الهوية!:
أنا عربي حتى لو غادرت العربَ عروبتُهم!

محمد عبد المجيد في السبت 07 يناير 2017


 
في عصور الانحدار يثرثر الناس عن حيرة الهوية، ويتخبطون في تاريخهم، وينزلقون من جغرافيتهم، ويُخرجون ألسنتهم فلا تدري أهي نكاية أم بحث عن حلق آخر!
الفضائيات ومواقع التواصل الاجتماعي والخبراء المدسوسون على العلم، والمزيفون، جهلا أو معرفة، بأسلافهم، يتصارعون في البحث عن الهوية.
أما أنا فلست في حيرة، فأنا عربي اللسان والهوى، القلب والفؤاد، البحر والنهر، التقدم والتأخر، الصعود والسقوط، النصر والهزيمة!
أنا مسلم، لكن العربي المسيحي أقرب إليَّ من المسلم البنغالي.
أنا مصري وفلسطيني وكويتي وسعودي وتونسي وأردني ولبناني وسوري وعراقي وجزائري و ....
إلى آخر قائمة وطني العربي الغالي والمتخلف.
لا أقرأ الهيروغليفية، ولا أعرف شيئا عن الكنعانية، ولا أنتمي للسومارية، ولا أدندن بالعبرية، وقبطيتي جزء عزيز من مصريتي رغم أنني لست مسيحيا، ولا أرى شبرًا يفرق بيني وبين شركاء الوطن الأقباط.
لغتي هي الضاد، وعشقي عربي رافعي شوقي، ولا أقف أمام معبد حتشبسوت إلا دقائق، فإذا وقفت أمام قصيدة لعلي محمود طه أو محمود حسن إساعيل يخشع قلبي كأنني في صلاة.
لست في حيرة كغيري ممن يحاولون بين ألفينة والأخرى الانتساب لفترة زمنية لعلهم يلــّـمعون هويتهم، فأنا أذوب عشقا في عالمي ووطني العربي المنهزم من حنيشه إلى أغاديره، ومن إسكندرونته إلى أسمره!
لا أبحث في هوامش التاريخ عن نفسي، فأنا هنا مع أم كلثوم وعبد الباسط عبد الصمد والبابا كيرلس وزكي نجيب محمود وعاطف الطيب وتاريخي يمر عبر عصور وعهود الازدهار والانحطاط.
أنا عربي لا أشعر بأي ذرة استعلاء نحو شركاء عالمي من الاخوة الأكراد والأمازيج والطوارق وغيرهم، لكنني غير قادر على تغيير مشاعري وأحاسيسي ولساني وإيماني وقناعاتي.
هويتي حسمتها طوال عُمري حتى بعد سقوط الوحدة المصرية/السورية، ظللت سنوات أقول بأنني من الجمهورية العربية المتحدة.
آبائي وأجدادي وأسلافي كانوا يرطنون بهذه اللغة الجميلة، وأورثوني عشقها، وكل ما ليس من عروبتي لا أطرده، ولا أتبرأ منه، لكنني أضيفه للأصل، والأصل أنني عربي.
يقولون لي :أنت مصري، قبطي، فرعوني، مملوكي، فاطمي، أخشيدي، طولوني، أيوبي ... إلى آخر القائمة اللانهائية في تاريخ خمسة آلاف سنة، لكن الحقيقة التي ينتعش، ويتطهر، ويسعد، ويبتهج، ويغتبط بها وجداني أنني عربي في كل خلية من خلايا جسدي وعقلي حتى لو تراجع العرب إلى ذيل قائمة الأسفلين!
خذوا تقدمكم، وحضارتكم، وتاريخكم، وهوياتكم، واتركوا لي عروبة متحجرة وغائبة عن الوعي .. حتى حين!
محمد عبد المجيد
طائر الشمال
أوسلو في 5 يناير 2017
اجمالي القراءات 4376

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
التعليقات (3)
1   تعليق بواسطة   محمد عبد المجيد     في   الأحد 08 يناير 2017
[84374]

أيمن عطا ومن الأقرب !


العزيز أيمن عطا، رعاك الله



كلمة أقرب إليَّ ليست دينية ولكن عاطفية أي تدخل فيها الدولة والمدينة واللغة والثقافة والتاريخ والماضي وحتى المدرسة التي ضمتكما في مرحلة دراسية تضيف إلى المشتركات.



أمــّـا أن المصري الذي سقط من بطن أمه مصادفة في بلد ما، فأنت تسأل: لماذا تحبه؟



الحقيقة أن المسلم أيضا ولدته أمه مصادفة مسلما أو أبيض البشرة أو أكبر الرأس أو أحول العينين أو أحدب الظهر.



لو أنني في قطار يقطع الطريق من كوبنهاجن إلى ميلانو وجلس أمامي مصري مهذب ومثقف وهو مسيحي وبجواره مسلم من جمهورية أوزبكستان لا يتحدث غير الأوزبكية والبلوشستية، فالأول أقرب لي من الثاني، فإذا كان من الاسكندرية فالمسافة تقترب، وإذا تحدثت معه فاكتشفت أنه كان في نفس المدرسة فالألفة تزداد، فإذا عرفت منه أنه يعشق كتابات الرافعي وأغاني فريد الأطرش وأشعار علي محمود طه فسنتحدث طوال الوقت.



أما المسلم الآخر الذي لا يعرف غير لغة الإشارة فلن نتحدث معا، فإذا شككت أنه لص فقد ابتعدت المسافة، فإذا كانت رائحة شرابه داخل الحذاء كريهة فسأنتقل إلى مكان آخر.



إنها العلاقات الطبيعية بين الناس، وأنا أقيم في أوروبا منذ 44 عاما والإنسان عندي بمصداقيته وبشاشة وجهه وتحضره معي وتمدنه وإنسانياته مع الآخرين وتسامحه حتى لو كان هندوسيا لا يحمل ضغينة لي كمسلم، فهو أقرب لي من بائع اللحوم الحلال والمسلم الذي يبيع لي منتجات غير صالحة للاستهلاك الآدمي.



أنا لا أشهر إسلامي أمام كل من يقابلني، وابتسامتي لا تزيد أو تنقص وفقا  لدين محدثي، ومشاعري الصادقة تدفئها معاملة الآخر لي مهما كانت توجهاته المذهبية والعقيدية، وهذا لا يقلل أو ينتقص من إسلامي. أنا جئت إلى الدنيا مصادفة كمسلم، وأعدت اختيار إسلامي في أوائل العشرينيات من عُمري بعد دراسة مقارنة الأديان، لكن صدقني فالناس عندي لا يخرجون عن قلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن.



تقبل خالص مودتي، والله يرعاك



محمد عبد المجيد



طائر الشمال



أوسلو في 8 يناير 2017


2   تعليق بواسطة   لطفية سعيد     في   الأحد 08 يناير 2017
[84377]

لغة العقل والواقع


لا أستغرب من حبك أستاذ عبدالمجيد  للغة العربية أبدا ، فمقالاتك تعد خبرات إنسانية  في حبك العملي لها ..ليس في وسع من يقرأها إلا مشاركتك والانفعال معك بل والتصفيق من تمكنك البديع في استخدامها !! قرأت هذه الموضوع أكثر من مرة وكأني أقرأ قصيدة  (أنا البحر في أحشائه الدر كامن) لحافظ إبراهيم ، ليس هذا مدحا، بل حقا أقول ، بوسع المعلم المحب لما يعلم أن يعدي تلامذته بهذا الحب ،وهكذا فعلت وتفعل فما تحويه درر مقالاتك !! من حقنا كمتذوقين للغة ان نفخر بها .. 



3   تعليق بواسطة   محمد عبد المجيد     في   الأحد 08 يناير 2017
[84387]

عائشة حسين ومشاركتها لي حبَ اللغة


كلماتك بلسم، العزيزة عائشة حسين، لي وللساني، وأنا فعلا في حالة غرام باللغة، وصبابة بحروفها، وهيام في ثرائها، ووله بتعبيراتها، ومحبة لكل من يحترمها ويُقدّرها.



الغريب أن أي لغة تضاف إليها تزيدني اقترابــًــا منها، فقد عشت فترة قصيرة في لندن فازددت حبا للعربية، وقضيت أربع سنوات في جنيف السويسرية وعملت في مكتبة وفي بيت الشباب فزادتني فرنسيتي تمسكا بالعربية، وهذا العام أكون قد أكملت أربعين عاما في النرويج فساهمت لغتي النرويجية في ثراء عربيتي.



شكرا جزيلا على كلماتك الطيبة، ورعاك الله


أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2007-07-05
مقالات منشورة : 543
اجمالي القراءات : 4,197,612
تعليقات له : 537
تعليقات عليه : 1,329
بلد الميلاد : Egypt
بلد الاقامة : Norway