أعلن مبايعتي لجمال مبارك رغم أنف إبراهيم عيسى، ولكن..:
أعلن مبايعتي لجمال مبارك رغم أنف إبراهيم عيسى، ولكن..

أنيس محمد صالح في الإثنين 21 ديسمبر 2009


المحور: العلمانية , الدين , الاسلام السياسي
راسلوا الكاتب-ة  مباشرة حول الموضوع

 

سيدي الرئيس المقبل جمال مبارك، أنا ليس لدي أي عُقَد أو موانع أو إشكاليات في أن ترث حكم مصر، أو أن ترشح نفسك لانتخابات الرئاسة، فأنت مواطن مصري يحق لك ما يحق لغيرك من المواطنين المصريين. واعلم أن تأييدي لك ليس تملقا أو نفاقا، وكذلك ليس عن رضا مني أو اختيار، وليس عن كفاءة منك أو جدارة، ولا لأن دما أزرقا يجري في أوردتك وشرايينك، وإنما هو الواقع لمن يجيد قراءته، فبعيدا عن الخيالات والأوهام والأماني ستكون أنت الرئيس المقبل لمصر، رغم أنف إبراهيم عيسى، ورغم أنف أحزاب المعارضة، ورغم أنف حركة كفاية، ورغم أنف جماعة الإخوان المسلمون، ورغم أنف مصر والمصريين جميعا، ستكون الرئيس القادم وحذائك فوق عنق من يأبى ومن لا يرضى، لأنك بكل بساطة تملك بيدك مقاليد كل شيء في مصر: (الإعلام، القضاء، الشرطة، الجيش، المال)، ومن وراء ذلك تملك في يمينك أهل الإعلام والفن ورجال المال والأعمال، وهم أناس لا يعنيهم من قريب أو بعيد من يحكم مصر بقدر ما يعنيهم التصفيق والهتاف والتسبيح بحمد من يُبْقِي لهم على ما هم فيه من بحبوحة الدنيا ورغد العيش وترف الحياة، حتى لو تولى عليهم الشيطان.

وكذلك تملك من وراء ذلك كله شعبا لا يدري شيئا عن الدنيا ولا من فيها، شعبا تم خصيه فكريا وثقافيا وسياسيا واقتصاديا ورجوليا. شعبا لا يعنيه ولا يهمه من يحكمه بقدر ما يعنيه ويهمه كيف يجمع فتاتا من حياة ليبقى على قيد الحياة، فهو شعب يا سيدي الرئيس أهون وأضعف من أن يعارضك أو يمتنع عن انتخابك أو التصويت لك، شعب في ظل ما تمر به مصر الآن من تهاوي وسقوط أخوف وأجبن من أن يثور أو يخرج عليك أو يعترض لك طريقا.

سيدي الرئيس هل تعلم أن كثيرا من المواطنين المصريين حين أسألهم ما رأيكم في تولي جمال مبارك الحكم؟؟، هل تعلم بماذا يجيبونني؟؟، يقولون جمال مبارك أفضل من غيره، أقول لهم لماذا؟ يقولون لأنه شبعان بطنه ملآ لديه ما يكفيه ولن يسرق مصر، أما لو جاء رئيس آخر غير جمال مبارك فسوف يبدأ في السرقة من جديد هو وحاشيته. هذا سيدي الرئيس هو رأي وفكر وثقافة غالبية الشعب المصري وهذا هو مبلغهم من العلم والفكر والسياسة، وهذا غرس من قبلك تحصده أنت وحدك، فالمصريون لا يرون في الساسة والقائمون على شئون الحكم في مصر سوى عصابة من اللصوص السارقين، وكأنه حرام على أهل هذا البلد أن يحكمهم أهل الأمانة والعفة والشرف. فكيف سيدي الرئيس بشعب هذا فكره وهذه ثقافته وهذا مبلغه من العلم أن يكون له مبدأ أو رأي أو خيار أو اعتراض أو ثائرة؟؟.

أما معارضوك يا سيدي الرئيس فلا تبتئس بهم، فما أهونهم عليك وما أضعفهم وما أقزمهم من أن يوقفوا لك تنصيبا في أي توريث أو يوقفوا لك ترشيحا أو فوزا في أي انتخابات رئاسية مقبلة، فما هم سوى بضع شراذم من (المعارضة الشبحية) أو قلة من المترفين المتناثرين هنا وهناك لا يعلم الشعب عنهم شيئا ولا يعرفهم إلا من خلال ظهورهم في بعض برامج التلفاز للإدلاء ببعض التصريحات أو البيانات (التهجيسية)، فالأحزاب ورؤساء الأحزاب يا سيدي الرئيس ليس لديهم أي رصيد يذكر عند الناس، وليس لديهم أي بدائل، ولم يقدموا للناس أي حلول في أي نازلة من نوازلهم وما أكثرها، ويكفيهم قزامة أن تسعون في المائة من الشعب المصري لا يعرفونهم ولم يسمعوا بهم من قبل، بل إن من العار يا سيدي الرئيس أن هذه الأحزاب قد تأسس منذ عشرات السنين وإلى الآن لم يستطيعوا مجتمعين تقديم أو تربية قيادي واحد يصلح لرئاسة الدولة، ولم يستطيعوا مجتمعين تقديم قيادي واحد ذو كارزمة يلتف الناس من حوله، لذلك تراهم الآن يتسولون رئيسا من خارج كوادرهم الحزبية، أصبحوا كالعجوز الذي أنهكه الدهر وأثخنته الأيام يستجدي أحد المارة ليأخذ بيده، وقد وجدوا طوق النجاة في الدكتور محمد البرادعي، فهم يحاولون استجدائه للحصول على عضوية أحد الأحزاب ليخوضوا من خلاله سباق الرئاسة المقبل، وحجتهم التي يبررون ويرقعون بها عجزهم وخنوعهم هذا، أن النظام يحاصرهم ويمنعهم من التواصل مع الجماهير ويضيق عليهم، ونسي هؤلاء الأقزام أن الحرية والحقوق لا تُوْهَب ولا تُهْدَى ولا تهبط من السماء ولا تأتي بها المقالات ولا المؤتمرات وإنما تنزع انتزاعا. فما هم يا سيدي الرئيس سوى معارضون شخصيون لأجل أنفسهم وذواتهم وحسب، معارضون مرتزقة، نعم مرتزقة، يرتزقون وينتفعون من معارضتهم لكم، وليسوا معارضين من أجل الناس والوطن. إنهم عصابة من الخونة يتمثلون في صورة معارضة، نعم، فقد خانوا أهل هذا البلد وخانوا قضاياه وتاجروا بآلامه واستثمروا جراحاته حين جلسوا خلف مكاتبهم المكيفة لا هم لهم سوى احتراف الكلام المكتوب والمسموع والمقروء، ينتظرون عطف السيد الوالد أن يلقي إليهم بفتات من المشاركة السياسية، صدقة منه وشفقة عليهم.

ولا تبتئس يا سيدي الرئيس بجماعة الإخوان المسلمون، فإنهم لو كانوا يملكون فعل شيء لفعلوه منذ ثمانين عاما، وكذلك لا تبتئس بثلة الصحفيين المترفين الذين أصابهم قبس من الثراء والنعيم والنجومية الإعلامية بفضل معارضتهم الزائفة لكم وللسيد الوالد وبفضل إنعامكم عليهم بما هم فيه من حرية لم يحلموا بها حتى وهم أجنة في بطون أمهاتهم، ولولا فضل الوالد عليهم ورحمته بهم أن أغدق عليهم بهذه الحرية لكانوا جميعا في السجون أو منفيين خارج الوطن إلا قليلا ممن عادوا إلى رشدهم، فهي معارضة المكاتب المكيفة، والسيارات الفارهة، والبذات الفاخرة، والساعات الروليكس، ونجومية برامج الفضائيات ذات الجماهيرية الواسعة، معارضة لا تملك من أمرها شيئا سوى تدبيج المقالات التي يتحفوننا بها كل صباح تنتقد نظام أبيك وتعارض حكمه بحق وبباطل.

هؤلاء المعارضون الحزبيون والإعلاميون يا سيدي الرئيس لم يقفوا في طوابير الخبز يصفعون على قفاهم كل إشراقة شمس كالبسطاء من غالبية الشعب المصري، هؤلاء لم يفترشوا الأرض في مستشفيات الدرجة العاشرة الحكومية وهم مرضى لعدم وجود أسرة كافية، هؤلاء لم تلفحهم حرارة الصيف الحارقة ولا زمهرير الشتاء السام كبقية الشعب المصري، لأنهم ينعمون مسترخين تحت أجهزة التكييف، هؤلاء لا يشربون من مياه النيل الملوثة بمخلفات المصانع والصرف الصحي، لأنهم يشربون المياه المعدنية المعبأة والمصنعة آليا والمعالجة طبياً، هؤلاء لم يذوقوا مرارة الانتظار في المصالح الحكومية لاستخراج أوراقهم وإنهاء معاملاتهم، لم يذوقوا مرارة انتظار الفرج أو الوظيفة أو الزوجة أو السكن، هؤلاء لم يسكنوا المقابر ولم يسكنوا في سكن من غرفة واحدة بها خمسة وستة وسبعة أفراد، لأنهم يعيشون في أرقى الشقق والفيلات والشاليهات في أرقى الأحياء والمنتجعات.

فقل لي بربك يا سيدي الرئيس، كيف برجل مثلك في يده مقاليد كل شيء، ولديه شعب كهذا، ومعارضة شبحية شخصية مترفة كهذه، وصحفيو معارضة مترفين كهؤلاء، لم يقدموا للبسطاء سوى المقالات والعويل والتشكي والاستنكار والشجب والتنديد، كما يفعل الحكام العرب مع إسرائيل وهي تذبح الأطفال الفلسطينيين الرضع أمام أعينهم، كيف برجل مثلك يملك بيده كل هذا ثم لا يرث حكم مصر أو يفوز في أي انتخابات رئاسية مقبلة؟؟.

سيدي الرئيس، أقولها بكل صدق، ليس أمامنا خيار غيرك، ولا أمل سواك، فهل ستصغي لنا وتبلغنا ما نرجو وما نؤمل فيك؟؟، سيدي الرئيس لا تصدق كل ما تسمعه وكل ما يبلغك عن الشعب المصري من وسائل الإعلام، فما يبلغك عن الشعب المصري من وسائل الإعلام ما هو إلا أوهام وخداع، فالشعب المصري قد انهار وانهارت معه قيمه وأخلاقه ومبادئه وانهار معه كل شيء، كل شيء يا سيدي الرئيس كل شيء، ودعني أضع أصبعك على مكامن الخلل وما أكثرها لعلك تصلح ما أفسده الآثمون المنتفعون. سيدي الرئيس دعني فقط أحدثك عن الإعلام يا سيدي الرئيس، وما أدراك ما الإعلام، ثم ما أدراك ما الإعلام، فلست أدري عن أي جرائمه أحدثك؟؟، فقد ارتكب هذا الإعلام جرائم كثيرة في حق الشعب المصري، جرائم يندى لها الجبين، الإعلام المصري يا سيدي الرئيس على مدى سنين طويلة قام بتلويث فكر المواطن المصري وتلويث عقله ونظره ومبادئه وميوله واتجاهاته، وعمل القائمون عليه على إذابة المواطن المصري وإذابة فكره وشخصيته وكرامته وقيمه وأخلاقه ودينه وأمانته وشرفه وشهامته ورجولته، وأذاب ماضيه وحاضره ومستقبله وقاموا بصب كل ذلك في سبائك الشهرة وأرصدة البنوك وتحول إلى نعيم وترف يمرحون فيه ويرتعون.

هل نما إلى علمك يا سيدي الرئيس أن الإعلام المصري جعل المواطن المصري يستقي أفكاره وقناعاته ومبادئه وميوله الدينية والفكرية والسياسية والقومية والوطنية والإنسانية من بغايا وصعاليك أهل الإعلام والفن والرقص والغناء؟؟، وليس من الكتب والأبحاث والدراسات العلمية، وهل تعلم يا سيدي الرئيس أنه بسبب الإعلام أصبح الشعب المصري الآن أكثر علما ووعيا بالمشاكل والاضطرابات الجنسية لـ (...) السيدة "إيناس الدغيدي" من علمهم ووعيهم بالمشاكل الصحية والتعليمية والأخلاقية والإنسانية والسياسية والاقتصادية في مصر؟؟، هل تعلم يا سيدي الرئيس أن تصريحا واحدا للسيدة "روبي" أو السيدة "يسرا" أو السيدة "سمية الخشاب" أو المخرجة "إيناس الدغيدي" أو تصريحا للفنان "عادل إمام" أو تصريحا للاعب الكرة "محمد أبو تريكة" أو تصريحا لأي شخص مهما انحط شأنه أو علا في وسائل الإعلام حول الحجاب أو الممارسة الجنسية أو الرغبة الجنسية يحوز على اهتمام الشارع المصري نخبة وشعبا ويشغل باله عشرات المرات من اهتمامه بتصريح لوزير أو لرئيس الوزراء أو لشيخ الأزهر أو حتى لرئيس الجمهورية؟؟.

عن أي جريمة ارتكبها الإعلام في حق الشعب المصري أحدثك؟؟، أأحدثك عن الرموز المصرية التي يسلط الإعلام أضواءه عليها الآن وبكل قوة، لقد جعل الإعلام من أهل الترف والمال والمرضى النفسيين وأدعياء الثقافة والفكر والعلمانية وتجار الدين والبغايا والعاهرات والصعاليك والشواذ واللصوص والفاسدين رموزا لمصر والمصريين، ولك أن ترى ذلك بأم عينك في أي حادثة تحدث في مصر، فمن يستضيف الإعلام والإعلاميون لكبرى القضايا والحوادث سوى هؤلاء؟؟، وما عليك يا سيدي الرئيس إلا أن تنظر إلى نوعية ضيوف البرامج الحوارية وبرامج (التوك شو) لترى مدى سفاهة وتفاهة الضيوف والموضوعات التي تعرض في تلك البرامج التي يمتد بثها لساعات ويُنْفَقُ عليها عشرات الآلاف من الجنيهات، ولترى أن تسعة وتسعون بالمائة من الضيوف إما هاربون من مستشفى الأمراض النفسية وإما ثلة من الذين يتاجرون بالثقافة والفكر والعلمانية وآلام وأوجاع الناس وإما تجار الدين وإما ممثلات أو راقصات أو مطربين ومطربات أو مهرجون ومهرجات، ويعمى القائمون على هذه البرامج وتتعامى بصائرهم عمدا عن استضافة المفكرين والفلاسفة والعلماء والأدباء والشرفاء الذين تعج بهم مصر ولا يسمع بهم ولا يراهم من أحد إلا حين ينعون بسطرين في زاوية من زوايا إحدى الجرائد حين يموتون، وإن تم استضافة أحدهم أو تم ذكره يكون على استحياء، وكأن مصر قد أصبحت عاقرا عن إنجاب العظماء والشرفاء والفلاسفة والمفكرين الذين أفنوا أعمارهم في البحث والدراسة لرفعة شأن هذا البلد وشأن ساكنيه. ولم يبق لشعبها من يحلل له قضاياه وهمومه وحوادثه سوى هؤلاء؟؟.

هل أحدثك يا سيدي الرئيس عن جرائم الإعلام في اختزاله لمصر بتاريخها وحضارتها الضاربة في أعماق الزمان في تافه سفيه أو تافهة سفيهة أو فنان أو فنانة أو راقصة أو صعلوك أو لاعب كرة أو مباراة كرة قدم أو فيلم سينمائي أو مسلسل تليفزيوني؟؟. وهل تعلم كيف يتلاعب الإعلام بالأقباط وكيف يزايد على قضاياهم؟؟، وهل تعلم يا سيدي الرئيس أن القائمين على الإعلام الآن المرئي والمسموع والمقروء يلاحقون ويضطهدون كل من يتجرأ ويتحدث عن القيم والأخلاق الدينية والإنسانية التي انمحت وسقطت من حساباتهم فيصفونه ويتهمونه بأنه إخواني أو سلفي، (كما فعلوا مع ضياء رشوان الذي كان مرشحا لمنصب نقيب الصحفيين) وكأن الأخوان والسلفيون هم المتحدثون الرسميون باسم القيم والأخلاق، وكأن الحديث عن القيم والأخلاق الدينية والإنسانية سُبَّة إخوانية سلفية ووصمة عار تلاحق كل من ينادي بها. وهل تعلم أن من جرائم الإعلام تدجين فكر وعقل وثقافة الشعب المصري عامة وتدجين فكر وعقل وثقافة نُخَبِهِ المثقفة خاصة؟؟، حتى أنه استطاع بآلته الجهنمية ودهاء شياطينه أن يٌجْلِسَ النخبة المثقفة والصفوة في رحاب الباطل، ليدافعوا عن الحق، وأنى يفلح لهم دفاع.

أأحدثك يا سيدي الرئيس عن الوطنية الزائفة التي يروج لها الإعلام والإعلاميون والأغنياء وأصحاب الجاه والسلطان والفنانون والمترفون والمنتفعون ليل نهار؟؟، إن الوطنية الزائفة المخادعة المنتشرة في مصر الآن يا سيدي الرئيس جعلت من مصر وطناً: (مُقَدَّس التراب مُهَان الإنسان)، الوطنية الزائفة يا سيدي الرئيس هي التي يتغنى بها المترفون الفاسدون المفسدون ليل نهار عن الطقس والمناخ في مصر، عن الأحجار والجدران والتراب في مصر، عن البحار والأنهار في مصر، عن الماء والهواء (الملوثان) في مصر، عن الموقع الجغرافي والآثار في مصر، عن الأساطير والأوهام والأزمان الغابرة في مصر، ويتعامى المترفون الفاسدون عمدا ويتغافلون عن المواطن المصري الذي هو الإنسان، الإنسان الذي هو أهم وأقدس من كل تلك الأشياء مجتمعة، لقد أسقطوا الإنسان المصري يا سيدي الرئيس من حساباتهم وأسقطوا معه أخلاقه وقيمه وقيمته وكرامته وقدسيته وحاجاته كآدمي يحق له أن يحيا حياة كريمة على أرض هذا الوطن (مقدس التراب مهان الإنسان). يا سيدي الرئيس هل تستطيع أن تخبرني ماذا تكون مصر من دون الإنسان المصري؟؟، ماذا تكون مصر حتى ولو كانت جنات تجري من تحتها الأنهار وأهلها فقراء مرضى جوعى جاهلون خائفون مقهورون مظلومون مهانون لا قيمة لهم ولا كينونة ولا كرامة؟؟، هل تستطيع أن تخبرني يا سيدي الرئيس كيف تكون الوطنية، والمواطن كل إشراقة شمس يقف في طابور الخبز وطابور الغاز وطابور المؤسسات الحكومية لساعات طويلة يصفع على قفاه ويهان من أجل الحصول على بضع لقيمات أو جرة غاز أو تخليص أوراقه، ثم في المساء يجلس أمام التلفاز ليطالبه الإعلاميون المترفون بحب مصر والولاء لها والدفاع عنها؟؟.

لقد أفقدنا الإعلام يا سيدي الرئيس التمييز والذوق وأفقدنا الفرقان، فلم نعد نرى من فرقان يذكر بين الصدق والكذب، بين الحق والباطل، بين الصالح والطالح، بين الغث والسمين، بين الطيب والخبيث، فما الفرق يا سيدي الرئيس بين صوت عبد الحليم حافظ وصوت عمرو دياب، لا فرق، وما الفرق بين صوت روبي وصوت أم كلثوم؟، لا فرق، وما الفرق بين صوت فريد الأطرش وصوت مصطفى قمر؟، لا فرق، وما الفرق بين عمرو خالد وشعبان عبد الرحيم؟، لا فرق، فكلاهما مطرب شعبي ولكن كلٌ على طريقته، وما الفرق بين شيخ الأزهر والبابا شنودة؟، لا فرق، فكلاهما يزايد على دين الآخر، ((ولا أدري لماذا تأخر تصريح شيخ الأزهر ليؤكد ظهور العذراء مريم في الوراق الأسبوع الماضي))؟؟، وما الفرق بين الدكتور عبد الوهاب المسيري وسيد القمني؟، لا فرق، الأول فيلسوف عظيم مات مريضا لم تُلْقِ الدولة بالا لعلاجه، والثاني حاز على جائزة الدولة التقديرية، وما الفرق بين إبراهيم عيسى رئيس تحرير صحيفة الدستور وبين أسامة سرايا رئيس تحرير صحيفة الأهرام؟، لا فرق، وما الفرق بين الإعلامي الكبير حمدي قنديل وبين الإعلامي الصغير تامر أمين؟؟، لا فرق، وما الفرق بين الفنان عبد العزيز مخيون وبين اللمبي؟، لا فرق، وما الفرق بين الدكتور مصطفى محمود الذي عاش وحيدا غريبا ومات وحيدا غريبا في وطنه لا أحد يأبه له ونجمة البرامج الفضائية المخرجة اللامعة إيناس الدغيدي؟، لا فرق، وما الفرق بين جماعة الإخوان المسلمون والطرق الصوفية؟؟، لا فرق، فكلاهما دراويش ولكن كلٌ على طريقته، وما الفرق بين الدكتور خالد الجندي والفنان عادل إمام؟؟، لا فرق، فكلاهما كومديانان ولكن كلٌ على طريقته، فقد اختلط كل شيء بكل شيء يا سيدي الرئيس، وعميت في عيوننا الأشياء وأظلمت. فلا تمييز ولا ذوق ولا فرقان، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً) (29_ الأنفال)،

سيدي الرئيس، لقد خدعنا المترفون والفاسدون نحن الشعب المصري على مدى سنين طويلة بشعارات جوفاء وسمات كاذبة وسموا بها الشعب المصري، خدعوه ليخدروه ويستغفلوه بها ومن ثم ينقضون على لقمة عيشه وعلى حقوقه في هذا البلد، لينهبوه ويسرقوه وهو مخدوع قابع غافل غارق في غيابت سكره وغفلته، لقد خدعونا يا سيدي الرئيس واستغفلونا وضحكوا علينا بقولهم: (الشعب المصري شعب متدين)، (الشعب المصري شعب عاطفي)، (الشعب المصري دمه خفيف وابن نكتة)، (الشعب المصري شعب طيب)، (الشعب المصري شعب فهلوي يسلك في الحديد).

أي تدين هذا الذي يخدعون به الشعب المصري وأنه شعب متدين؟؟، وأي دين شيطاني هذا الذي يدين به الشعب المصري، أي دين هذا الذي يجعل الراقصة والمومس تقرأ سورة الفاتحة وأدعية سعة الرزق قبل أن تتعرى أمام الناس لتبيع للناظرين مفاتن ثدييها وأفخاذها وأردافها وهي توقن في مكنون ذاتها أن ما تقوم به من عمل حرام حرام حرام؟؟، أي دين شيطاني يتدين به الشعب المصري وأنت تجد كل من تاجر المخدرات والزاني والسارق والقواد والقاتل والخائن والمحتال والكذاب والجلاد والظالم والطاغية من أحرص الناس على أداء الصلاة في أوقاتها، ومن أحرص الناس على أداء فريضة الحج وفريضة الصوم والإكثار من تلاوة القرآن وذكر الله في الليل والنهار، والمسبحة لا تفارق أيديهم، ونساؤهم حريصات كل الحرص على ارتداء الحجاب والنقاب،؟؟، أي دين شيطاني يدين به الشعب المصري ولكل طائفة من طوائف الشعب المصري دين مزاجي انتقائي يتفق وهواها، يحلون فيه ما يشاءون ويحرمون فيه ما يشاءون، فالنظام الحاكم له دينه، والأزهر له دينه، والسلفيون لهم دينهم، والصوفيون لهم دينهم، والإخوان لهم دينهم، والفنانون والفنانات لهم دينهم، ورجال الأعمال لهم دينهم، والتجار والباعة لهم دينهم، والحرفيون لهم دينهم، والصحفيون والعلمانيون والمثقفون لهم دينهم، والأميون والعامة لهم دينهم؟؟، والعامل المشترك الأوحد بين كل تلك الأديان المصرية بامتياز هو فقدان الأخلاق وانعدام الإنسانية واهتراء القيم.

وأي عاطفة هذه سيدي الرئيس يصفون بها الشعب المصري ويخدعونه بأنه شعب عاطفي؟؟، إن العاطفة التي يصفون بها الشعب المصري ويخدعونه ويستغفلونه بها ما هي إلا الحمق والغباء والمزاجية والهوجائية والانفعالية والاندفاع الأعمى وراء الغرائز والمشاعر العمياء التي لا تنم إلا عن خواء الشعب المصري من أي ثقل أو عقل ومن أي علم أو فكر أو حكمة. وأي طيبة سيدي الرئيس يصفون بها الشعب المصري ويخدعونه بأنه شعب طيب؟؟، فما الطيبة المزعومة تلك سوى السلبية والانكسار والاستجداء والذل والضعف والهوان والاستكانة والمهانة والخنوع والخوف والجبن. وأي خفة دم وأي نكتة سيدي الرئيس يصفون بها الشعب المصري ويخدعونه بأنه دمه خفيف وابن نكتة؟؟، إنها الحياة بلا هدف والسخرية من كل شيء والاستهانة بكل شيء، السخرية التي لم تترك في قلوبهم قدسية لشيء ولم ترع حرمة لشيء ولم تر ثمنا لشيء. وأي فهلوة وأي سلكان في الحديد سيدي الرئيس يصفون به الشعب المصري أنه شعب فهلوي يسلك في الحديد؟؟، إنه النصب والاحتيال والادعاء والكذب والنفاق والتسلق والتملك والفساد القيمي والأخلاقي والإنساني الذي استشرى في رأس وجسد الشعب المصري.

صدقني يا سيدي الرئيس أنا رجل لم يسبح يوما في أوهامه وخيالاته كبقية المصريين، أنا مازلت بعيدا عن شاطئ بحر الأوهام لم يبتل حذائي بعد، وكي أكون واقعيا غير سابح في أوهامي وخيالاتي، ليس للشعب المصري من أمل غيرك في ظل ظروف وأوضاع مصر الحالية، وأنا أتوسم فيك خيرا أن تكون شعاعا يخرج من رحم العتمة، وماء يترقرق في حرقة الظمأ، ولما لا وقد خرج قبلك عمر بن عبد العزيز خامس الخلفاء الراشدين من صلب الطغيان الأموي، وخرج مانديلا في سعير التمييز العنصري، وخرج غاندي في ظلمة الاحتلال البريطاني الكالح، فلما لا تكون أنت كهؤلاء.

صدقني يا سيدي الرئيس أنا لك ناصح أمين، الناس في مصر ليسوا في حاجة إلى تداول السلطة ولا إلى الديمقراطية ولا إلى حرية الممارسة السياسة وليسوا في حاجة إلى المال ولا الطعام ولا الدواء، الناس في مصر يحتاجون أول ما يحتاجون إلى بناء الإنسان من جديد، الإنسان الذي تصدع وتمزق وتشقق وتساقط في داخلهم، فعمارة الأوطان تبدأ ببناء الإنسان قبل توفير الطعام، سيدي الرئيس، عليك أول ما تبدأ أن تبدأ بترميم الإنسان، علمنا أن الإنسان أهم الأشياء وأقدسها وأكرمها وأفضلها، علمنا أن نحترم القانون، رد له قدسيته المسلوبة، وهيبته الضائعة، واجعلنا جميعا في ساحته سواسية، علمنا أن نعترف بأخطائنا، وعلمنا أن نعتذر إذا أخطئنا، وأن نعفو إذا قدرنا، علمنا أن نعامل الإنسان من حيث هو إنسان لا من حيث دينه أو جنسه أو ثرائه أو حسبه ونسبه، علمنا ثقافة العقاب لمن أخطأ، علمنا أن نسند الأمر إلى أهله، علمنا ثقافة الاستقالة إذا لم نكن أهلا لما نعمل، علمنا الصدق والأمانة والعدل والحق والقسط، حاول أن تنبت فينا بقايا بذور الإنسان، وابن لنا صرحا من أخلاق به نحتمي وإليه ننيب. سيدي الرئيس، الناس في مصر ظمأى لرشفة من عدالة، وصاع من كرامة، وقبس من علم، وقسط من أمن، وحزم في لين، وإيمان بيقين.

سيدي الرئيس، لن يحدث ذلك إلا بالعلم والتعليم، فعليك بالتعليم فأصلحه، وأصلح من شأن القائمين عليه واصطفي من هم أقدر وأكفأ لقيادة المسيرة التعليمية، وأنفق عليه بلا حدود، واعلم أن الجنيه الذي ستنفقه على التعليم والبحث العلمي سيعود على البلاد والعباد بمئات وألوف الجنيهات، وقم بثورة على المناهج السفيهة المشوهة العتيقة وقم بوضع مناهج حقيقية تكون للفكر كالغذاء للبطن، وقبل ذلك كله ارفع من شأن العلم الذي تهاوى شأنه في قلوب الناس، وأحيي في قلوبهم قدسية العلم وفضله وشرفه، فالعلم يحيي الموتى، ويتقدم بالشعوب، ويرقي بالأمم، وصدقني يا سيدي الرئيس لو بنيت لكل مصري بيتا من ذهب أو جعلت لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج عليها يظهرون، فلن يغنيهم ذلك عن الأخلاق والعلم والتعليم شيئا، ولك في دول الخليج مثلا، فشعوب الخليج يعدون من أكثر دول العالم ثراء وترفا ورفاهية ولكن هل أغناهم ذلك عن العلم والتعليم شيئا؟؟، الشعب المصري يا سيدي الرئيس شعب خلاق ومبدع لو وجد قائدا بحق يأخذ بيديه ويدفعه نحو صنع المعجزات.

سيدي الرئيس، أناشدك بالله أن تجعلن الأمر شورى بينك وبين شرفاء هذا البلد، وقَرِّبْ إليك المصلحين والمفكرين والعلماء والمختصين من أهل الكفاءة والأمانة والشرف الذين لا يأبه أحد لهم، من الذين يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف لا يسألون الناس إلحافا ولا يريدون مالا ولا جاها ولا شهرة ولا يريدون منك جزاء ولا شكورا، وما أكثرهم، ولا يغرنك من يهتف لك، أو يحتفي بك، فاعلم أنه منافق كذاب ناظر إلى ما في يديك، طامع فيما عندك، ولا تردن من جاءك شاكيا مظلوما مقهورا يأمل في إنصافك وعونك لتجبر كسره وتداوي جرحه، ولا تدع من حولك من بطانة السوء أن ينفثوا في روعك بأن من يعارضك هو عدو لك، فيستفزونك ويستنفرونك لعدائه وعقابه وإقصائه، ولكن عامل من يعارضك على أن له رأيا آخر قد يكون فيه الصالح لك وللوطن وللناس، فابتلي رأيه وادعه إليك وجالسه وناقشه واستفد مما لديه إن أردت الخير لك وللبلاد والعباد، وادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم. وامزج القول بالعمل ولا تَدْعُ الناس إلى أمر وتأتي غيره، واستقم في أمرك كله، واعدل بيننا، ولا تتبع هوى ضال مضل ولا رأي فاسد مفسد، وساعتها سيدي الرئيس سأكون أول من يبايعك، وستكون بحق عمر بن عبد العزيز القرن الواحد والعشرين، أو تكون مانديلا مصر، أو غاندي مصر، أو مارتن لوثر مصر، فإن فعلت هذا سيدي الرئيس ودام بقاؤك فينا، فستحيى ويحيى الناس معك حياة طيبة، وإن رحلت فستبكي عليك الأرض وتبكي عليك السماء.

وأذكرك بقول الحق سبحانه:
(فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لاَ حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ المَصِيرُ) (15_ الشورى)
وأذكرك بقول الحق لداود:
(يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعِ الهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ) (26_ ص).

(وشكر الله لمن قرأ رسالتي ووعاها وأوصلها للسيد جمال مبارك)

نهرو طنطاوي
كاتب وباحث في الفكر الإسلامي _ مدرس بالأزهر
مصر_ أسيوط
موبايل/ 0164355385_ 002
إيميل: nehro_basem@hotmail.com
على الرابط:

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=195980  

اجمالي القراءات 9507

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2007-04-07
مقالات منشورة : 258
اجمالي القراءات : 3,094,743
تعليقات له : 649
تعليقات عليه : 991
بلد الميلاد : اليمن
بلد الاقامة : اليمن