قل ( أخى فى الإنسانية ) ولا تقل ( أخى فى الله ).!!

آحمد صبحي منصور في السبت 23 سبتمبر 2017


قل ( أخى فى الإنسانية ) ولا تقل ( أخى فى الله ).!!

 أولا :

1 ـ عبارة ( أخ فى الانسانية ) تعبير ثقافى معاصر ، يعنى فى القرآن الكريم الأخوة فى السلام . والاسلام دين عالمى للبشر جميعا ، أى للإنسانية . والسلام هو الاسلام فى التعامل بين البشر ، وبه يكون البشر أخوة فى الاسلام بمعنى السلام ، أو بتعبير عصرنا ( أخوة فى الانسانية ). لا فارق هنا بين إنسان فى منغوليا أو فى موزمبيق .

2 ـ عبارة ( أخ فى الله ) لم ترد مطلقا فى القرآن الكريم ، ولم يرد لفظ ( فى الله ) فى القرآن الكريم . جاء فقط (قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ ) ابراهيم ) . وتكررت عبارة ( فى سبيل الله ) وليس ( فى الله ) .

3 ـ عبارة ( أخ فى الله ) تعبّر عن عادة سيئة فى كل الأديان الأرضية ، وهى إحتكار الحق وإعتبار من يخالفهم عدوا لله جل وعلا ، إذ أنهم ـ ونستغفر الله العظيم ـ يحتكرون لأنفسهم رب العالمين. ورب العزة هو ( رب العالمين ) وليس رب المسلمين فقط أو المسحيين فقط .!

4 ـ عبارة ( أخ فى الله ) من مفردات الدين السُّنّى . وهى ضمن عادتهم فى تزكيتهم أنفسهم بإعتبارهم :

4 / 1 :أنهم وحدهم ( بتوع ربنا ) بدليل أنهم لا يمكن أن يقولوا ( أخ فى الله ) عن الشيعة أو الصوفية أو عن المسحيين أو البهائيين أو البوذيين أوالاسرائليين مثلا .  

4 / 2 : أنهم يقتربون من قول الصوفية ( أهل الله ) ، ويقصدون أن الأولياء هم ( أهل الله ) تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا . الله جل وعلا ليس له أهل ، وهو جل وعلا الأحد الصمد الذى لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد .

4 / 3 : هم بهذا يعبرون عن طبيعة الدين السُّنّى فى إحتكارهم ( الاسلام ) ، ومظاهر هذا كثيرة فيما يطلقونه على أنفسهم ، ففى التراث التاريخى للوهابية تراهم يطلقون على أنفسهم ( المسلمين ) ويجرّدون غيرهم من الانتماء الى الاسلام ، وعلى نفس النسق تفهم لماذا أطلق الاخوان على أنفسهم صفة ( الاخوان المسلمين ) ، وتتكاثر عبارات التزكية فى تسمية جماعاتهم ، مثل : ( أهل السنة والجماعة ) ( جماعة دعوة الحق ) وجريدة ( النور ) و ( الحقيقة ) ..الخ . وعليه فهم فى مجتمعاتهم يتداولون عيارة ( أخ فى الله ) ( أخى فى الله ).

ثانيا : الأخوة فى الاسلام : هى أخوة فى الانسانية بمعنى الاخوة فى السلام :

1 ـ للإسلام معنيان : الاسلام الظاهرى السلوكى بمعنى السلام فى التعامل مع الناس  ، والاسلام القلبى التعبدى بمعنى التقوى فى التعامل مع الله جل وعلا . ومن يحقق المعنيين فى مسالمة الناس وفى تقوى الله جل وعلا يدخل الجنة ( دار السلام ) ويتلقى فيها التحية بالسلام من رب العزة ومن الملائكة .

2 ـ فيما يخص هذه الدنيا والتعامل فيها بين البشر فإن الإسلام يمعنى السلام ، يقول جل وعلا للبشر جميعا : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13) الحجرات ). يعنى أننا جميعا أخوة من أب واحد وأم واحدة ، مهما إختلفت الألوان والثقافات والمستويات الاقتصادية . بل إن هذه الاختلافات فى اللون واللسان والشعوب والقبائل هو تنوّع مطلوب منه أن يحقق التعارف بين البشر ، وهو تعارف يتم بالسلام ، ومن وسائله الزواج . فالزواج قائم على أساس المسالمة والسلام . وبالتالى فإن تشريع الزواج فى الاسلام هو حسب الاسلام الظاهرى السلوكى بمعنى السلام ، فأى ذكر وانثى مسالمان  من حقهما الزواج ، بغض النظر عن الاختلافات فى الدين والثقافة والمستويات الاقتصادية .

3 ـ وطبقا لهذه الأخوة فالله جل وعلا يخاطبنا ب ( بنى آدم ) الذى يدل على إنتسابنا لنفس الأب والأم. يقول جل وعلا : (يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (26) يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمْ الشَّيْطَانُ )( يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (31) ) ( يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنْ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (35) الاعراف )( وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً (70) الاسراء )  

4 ـ  فى الأخرة تكون الأخوة فى الجنة للمتقين فقط من بنى آدم . كانوا فى الدنيا ذكورا وإناثا ، فإتقوا ربهم فأصبحوا  فى الجنة جنسا واحدا ( إخوانا على سُرر متقابلين )، قال جل وعلا عنهم :( إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (45) ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ (46) وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (47) لا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ (48)الحجر). ويخلق الله جل وعلا من عملهم الصالح أزواجا مطهرة هم الحور العين .

5 ـ هؤلاء المتقون هم الذين جمعوا بين الاسلام السلوكى بمعنى السلام والاسلام القلبى التعبدى بمعنى التقوى . دينهم الذى تمسكوا به فى الدنيا هو الاسلام الكامل الذى لن يقبل الله جل وعلا غيره يوم الدين ، قال عنه جل وعلا : ( وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ (85)آل عمران ). فى الجنة تجمع (الأخُّوّة) بين الاسلام السلوكى بمعنى السلام والاسلام القلبى التعبدى بمعنى التقوى .

ثالثا : ( الأُخُوّة ) بين سلام الاسلام ، وإعتداء الكافرين :

1 ـ أى إنسان مسالم هو مسلم طبقا لسلوكه السلمى بغض النظر عن إنتمائه الدينى القلبى والتعبدى . وبمعنى السلام يأتى وصف دين الله فيما يخص التعامل السلمى بين الناس . العرب كانوا قبائل متحاربة لا تعرف السلام ، دخل بعضهم فى الاسلام السلوكى بمعنى السلام ، وبقى عليهم الدخول فى الاسلام القلبى التعبدى بمعنى التقوى والتمسك بحبل الله المتين الذى هو القرآن الكريم . قال لهم جل وعلا وقال لنا : ( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنْ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (103) آل عمران ). أى كانوا أعداءا متقاتلين لا يعرفون السلام ، فأصبحوا مسالمين ، ويبقى عليهم الاعتصام بحبل الله جميعا حتى ينقذهم رب العزة جل وعلا من النار . وفى آخر حياة النبى دخل العرب أفواجا فى دين الله بمعنى السلام ، وكان هذا السلام نصرا من رب العزة ، لأن دينه ـ الذى هو السلام فى التعامل مع الناس ــ قد دخل فيه العرب أفواجا : ( إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً (2) النصر ). النبى محمد لا يعلم غيب القلوب ، ولم ير ما فى قلوب الناس أو ( إسلام التقوى ) . هو فقط رأى الظاهر أو الاسلام السلوكى بمعنى السلام .

2 ـ لم يكن هذا سهلا . سبقته حروب قبلها . وفيها كان رب العزة جل وعلا يعرض على الكفار المعتدين التوبة بالرجوع الى السلام ويعدهم بالغفران : (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ (38) الانفال ) .

3 ـ وفى الاسلام السلوكى تكون إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة تمسكا بالسلام وعدم الاعتداء ، وهذا ما يمكن للناس الحكم عليه ، ونفهم هذا من قوله جل وعلا لمن خلط عملا صالحا وآخر سيئا : (وَقُلْ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (105) التوبة ) وقوله جل وعلا للمنافقين : (وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (94) التوبة ). للبشر الحكم على التصرفات إن كانت سلمية أو عدوانية . أما يوم القيامة فالله جل وعلا هو الذى يعلم الغيب والشهادة .

4 ـ من هنا فإن التوبة بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة لها مستويان : المستوى الظاهرى الذى يراه الناس ، ثم المستوى الكامل الذى يراه عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم ، وسيحكم عليه يوم الحساب . وقد دخلت مكة فى الاسلام ، ثم ما لبث أن نقض بعض القرشيين العهد وإعتدوا على المؤمنين المسالمين فى مكة  ، فأعطاهم رب العزة جل وعلا مهلة أربعة اشهر هى الأشهر الحرم من أبتداء الحج الأكبر فى الاسبوع الأول من ذى الحجة الى إنتهاء مهلة فريضة الحج فى آخر شهر ربيع الأول . قال جل وعلا عن أولئك المعتدين :( فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (11) التوبة  ). هنا نفهم الأُخُوّة فى السلام أو فى الاسلام السلوكى ، يصف الله جل وعلا الكفار المعتدين إذا كفوا عن الاعتداء وتابوا ــ أى حققوا ظاهريا إقامة الصلاة وايتاء الزكاة ــ بأنهم ( أخوة فى الدين ) أى فى السلام أى الاسلام السلوكى بمعنى السلام .

رابعا : الأخوة بين المواطنين داخل الدولة الاسلامية ، وخارجها

1 ـ وفى داخل الدولة الاسلامية المسالمة فكل المواطنون أخوة ، حتى من ليس معروف الأب . قال جل وعلا :( ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ )(5) الاحزاب ). المولى هو من يكون مناصرا لشخص أو فقيرا تابعا له .

2 ـ فالمؤمنون أخوة ، ولا بد لهم من الحفاظ على هذه الأُخُوّة ، بإجتثاث أسباب النزاع ،حتى لو كان على مستوى الدول ،  قال جل وعلا : ( وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (9) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (10) الحجرات ).

3 ـ ولا بد من إجتثاث أسباب البغضاء بين الأفراد داخل المجتمع المسلم المسالم ، لذا جاء فى الآيات بعدها نهى عمّا يثير البغضاء والكراهية بين المؤمنين ، فى قوله جل وعلا : (  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ (11) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنْ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (12) الحجرات ) .

4 ـ ثم جاء الخطاب العالمى لبنى آدم بالسلام والتعارف السلمى والتعايش السلمى فى قول السلام جل وعلا : (  يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13) الحجرات ) .

خامسا : الأخوة فى الدين ( السلام ) تؤكدها الحرية الدينية المطلقة فى الاسلام

1 ـ وفى دولة الاسلام تتحقق الحرية الدينية المطلقة بين المواطنين الذين هم أُخوة فى دين السلام ، بينما يكون لرب العزة جل وعلا الحكم على الناس يوم الدين فيما هم فيه يختلفون ، فقد قال رب العزة ( السلام ) فى خطاب مباشر للبشر : (إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (7) الزمر  )، وأمر رسوله أن يعلن للناس أن الحكم فى الاختلافات الدينية لا تكون إلا للذى فطر السماوات والأرض والذى يعلم الغيب والشهادة : (قُلْ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَوَاتِوَالأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (46) الزمر) وجاء فى نفس السورة الإقرار بحرية الناس فى الكفر ، وان يعملوا على مكانتهم لأن من يهتدى فلنفسه ومن يضل فعليها ، وليس النبى وكيلا عن أحد : ( قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (39) مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ (40) إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنْ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (41) الزمر  )

2 ـ فإختلاف العقائد مع التمسك بالسلام والايمان بمعنى الأمن والأمان لا يمنع وصف من يعبد القبور المقدسة بالذين آمنوا . ففى عهد النبى محمد عليه السلام دخل كثيرون فى الاسلام السلوكى بمعنى الأمن والايمان السلوكى ، مع إحتفاظهم بتقديس الأنصاب وعكوفهم عليها ، وظلوا هكذا فى المدينة حتى أواخر ما نزل من القرآن ، وكل ما هنالك هو وعظهم مع تحميلهم مسئولية فعلهم والتأكيد على انه ما على الرسول إلا البلاغ : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنْ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ (91) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ (92) المائدة  ). هم (أُخوة ) و ( مؤمنون ) مع تناقض عقيدتهم مع ( لا إله الله ) . وهذا لأنهم مسالمون مأمونو الجانب .

3 ـ فليست وظيفة الدولة فى الاسلام هداية الناس وإدخالهم الجنة لأن الهداية مسئولية شخصية ، ومن إهتدى فلنفسه ومن ضلّ فعليها . وظيفة الدولة فى الاسلام هى خدمة المواطن ، وضمان حريته الدينية ومنها حصانة بيوت العبادة لكل دين سواء كان إلاهيا أو أرضيا ، ومن أجل هذا كان فرض القتال الدفاعى لمنع الاضطهاد الدينى وتقرير حصانة بيوت العبادة. قال جل وعلا : ( وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40) الحج ).

أخيرا

1 ـ الصورة الرائعة للاخوة الاسلامية أن يكون المواطنون أخوة مسالمون يأمن كل منهم الآخر مع إختلاف العقائد ، يذهب أحدهم الى المسجد والآخر الى الكنيسة أو الى المعبد ، ويحترم كل منهم حرية أخيه فى الدين ، ويعيشون فى الاسلام السلوكى بمعنى السلام ، وبمعنى الأمن والأمان .

2 ـ رب العالمين جل وعلا من أسماء الله الحسنى ( السلام المؤمن ) .

اجمالي القراءات 4223

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
التعليقات (1)
1   تعليق بواسطة   Ben Levante     في   الأحد 24 سبتمبر 2017
[87122]

المسلم والمسالم


السلام عليكم



الاسلام والسلام، الامن والايمان، الاعتداء والاشراك... لي رأي آخر في هذه المصطلحات، وأرجو أن لا تقولوا لي "أقرأ لنا..."، فأنا أقرأ لكم يوميا ومنذ سنين، وعلى علم برأيكم في هذه الأمور.



الاسلام كما افهمه يقتضي الاعتراف بوجود الله سواء كان هذا الاعتراف ظاهريا أو قلبيا. وهو يتدرج من اسلام إلى ايمان إلى اطمئنان القلب، كما جاء في القرآن:



قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَـٰكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ... ﴿الحجرات: ١٤﴾



وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَىٰ وَلَـٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ... ﴿البقرة: ٢٦٠﴾.



الاسلام يفترض عدم الاعتداء على الآخرين فالنص القرآني "الله لا يحب المعتدين" عام وشامل، وهذا يعني أن المسلم يجب أن يكون مسالما. لكن هذا لا يعني بالضرورة أن كل مسالم هو مسلم. فالملحد الذي لا يؤمن بوجود الله ليس مسلم وإن كان مسالما ويدعو إلى السلم وبالطبع هو ليس مؤمن. هو مسالم لكنه يكفر بالله. ملاحظة هنا: المقصد هنا الكفر المعلن الذي يجري على اساسه التعامل مع هذا الانسان، فربما، كما جاء في أحد مقالاتكم، أن كل انسان في فطرته يؤمن بالله، وهذا يظهر إن حلت به مصيبة لا يستطيع النجاة منها، فيتذكر عندها الخالق ويتضرع له.



أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2006-07-05
مقالات منشورة : 3879
اجمالي القراءات : 32,691,750
تعليقات له : 4,255
تعليقات عليه : 12,781
بلد الميلاد : Egypt
بلد الاقامة : United State

مشروع نشر مؤلفات احمد صبحي منصور

محاضرات صوتية

قاعة البحث القراني

باب دراسات تاريخية

باب القاموس القرآنى

باب علوم القرآن

باب تصحيح كتب

باب مقالات بالفارسي