فضيلة الشك

سامح عسكر في الثلاثاء 26 مارس 2019


كلنا نقع أسرى للتحيزات الشخصية والصور الفردية والصراعات النفسية الداخلية، مزيج من مشاعر متناقضة جعلت الإنسان كتلة من مفاهيم معقدة وتصميم غير قابل للمراجعة سوى في أبسط الحدود أو يصبح إيمانه بالحقيقة تبعا لهواه الشخصي في الغالب، وهذه مسألة كانت – وتظل – أهم عائق أمام العلم.

في مرحلة الطفولة مثلا عندما نرى المُعلّم صارما أو يضرب تلاميذه يعتقد الطفل أن هذا المُعلّم يكره التلاميذ أو يريد فقط التحكم فيهم أو هو شخص أناني أو شرير، حجم إدراك الطفل أوصله لهذه النتيجة التي بالمناسبة تظل معنا في الكِبَر كراسب من رواسب الطفولة، فعندما نسمع مخالفا نظن خطأ أنه يكرهنا..وهذا ليس بالضرورة، فمعنى الرأي الآخر عند البشر مرهون بإدراكه النفسي والذهني أولا..ليس مجرد قناعة بالتفاصيل، فأول ما يبادر الذهن من أفكار هي الصورة الأولية للفكرة التي قد تكون مشوّشة أو عرضت في أجواء غير مناسبة فتصدر أحكام شخصية عليها خاطئة لأنها نفسية في المقام الأول ليست عقلية تحليلية.

إن الخروج من هذا النمط الطفولي يستوجب أولا العودة لخيال الطفل في تصور مخالفيه، بيد أنك لو حلّلت عقلية الدواعش مثلا أو متطرفي الأديان والقوميات ستجدها طفولية تجاه الآخر، فصلاة المسلم في نيوزيلندا أعطت إيحاءً نفسيا للقاتل أن هؤلاء المسلمين يكرهوه ويتربصون به، وما المسجد إلا مكانا للتخطيط والإعداد لما هو قادم فتولّدت لديه مشاعر انتقامية فورية عملا بمبدأ "الهجوم خير وسيلة للدفاع" كذلك الداعشي الذي يقتل شيعيا أو مسيحيا أو مخالفا بالعموم..مجرد ما يسمع رأي الآخرين يظن أنهم يكرهوه ويتربصون به..شيعي يصلي على شقفة..هذا رجل أناني لا يعترف بصوابية الصلاة على الأرض..مسيحي يرتدي صليبا هذا شريرا يَعُدّ العُدّة للانتقام الصليبي وسفك دماء المسلمين.

هذه عقلية المتطرف..طفولية، لا تسمح بتفسير سلوكيات الآخرين على محملٍ حَسن أبدا، ولكي لا نظلم الطفل بقي التأكيد على أن سلوك الأطفال مهما كان رافضا للآخر وغير مدركا لطبيعته لكن يظل مُسالِما بريئا صادقا..فالعنف إذن يتولّد مع المجتمع والتجارب، وكلما تقدم الإنسان في عُمرِه كلما يكتسب آفات الشر كالكذب والنفاق والأذى..إلخ.

المشكلة الأكبر لا تكمن في عدم إدراك هذه الطفولية تجاه الآخرين، بل في عدم إدراك عدم إدراك ذلك..الجهل المركب المقصود بفقدان البشر قدرتهم على تصويب أنفسهم، لذا أصبح الشك ضروريا للخروج من هذه الحالة وهي تجاوز أولا مرحلة عدم إدراك الجهل..بعد ذلك تأني مرحلة العلم، فالشك أول ما يُحطّم يُحطّم الجهل بالآخرين..ثم ينتقل الإنسان لمرحلة البحث منتهيا إلى اليقين في حال حدوثه، ومن الناس من يظل شكّاكا لا ينتقل للجانب البحثي، ومنهم من انتقل لجانب البحث دون اليقين بعلمٍ ما..أما اليقين فهي مرتبة أزعم بصعوبتها لتطلبها شروطاً قد تعيد الإنسان من حيث أتى كالصدق، فاليقين المتسرع أحيانا بعد ظهور خطأه يرتد الإنسان نفسيا إلى ما قبل البحث، أي أنه قد يعود لحالته الأولى ..ثم يعود لرأيه الأول.

هنا تقوم النوستالجيا بدورها، فكثير من المثقفين عندما يبلغوا قمة مجدهم العقلي والعلمي..يقعون أسرى ليقين خاطئ (واحد) فيرتدون عابرين لكافة إنجازاتهم الشخصية، مما يعني ضرورة إحكام النفس بقوانين تُنظّم عملية الرجوع هذه، فيما لو لم تُدرَك هذه القوانين أو طبيعة التنظيم نفسه يكون الشك فضيلة أيضا على الأقل لإدراك صوابية هذا الرجوع وعدم وصوله لنقطة قد تجاوزها الإنسان نفسه بيقينٍ حازمٍ على عدم ملائمتها إياه بالخصوص ومجتمعه بالعموم.

الشك يكسر وجهة النظر المعتادة ويعيد الرؤى للمواقف والأشياء بأعين مختلفة، وهو علاج لمن يعانون من الركود الفكري ..خاصة من هم في مواقع المسئولية والنفوذ من المثقفين والسلطويين، وهو قائم في هذه المرحلة العلاجية على أسئلة كما الذي أنجزه الشخص لنفسه ولغيره، وما حقيقة تلك البيانات والمعلومات التي يؤمن بها، وكيف يمكن للآخرين أن يُفسّروا ما عَجَز هو عنه، وما تلك المؤثرات السلبية عليه، بعض المثقفين مثلا يرى مؤثرا كانغلاقه ضمن مجموعة محدودة من الناس فيتخلص من هذا الأثر بانفتاحه المتوالي فيزداد علما ثم يبدأ في الشك بطريقة منهجية سلمية، كذلك بعض السلطويين يرى أن ما يمنعه من تحقيق مصالح الناس هم مجموعة بعينها أو شخص يمثل حاجزا بينه وبين المجتمع، فيكسر على الفور ذلك الحاجز ليبدأ رحلة جديدة للعلم والاطلاع على ما خفي وكان أعظم.

في هذا المقام أفرّق بين الشك المنهجي والشك النموذجي، فالشك المنهجي هو ما أعطاه الباحث لنفسه من طريقة وأدوات وأسلوب في تصور الكون والنظريات، كالدين مثلا هذا في الأخير نظرية..هناك من يقدم العقل على النقل ثم يشك بناءً على هذا التقديم..وهناك من يفعل العكس..أي في الحقيقة نحن أمام شكوك كثيرة جدا منهجية ومختلفة تبعا لمذاهب الناس وطُرق عيشهم المختلفة، أما الشك النموذجي فيتطلب شروط وأدوات في رأيي من الصعب تحقيقها كالإلمام بالعلم ومسائل الروح والعقل والمادة..والجمع بين هذه المسائل ضمن إطار شكّي لهو في منتهى الصعوبة، لكنه يتحقق في العادة مع الإنجاز، فما قام به إينشتاين مثلا في نقد فيزياء نيوتن ما كان أن يحدث لولا شكّه النموذجي بعبور اسم نيوتن شخصيا وعلميا واجتماعيا، والأهم سطوة اسم نيوتن عليه شخصيا..وهذا من مسائل الروح الغائبة عند بعض الشُكّاك.

فالشك النموذجي يتطلب مرونة في التفكير وليس مجرد الشك في إطار ما، بمعنى الإيمان بصحة موقفك بنسبة 90% مثلا والباقي خطأ، أو لو آمنت بصحة موقفك بنسبة 100% فمع المرونة الفكرية يمكنك الشك في طريقة إدارتك للأمور، وقد يحدث ذلك في المعارك العسكرية غالبا، تجد القائد لا يؤمن بخيرية عدوّه ولكنه يُعيد النظر – مضطرا – في تكتيكاته وأساليبه الحربية، وهذا يُعطي لديّ انطباعا أن الشكوك النموذجية تتوفر مع الشعور بالخطر، وهذا يؤكد وجهة نظر البعض أن الإنسان ينهض فقط حين شعوره بالخطر ويُفسّر كيف تقدمت البشرية في أجواء المعارك والحروب.

فمثلا لم يظهر السلاحين النووي والكيماوي سوى في الحروب العالمية، ولم يظهر الإنترنت والكمبيوتر سوى في الحرب الباردة ولم تتحقق النهضة الصناعية في القرن 19 سوى بحروب نابليون وانجلترا وتوجه الغرب لاستعمار أفريقيا، هذا أساسه الشعور بالخطر مما حفّز البشرية لصُنع الإنجاز.

وفي رأيي أن البشرية أنجزت ذلك متأثرة بنقد الذات وما يُسمى "بالانحياز العكسي" أي تصور وجهة نظر المخالفين والانحياز (النفسي) لها، وتسمية النفسي في هذا المقام لأن العالم كان يعاني من الحروب بالتالي أصبح الانحياز الظاهري خيانة، لكنه انحيازا نفسيا باحتمالية صواب وجهة نظر الآخرين على الأقل، صحيح لم يفكر الآخر أصلا بهذا الإنجاز المتحقق – النهضة العلمية – لكن مجرد تبني مبدأ "الانحياز النفسي" يجعل من تجاوز الذات والتفكير من خارج الصندوق أمرا سهلا، وهذا ما نعاني منه في منطقتنا العربية، لأن تسلط المستبدين ورجال الدين – كشخوص أحادية التفكير – منع هذا الانتقال ، بل تضخمت ذوات العرب لمستويات غير مسبوقة مما عرّضهم أكثر لمزيد من الصراعات والتي في رأيي لن تنتهي ما دامت مجتمعاتهم غير ديمقراطية وتحيا بالفاشية في كل شئ..حتى في الشارع والمواصلات.

باختصار شديد..العرب لا يتصورون أنفسهم أشرارا أبدا..وهذا لُبّ المشكلة، فالشر دائما عند خصومهم، بينما الشك النموذجي والانحياز العكسي يتطلب فرضية – ولو مؤقتا – بأنك شرير، وهذا الخُلُق عُرِفَ في الأديان بمحاسبة الذات "حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسَبوا" إضافة لغياب خُلُق الاعتذار..وهنا يتجلى عاملا غاية في الأهمية وهو "التواضع" فالشكّاك النموذجي لابد وأن يكون متواضعا لمادة الشك، فلو كانت علما فلا يجب التقيد بنتيجته النهائية، ولو كان خُلُقا فلا يظن أنه أصبح أمرا محسوما، ولو كان سلوكا من أي نوع أو شخصا فلا يجب تقديسه والظن باستمرار بقصورك الشخصي..وهو ظن لا يملكه ولا يُحسنه سوى المتواضعين، بيد أنك لو فتشت في كل دعاة الحروب والأزمات تجدهم من ذوي الشخصيات العدوانية المغرورة.

على الأقل يبقى احتمال وجود الشر في نفس الإنسان محل إجماع بشري، والعرب يؤمن بذلك طبعا لكنه لا ينعكس في تصرفاتهم، وأعتبر أن مجال الأدب والسينما كانت تبرز هذا الإجماع مثلا برواية "دكتور جيكل ومستر هايد" للأديب الأسكتلندي "روبرت ستيفنسون" وكيف أن الإنسان قد يعيش بشخصيتين في وقت واحد الأولى خيّرة والثانية شريرة، وهذا يوضح أن الأديب العبقري كانت لديه فضيلة الشك والانحياز العكسي بتصور رأي الخصوم في شخصه هو، أي لم يعتد بمعاركه مع الأغيار على أنها معركة بين الحق والباطل دائما، بل وضع فرضية أولية أنه يمثل الباطل الغير مُدرَك من جانبه، وهذه النقطة التي قصدتها في البداية بتحطيم الشك حواجز عدم إدراك الجهل الأولية والتي يفشل غالبية الناس في عبورها.

لذا عُرِف عن أغلبية البشر أنهم لا يشكون لأنهم لم يُحطّموا الحواجز التي دمرها "ستيفنسون" في روايته عن جيكل وهايد، وبما أنهم عديمي الشك أصبحوا عُرضة للتحشيد والتأثر من ذوي الغرائز العدوانية ، وهذه عندي تمثل بذرة سلوكيات القطيع والهَمَج دعاة الفتن والأذى على مر التاريخ، فالقطيع الذي أزهق حياة هيباتيا ما كان له أن يفعل ذلك سوى باستسلامه للعدوانيين من كهنة الكنيسة، ولأنه لم يشك للحظة أن هيباتيا كانت إبنة بارّة لعائلتها وشعبها وقضيتها العلمية، وأن ما تقوله سيُردد في قاعات الكنائس في زمن آخر أو يُصبح وقودا لهَمَج آخرين وقطيعا مختلفا أزهق أرواح القساوسة في عصر التنوير الأوروبي.

وجهة نظر هيباتيا التي خفيت عن القطيع أن رأيها منسجم مع طبيعتها المسالمة والعقلانية التي ترفض الانصياع لرأي الآخرين إلا وفقا لمعاييرها الخاصة، وهذه جزئية في الشك المنهجي تعد أصلا في الشك النموذجي، بمعنى أن شكوك هيباتيا المنهجية التي توافقت مع طبيعتها المسالمة والعقلانية لم يتمتع بها القطيع الذي (شكّ) في هيباتيا ورآها كما رأي القاتل الأسترالي ضحايا مسجد نيوزيلندا، مجرد خطر يتربص بهم ويدمر دينهم وجنتهم السماوية بالضرورة، فعندما قتلوها لم يظنوا أنهم كانوا يقتلون جسدا بل فكرة شكّلت خطرا على أحلامهم وأمنياتهم ووعود الكهنة لهم في جنة الفردوس.

ومع ظهور الفلسفات الحديثة – كالتحليلية – بدأ الفكر الإنساني يبحث عن استراتيجية أخرى في الشك منها مبدأ "الانحياز العكسي" طبعا لكن في رأيي أن أفضل ما أنتجه العالم من شكوك معاصرة هو الشك في " وسائل الاتصال" والعمل على تحسينها لضمان أفضل نتيجة ممكنة، فكانت إنشاء مجالس الأمن والأمم المتحدة والمنظمات القارية هي ثمرة هذا الشك الذي أوصل شعوب العالم ببعضها، وزرع القوانين المانعة من اضطهاد الرأي الآخر لمجرد الخلاف..ثم كانت ثمرة هذا كله بميثاق العالم لحقوق الإنسان في الأربعينات، فالأزمة التي أهلكت الإنسان من قبل كان أساسها في إجراء حوار واتصالات بين أفكار مختلفة جدا عن بعضها لدرجة التناقض أحيانا مما عرّض البشرية لسوء فهم كبير أنتج معارك وحروب قتلت الملايين وكانت على وشك إفناء الكوكب لولا الاتفاق بين القوى النووية بنزع أسلحة الدمار الشامل مؤخرا..

إن تحسين وسائل الاتصال هذا جعل من الشك ليس مجرد خيار رفاهية بل ضرورة عيش في عالم متعدد الأفكار والأديان، لذا وصلت لنتيجة مفادها أنه لا مكان لأمّة وشعب لا يشكّون، وكما أن البقاء للأقوى والأكثر تكيفا فالبقاء أيضا لمن هو أقوى وأدق شكّا في نفسه والأكثر تواصلا مع المختلفين، وهذا يفسر كيف أن الدول العُظمى حديثا تغيرت طبيعتها عن القديمة، فالدول العظمى قديما كان يكفيها قوة السلاح لبناء امبراطورية واسعة المرامي، لكن حديثا يمكن لدولة صغيرة الحجم أن تصبح قوة عظمى بالتكنولوجيا والتواصل وبناء منظومة لها حضور في نفوس البشر، بحيث أن الاعتداء على تلك القوة لن يمس شعبها فقط..بل سيمس ضمير العالم بأسره.

اجمالي القراءات 671

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2012-09-25
مقالات منشورة : 783
اجمالي القراءات : 4,710,013
تعليقات له : 102
تعليقات عليه : 410
بلد الميلاد : Egypt
بلد الاقامة : Egypt