حتي إذا كان الإسلام حلاً.. فإن المسلمين العرب هم المشكلة

سعد الدين ابراهيم في الثلاثاء 20 مايو 2008


في شهر مايو ٢٠٠٨، كان الوطن العربي يشهد عدة حرائق، ألا وهي الصراعات المسلحة: في لبنان، والعراق، وفلسطين، والسودان، واليمن، والصومال. وفي هذه الصراعات المسلحة جميعاً استخدم الفرقاء المتقاتلون «الإسلام» كشعار للتعبئة والحشد.

إنهم جميعاً مسلمون يحاربون مسلمين. وبعد أن كان بعضهم يرفع شعار «الإسلام هو الحل»، أصبح «إسلامهم هو المشكلة»، فبمجرد حصول أي عدد منهم علي السلاح، فإنه يرفعه في وجه السلطة، حتي لو كانت هذه السلطة تحكم أو تتحكم باسم الإسلام أيضاً، علي شاكلة ما رأينا في السنوات الأخيرة بين أنصار بن لادن وتنظيم القاعدة من ناحية، والسلطة في المملكة العربية السعودية، من ناحية أخري، أو تفجيراتهم في المغرب، التي يحكمها ملك باسم الإسلام، ويلقب باسم «أمير المؤمنين». أي كل منهم يقتل مسلمين آخرين باسم الإسلام.



وإطلالة سريعة علي ما تطالعنا به وسائل الإعلام تؤكد كيف أصبح لفظ «الإسلام» ومشتقاته لعبة في أيديهم، فهناك، مثلا:

ـ الإخوان المسلمين: مصر، والجهاد: مصر، الجماعة الإسلامية: مصر، كتائب الرحمن: مصر.

ـ حركة المقاومة الإسلامية (حماس) في فلسطين، حركة الجهاد الإسلامي، في فلسطين.

ـ حزب الله: لبنان، فتح الإسلام: لبنان، الجماعة الإسلامية أيضاً في لبنان.

ـ الحوثيون الزيديون، في اليمن، حزب تجمع الإصلاح الإسلامي في اليمن.

ـ المحاكم الإسلامية، في الصومال.

ـ جبهة العمل الإسلامي في الأردن، حزب التحرير الإسلامي في الأردن.

ـ العدل والمساواة، في السودان، حزب الجبهة الإسلامية في السودان.

ـ القاعدة الإسلامية في المغرب العربي، العدل والأحزاب في المغرب، حزب العدالة والتنمية في المغرب.

ـ حركة الإنقاذ الإسلامية في الجزائر، الكتائب الإسلامية المصلحة في الجزائر.

ـ القاعدة في بلاد الرافدين (العراق)، حزب الدعوة «الإسلامية» في العراق، جيش المهدي في العراق، جيش «بدر» في العراق.

والشاهد هو أن كل من حاول استخدام الدين لإضفاء الشرعية علي نفسه، وهو يستبد ويتسلط علي عباد الله في وطنه، فإنه يفتح باب جهنم علي نفسه، وعلي شعبه، وعلي وطنه، ويسيء للإسلام. ومن ذلك:

* ما حاوله الرئيس الراحل أنور السادات في سبعينيات القرن الماضي، حينما أطلق علي نفسه صفة «الرئيس المؤمن»، وأدخل تعديلين علي الدستور، ليجعل من «الشريعة الإسلامية» «مصدر للتشريع»، ثم «المصدر الرئيسي للتشريع»، ولكن ذلك لم يمنع من يزايدون عليه إسلامياً، إلي أن أردوه قتيلاً، يوم عيد انتصاره (٦ أكتوبر ١٩٨١)، وكان قاتلوه ينتمون إلي تنظيم أطلق علي نفسه اسم «الجهاد».

* وما حاوله الرئيس السوداني جعفر النميري، الذي كان قد قاد انقلاباً عسكرياً، استولي به علي السلطة، ثم حينما تزايدت الاحتجاجات علي ممارساته الاستبدادية، قلّد الرئيس السادات، وأعلن «إسلاميته»، وتطبيق الشريعة، ووجد لنفسه مُنظراً إسلامياً إخوانياً، هو حسن الترابي، الذي كفّره مفكرون مسلمون آخرون، وحُكم علي أربعة منهم، كانوا يعرفون باسم «الإخوان الجمهوريين الإسلاميين»، بالإعدام، بسبب اجتهاداتهم السلمية في شؤون الدين والدنيا، ثم اختلف النميري والترابي، فوضع النميري الترابي في السجن. ثم قامت انتفاضة شعبية اقتلعت النميري نفسه من السلطة، فلجأ إلي مصر.

* وبعد فترة وجيزة تآمر الترابي مع ضباط في الجيش السوداني، باسم «الإسلام»، مرة أخري للانقضاض علي حكومة منتخبة ديمقراطياً، وكانت برئاسة صهره، الإمام الصادق المهدي. وأعلن الترابي وقائد الانقلاب الجديد، العقيد ـ اللواء ـ الفريق عمر البشير، تأسيس الجبهة الإسلامية، وتطبيق «الشريعة» علي كل السودانيين، بمن فيهم ربع السكان من غير المسلمين في الجنوب، فاشتعلت حرب أهلية طاحنة من جديد. وحينما شعر مسلمون آخرون بالظلم علي أيد مسلمي الشمال في الخرطوم، كوّنوا تنظيماتهم المتمردة، وأعطوها أيضاً مسميات إسلامية، مثل «العدل والمساواة» في إقليم دارفور.

* وحدث، لا يزال يحدث، شيء مشابه في اليمن. فحينما أطلق الرئيس اليمني العقيد علي عبدالله صالح حزباً باسم المؤتمر الوطني، أسس فريق من مناهضيه حزباً معارضاً باسم (المؤتمر الإسلامي للإصلاح). وحينما اشتدت شوكة هذا الأخير أوعز علي عبد الله صالح لأحد الزعامات القبلية، وهو بدر الدين الحوثي، بتشكيل حركة إسلامية من أبناء المذهب «الزيدي»، لموازنة حزب المؤتمر الإسلامي للإصلاح، الذي ينتمي معظم أتباعه للمذهب الشافعي السني، المدعوم سعودياً.

ثم شعر بدر الدين الحوثي بالقوة، وبأبعاد اللعبة الدينية التي يستخدمه فيها الرئيس علي عبدالله صالح، تحت غطاء الإسلام. فرفض الاستمرار في دور مخلب القط. وبدأ هو وأبناء قبيلته في شمال اليمن يطالبون بنصيبهم في الثروة والسلطة. واندلعت معارك طاحنة بين الجيش والحوثيين قتل بدر الدين الحوثي، ومازالت المعارك بينهما مستمرة.

أما حزب الله، الذي قال لي زعيمه السيد حسن نصر الله في أواخر يناير من العام الماضي (٢٠٠٧)، كما ذكرنا في مقال بعنوان «بين حسن نصر الله وتوماس فريدمان» (فبراير ٢٠٠٧) إن أتباعه لن يرفعوا السلاح أو يطلقوا النار علي لبناني آخر، حتي لو أطلق عليهم لبنانيون آخرون النار، فمن الواضح أنه لم يحفظ هذا العهد.

فقد أطلق مقاتلون من حزب الله النيران علي لبنانيين آخرين، في معرض محاولة الدولة اللبنانية السيطرة علي شبكة للاتصالات أقامها حزب الله حول مطار بيروت، بدعوي أنها ضرورية لجولات أخري قد تتجدد مستقبلاً مع إسرائيل. أي أن حزب الله، الذي خاض مقاومة مشرّفة ضد إسرائيل في الماضي، يريد أن تعترف له الدولة اللبنانية بشرعية أن يكون دولة داخل الدولة.

وهو بذلك، بقصد أو بغير قصد، يتصرف مثل أنظمة عربية حاكمة تمارس سلطة مستبدة بدعوي الاستعداد للنضال ضد إسرائيل، رغم أنها لم تحرر شبراً واحداً من فلسطين في الستين سنة الأخيرة. بتعبير آخر، فإن المطلوب علي لسان حال هؤلاء هو الإذعان لاستبداد الإخوة الأقربين، علي أمل الحماية من استبداد الأعداء الأبعدين.

* وهكذا تحوّل الشعار الذي رفعه الإخوان المسلمين منذ سنوات أن «الإسلام هو الحل» إلي واقع أن المسلمين الذين مارسوه، أصبحوا هم «المشكلة». فهم حيناً يقاتلون به غير المسلمين، ولكنهم أحياناً كثيرة يقتلون به مسلمين آخرين.

*من ذلك أيضاً أن مَنْ قتلهم تنظيم «القاعدة» في بلاد الرافدين من المسلمين العراقيين، يفوق عشرة أمثال من قتلهم من الأمريكيين الغزاة.

فهل من يرفعون شعار «الإسلام هو الحل»، يفعلون ذلك إلي أن يتمكنوا، ثم يمارسون السيطرة والتنكيل بغيرهم من المسلمين وغير المسلمين؟

لا شك أن هناك مسلمين أتقياء مؤمنين يصدقون ويندفعون وراء هذا الشعار الروحاني الجذاب، دون السؤال: أين ومتي حقق مرددوه مجتمعاً بلا مشكلات؟

ولعلهم لا يدركون أن مجتمعاً بلا مشكلات لا يمكن أن يكون مجتمعاً بشرياً. ربما مجتمع من «الملائكة» فقط هو المجتمع الوحيد بلا مشكلات. والشاهد هو أن الذين يتلاعبون بهذه الشعارات الدينية هم العرب دون بقية المسلمين غير العرب. وربما كان ذلك هو السبب في أن ثلثي المسلمين في العالم اليوم يعيشون في ظل أنظمة منتخبة ديمقراطياً، أما الثلث الأخير الذي يعيش في ظل أنظمة استبدادية غير منتخبة فهو الثلث الذي يتشكل منه العرب المسلمون. أي أن العرب المسلمين، حتي لو استخدموا شعار «الإسلام هو الحل» فإنه يتحوّل في أيديهم إلي مشكلة. والله أعلم

اجمالي القراءات 10450

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
التعليقات (4)
1   تعليق بواسطة   زهير قوطرش     في   الثلاثاء 20 مايو 2008
[21398]

صدقت والله

هناك مثل شامي يقول"دود الخل منه وفيه" وها نحن امة العروبة التي هي وحسب المتعارف عليه حاملة لواء الرسالة الاسلامية ،أصبحت هي المشكلة كما هو واقع  .فالأخ سعد الدين ابراهيم وضع يده على الجرح،وحتى نعالج هذا الجرح برأي ،لابد من أن نقاوم التطرف الذي هو بالمحصلة فكر،وثقافة، بفكر اقوى وثقافة أقوى من ثقافتهم. يكون بعدها الاسلام مرجعية اساسية وليس مشكلة لحل مشاكلنا القائمة.


2   تعليق بواسطة   طلعت خيري المنياوي     في   الثلاثاء 20 مايو 2008
[21400]

السبب في



جزاكم الله خيرا

كله بسب فقدان الدعوه الحقيقيه للدين واستخدم اكاذيب منقوله من التاريخ والتراث الاسلامي وتنسب الى الله وختلاف المذاهب السياسيه

الدينيه ولاكاذيب التي تنسب الى النبي سببت بانشاء \\ تربيه دينيه فاسده تعمل بازدواجيه واضحه مع الدين ويريدون ان يقولوا لاالاله الا الله وهم يرتكبون المعاصي في الدنيا ويدخلون الجنة يوم القيامه

ونعكست هذه التربيه الدينيه الفاسد المتراكمه عبر الزمن الى تكوين شعوب فاسده تدعي الاسلام وفي ناديها ترتكب ابشع المعاصي من جه

وشعوب جهله تنجرف وراء كل التيارات وتسير وراء مصالحها الماديه بدون الرجوع الى الله او التفكير بالرجوع الى الله

والجهل والفاسد الذي لازم الدول الاسلاميه طيلة سبعة قرون وكان من المستفيدين من الجهل هم علماء الدين ليكونوا قاعده دينيه تقدم دعما سياسيا لحكمات مجرمه وان المستفيد من الفاسدين هم الحكام \\\ ليستخدموا الطبقه الفاسده جواسيسا للنظمه الفاسده ليكونوا العين الساهره

لهم ومرقبت حركة الناس في بيوتهم وحتى مساجدهم واستخدمهم كقوه مجرمه لقمع الشعوب وكان للاشخاص اصحاب الذمم المقتوله

سببا لسيطرة مجرمين على شعوب بالكامل وتهديدهم بالسجون والمعتقلات


3   تعليق بواسطة   داليا سامي     في   الأربعاء 21 مايو 2008
[21451]

استخدام الدين فى التخديم

الواضح ان كل من اراد ان يفرض راية وسيطرتة يستغل حب الانسان الفطري لدينة وعقيدتة ثم يفرض راية بحجة ان هذا هو راي الدين فيخدم بة على تطلعاتة.. فإن اراد حاكم مستبد شئ اعطي الضوء الاخضر لرجال الدين ليصدروا فتوي تجعل من مطالبة دين ومن رغباتة دين وان اراد رجل اعمال شئ اعطي الضوء الوردي لرجال الدين ففتح لهم قنوات فضائية يتكسبون منها ويحققون رغباتة وطلباتة ويجعلون من مصالحه دين وبالفعل هي محنة يعيشها مسلمي العالم العربي فقط .. اما دين الله والاسلام الحقيقي فهو يكمن فى كل انسان يعيش مسالما للاخرين طيب السلوك وحسن التعايش ومسالم الناس من آذاة ومعين لهم على الحياة مؤمن بالله فقط وكافر بالطاغوت والطاعون الشر الذي يقيد ارادتنا المشروعه فى الحياة الكريمة ..


شكرا للاستاذ سعد الدين إبراهيم على المقال


4   تعليق بواسطة   رضا عبد الرحمن على     في   الأربعاء 21 مايو 2008
[21462]

الأستاذ الدكتور / سعد الدين إبراهيم ـ مقال يعبر عن واقع نتمنى أن يتغير ويتحسن

السيد الفاضل / دكتور / سعد الدين إبراهيم 


 لعل مقال حضرتك هذا يوضح لكثير من المسلمين الذي يصدقون هذه الجماعات والطوائف والفرق التي تستخدم الدين كشعار بهدف الوصول لأغراض شخصية وطموحات دنيوية خالصة ليس فيها أية منفعة للشعوب ، ولو أن هذه الجماعات بكل انواعها وأطيافها تريد إصلاح أو مصالح الشعوب بالفعل لتخلوا جميعا عن السلاح واستخدموا لغة العقل والمنطق والحوار الهاديء بديلا عن القتل ..


 ولكنهم يخدعون الشباب الطائش بدعوى المشاركة في الجهاد ضد الأعداء ، وكما تفضلت حضرتك وقلت إن الأعداء من المسلمين أيضا ، وهنا عملية غسيل مخ واضحة لهؤلاء الشباب ، لأنه ليس من المنطق أن يرفع شابا مسلما عاقلا في كامل قواه العقلية سلاحا في وجه إنسان مسلم مثله ، وتكون لديه نية مبيته لقتله ـ ظنا منه انه عدو وأنه لو قتله يكون بذلك قد دافع عن الإسلام ..


ولو رجعنا للوراء فى عصر علي ومعاوية فكان الأمر لا يختلف كثيرا عن هذه الأيام فكانت أولى الحروب السياسية باسم الدين في موقعة الجمل التي تسببت في قتل آلف المسلمين على أيدي مسلمون آخرون ، وكان الهدف واضح البحث عن السلطة المتمثلة في الخلافة .. ونرجع لعصرنا اليوم وما يقوم به الإخوان من تعديل في شعاراتهم لتتناسب مع الواقع الجاري ، فهم في بداية الأمر استخدموا الإسلام هو الحل ، والإسلام امل الأمة ، وفي هذا العام الجاري وفيما يخص الدعاية الانتخابية في انتخابات المجالس المحلية كانوا يريدون شعارا يرتبط بالواقع الشيء الذي يعيشه المواطن المصري اليوم فاخترعوا شعار رائع يخدع القطاع العريض من البسطاء وهو ( معا ضد الفساد) و ( ومعا للإصلاح) الأخوان المسلمون ، وكما هو واضح من شرح حضرتك في المقال هؤلاء لا يبغون إصلاحا حقيقيا وإنما يريدون الوصول للسلطة لاستبداد الناس باسم الدين كما حدث في السودان ..


 أشكر حضرتك مرة ثتانية 


 وتقبل خالص الشكر 


رضا عبد الرحمن على


أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2007-03-23
مقالات منشورة : 216
اجمالي القراءات : 1,574,078
تعليقات له : 0
تعليقات عليه : 410
بلد الميلاد : Egypt
بلد الاقامة : Egypt