لا شفاعة للبشر:
شفاعة الملائكة

يوسف ترناصت في الأربعاء 29 ابريل 2020


    الله سبحانه وتعالى هو رب العرش العظيم الذي يدبر أمر السموات والأرض، وينفذ هذا الأمر ملائكته الكرام الذين يحملون عرش الدنيا، فيتلقون الأمر من الملأ الأعلى وينفذونه عند الملأ الأدنى، يقول سبحانه على لسان ملائكته الكرام : "..وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِك وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًا.."، ثم يعرج إليه الأمر الى السماء في يوم كان مقداره ألف سنة : "..يُدَبِّرُ اَلْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ اِلَى اَلْأَرْضِ ثُمَّ يُعْرَجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ(السجدة 5)" ، وهناك وظائف كثيرة للملائكة الكرام، ومن هذه الوظائف تسجيل أعمال الإنسان في كتاب أعماله بحيث يكون في يمين الإنسان وشماله ملكين يسجلان كل كبيرة وصغيرة، يقول سبحانه : {..إِذْ يَتَلَقَّى اَلْمُتَلَقِيَّانِ عَنِ اَلْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ مَا يَلْفَظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ(ق 17 و18)}، ويقول سبحانه : {..أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُم وَنَجْوَاهُم بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمَ يَكْتُبُونَ(الزخرف 80)}، وقوله تعالى : {..وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَفِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ(الانفطار 10 و11 و12)}.

   واذا كان الإنسان يملك الحرية التامة في حياته الدنيا ويفعل ما يشاء، فإنه في الآخرة وعند العرض أمام الله، يفقد الإنسان هذه الحرية تماما، وبمجرد أن يحشر في الأرض الجديدة يوم القيامة، تتلقاه الملائكة التي كانت تسجل أعماله، والتي تتحول وظيفتها من مسجلة لأعماله إلى سائق وشهيد، مَلَكٌ يسوقه الى مكان العرض أمام الله الذي يتجلى يوم القيامة بصفته الرحمان المهيمن على يوم الدين والحساب، والمَلَكُ الآخر يشهد له وعليه والذي يحمل كتاب أعماله.

  وفي يوم الحساب يعرض الناس صفا، وفرادى ليس معهم أحد اطلاقا لا شفيع ولا نصير ولا حميم، يقول سبحانه وتعالى في سورة الكهف الآية 48 و49  : {..وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا، وَوُضِعَ اَلْكِتَابُ فَتَرَى اَلْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا اَلْكِتَابُ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا}، ويقول سبحانه في سورة مريم الآيات 93 و94 و94 : {..إِن كُلُّ مَنْ فِي السَمَوَاتِ وَاَلْأَرْضِ إِلاَّ ءَاتِى الرَّحْمَانَ عَبْدًا، لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًا، وَكُلُّهُم ءَاتِيهِ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ فَرْدًا}.

 والبشر لا يتدخل في الحساب أبدا، بالاستثناء الرسل والشهداء، الذين يتخذون موقف الخصومة مع أقوامهم بأنهم بلغوا الرسالة وأدوا الأمانة، ويتبرءون منهم بأنهم أدوا ما عليهم، وما عدا ذلك ولا يمكن لنفس بشرية أن تتدخل في حساب نفس أخرى أبدا ولا أن تجزى مكانها ولا أن تنفعها ولا تشهد ضدها او لها لأن الكل مسجل في كتاب الأعمال، وأن الله يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ويقول سبحانه : {..يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ(النحل 111)}.

 أولا -  دور المـلائكة فـي الحسـاب :

  بما أن الملائكة هي التي تسجل أعمال الإنسان أصغرها وأكبرها، يكون لها دور كبير في الحساب، وهم يعرضون بدورهم صفا أمام الله : ".وَجَاءَ رَبُّكَ وَاَلْمَلَكُ صَفًا صَفًا(الفجر 22)"، وهم لا يتكلمون بدورهم الا بعد أن تعطى لهم الكلمة فتكون شاهدة خصومة على من كانت أعماله سيئة، وتكون شفيعة فمن كانت أعماله حسنة فتعزز موقفه لأنه يكون أنذاك وحيدا ولا يستطيع أن يتكلم امام الرحمان، وليس له من غير تلك الملائكة من سيشفع فيه أو يدافع عنه، ولا تعطى لهم الكلمة إلا بعد اذن الرحمان، يقول سبحانه : {يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمان وقال صوابا(النبأ 38)}، وقوله تعالى : {..وَالصَّافَاتِ صَفَّا(1) فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا(2)فَاَلْتَّالِيَاتِ ذِكْرًا(3)(الصافات)}، وقوله سبحانه : {..يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لاَ عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ اَلْأَصْوَاتِ لِلرَّحْمَانِ فَلاَ تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْسًا(108)يَوْمَئِذٍ لاَ تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَانُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً(109)(طه)}.....لذلك؛

- فيوم القيامة يكون الملك لله الواحد القهار، فهو المالك ليوم الدين، وتفقد الملائكة والجن والإنس كل الحرية.  

- الملائكة يقفون صفا شأنهم شأن المخلوقات الأخرى من إنس وجن.

- لا يسبقون الملائكة ربهم بالكلام حتى تعطى لهم الكلمة ويأذن لهم.

- البشر والجن لا يتدخلون في الحساب.

ثانيا - شفاعـة الملائكـة مـن خلال القـرءان الكـريم :

  لقد نفى سبحانه وتعالى في القرءان الكريم طولا وعرضا شفاعة النفس البشرية، فكل نفس بتعبير القرءان ستأتي يوم القيامة تجادل عن نفسها وتوفى كل نفس ما عملت، فلا نفس ستشفع في النفس الأخرى ولا أن تنصرها ولا أن تواسيها كما يقع في الدنيا، (لا شفيع ولا نصير ولا حميم).

  وقبل التطرق الى شفاعة الملائكة سنتوقف عند نفي شفاعة النفس البشرية...

  1 - نفي شفاعة النفس البشرية :

   يقول سبحانه مخاطبا رسوله الكريم : {..هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ اَلْكِتَابَ مِنْهُ ءَايَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ اَلْكِتَاِب وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ..(آل عمران 7)}، فالقرءان الكريم فيه أيات محكمات وأيات أخرى متشابهة، فالأية المحكمة هي التي تؤكد وجود الشيء أو نفيه بالمطلق، مثلا فالآيات التي تؤكد وجود الله تعالى لا اله الا هي ايات محكمات لا يمكن ان تأتي أية اخرى وتقول ان الها آخر مع الله، وللتوضيح أكثر، أن الله سبحانه في جميع الآيات يؤكد أن من يموت على كفره لا يمكن ان يدخل الجنة اطلاقا، وكذلك من يرتكب السيئات طيلة حياته ولم يتب منها فمصيره الى النار خالدا فيها فهي ايات محكمات لا تتبدل وتتغير، اما الأية التي تقول : "إن الذين كذبوا بءايتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط وكذلك نجزي المجرمين"، فهي مجرد آية متشابهة لا يمكن ان نفسر على ضوئها ان من يدخل النار سيخرج منها..بالإضافة الى ان الله سبحانه اشار الى اعجاز في الاية هو انه لا يدخل الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط..والجمل هو الحبل المتين الذي تشد به السفينة وسم الخياط هو ثقب الإبرة فلا يمكن لذلك الحبل المتين ان يلج في ثقب الأبرة الرقيق ابدا..

  كما أن الآيات التي تنفي شفاعة النفس البشرية فهي آيات محكمات، لا يمكن ان تتغير أبدا أو تنسخها آية آخرى كما يقال عند الفقه السلفي، بالإضافة الى ان النفس البشرية لا يكون لها اي دور في الحساب باستثناء النبيين والشهداء الذي يشهدون شهادة الخصومة على أقوامهم بأنهم أدوا رسالتهم.....لذلك؛

أ - لا تجزى نفس مكان نفس أخرى :

  أي لا تحاسب نفس على أعمال نفس أخرى ولا تعاقب مكانها، يقول سبحانه : {..أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى(38)وَأَنَّ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى(39)وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى(40)ثُمَّ يَجْزِيَهُ اَلْجَزَاءَ اَلْأَوْفَى (41) (النجم)}، ويقول سبحانه : {..مَنْ اِهْتَدَى فإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزْرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كَنَّا مُعَذِّبَينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً(الإسراء 15)}، ويقول سبحانه : {..وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تُدْعَ مُثْقَلَةٌ إِلَى حَمْلِهَا لاَ يُحْمَل مِنْهُ شَيْءٌ وَلَو كَانَ ذَا قٌرْبَى إِنَّمَا تَنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِاَلْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى الله اَلْمَصِير(فاطر 18)}، ويقول سبحانه : {..قُلْ أَغَيْرَ الله أَبْغِي رَبَّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلاَ تَكْسِبُ كُلَّ نَفْسٍ إِلاَّ مَا عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أٌخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُم مَرْجِعُكُم فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنْتُم فِيهِ تَخْتَلِفُونَ(الأنعام 164)}، لذلك يود المرء يوم القيامة لو يفتدي بنفس أخرى لينجو من العذاب، لذلك يقول سبحانه : {..يَوَدُّ اَلْمُجْرِمُ لَو يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمَئِذٍ بِبَنِيهِ، وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ، وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تَأْوِيهِ، وَمَنْ فِي اَلْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ..(المعارج 11 و12 و13 و14)}.

  واذا كان هذا هو الأصل فالله سبحانه وضع استثناءا وهو ان الذي يضل الناس فيقعون في الضلالة بغير علم يحمل يوم القيامة أوزارهم، يقول سبحانه : {..وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبَّكُم قَالُوا أَسَاطِيرُ اَلْأَوَلِينَ(24) لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمَ كَامِلَةً يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ اَلَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلاَ سَاءَ مَا يَزِرُونَ(25)(النحل)}.

ب - لا تواسي نفس نفس أخرى :

  أي لا تصبر نفس نفسا أخرى ولا ترحمها ولا تشفق عليها، وذلك سواء في الحشر أو العرض والحساب أو في العذاب، يقول سبحانه عند الحشر : {..فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَةُ يَوْمَ يَفِرُّ اَلْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمَّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ لِكُلِّ اِمْرِئٍ مِنْهُم يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ(عبس 34 الى 37)}، وقوله : {..وَلاَ يَسْءَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا(10)(المعارج)}.

  ويقول سبحانه عند العرض والحساب : {..وَأَنْذِرهُم يَوْمَ اَلْءَازِفَةِ إِذْ اَلْقُلُوبَ لَدَى اَلْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاع (غافر 18)}.

  ويقول سبحانه على لسان المعذبين في جهنم : {..فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ وَلاَ صَدِيقٍ حَمِيمٍ (الشعراء 100 و101)}، ويقول سبحانه : {..إِنَّهُ كَانَ لاَ يُؤْمِنُ بِالله اَلْعَظِيمِ(33)وَلاَ يَحُضُّ عَلَى طَعَامٍ مِسْكِينٍ(34)فَلَيْسَ لَهُ اَلْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ(35))الحاقة)}، بل وأن في جهنم سيلعن بعضهم بعضا، ويكفر بعضهم ببعض.

  يقول سبحانه وتعالى : {..اَلْأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوُّ إِلاَّ اَلْمُتَّقِينَ(الزخرف 67)}.

ج - لا تتدخل نفس في حساب نفس أخرى :

  أي لا تحاسب نفس نفس أخرى، ولا تتدخل في حساب الأخرى، ولا تنفع أعمال نفس نفس أخرى لأن الحكم لله سبحانه وتعالى، وكل نفس ستجزى بما كسبت، يقول سبحانه وتعالى لرسوله الكريم : {..وَلاَ تَطْرِدِ اَلَّذِينَ يَدْعَوْنَ رَبَّهُم بِاَلْغَدَواةِ وَاَلْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَه مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ..(الأنعام 52)}، ويقول سبحانه : {..واتقوا يوما لا تجزى نفس عن نفس شيئا..)البقرة 48 و123)}، وقوله : {..يَأَيُّهَا النَّاسُ اِتّقُوا رَبَّكُم وَاِخْشَوْا يَوْمًا لاَ يُجْزَى وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِه شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ فَلاَ تَغُرَّنَّكُم اَلْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلاَ يَغُرَّنَّكُم بِالله اَلْغَرُورَ(لقمان 33)}، ويقول سبحانه : {..فَيَوْمَئِذٍ لاَ يُعَذَّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ وَلاَ يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ(الفجر 25 و26)}.

د - لا تشفع نفس في نفس أخرى : 

  أي لا تدافع نفس عن نفس أخرى، وتعزز موقفها وتأتي بجانبها، لأن كل نفس ستأتي بمفردها، كما سبق وأن ذكرنا، لقوله سبحانه وتعالى : {..يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ(النحل 111)}، وقوله سبحانه على الذين اتخذوا من دونه شفعاء : {..َولَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُم مَا خَوَّلْنَاكُم وَرَاءَ ظُهُورِكُم وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمْ اَلَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُم فِيكُم شُرَكَاءَ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُم وَضَلَّ عَنْكُم مَا كُنْتُم تَزْعُمُونَ(الأنعام 94)}، وقوله سبحانه : {..وَلَمْ يَكُنْ لَهُم مِنْ شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءَ وَكاَنُوا بِشُرَكَائِهِم كَافِرِينَ(الروم 13)}، وقوله تعالى : {..أَمْ اِتَّخَذُوا مِنْ دُونِ الله شُفَعَاءَ قُل أَوَلَو كَانُوا لاَ يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلاَ يَعْقِلُونَ، قُل لله الشَّفَاعَةُ جَمِيعَا لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَاَلْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ(الزمر 43 و44)}، وقوله سبحانه : {..الله اَلَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَاَلْأَرِضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامِ ثُمَّ اِسْتَوَى عَلَى اَلْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلاَ شَفِيعٍ أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ(السجدة 4)}.

   لذلك ليس لأي نفس بشرية أيا كانت درجة ايمانها لا يمكن لها أن تشفع في نفس أخرى مهما كانت هذه النفس سواء كانت مؤمنة ايمانا ضعيفا أو ايمانا قويا او كافرة او عاصية او مشركة وايا كانت ملتها...الخ، وذلك كما سنرى من خلال الآيات التالية :

  ويقول سبحانه لبني إسرائيل : {..وَاِتَقَوْا يَوْمَا لاَ تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلاَ يُقْبَلْ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذْ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنْصَرُونَ(البقرة 48)}، وقوله سبحانه : {..وَاِتَّقَوْا يَوْمًا لاَ تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلاَ يُقْبَلْ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ هُم يُنْصَرُونَ(البقرة 123)}.

 ويقول سبحانه وهو يخاطب المؤمنين : {..يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِنْ قَبْلُ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ..(البقرة 254)}.

  ويقول سبحانه عن المتقين مخاطبا رسوله الكريم : {..وَأَنْذِر بِهِ اَلَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا اِلَى رَبِّهِم لَيْسَ لَهُم مِنْ دُونِهِ وَلِيِّ وَلاَ شَفِيعٍ لَعَلَّهُم يَتَقُونَ(الأنعام 51)}، وقوله سبحانه : {..وَذَرِ اَلَّذِينَ اِتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُم اَلْحَيَاُة الدُّنْيَا وَذَكِّر بِه أَنْ تُبْلَسَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا  مِنْ دُونِ الله وَلِيِّ وَلاَ شَفِيعٍ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لاَ يُؤْخَذْ مِنْهَا أُولَئِكَ اَلَّذِينَ أُبْلِسُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُم شَرَابٌ مِنْ حَمِيمِ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (الأنعام 70)}.

  ففي الآخرة شيء آخر لا شفاعة ولا وساطة، ففي الدنيا لدنيا الحرية التامة في اختيار من سيدافع عنا ويآزرنا امام المحاكم للدفاع عن مواقفنا، ومنا من يختار من يبرءه ويفلته من العدالة، لذلك قال سبحانه وتعالى : {مَنْ يَشْفَع شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَع شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ الله عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقِيتًا(النساء 85)}.

  أما الذين يتخذون من دون الله شفعاء ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله فيوم القيامة يتقطع بهم ويبدون لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون، يقول تعالى : {..وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ الله مَا لاَ يَضُرُّهُم وَلاَ يَنْفَعَهُم وَيَقُولُونَ هَؤُلاَءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ الله قُلْ أَتُنَبِئُونَ الله بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلاَ فِي اَلْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ(يونس 18)}، ويقول سبحانه فيهم عند العرض امامه : {..َولَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُم مَا خَوَّلْنَاكُم وَرَاءَ ظُهُورِكُم وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمْ اَلَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُم فِيكُم شُرَكَاءَ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُم وَضَلَّ عَنْكُم مَا كُنْتُم تَزْعُمُونَ(الأنعام 94)}.

ز - لا يمكن لنفس أن تنصرها نفس أخرى ولا أي قوة أخرى :

  فغدا يوم القيامة ليس هناك قوة من دون الله، فالقوة لله جميعا، ولا يمكن لنفس ان تنصرها نفس أخرى أو تدرء عنها العذاب، يقول سبحانه : {..إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِءَايَاتِ الله وَيَقْتُلُونَ النَّبِيينَ بِغَيْرِ حَقٍ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِاَلْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ(21)أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَت أَعْمَالَهُم فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُم مِنْ نَاصِرِينَ(22)(أل عمران)}، وقوله  : {..وَاِتَقَوْا يَوْمَا لاَ تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلاَ يُقْبَلْ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذْ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنْصَرُونَ(البقرة 48)}، وقوله سبحانه : {..وَاِتَّقَوْا يَوْمًا لاَ تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلاَ يُقْبَلْ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ هُم يُنْصَرُونَ(البقرة 123)}، وقوله سبحانه : {..وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ الله لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُم وَلاَ أَنْفُسَهُم يَنْصُرونَ(197)}، وقوله سبحانه : {..لاَ تَجْءَرُوا اَلْيَوْمَ إِنَّكُم مِنَّا لاَ تُنْصَرُونَ، قَدْ كَانَتْ ءَايَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُم فَكُنْتُم عَلَى أَعْقَابِكُم تَنْكِصُونَ(المؤمنون 65 و66)}.

  2 - التأكيد على شفاعة الملائكة الكرام بعد اذن الرحمان :

   كما سبق أن قلنا ان الشفاعة لله جميعا، فالله هو صاحب الأمر وينفذ هذا الأمر ملائكته الكرام، وللتوضيح أكثر، فالله سبحانه وتعالى هو الذي يتوفى الأنفس، ولكن ينفذ هذا الأمر ملائكة الموت، لقوله تعالى : "قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَلَكُ اَلْمَوْتِ اَلَّذِي وُكِّلَ بِكُم ثُمَّ اِلَى رَبِّكُم تُرْجَعُونَ"، وان الله سبحانه وتعالى يعلم ما نخفي وما نعلن فيستنسخ ما نفعل، لكن يفذ ذلك ملائكة تسجيل الأعمال لقوله : {..أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُم وَنَجْوَاهُم بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمَ يَكْتُبُونَ(الزخرف 80)}، وان الله سبحانه وتعالى قد دمر الأمم السابقة بسبب كفرهم وفسادهم في الأرض، لكن أمر التدمير نفذته الملائكة مثلا قوم لوط يقول سبحانه : {..قَالُوا يَا لُوطَ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا اِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطَعٍ مِنَ اَلَّيْلِ وَلاَ يَلَتَفِتْ مِنْكُم أَحَدٌ إَلاَّ اِمْرَأَتَك إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُم إِنَّ مَوْعِدَهُم الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرْيبٍ(هود 81) }،فكل الأوامر الإلهية تنفذها الملائكة كل بحسب وظيفته المخصصة له.

  وهو الأمر الذي ينطبق على الشفاعة في يوم القيامة، يقول سبحانه : {..وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَوَاتِ لا تَغْنِي شَفَاعَتُهُم شَيْئًا إِلاَّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ الله لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى(النجم 26)}، وهذه الأية محكمة لا تتغير ولا تنسخها آية أخرى وهي التي تفسر جميع الآيات المتشابهة في القران والمتعلقة بموضوع الشفاعة،

  فالله هو يعلم ما بين أيدي الملائكة من كتب الأعمال وما خلفهم أي ما لا يعلمونه، وأن الله سبحانه يعلم السر وأخفى ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، ويعلم أعمال كل نفس صغيرة وكبيرة، ولا يظلم مثقال حبة من أعمال الإنسان.

  وقبل ان يأذن سبحانه تعالى للملائكة لاحضار كتب أعمال كل نفس ومحاسبتها واتخاذها لموقف الخصم أو الشفيع لكل نفس، تكون كل نفس لوحدها لا تستطيع أن تتكلم أو أن تخاطب الله سبحانه : "رَبُّ السَّمَوَاتِ وَاَلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَانِ لاَ يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا، يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَاَلْمَلاَئِكَةُ صَفَّا لاَ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَانُ وَقَالَ صَوَابًا".

  واذا كانت أعمال الإنسان سيئة وليس له أي عمل صالح تتخذ منه الملائكة موقف الخصم والشاهد على أعماله السيئة، فلا تنفعه شفاعتهم.

  أما اذا كان الأنسان مؤمنا يعمل الصالحات فتكون الملائكة شفيع فيه فتسانده وتدعمه، يقول سبحانه وتعالى في سورة مريم الآية 96 : {..إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُم الرَّحْمَانُ وُّدَّا}.

 أ -  وفي عهد النبي كان بعض العرب يعبدون الملائكة، ويسمونهم تسمية الأنثى، ويقولون أنها بنات الله، فجاءت فيهم الآيات التالية : 

- الآية 40 و41 من سورة سبأ : {..وَيَوْمَ يَحْشُرُهُم جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلاَئِكَةِ أَهَؤُلاَءِ إِيَّاكُم كَانُوا يَعْبُدُونَ، قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِم بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ اَلْجِنَّ أَكْثَرُهُم بِهِم مُؤْمِنُونَ}

- الآيتين 86 و87 من سورة الزخرف : {..وَلاَ يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدُعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلاَّ مَنْ شَهِدَ بِاَلْحَقِّ وَهُم يَعْلَمُونَ، وَلَئِنْ سَأَلْتَهُم مَنْ خَلَقَهُم لَيَقُولُنَّ الله فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ}، فهم كانوا يعبدون الملائكة وهم يعلمون أنهم عباد الله ويطمعون في شفاعتهم، لذلك فشفاعتهم لا تنفع الا اذا شهدوا بالحق وبالعلم.

- الآيات من 81 الى 87 من سورة مريم : {..وَاِتَّخَذُوا مِنْ دُونِ الله ءَالِهَةً لَيَكُونُوا لَهُم عِزَّا كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِم ضِدًّا....لاَ يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلاَّ مَنِ اِتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَانِ عَهْدًا}.

- الإسراء الآية 40 : {..أَفَأَصْفَاكُم رَبُّكُم بِاَلْبَنِينَ وَاِتَّخَذَ مِنَ اَلْمَلاَئِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيمًا}، والآية 150 من سورة الصافات : {..فَاِسْتَفْتِهِم أَلِرَبِّكَ اَلْبَنَاتُ وَلَهُم اَلْبَنُونَ، أَمْ خَلَقْنَا اَلْمَلاَئِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ}، والآية من 15 الى 19من سورة الزخرف : {..وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ اَلْإِنْسَانُ لَكَفُورٌ مُبِينٌ، أَمْ اِتَّخَذَ مِمَّا يَخْلَقُ بَنَاتٌ وَأَصْفَاكُم بِاَلْبَنِينَ، وَإِذَا بُشَّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَانِ مَثَلاً ظَلَّ وَجْهَهُ مُسْوَدًا وَهُوَ كَظِيمٌ، أَوَمَنْ يَنْشَؤُأ فِي اَلْحِلَيَةِ وَهُوَ فِي اَلْخِصَامِ غَيْرِ مُبِينٍ، وَجَعَلُوا اَلْمَلاَئِكَةَ اَلَّذِينَ هُم عِبَادُ الرَّحْمَانِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُم سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُم وَيُسْءَلُونَ}.

- الآيات من 26 الى 28 من سورة الأنبياء : {..وَقَالُوا اِتَّخَذَ الرَّحْمَانُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ، لاَ يَسْبِقُونَهُ بِاَلْقَوْلِ وَهُم بَأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ، يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُم وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنْ اِرْتَضَى وَهُمْ مِنْ خِشْيِتِهِ مُشْفِقُونَ}.

- الآيات من 26 الى 28 : {..وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَوَاتِ وَاَلْأَرْضِ لاَ تَغْنِي شَفَاعَتُهُم شَيْئًا إِلاَّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَن الله لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى، إِنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالءَاخِرَةِ لَيُسَمُونَ اَلْمَلَئِكَةَ تَسْمِيَةَ اَلْأُنْثَى، وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبْعُونَ إِلاَّ الظَّنَ وَإِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ اَلْحَقِّ شَيْئًا}.

ب - التنسيق بين آيات الشفاعة المتشابهة في القرءان الكريم :

- يقول سبحان وتعالى في الآية 255 من سورة البقرة : {..الله لا اله الا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم له ما في السموات والأرض من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما يشاء وسع كرسيه السموات والأرض ولا يءوده حفظهما وهو العلي العظيم}، فقبل مناقشة هذه الآية فإن الآية التي قبلها تنفي شفاعة البشر التي تمارس في الدنيا ويعتقد الكثير انها ستكون في الآخرة، لذلك فالشفاعة المقصودة في هذه الآية هي شفاعة الملائكة الكرام التي تمارسها في يوم العرض والحساب بعد إذن الله سبحانه ورضاه لمن يستحقها، وهي شهادة الحق وبالعلم، لذلك قال سبحانه في الآية يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء، وهو ما تفسره الآية من 108 الى 112 من سورة طه في قوله سبحانه : {..يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لاَ عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ اَلْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَانِ فَلاَ تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْسًا، يَوْمَئِذٍ لاَ تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَانُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً، يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُم وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا، وَعَنَتِ اَلْوُجُوه لِلْحَيِّ اَلْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا، وَمَنْ يَعْمَل مِنَ الصَّالِحَاتَ وَهُو مُؤْمِنٌ فَلاَ يَخَافُ ظُلْمًا وَلاَ هَضْمًا}، كما تفسرها الآية 26 و27 و28 من سورة الأنبياء في قوله تعالى : {..وَقَالُوا اِتَّخَذَ الرَّحْمَانُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ، لاَ يَسْبِقُونَهُ بِاَلْقَوْلِ وَهُم بَأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ، يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُم وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنْ اِرْتَضَى وَهُمْ مِنْ خِشْيِتِهِ مُشْفِقُونَ}، وتفسرها أيضا الآيتين 75 و76 من سورة الحج : {..الله يَصْطَفِي مِنَ اَلْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً وَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ الله سَمِيعٌ بَصِيرٌ، يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِم وَمَا خَلْفَهُم وَإِلَى الله تُرْجَعُ اَلْأُمُورَ}.

    ونختم بقوله تعالى في سورة غافر : ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو اَلْعَرْشِ يُلْقَى الرُّوحُ مِنَ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمِ التَّلاَقِ (15) يَوْمُ هُمْ بَارِزُونَ لاَ يَخْفَى عَلَى الله مِنْهُم شَيْءٌ لِمَنْ اَلْمُلْكُ اَلْيَوْمَ لله اَلْوَاحِدُ اَلْقَهَّارُ (16) اَلْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لاَ ظُلْمَ اَلْيَوْمَ إِنَّ الله سَرِيعُ اَلْحِسَابُ (17)﴾..ويخاطب سبحانه النبي بقوله...﴿وَأَنْذِرْهُم يَوْمَ اَلْءَازِفَةِ إِذْ اَلقُلُوبَ لَدَى اَلْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لَلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ (18) يَعْلَمُ خَائِنَةَ اَلْأَعْيُنِ وَمَا تَخِفِي الصُّدُورَ (19) وَالله يَقْضِي بِاَلْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لاَ يُقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ الله هُوَ السَّمِيعُ اَلْبَصِيرُ(20)﴾.

صـدق الله العظيـم.

ذ.يوسـف ترناصـت.

باحـث فـي الثـراث الإسـلامي.

اجمالي القراءات 645

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
التعليقات (2)
1   تعليق بواسطة   عثمان محمد علي     في   الأربعاء 29 ابريل 2020
[92256]

الشفاعة مرة أخرى .


أهلا بك  استاذ يوسف .. مقال جميل وأتفق مع كثير مما فيه وأختلف  مع قولك بأن الملائكة سيكونون خصوما أو شفعاء بمعنى المُدافعين أو المعززين لموقف المؤمنين يوم القيامة ..... فالملائكة لهم دور واضح  ليس منه أو فيه أنهم سكونون خصوما أو مُعززين لأحد عند الحساب ،بل سيكونوا شفعاء بمعنى تقديم البشر وأعمالهم للحساب وليسوا مع أو ضد  لأحد منهم لأنهم هم أيضا سُيحاسبون مثلهم مثل البشر ...... وقد كتبت تعقيبا عن الشفاعة   مقالة الأستاذ (خميس ) وأُعيد نشره هنا  .



(مقهوم الشفاعة عند أهل القرءان .. أهل القرءان يعتمدون على فهم القرءان بالقرءان ومن القرءان .ومن هنا فإن الشفاعة تعنى (الزوجية ) بمعنى (ال2 ) وليست الواسطة أو المحسوبية أو علشان خاطرى . وأن المولى جل جلاله وحده لاشريك له  هو مالك يوم الدين ،ومن هنا كان فهمهم  أن الشفاعة لله جميعا ،وأن الملائكة الذين سيسوقون النفس البشرية ويقدمون كتاب أعمالها للحساب ( وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد) يسمون بالشفعاء فهم هنا (الزوجية مع النفس -اى الشفع أو الشفاعة ) وليس لهم من الأمر شيئا لا فى الحساب ولا فى الثواب ولا فى العقاب  ، وأن الأنبياء  بما فيهم النبى محمد -عليهم السلام جميعا سيُحاسبون مثلهم مثل باقى البشر ولا يملكون لأنفسهم ولا لغيرهم ضرا ولا نفعا  ..... وبالتالى فإن مفهوم الشفاعة عند القرءانيين مختلف فى المعنى والمضمون والمرجعية عن مفهومها عند اصحاب لهو الحديث والأديات الأرضية من المحمديين السنيين أو اتباع على وأولاده أو الصوفيين  .   وقد كتب فى هذا استاذنا الدكتور منصور كتابا عن الشفاعة ومقالات منشورة على الموقع  ,وكذلك كُتاب كرام من كُتاب أهل القرءان ...


2   تعليق بواسطة   يوسف ترناصت     في   السبت 02 مايو 2020
[92264]

ردا على التعليق


أهلا استاذ عثمان محمد على شكرا على التوضيح انا لا زلت مبتدءا واجتهد باستمرار وشكرا على الملاحظات، اتمنى ان افيد المةقع بكل شيء جديد...



أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2020-04-05
مقالات منشورة : 21
اجمالي القراءات : 11,475
تعليقات له : 19
تعليقات عليه : 24
بلد الميلاد : Morocco
بلد الاقامة : Morocco