"وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج"

الشيخ احمد درامى في الثلاثاء 21 فبراير 2017


"وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج"

(وَإِنْ أَرَدتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ، وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا، فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا. أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا؟!وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا!؟) [النساء: 20 ،21]

 

وليس المعنى كما يفعل البعض ظلما وجورا، بأن يطلق الزوج زوجته الرابعة ليتزوج غيرها مكانها، كي لا يجاوز أربع زوجات بفهمهم. لا. ليس ذلك هو المقصود. لأن ففاعل ذلك، برغم من سوء خلقه، يتحرج من طلب المال من الزوجة المظلومة البائسة. بالعكس إنه ليس من المستبعد أن يحاول ضمد جراحها بهبة مال، بدلا من أن يأخذ منها مالا.

فمعنى الآية أنه، من بقايا الجاهلية في بعض مجتمعات المسلمين، أنه إذا تزوج أحدهم بنتا وضاجعها ولم يجد بها "البكارة" طلقها في حينه وطلب أن يُرد إليه ماله ليتزوج غيرها بدلا منها. وذلك ما ندده ربنا في الآية السالف الذكر.

فالخبيث منهم يضاجع عروسته طيلة الليل ثم يطلقها في الصباح ببهتان وتهمة فقد البكارة، ويسترد ماله. وقد تصل فضيحة الأسرة ومأساتها إلى درجة أنها ترغب عن المجادلة في الأمر، وعن إجراء فحص طبي للتأكد. لذا قال ربنا (أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا؟!). فباستفهام استنكاري أضاف جل وعلا مستنكرا عليهم تلك الصنيعة:(وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ!…). وكيف تستردمالك وقد ضاجعتها طيلة الليل، أي بالتعبير القرآني العفيف (وقد أفضى بعضكم إلى بعض)؟ (وأخذن منكم ميثاقا غليظا)!

فالميثاق الغليظ المقصود هو تعاهد الزوج عند العقد بالإمساك بمعروف أو التسريح بإحسان. وهذا الميثاق المأخوذ من الزوج يتكون من بندين اثنين:

البند الأول: إمساك بمعروف؛

البند الثاني: أو تسريح بإحسان.

وهما الأمران اللذان لازم أن يتعاهد عليهما الزوج عند كل عقد الزواج.

 

ا- فالإمساك بالمعروف يستلزم ما يلي:

1-     أن على الزوج رزقها (نفقتها) وكسوتها بالمعروف؛

2-     وعلى الزوج السكن للزوجة حسب إمكانه: (اسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم.). وينتج من ذلك أنه، من العقد مباشرة، يحق للزوج أن يأخذ زوجته إلى حيث يشاء، إلى حيث يسكن، بدون معارضة منها أو من أهلها.لقول ربنا اسكنوهن من حيث سكنتم.

3-     وألا يضرها ليضيق عليها كي تضطر إلى الافتداء منه فيسترجع ماله. (إن الله عليم بما يصنعون)

 

ب- والتسريح بالإحسان يستلزم:

1-     عند الطلاق، ألا يفضحها الزوج ويفشي سرها بين الخلق. إن التسريح بالإحسان يوجب على الزوج أن يكتم سرها ويحفظ كرامتها بضبط النفس كالرجل، كيفما كانت العيب أو النقص الذي من أجله طلقها. فقد أوصى ربنا جل وعلا لهن بالخير؛ حيث قال: (فإمساك بمعروف، أو تسريح بإحسان!) والإحسان ينافي الافتضاح والإحراج أمام الناس.

2-     ألا يخرجها من بيتها مباشرة بعد الطلاق -ولها أن تخرج إن آثرت- وعلى كل حال فلها النفقة والسكنى في طيلة فترة العدة، أو حتى تضع حملها إن كانت حاملة. ثم عند التسريح، بعد تمام العدة، يحق لها متاع(تعويض) بالمعروف. قال ربنا جل وعلا: (وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين.) [البقرة: 141]. وقيمة المتاع يحددها القاضي حسب ثروة الزوج. والقاعدة المتبعة فيها هي: (عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ، وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ).

3-     إن طلقها فلا يحل له أس يسترد مما دفع إليها شيئا. وعلاوة على ذلك، فعليه أن يدفع إليها الباقي من المهر إن بقي منه شيء.وكل ذلك من التسريح بإحسان الذي أوصى به ربنا.

 

وعند استبدال زوج مكان زوج، فالزوج هو الخاسر لأنه هو الذي طلب الفراق. فالقاعدة القديمة عندنا في إفريقيا تقول أن (من طلب الفراق يدفع الثمن). إذا طلبت المرأة الفراق، فإنها تدفع الثمن بإرجاع ما دفع إليها الزوج. وإذا كان الزوج هو الذي طلب الفراق، فلا يتمكن له ذلك إلا بالطلاق فيخسر فيه ماله. إذ لا ينهي الزواج شرعا إلا بأحد ثلاثة:

-        الطلاق (يخسر فيه الزوج ما دفع)؛

-        الخلع (يخسر فيه الزوجة برد ما أخذت)؛

-        الموت (فالخسران فيه بينما).

 

ولا السبيل للزوج إلى التخلص من الزوجة شرعا إلا بالطلاق. فإن طلقها فلَا يَحِلُّ لَه أَن يأخُذَ مِمَّا آتَاها شَيْئًا.(إِلَّا أَن يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ. فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ.)

ما معنى (إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله)؟

معناه: فإن أتت الزوجة بفاحشة مبينة فللزوج الخيار بأن يحتفظ بها إن شاء، كالذي اكتفى بالقول لزوجته: (…واستغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين) [يوسف: 29]؛ أو، إن خاف ألا تتخلى الزوجة عن تلك الرزيلة، يحق له أن يطلقها ويسترد ماله. لأن المرأة هي المخطئة.

فإن كان الزوج هو الذي أتى بفاحشة مبينة، فللزوجة الخيار في أن تبقى معه، أو، إن خافت ألا يتخلى الزوج عن تلك الرزيلة، يحق لها أن تنخلع منه، وتفتدي بما دون الصداق الكامل؛ بمبلغ رمزي يحدده القاضي بالمعروف. لأن الزوج هو المخطئ.

لذ أشرك القرآن بينهما الخوف: بقوله: (إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله). فإما الزوج هو الخائف ألا تقيم الزوجة حدود الله، أو العكس.

وفي كلتا الحالتين فالمرأة هي التي تدفع عند الافتراق. لأنها هي التي تسلمت مالا عند العقد.

ففي الحلة الأولى هي التي تدفع لأنها هي الخاطئة. وفي الحالة الثانية فهي التي تدفع كذلك، لأنها طلقت نفسها من زوجها بعد أخذ ماله. لكنها لا تدفع إلا مبلغا رمزيا. قال ربنا: (فلا جناح عليهما فيما افتدت به) فلا جناح على الزوجة في الافتداء، ولا جناح على الزوج في أخذ ما افتدت به. أي فيما قل أو كثر. لأن الزوج هو الخاطئ.

 

وعليه فإن أراد الزوج طلاق زوج ليتزوج غيرها، أيا كان السبب، فله ذلك؛ لكنه يخسر ما قد دفع في الزواج بها. لأنه هو الذي طلب الفراق وليست الزوجة. وعليه، فلا شيء له. بل عليه الوفاء لها بالباقي من الصداق إن بقي منه شيء، لدخوله بها. قال جل وعلا: (فما استمتعتم به منهن { أيا كان قدر الاستمتاع} فآتوهن أجورهن!).و"ما " هنا لتعميم قدر الاستمتاع؛ فيما قل منه أو كثر. أي فكيما كان قدر الاستمتاع في الخلوة، تستحق به الخطيبة الصداق الكامل.

 

ولا يجوز شرعا اشتراط فحص البكارة قبل الزواج. ذلك لحفظ كرامة المرأة.

هل من الشباب اليوم من يتقدم إلى الزواج بعفاف غير مقدوح فيه؟ فقليل ما هم! إلا أن الله العليم الستّار سترهم. إذن فعليهم ان يستروا أخواتهم كما سترهم الله. (وأحسن كما أحسن الله إليك…).

 

يحق شرعا للرجل ان يطلق زوجته أنى يشاء، وبأي سبب. لكن لا يحل له آنذاك أن يأخذ مما آتاها شيئا. كما يحق شرعا للمرأة أن تنخلع من زوجها أنى تشاء بأي سبب. وترد الصداق عاجلا أو أجلا (فقط قبل زواجها من جديد). ليس في الإسلام ما يجبر المرء على البقاء في ارتباط زواجي رغم أنفه(ها). فكلا المتزوجين يتمتع بالقدرة على انهاء الزواج بإرادته(ها) الفردية رغم أنف الطرف الآخر. تلكم العدالة الإسلامية السمية في احترام حرية الفرد.

 

ففحص البكارة حرام أيها المسلم. لقوله جل وعلا:(وَلَا تَجَسَّسُوا!وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا!). فالزواج ليس الشراء. والمرأة ليست سلعة تعرض للبيع حتى تعرى من غلافها وتفحّص وتقلّب من كل جانب قبل شرائها! ففضح الزوج زوجته وهتك حرمها من أجل البكارة كبيرة عند الله! (وأخذن منكم ميثاقا غليظا!)على أن تمسكوهن بالمعروف أو تفارقوهن بالإحسان. دون فضحأو إخزاء.وأخذ صداقها بعد مضاجعتها لظلم عظيم.

إن استبدال زوج مكان زوج جائز في بعض الحالات. أما استرداد صداق إحداهن في العملية فذلك من أكبر الكبائر!

 

وأخيرا

فحسن الخلق هو جوهر الدين الإلهي. وتتميم مكارم الأخلاق هو مقصد جميع شرائع الإسلام. والتقوى نفسه من حسن الخلق. (ثم آتينا موسى الكتاب تماما على الذي أحسن…)أي مكارم الأخلاق. (ادفع بالتي هي أحسن…) أي بمكارم الأخلاق. ما أنصف الإسلام!

الحمد لله الذي هدانا للإسلام، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله. رب أفرغ علينا صبرا وتوفنا مسلمين.

والله س.ت. أعلم.

هدانا الله وإياكم لما يحب ويرضى.

 

 

اجمالي القراءات 8040

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2016-06-30
مقالات منشورة : 39
اجمالي القراءات : 262,400
تعليقات له : 105
تعليقات عليه : 41
بلد الميلاد : Senegal
بلد الاقامة : Senegal