكان لإقامة الشعائر التعبدية ومنبر للفكر والتوعية والتواصل الاجتماعي، وليس هو مؤسسة سياسية لقيادة البلاد، كما أن العلماء هم مثل باقي الناس ليس لهم أي امتيازات ولا وصاية لهم على أحد، بل ولا يشكلون وسطاء بين الإنسان والرب، بل العلاقة في الدين الإسلامي تكون بين الإنسان وربه بصورة مباشرة دون وسيط، ولا يملك أحد من الناس أن يقوم بدور الوسيط أو المغفرة للذنوب، وبالتالي فلا رجال دين في الإسلام. أما العلم فهو حجر الأساس الذي يقوم عليه الدين الإسلامي، فالقرآن مليء  بالنصوص التي تدعو وتأمر بالعلم والتعلم والتفكير والدراسة والسير في الأرض لمعرفة كيف بدأت الأمور وكيف سارت وإلى ماذا صارت. بجانب محاربة الهوى وإتباع الآباء والأكثرية دون برهان. إذن مفهوم العلمانية هو بذرة غربية نشأ في تربتها ضمن ظروفها لا يصلح غرسه في التربة الإسلامية  لاختلاف الظروف وعدم معاناتنا من تلك المشكلة أصلاً. وبعد أن تبنى مفكروا الغرب العلمانية كأساس للانطلاق والبناء عليه انقسموا فريقين:

  الفريق الأول: الفكر الرأسمالي تعرض لحل العقدة الكبرى الممثلة بالأسئلة الفطرية الثلاثة (كيف، لماذا، أين) حلاً تلفيقياً لأن أساس العقلية الفكرية المنهجية التي يستخدمها هذا الفريق إنما هي قائمة على الحلول الترقيعية التي ترضي جميع الأطراف مع الحفاظ على تحقيق المصلحة لهم. وهذا يقتضي منهم ترسيخ النزعة الفردية في المجتمع حتى لا يوجد في المجتمع تكتلا يقوم ويطالب بتصحيح الأوضاع وإعادة التعرض لحل العقدة الكبرى ومن ثم البناء على هذا الحل الجديد فأوجدوا ما يسمى بالحريات الأربعة كنظام اجتماعي بجانب الديمقراطية التي هي نظام سياسي ليشكلا مع بعضهما الفكر الرأسمالي وصاغا ذلك بشعار[فصل الدين عن الحياة] فلم يكن  موقفهم من الدين إنكاراً ولا إثباتاً وإنما كان  موقفا ترقيعيا تلفيقيا وأبعدوا الدين من الحياة الاجتماعية إلى الجانب الفردي الشخصي وعززوا ذلك الموقف بالحريات الأربعة حتى صار نقاش ودراسة العقدة الكبرى مسألة لا تعني المجتمع ولا يهتم بإيجاد حل لها ويَعُدَّها من المسائل الشخصية بل إن الفرد نفسه قد تأثر بموقف المجتمع فقام بعملية فصل الدين عن حياته شكلاً ومضموناً وأهمل حل العقدة الكبرى وسار في تخبطه مضطرباً مناقضاً للفطرة الإنسانية على مستوى الممارسة الأخلاقية والاجتماعية أما الفريق الآخر فقد قام بحل العقدة الكبرى حلاً إيديولوجياً ووصل إلى نتيجة مفادها أن لا إله والحياة مادة فأنكر مسألة حقيقية الإله والدين وتعامل مع الواقع بصورة مباشرة فظهرت الديمقراطية الاشتراكية لخدمة الفكر الاشتراكي ومن هذا الوجه ظهر ما يسمى بالخصوصية في التجربة الديمقراطية لكل فكر. ولكن الملاحظ أن الديمقراطية الرأسمالية، والديمقراطية الاشتراكية كلاهما انبثقا ابتداء من مفهوم العلمانية فكانا بذلك توأمين أحدهما قام بتمييع موقفه من الدين وتهميشه إلى الحد الوجداني فلم ينكر الدين ولم يثبته وإنما اختار موقفاً تلفيقيا قائم على الترقيع صارفا الناس عن حل  العقدة الكبرى وبالتالي لا يوجد ثوابت في الفكر الرأسمالي إلا ما يرونه مصلحة لترسيخ الاستبداد والاستعباد للشعوب ومن هذا الوجه نلاحظ أن سياسة هذه الدول الاستكبارية قائمة دائما على النظرة الأحادية الذاتية والكيل  بمعيارين.

   أما الفكر الاشتراكي فقد تبنى الديمقراطية ضمن حزبه الأوحد وأحيانا تختفي الديمقراطية تماماً في المجتمع الاشتراكي كممارسة وتبقى لحناً يتم العزف عليه وعلى الحالتين فالديمقراطية الاشتراكية إنما هي لترسيخ أفكار الحزب وإيديولوجيته ليس إلا وإذا احتاج الأمر ظهرت الأنياب والمخالب ونهشت في جسم الأمة فالديمقراطية لها أنياب ومخالب يتم من خلالها تصفية الآخر وسفك دمائه باسم الديمقراطية. فما هي الديمقراطية؟

نقد نظام الديمقراطية

 لم يختلف المفكرون في مسألة كما اختلفوا في تعريف الديمقراطية فمنهم من عدها عقيدة وآخرون عدوها منهجاً وتقنية في نظام الحكم قابل للتطور من مجتمع إلى آخر يستوعب كل العقائد، وذلك لنفيهم عن الديمقراطية الناحية المبدئية، فلا علاقة للديمقراطية بمسألة الدين والأخلاق وإنما علاقتها في كيفية حكم الشعب نفسه بنفسه بأيسر الطرق التي تحقق أكبر مشاركة للناس في صنع القرار من خلال عملية الصراع السياسي للوصول إلى السلام والاستقرار والأمن.

  يقول د. رغيد كاظم الصلح في كتاب حوار من أجل الديمقراطية تحت عنوان: (لماذا مركز الدراسات الديمقراطية في البلدان العربية) ص2: ما يلي: [إن عملية تعريف الديمقراطية أو إعطائها مفاهيم محددة، تبدو مهمة محفوفة بالصعوبات ومن يبدأ فيها قد يجد نفسه مثل أولئك الذين كان سوء الطالع يقودهم إلى دخول الدياميس أو سراديب الموتى الرومانية، فيجوبون فيها بقصد الوصول إلى مخرج أو بصيص من نور، فلا يجدونه وإنما ينتقلون من سرداب إلى آخر ومن دهليز إلى دهليز حتى تحل بهم المنية دون العثور على غايتهم]. ويقول د. علي خليفة الكواري في الكتاب نفسه تحت عنوان (مفهوم الديمقراطية المعاصرة) ص124 ما يلي: [ الديمقراطية كما تمارس على أرض الواقع يضيق نطاقها ويضمر مضمونها عن الديمقراطية المثالية، التي يعُرّفها المبشرون بها على أنها ((حكم الشعب بالشعب لصالح الشعب)) إن تلك الصورة المثالية للديمقراطية يجمع اليوم كافة الدارسين للديمقراطية على أنها لم تتحقق في الماضي، وليست متحققة في وقتنا الحاضر ، ومن غير المنتظر تحقيقها في المستقبل المنظور].

  وقال أيضاً: [ لعل ((حكم الشعب بالشعب لصالح الشعب)) يمثل غاية الديمقراطية أكثر مما يصلح لأن يكون تعريفاً للعملية الديمقراطية، إنها غاية تصبو الديمقراطية إلى بلوغها دون إدعاء الوصول إليها]وقال أيضاً في ص126:[ ما هي إذن الديمقراطية المعاصرة في ضوء ما طرأ على تعريفها من تعديل؟ أو بمعنى أصح ما هي أكثر صفات الديمقراطية دلالة عليها؟ تفيد المراجعات النقدية الراهنة أن صفة المنهج هي الخاصية الأكثر دلالة على الممارسة الديمقراطية الراهنة. كما أن شبهة العقيدة هي أضعف الصفات التي يمكن نسبتها إلى الديمقراطية]

وقال أيضاً في ص127:[ ومما هو جدير بالتأكيد أن توصيف الديمقراطية المعاصرة بأنها منهج وليست عقيدة، لا ينفي عن الديمقراطية كونها مجموعة من الحقوق]

  ويقول د. برهان غليون في الكتاب نفسه. تحت عنوان(( نكسة الديمقراطية في المنطقة العربية)) ما يلي:[ فالصراع فيها شرط لإعادة توزيع القوى والسلطات، وللوصول إلى السلام الأهلي والتسوية المطلوبة لكل سياسة، ولا يمكن أن تولد من توازنات مفروضة مسبقاً من دون أن تفقد مبرر وجودها نفسه]ص10-11.

الخلاصة من هذه الأقوال:

 1-ليس للديمقراطية شكل وتعريف متفق عليه نظرياً وعمليا.

2-اتفاق المفكرين على عدم تطبيق الديمقراطية على مر التاريخ لأنها مثالية حالمة وغير واقعية.

3-تقوم الديمقراطية على أيديولوجية لا تنفصل عنها أبداً وهي إعطاء حق الحكم بشكل مطلق دون قيد أو ضابط للشعب وتمثل ذلك بفصل الدين عن الحياة سواء أكان إنكارا أم تهميشا من الحياة الاجتماعية وحصره في مجال التعبد الشخصي المرتبط بحرية الإنسان.

4-الصراع أساس تقوم عليه الديمقراطية بشكل لازم لتصارع الفئات في المجتمع على السلطة.

5-العقيدة ما زالت موجودة في الطرح الديمقراطي رغم عدم تعمد ظهورها إلى الساحة الفكرية فموقفها من الدين معروف وذلك بفصله عن الحياة الاجتماعية وإذا تم ذلك في الواقع يختفي النظام الأخلاقي ويتميع ويفقد المجتمع الجانب التشريعي الإنساني الثابت، فلذا نسمع كل فترة زمنية أن المجتمع الفلاني قد سمح بالعلاقة الجنسية بين الجنس الواحد( ذكرو ذكر نزولاً عند رغبة الجماهير، وغير ذلك من الأمور التي هي من الجانب التشريعي الثابت الذي لا يخضع للتصويت أو التعديل أو الحوار!!

6-واقع المجتمعات التي تمثل الديمقراطية بعيد جداً عما ينادون به من الديمقراطية مثل: حكومة فرنسا أم الديمقراطية والحرية في العالم تحاكم المفكر روجيه غارودي من أجل أفكاره الحرة. وتمنع الطالبات المغربيات من ارتداء غطاء الرأس في الجامعات وغير ذلك مما هو مسموع ومعلوم من خلال الإعلام. فمن خلال عرض بعض الدراسات لبعض المفكرين الديمقراطيين العرب، الذي يهمهم أمر الأمة، ويحاربون الاستبداد بكل ما أوتوا من قوة، فهذا لا شك فيه، كما أنه لا شك في إخلاصهم لمجتمعهم العربي، ولكن يجب استمرار النقاش والجدال للوصول إلى الحقيقة وخاصة أنهم يطالبون ويدعون لذلك ويقيمون الندوات والمؤتمرات واللقاءات ونشر الأبحاث والمجلات بشكل دوري لتتم عملية التواصل الفكري مع المجتمع العربي والإسلامي.

  فسوف نناقش الديمقراطية من خلال كلام الديمقراطيين أنفسهم لا نزيد عليه ولا نلزمهم بما لم يصرحوا به.

  فجميعهم قد صرح واعترف بأن الديمقراطية في أصلها تدل على عقيدة ومن ثم تطورت إلى أن أصبحت منهجاً للحكم غير مرتبطة بعقيدة معينة، مع تصريحهم بأنها رغم منهجيتها فهي تنص على مجموعة حقوق، كما أنها قائمة على الصراع من أجل الوصول إلى السلام بالشكل المناسب، ولا أمل من إقامتها في المستقبل المنظور!!!. ولنناقش أول إدعاء هو: تطور الديمقراطية من عقيدة إلى منهج بحيث أصبحت لا تمت إلى عقيدتها بأي شيء.

  من المعلوم أن دلالة كلمة الديمقراطية هي ((حكم الشعب نفسه بنفسه)) وهذا المفهوم للديمقراطية في أصله بدأ في العهد اليوناني نظرياً، وهم أول من قاموا بفعل التدليس في عملية إسقاط مفهوم الديمقراطية على الواقع إذ استبعدوا النساء والعبيد من الممارسة السياسية، وذلك بنفي صفة المواطنة عنهما .

   فكانت الديمقراطية عند ولادتها هي حكم الأقوياء على الضعفاء وترسيخ الاستبداد وهذا باعتراف الجميع بأن الديمقراطية لم تطبق ً في الماضي قط ولا وجود لها في الحاضر وهي حلم في المستقبل البعيد.

   فالديمقراطية من الناحية العملية كانت تنفيذاً لرغبة الأقوياء ذوي السلطة والمال ولتحقيق مصالحهم من خلال حق قانوني يعطى لهم وهو حكم الشعب نفسه بنفسه ومن يمثل الشعب؟ لا شك أنهم الممثلين عن الشعب لاستحالة مباشرة الشعب للحكم بنفسه، فيكون تصرفهم بناءً على ذلك تحت مقولة: نحن الشعب قررنا ما يلي، أو مقولة: باسم الشعب حكمنا. فالشعب لا يظهر إلا في الألفاظ من الكلمات وفي الخطب والمهرجانات والاحتفالات وبعدئذ يختفي إلى غير رجعة إلاَّ لتحميله خطأ الدولة وفسادها وإفلاسها فيدفع الثمن غالياً من كرامته وشرفه وأمواله لتقف الدولة نفسها أو غيرها على قدميها ومن ثم يُرّكَلُ الشعب جانبا لوقت الحاجة!!. واختفى هذا المفهوم الديمقراطي بعد اليونان، وبقي سجين في الكتب والمخطوطات إلى أن نشبت الحرب بين الكنيسة التي تمثل السلطة الدينية اللاهوتية وتسيطر وتهيمن على السلطة الدنيوية بقبضة من حديد، وبين الشعب الذي يموت كل يوم ألف ميتة من أثر الاستبداد والانغلاق الفكري والعلمي  والسياسي والاقتصادي والاجتماعي، والاستعباد الذي يمارس عليهم، مما أدى إلى حتمية الصدام والثورة والمطالبة بفصل الكنيسة عن السلطة الدنيوية.

  ولا شك كان يرافق هذا الغليان الشعبي مفكرون يريدون أن يوجدوا البديل لهذا الوضع المشين ليحل محل تراجع وانهزام الكنيسة وانكماشها على نفسها لا تغادر أبوابها، فظهر شعار(فصل الدين1عن الحياة) ابتداء من الدولة نفسها كونها أكبر مؤسسة في المجتمع إلى حياة الفرد الخاصة.

   ولم يكن يوجد في الواقع جنين مرشح للولادة ليحل محل الكنيسة العجوز إلاَّ الحمل الوهمي اليوناني إنه مفهوم الديمقراطية فكان هو ولادة الضرورة والظرف الراهن و ا لمشكلة القائمة، فأخذوه من التراث فراغاً لا واقع له ولكنهم مكرهين لعدم وجود البديل الحقيقي الذي ينقذهم  من الأزمة والورطة التي يعيشونها، هذا جانب للمسألة. أما الآخر فهو أن مفهوم الديمقراطية لغة كان لحناً جميلاً يناسب الظرف الذي يعيشونه من كونهم ضعفاء مستعبدين للأقوياء، ومفهوم الديمقراطية قدم لهم لفظاً فقط أغنية حكم الشعب نفسه بنفسه فبدؤوا يتغنون بها صباحاً مساءً، وذهب المفكرون إلى دراسة هذا المفهوم وتوسيعه وإعطاءه البعد السياسي والاجتماعي وتعبئة فراغه بما يتناسب مع دلالته وما يخدم مصالح الشعب ظاهراً ومصالح الفئة المستبدة باطناً.

   فظهرت عقيدة الديمقراطية التي أساسها قائم على قاعدة:[ فصل الدين عن الحياة] وكون الدين قد استبعد من الحياة بشكل كلي فلا شك أن دلالة حكم الشعب نفسه بنفسه أخذت دوراً كبيراً وفعالاً في عملية إعطاء الحق المطلق للشعب في تقرير ما يراه حراماً أو حلالاً وذلك حسب مصلحته وكذلك الاختيار لنظام الحياة الاجتماعية ووضع القيم والأخلاق حسب ما يراه المجتمع بأكثريته. فظهرت الحريات الأربعة لتكمل تعبئة مفهوم الديمقراطية، وهذه الحريات الأربعة منبثقة من الأصل الذي هو: فصل الدين عن الحياة، فلذا الأنسجة المكونة منها الحريات الأربعة هي أنسجة الأصل لم تتغير، وإنما حملت ذلك في بنيتها وكبرت بهذا الشكل في المجتمع الأوربي وأصبحت هي الفكر السائد مع التلقيح المستمر لهذا  الفكر القائم على فصل الدين عن الحياة بشكل مستور ومغطى مع إظهار شعار الديمقراطية الحديث البراق الذي يلفت إليه أنظار الضعفاء المستعبدين في العالم إنه حرية الشعب في تقرير مصيره، إنه شعار يحرك العواطف الملتهبة وتتجه نحوه الآمال في عملية الخلاص مما هم فيه من استبداد واستعباد وعندما وقفت المجتمعات الغربية على قدميها إلى حد ما ولم يعد بمقدور الساسة من ذوي السلطة والمال ممارسة الاستعباد على شعوبها بشكل مطلق اتجهوا نحو المجتمعات الأخرى الضعيفة ليشبعوا رغباتهم وشهواتهم في كنز الأموال واستعباد الناس فبدؤوا بتصدير الديمقراطية إلى هذه المجتمعات الضعيفة وخداعها ليقوموا بهدم بنية المجتمع من داخله وذلك من خلال نشر الديمقراطية فيهم مع إخفاء الأصل الذي كان سبب ولادة الديمقراطية مرة ثانية في العصر الحديث إنه فصل الدين عن الحياة، فأضمروا هذا الأصل ونشروا الفرع الذي لا ينفك عن أصله الذي علاقته معه علاقة اللازم بالملزوم إنه حق حرية الشعب في تقرير مصيره من خلال الحريات الأربعة.

  وانطلت هذه الحيلة الغربية على المجتمعات المستعبدة وظنوا أنهم يستطيعون أخذ الولد دون الوالد وفاتهم أن الولد يحمل جينات والده في بنيته التي سوف تظهر عاجلا أو آجلاً في الواقع، ولا يهم عدم التصريح بالوالد وإغفال ذكره إذا كان الذي يمارس في الواقع هو النتيجة والثمرة، فلم تعد قناعة الإنسان الشخصية عن الأمر أنه حرام أو حلال محط اهتمامهم وإنما المهم هو الممارسة لذلك العمل في الواقع على الطراز الغربي والقناعة تبقى محلها في الذهن لا تؤثر على السلوك، وهذا ما تم فعلاً في المجتمعات الإسلامية من خلال الخدعة الخبيثة التي جاء بها الغرب ونجح في بثها بين أفراد المجتمع الإسلامي وحكوماته، وهذا هو مفهوم فصل الدين عن الحياة عملياً ولا قيمة أبداً للناحية النظرية والدفاع عن الدين وأنه أساس الحياة فهذا مجرد كلام يشجع عليه قائله بل وهم معه في ذلك ولكن المهم أن الممارسة تكون حسب الطراز الغربي من خلال الحريات الأربعة وهذا ما نطلق عليه الغزو الثقافي لذلك نرى في المجتمعات العربية ثمار الديمقراطية ظاهرة اجتماعية من الفساد والانحلال الأخلاقي تحت مقولة الحريات ولا يهم عدم التصريح بمفهوم فصل الدين عن الحياة. فإن هذا المفهوم كامن في  لا شعور الديمقراطية والذي يظهر هو الجينات الوراثية لهذا المفهوم في الواقع. وكذلك نرى الديمقراطية السياسية من ثمارها فهاهم الأقوياء ذوو السلطة والمال يحكمون شعوبهم باسم الديمقراطية وبكونهم الممثلين عن الشعب الساذج الضعيف.

  فالديمقراطية لعبة الأقوياء الذين يملكون السلطة والمال ويسخرون العبيد والأدوات والإعلام والعلم والدين ليحافظوا على مصالحهم وامتيازاتهم، فيضعون القوانين التي يكرسون من خلالها استبدادهم واستعبادهم للشعب ومنعه من المطالبة بحقه فيكون القانون هو لحماية القوي من الضعيف، ولاستعباد الشعب. وإذا تطور الشعب وبدأ الوعي والعلم ينتشر اقتضى ذلك تطور أساليب الاستبداد وتغيير صورته إلى صورة تناسب المستوى المعرفي والوعي الذي وصل إليه الشعب، ويبقى الأقوياء في منصة الحكم لا يتغيرون إلا لأقوياء أمثالهم فالديمقراطية هي لعبة الأقوياء ليتم الأمر بينهم بشكل تداولي، وبمعنى آخر فالديمقراطية هي تداول الحكم بين الأقوياء!! و إعطاء من يصل منهم صفة الشرعية . إذاً إدعاء أن الديمقراطية منهج فقط هو إدعاء باطل لما مرَّ ذكره من وجود الجينات في بنية المنهج، مع العلم أن المنهج المدعى يتضمن حقوقاً متعلقة بالفرد والمجتمع وهذا باعترافهم مما يؤكد عملية انبثاق نظام اجتماعي من فكر كلي هو القاعدة لهذا النظام وليس هو إلا فصل الدين عن الحياة إنكاراً أو تهميشاً له . فالديمقراطية هي كُلُّ لا يتجزأ فلا يمكن أخذ جزء منها وإطلاق عليه اسم الكل، فالجزء لا يمثل الكل فإن وجد في نظام الديمقراطية شيء نافع وأخذه المجتمع دون أصله لا يصح أن يطلق عليه اسم الديمقراطية أبداً وكذلك إذا اخذ شعاراً أو عنواناً وفرغه من أصله الديمقراطي وقام بتعبئته بمفاهيم أخرى لا يصح أن يطلق على ذلك اسم الديمقراطية. فالغرب الديمقراطي نفسه لا يقبل ذلك أبداً لأن الديمقراطية هي الديمقراطية الغربية نفسها القائمة على أصلها فصل الدين عن الحياة فلا يقبل المساس في ذلك الأصل ولا بأي شكل، ولا مانع من التعديل في الفروع وما يبنى على هذا الأصل ومن هذا الوجه يظهر اختلاف تطبيق الديمقراطية في الغرب إنه اتفاق على الأصل والانطلاق منه والاختلاف في الفروع حسب المجتمعات وثقافتها وهذا من طبيعة القاعدة الفكرية التي قامت عليها الديمقراطية. ومن هذا الوجه ظهر مفهوم خصوصية التجربة الديمقراطية في المجتمعات لإكمال عملية المؤامرة والتدليس فالسؤال المطروح. هل نحن كمجتمع عربي إسلامي نفتقد لعقيدة كلية عن الإنسان والكون والحياة وعلاقتهم بما قبلهم وما بعدهم وببعضهم بعضاً؟

  وبمعنى آخر: هل نفتقد عقيدة سياسية مواكبة للتطور والعلم ينبثق منها حقوق الفرد والمجتمع؟

  وبمعنى آخر: هل عقيدتنا السياسية متصادمة مع الحياة وترسخ الاستبداد والاستعباد؟ وإذا لم يكن الأمر كذلك فما هو المسوغ والمبرر لأخذ فكر ليس فكرنا و هو غريب عن ثقافتنا ويرفضه واقع الأمة لكونه دخيلا عليها، ولكونه نشأ نتيجة ظروف لا توجد عندنا ولا نعاني منها مع الاعتراف بضرورة فصل الشبهات والشوائب الموروثة والدخيلة على الإسلام وفهمه بآلية معاصرة محررا من الثقافة التاريخية بناء على نظام اللغة العربية والعلم والقرآن .

   فالإسلام عقيدة سياسية تنبثق منها مقومات لأنظمة تنظم علاقات المجتمع وتحفظ حقوق الفرد والأسرة ويتضمن منهج يحقق العدل والحرية والسلام للناس. فلماذا نتركه وراء ظهرنا؟ ونلهث وراء فكر مسموم يحمل في جيناته الاستبداد بصور لا متناهية يتطور مع التطور العلمي والمعرفي والسياسي للمجتمعات، نريد أن نزرعه في النسيج الثقافي الإسلامي والعربي، ومن الطبيعي أن تقوم الثقافة الإسلامية بلفظه وعدم تقبله، فلماذا نبذل الجهد المضني ونضيع السنوات الطوال في زرع ما نعلم أنه سوف يُقْلَع ويُلْفَظ بعيداً وذلك لخبثه وغرابته ولن يؤتي أكله بعد حين. وأخيراً إن الديمقراطية نظام يقوم على الصراع بين القوى الطامعة في الحكم في الوطن الواحد، والضعيف هو الذي يدفع ثمن الصراع من جهده وعرقه وأولاده. فَيُصْرَفُ على الانتخابات والمهرجانات الخطابية والإعلانات أموال طائلة رغم أن الشعب جائع عاطل عن العمل بحاجة إلى كثير من مقومات الحياة الكريمة الإنسانية. والصراع إذا كان شرطاً في شيء وأساسا له فهو لا بد ضرورة من استمراره وملازمته لما ينبثق منه، مما يؤكد وهمية الوصول إلى السلام والاستقرار إذا كان الصراع هو الأساس.

  بخلاف من كان السلام هو الأساس في مجتمعه الذي يقوم على الاستقرار والثبات في الفكر الكلي والتشريع الحدودي والقيم والأخلاق الذي يحقق التواصل مع الأجيال ويحقق التعايش في الجيل الواحد في عملية الصراع المنبثق من السلام في الأمور المتعلقة بالمستجدات ليحقق التطور عبر السلام والتعايش.

  فلذا كان النظام الديمقراطي وجه آخر للاستبداد السياسي والفساد الاجتماعي ولا قيمة لما يقوله بعض الباحثين نحو د. الجابري ( أن الحل إذا لبس الاستبداد لباس الديمقراطية وظهر بمظهرها ليس هو إلاَّ الإكثار من الديمقراطية)!!!1 فكيف يكون أساس البناء باطلاً ونستمر في عملية البناء، وهل الاستمرار في ذلك يصحح الأساس؟ أم أن الأمر يزداد سوءاً أكثر مما كان!. وخاصة أن جميع المؤسسات الاجتماعية والعلمية والإعلامية والسياسية وغيرها بقبضة المستبدين فهم الذين يوجهون المؤسسات إلى ما يحقق مصلحتهم، وهم الذين يصنعون الرأي العام، وكل ذلك تحت مقولة الديمقراطية التي ليست هي في الواقع العملي إلاَّ أن الشعب يقول ما يشاء، والدولة تفعل ما تريد.

  وما على الشعب المجلود الظهر المسلوب المال إلاَّ الإكثار من المناداة بالديمقراطية لترسيخ الاستبداد والاستعباد.

  فلم تمتلئ جيوب المستبدين كما امتلأت في نظام الديمقراطية، ولم يزد عددهم ويتكاثروا بشكل أحزاب ومؤسسات إلا في ظل الديمقراطية، وفي ظلها ترسخت العلاقة بين الاستبداد السياسي والاستبداد الاقتصادي –فرعون وقارون- حتى أصبح قارون هو الحاكم الفعلي الذي يصنع قرار الحرب والسلم.

  أيها الأخوة والأخوات الكرام.

  إن الفكر الإسلامي قائم في قاعدته على الحق، وأساسه على التعايش، وركنه على التماسك، وغايته تحرير الإنسان من العبودية لبعضه بعضا إلى الحرية والنهضة والحضارة الإنسانية، وإحقاق الحق، ومحاربة الظلم والفساد الاجتماعي والبيئي والعناية بحقوق الناس، ونشر العلم والوعي، ومساعدة الشعوب المستعبدة في تحريرها مما هي فيه . فالإسلام ينادي ويأمر بإقامة الدولة على العلم والبينات.

  ففي هذا المجتمع إذا أرادت أي فئة علمية أو عمالية أو تجارية أو صناعية أو فلاحية أو غير ذلك من المؤسسات وشرائح المجتمع إنشاء حزب أو جمعية أو نقابة لتحقيق مصلحة المجتمع والحفاظ على حقوق الإنسان وترسيخ مبدأ التعايش والتماسك والعمل على نهضة المجتمع فهو عمل مشروع القيام به ومسموح ولا يحتاج إلى إذن أو ترخيص من الدولة، لأن هذا التكتل مهما كان عقيدته فهو قائم على نفس أسس المجتمع لا يتجاوزها أبداً، فيكون التكتل ليس هدفه استلام كرسي السلطة، لأن كرسي السلطة ليس محلاً للصراع وليس معروضاَ للبيع والمساومة، وإنما يكون هدف التكتل المشاركة في عملية النهضة والإشراف المباشر على خط سير الدولة والعناية بحقوقهم والقيام عليها بأنفسهم من خلال مشاركتهم الفعالة والبناءة والجادة في المؤسسات المناط بها الاعتناء بحقوق الناس ابتداء من مجلس الشعب إلى أصغر مؤسسة في المجتمع.

  فهذه المؤسسات مهما كانت وجهة نظرها فهي في النهاية تلتقي مع غيرها من كونها منطلقة من أسس واحدة، لأنه يشترط على أي مؤسسة أو تجمع أن يقوم على قاعدة الحق ومفهوم التعايش والتماسك والنهضة وغايتها تحرير الناس من الظلم والاستعباد وحفظ حقوقهم ضمن الشرع الحدودي الثابت الذي هو محل تسليم من قبل فئات المجتمع كونه شرعا إنسانيا قام عليه البينات وأثبت مصداقيته من جراء شهادة الآفاق والأنفس . إذاً المؤسسة أو التكتل غايتها مصلحة المجتمع المقيدة بالعلم والأخلاق ومنضبطة حركتها بمفهوم التعايش والتماسك والنهضة وقائمة في أساسها على الحق، وإذا كان الأمر كذلك تصبح هذه التجمعات سواء أكانت من الأقلية أم الطائفية أم القومية أم غير ذلك قوى وطنية فاعلة في بناء المجتمع الواحد المتماسك الذي يسوده الحق والعلم والأخلاق  . لذا يجب أن يسمح ويشجع ميلاد أحزاب جديدة شابة لتشارك في عملية النهضة بالمجتمع وتحقيق مفهوم التعددية الحزبية في المجتمع الواحد فالمجتمع في تطور دائم وهذا الإغلاق على مجموعة من الأحزاب في المشاركة بالحكم ينتج عنه مع الزمن الاستبداد التداولي للسلطة فيما بينها فقط مع استبعاد للشعب تماماً، وينتج عن ذلك التخلف الاجتماعي ووجود بذرة التفكك والتحلل في المجتمع من خلال الهوة التي تصبح بين الأجيال الشابة والأحزاب العجائز المستبدة التي استعبدت الأجيال الجديدة ومنعتها من إبداء رأيها وممارسة النشاط السياسي والمشاركة الفعالة في عملية النهضة بالمجتمع حسب وجهة نظرها ومتطلباتها الشبابية الحديثة، مما يؤدي إلى وجود صدام وصراع على كرسي السلطة لاحقاً، وتنتشر المعارضة السرية وتظهر الأعمال الإرهابية ويعود المرض إلى المجتمع كما كان سابقاً، فلذا يجب محاربة الاستبداد بكل أنواعه ومنه الاستبداد في التعدد الحزبي، فيجب أن يكون هناك حرية في ميلاد أحزاب جديدة ومؤسسات ليعبر المجتمع عن تطلعاته وأحلامه ويواكب التطور ويبني ويرمم خلاياه، ويتم التواصل والتلاقح بين الأحزاب القديمة والأحزاب الجديدة، وممكن أن تنقرض الأحزاب الأخرى، وهذه سنة قيام المجتمعات وتطورها، فلا يمكن لحزب أن يستمر إلى الأبد، لأن الحزب مهما كان ما هو إلاَّ مشروعً وتصورلفئة من الناس في مجتمع معين ضمن زمن مقيد بمشاكل وأطروحات خاصة بهم ، فإذا جاء الجيل الجديد فمن الطبيعي أن يتجاوز الحزب القديم لتغير الأحداث والزمن سواء في إلغائه كلياً أم في عملية تعديل له ولحركته، وهذا يقتضي وجود حزب آخر يعبر عن هذا التصور وعن المتطلبات للجيل الجديد بحركته الجديدة مع ثبات الأهداف المصيرية وتحرك سياسة التعامل والأهداف المرحلية حسب ما يقتضي الواقع ويفرضه من مستجدات.

  فإذا غاب التعدد الحزبي ومنع ميلاد أحزاب شابة فإن سنة الميلاد والتطور لا يمكن أن تختفي بل تبقى سارية المفعول وتنقلب في عملها إلى الحزب الأوحد نفسه فتعمل ضمنه وتقوم بعملية الفرز والتطور والولادة لحزب جديد على أنقاض الحزب الأوحد الاستبدادي والمسألة مسألة وقت ليس أكثر وتسريع ذلك أو إبطائه عمل مناط بالوعي الثقافي للشعب.

[ فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض] الرعد17 .

  فلذا يجب محاربة الاستبداد التداولي للسلطة بين حزبين فقط كما في الولايات المتحدة الأمريكية، وبريطانيا، وإسرائيل لأن ذلك أشبه بالعملة الواحدة ذات الوجهين. وكذلك الاستبداد التداولي للسلطة بين مجموعة أحزاب تحت أي اسم أطلقوه على هذا الاتحاد الاستبدادي لأن ذلك أشبه بالتنين ذي الرؤوس المتعددة فكل ذلك في النهاية هو استعباد للشعوب وحرمان للأجيال من المشاركة في السلطة حسب المتطلبات الجديدة لتحقيق آمالهم ومشاريعهم لأن لكل جيل آمالا ومشاريع خاصة به، فكيف يفرض مشروع سياسي وضع منذ عشرات السنين على الجيل الحالي الذي لا يشعر باحتياجه لهذا المشروع ولا يعاني من هذه المشاكل الآبائية التي عجز الآباء عن حلها، فلماذا تورث هذه المخلفات والمشاكل للأبناء؟! فيجب استمرار الآباء في حل مشاكلهم وتنفيذ مشروعهم مع السماح للأبناء في إيجاد حركة جديدة قائمة على الأسس الثابتة مراعية الأهداف المصيرية لبناء حياتهم حسب معطيات زمانهم وما فيه من تطور ومعلوماتية.

  فلذا لا بد من فتح باب ميلاد المؤسسات والأحزاب وعدم إجهاض حلم الشباب وعدم اغتيال آمالهم وطموحاتهم وعدم تعطيل قد راتهم العملية. فعملية الميلاد للأحزاب والمؤسسات هي سنة من سنن تطور المجتمعات فمن يمنع ذلك يمنع المجتمع من التطور ويزرع في يده بذرة تفككه وانحلاله من خلال موت روح الحرية في التعبير عن الرأي واتخاذ الموقف واغتيال الحلم المشروع للشباب الصاعد، وبالتالي يموت عندهم روح البحث العلمي ويختفي الإبداع والابتكار، ويهزل مفهوم الوطنية والقومية وتكثر عمليات الخيانة والتجسس، واختلاس الأموال وهجرة العقول إلى الخارج، وهروب اليد العاملة تجري خلف لقمة العيش وتحسين الوضع المادي ويفتقر هذا المجتمع إلى المواطنين الصالحين وتسود فيه الرذيلة وينتشر الفساد والرشوة والاحتيال ويصبح مفهوم الوطن والقومية مفاهيم هزلية لا قيمة لها، وتصبح الأخلاق تراثاً يضحك منه الأرذال.

  فاستمرار التعدد الحزبي في المجتمع والميلاد المتكرر للأحزاب الشابة هو صمام الآمان للشعب، وناقوس للخطر ، ومراقب لخط سير الدولة ومنبه على الاعوجاج ،  ومشارك في عملية النهضة من خلال مفهوم التعايش والتماسك القائمين على العلم والأخلاق.

  فالتعدد والميلاد للأحزاب هو بمثابة حواس الأمة المتجددة التي ترى وتسمع من خلالهم، وهو في النهاية القائد للأمة يقودها في مشروع تحقيق التعايش والتماسك والنهضة لبناء مجتمع حضاري راقي متمدن متقدم يحمل الحضارة الإنسانية إلى المجتمعات الأخرى.

  وفكرة التعدد الحزبي واستمرار ولادة الأحزاب الأخرى أو المؤسسات يتطلب في واقع الحال إيجاد نظام خاص للمشاركة السياسية أو الاجتماعية متفق عليه بين مراكز القوى في المجتمع الواحد ويصبح وثيقة عمل سياسية وميثاق وطني، وبالتالي فأي ولادة لحزب جديد أو مؤسسة سوف تقوم بالانضباط بالميثاق الوطني والدستور الذي يمثل وجهة نظر المجتمع ككل من حيث المحافظة على مقوماته. أي هناك محور ثابت وآخر متحرك مرتبط بالتطور والمستجدات.

  وما ينبغي أن تربط سياسة وطن ودولة بوجهة نظر فرد اعتلى السلطة بصورة تسمى شرعية أو غير شرعية. لأن سياسة الدولة يجب أن تنبثق من دستور الدولة ومن رؤية سياسية تقوم على الثابت والمتغير وفق سلم الأولويات يقررها مراكز القوى السياسية والعلمية في الدولة فلا تتأثر الدولة بموت رئيسها أو انتهاء مدة ولايته وصعود آخر للسلطة، فالمشروع النهضوي والأهداف السياسية يجب أن تستمر في سيرها لأنها ليست من وضع شخص الرئيس نفسه إنها نتيجة دراسات علمية قامت بها المؤسسات المعنية وكذلك سياسة البلد هي من صنع المؤسسات صاحبة وصانعة القرار، وليس على الرئيس إلاَّ القيام بقيادة وإدارة ذلك المشروع فمن كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، والحياة مستمرة فالدولة ليست مختزلة في شخص رجل واحد يقرر ويفكر عن المجتمع بكامله والمجتمع يصير تحت رحمته إن أصاب نجا المجتمع، وإن أخطأ هلك المجتمع.   أيها الأخوة الكرام إن خلاف الديمقراطية مع المفهوم الإسلامي خلاف في أصول العلاقات الفكرية ولو أنها قد تتفق مع الفكر الإسلامي في بعض الجزئيات، فهذا الأمر لا يعول عليه لأن اتفاق وتشابه الجزئيات موجود في كل مبادئ الفكر الإنساني، فالماركسية تتفق ببعض الجزئيات مع الفكر الإسلامي ،فهل يصح أن نقول : الماركسية الإسلامية أو الإسلام الماركسي. لمجرد اتفاقهما في بعض الجزئيات؟!

 إن الإسلام كمبدأ رباني هو نسيج ثقافي متفرد لا يقدم إلى الإنسانية إلا باسمه، وما ينبغي أن نصفه بأي صفة لها منحى إيديولوجي مثل الرأسمالية أو الاشتراكية، أو الديمقراطية أو الماركسية.

 ولا مانع من وصفه بالمفاهيم الإنسانية العامة مثل:

الإسلام دين الحضارة والنهضة.

الإسلام دين الثقافة والمدنية .

الإسلام دين الكرامة والحرية.

الإسلام دين العلم والتقدم.

الإسلام دين الحوار والانفتاح على الآخرين.

الإسلام دين السعادة والجمال.

  ولا يصح قول بعض المفكرين أن مفاهيم الحرية والعدل والمشاركة بالأمر هي مفاهيم ديمقراطية لا يصح أخذها وعرضها بقالب آخر، إن هذه المفاهيم هي ملك للإنسانية عامة وليست محتكرة لصالح مبدأ. ناهيك عن أن الرسالات السماوية قائمة عليها أصلاً. فإذا غَيَّبَ هذه المفاهيم أتباع شرع سماوي لا يعني انتفائها من الشرع الإلهي، وإذا قام أحد من أصحاب المبادئ الوضعية ورفعها كشعارات أو جعلها أسساً ومنطلقات لحركته، لا يعني ذلك أن نتخلى نحن عن هذه المبادئ أو نغفلها بحجة أنها شعارات لأنظمة ظالمة أو وضعية، فالحق أحق أن يتبع، ونحن أولى بالحق من غيرنا.

  فالعدل والحرية والمشاركة في الأمر وصفة المواطنة ومدنية الدولة وغير ذلك من المفاهيم كلها مفاهيم قرآنية إسلامية من حيث المضمون، وإساءة التطبيق والفهم الخاطئ من قبل المسلمين في التاريخ والثقافة الحالية لا تمثل الإسلام، لأنه يوجد فرق بين الإسلام الممثل بالقرآن، والفقه الإسلامي الذي هو نتيجة ممارسات عقلية وسياسية للمجتمع الإسلامي مرتبط بالزمكان.

  فلابد من عرض جديد للفكر الإسلامي وتبيين بناء نظام العلاقات الفكرية من خلال القرآن والعلم. إن استخدام نظام الحكم للمضمون الذي يطلق عليه في الواقع الاجتماعي السياسي هي تسمية غير صحيحة. لأن دلالة الحكم غير دلالة الأمر.

فالحكم: هو إصدار تشريع ومعالجة للحدث وفق محور الثابت والمتغير لتحقيق المنفعة والمصلحة للناس.

و الأمر: هو حصول الحدث في الواقع على وجه من الوجوه.

إذن الحدث له من الناحية الواقعية وجهان:

الأول: حكم هذا الحدث. نحو الدفاع عن الوطن والدين والحرية.

الثاني: أمر هذا الحدث. نحو كيفية تنفيذ الحكم على أرض الواقع.

وعملية الحكم أساساً هي للخالق المدبر[ إن الحكم إلاَّ لله] وقد أعطى الخالق صلاحية التشريع وفق حدوده لمن يتصف بصفات الخالق التي هي: العلم والخبرة [ عليم خبير] فمنحه حق التشريع بشرط أن يتحرك على المحور الإلهي الثابت فظهر بذلك المتغير الإنساني، وهذا في دائرة المباح ويكون تشريعه له صفة الممنوع والمسموح، وله صفة التجديد والتحديث والتغيير ومرتبط بالزمكان . وجعل للشرع الإنساني مقياساً وميزاناً يتم به الحكم على صواب ما أصدروه من أحكام. وهو قانون الاستمرار والمنفعة للناس. قال تعالى:

[ فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفعُ الناسَ فيمكث في الأرض]

إذا الحكم ليس للشعب أبداً، ولا يمكن أن يمارس الشعب ذلك أصلاً. وكل فكر ينادي أو يدعو إلى حكم الشعب نفسه بنفسه، أو أن الشعب مصدر للتشريع، وما شابه ذلك من أفكار، فاعلموا أنه فكر قائم في بنيته على الاستبداد والاستعباد يضع قناعاً ليخفي حقيقته ويصل إلى السلطة باسم الشعب وبطريقة يعطيها صفة الشرعية وبعد ذلك يتم ذبح الشعب، باسم الشعب، لمصلحة الشعب وفي النهاية يسودون في السلطة ويستعبدون الشعب. فالحكم لله الخالق المدبر ولمن أذن له الله من ذوي العلم والخبرة كل حسب اختصاصه وفق محور الثابت الرباني، والمتغير الإنساني. فالحا كمية لها أصل وفرع:

أما الأصل: فهو للخالق المدبر، والفرع: هو لذوي العلم والخبرة من الناس. فيجب الانتباه إلى عدم دمج الأصل بالفرع أو الفصل بينهما، لأن غياب حاكمية الله يعني ولادة حاكمية فرعون- رمز الطغيان والاستبداد السياسي- وغياب حاكمية الإنسان الخليفة ذو العلم والخبرة يعني ولادة حاكمية هامان- رمز الطغيان والاستبداد الثقافي والديني- فالعلاقة بين حاكمية الله وحاكمية الإنسان علاقة الأصل بالفرع ،لا دمج ولا فصل. أما مفهوم الأمر فهو متروك للناس ليتداولوا كيفية تنفيذ الحكم في الواقع بطريقة مجدية ونافعة فيما بينهم لذلك قال تعالى: [ وأمرهم شورى بينهم] ولم يقل حكمهم لأن الحكم لله أصالة ولذوي العلم والخبرة وكالة وفق الثابت والمتغير. ليس للشعب أي حكم أما الأمر فهو للناس قيادة وإدارة لإسقاط الحكم على أرض الواقع  . وبناء على ما ذكرت يجب تسمية نظام الحكم المستخدم في الثقافة بنظام القيادة أو نظام السلطة أو نظام الأمر، أو نظام الشورى وما شابه ذلك من تسميات وعدم الخلط بالمفاهيم وتسمية الأشياء بغير مسمياتها لأن ذلك يؤدي إلى الضياع الثقافي الذي هو عمل مقصود من المستبدين والمستعبدين للشعوب. فيجب الانتباه إلى الأسماء وعلاقتها بمسمياتها، وعدم استخدام مفاهيم عامة وإطلاقها بصورة عشوائية في المجتمع نحو شعار: الحاكمية لله، أو شعار: لا حكم إلاَّ لله. وما شابه ذلك من مفاهيم نحو: الشعب مصدر للحكم والتشريع، أو الحكم للشعب. فهذه المفاهيم هي التي دفعت الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه إلى أن يقول قولته المشهورة التي سجلها التاريخ له لتكون في وجه كل من يرفع هذه الشعارات:

[ كلمة حق أريد بها باطل]

فالنص القرآني منظومة واحدة منسجمة ومتكاملة مع بعضها. فإذا قرأنا قوله تعالى:[ إن الحكم إلاَّ لله] يجب استحضار قوله تعالى [ واحكم بينهم بما أراك الله] ليتم المعنى والانسجام والتكامل بين الثابت والمتغير. وبعد فهم منظومة الحكم ننتقل إلى منظومة الأمر لنقرأ قوله تعالى [ وشاورهم في الأمر] وقوله تعالى[ وأمرهم شورى بينهم] والشورى ملزمة بالأكثرية فنحصل على حركة المنظومتين الحكم والأمر ضمن المنظومة القرآنية العامة.

   أيها الأخوة والأخوات الكرام.

   إن المبدأ الإسلامي قائم في أساسه على الحق المتمثل بالوجود الموضوعي المبرهن عليه بالعلم، فكان العلم في الدين الإسلامي هو بمثابة حجر الأساس للبناء، ومن ذلك ظهرت الحقائق العلمية التالية:

1-    أحدية الله الخالق المدبر حق.

2-    القرآن كلام الله أنزله للناس جميعاً حق.

3-    الحياة الدنيا دار ابتلاء وامتحان  حق.

4-    الإنسان خليفة في الأرض  حق.

5-    الناس سواسية من حيث الخلق  حق.

6-    الكون مسخر للناس  حق.

7-    الإنسان مسؤول عن أعماله  حق.

8-    النجاة والخلاص والسعادة في الآخرة ليست حكراً على أحد حق  .

9-    الموت  حق.

10-  النفس  لاتفنى   حق.

11-  البعث بعد الموت  حق.

12-  الحساب للناس عن أعمالهم بعد الموت  حق.

13-  الجنة والنار  حق.

14-        ديمومة الإنسان في الحياة الآخرة  حق.

فهذه الحقائق العلمية (وهي ليست للحصر) قاعدة وأساس للفكر الإسلامي الذي أنزله الخالق للناس جميعاً حتى يقوموا بعملية البناء عليها وفق محور الثابت والمتغير وذلك ليصلوا ويحققوا مقام الخلافة في الأرض وليس مقام الملك ولا مقام المملوك الذي لا إرادة له، ويتحركون وفق منظومة الحكم والأمر بصورة منسجمة متكاملة مع بعضها بعضاً وفق المنظومة القرآنية العامة. وبناء على ما ذكرت يظهر لنا هزلية الصراع على مفهوم هل الدين الإسلامي هو مصدر وحيد وأساسي للتشريع أم هو مصدر من المصادر التشريعية.

 فالقرآن قد قرر في متنه أن صفة التشريع الأبدية لسلوك الناس المتمثلة بالحرام والحلال إنما هي لله حصراً، وأعطى صفة التشريع في حقل المباح لقيادة المجتمع السياسية و العلمية حسب ما يرونه نافعاً أو ضاراً تحت اسم الممنوع والمسموح. لتصير مصادر الدستور والتشريع هي:

1- القرآن  :مصدر رئيسي ووحيد في التشريع الثابت وهو يعتمد في مصداقيته على البينات.

2- العلم : مصدر معلوماتي للضرر والنفع ليتم المنع والسماح على موجبه وهو في حركة دائمة صاعدة وفق محور التشريع الثابت

3- التاريخ : مصدر معلوماتي على الصعيد الاجتماعي والسياسي يتم استخدامه حسب نظرية العواقب والاستمرار.

4- السياسة :  مصدر متعلق بحركة المجتمع والنهضة به وفق سلم الأولويات على محور الثابت والمتغير.

5- العرف : مصدر لتنظيم ومعالجة الأحداث بين الناس فيما اختلفوا فيه ضمن دائرة المباح .

 6 – التفكير: مصدر لاستنبات المعلومات من سائر المصادر السابقة .

و إذا نصَّ دستور الدولة على هذه المصادر التشريعية اختفى من الساحة السياسية مصطلح الدولة الدينية والدولة العلمانية ليحل محلهم الدولة العلمية الإنسانية.

ويظهر شعار: الدين للناس، والصلاح والفساد للمجتمع ، والدولة وليدة له .

ويظهر شعار: المجتمع فاعل والدولة منفعلة به .

ويظهر شعار: القيادة للمجتمع، والإدارة للدولة.

ويظهر شعار: المجتمع الراشد ينبثق منه أمراء راشدين .

ويظهر شعار : السلطة ليست محلاً للصراع .

ويظهر شعار: كرسي السلطة مُلْكٌ للمجتمع لا لفرد أو حزب.

وينشأ المجتمع الراشدي على أهدافه الثلاثة:

  - التعايش: الذي ينبثق منه مفهوم المواطنة والأمن والعدل والسلام والحرية بين فئات المجتمع على مختلف القوميات والوجهات .

  -  التماسك : الذي ينبثق منه التعارف والتعاون والوحدة والمشاركة في بناء المجتمع الواحد .

  -  النهضة : التي تدفع إلى التقدم والرقي في المجتمع على الأصعدة كافة لتأسيس حضارة إنسانية .

رافعاً شعار:

العلم والأخلاق أساس للنهضة والعمران


1- نقلاً بتصرف عن كتاب الدين والدولة للدكتور محمد عابد الجابري.

2- يقصد بالدين هنا دين الكنيسة وتم تعميمه بعد ذلك بسذاجة وجهل.

1- يقصد بالدين هنا دين الكنيسة

1- راجع الديمقراطية وحقوق الإنسان – فصل تبديد الشكوك في الديمقراطية صــــ104

اجمالي القراءات 29513

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2007-01-08
مقالات منشورة : 134
اجمالي القراءات : 3,735,318
تعليقات له : 354
تعليقات عليه : 834
بلد الميلاد : Syria
بلد الاقامة : Syria