لمحة عن إختلاف هجص الخضر فى دينى السنة والتصوف فى العصر المملوكى ( ب3 ف1 )

آحمد صبحي منصور في الخميس 14 يناير 2016


كتاب ( الخضر بين القرآن الكريم وخرافات المحمديين )

الباب الثالث  : صناعة اسطورة الخضر فى العصرين المملوكى والعثمانى 

الفصل الثانى : لمحة عن إختلاف هجص الخضر فى دينى السنة والتصوف فى العصر المملوكى

أولا :

1 ـ  الدين الأرضى مملوك لأصحابه ، هم الذين يضعون عقائده الايمانية وتشريعاته التعبدية والسلوكية . ولأن مرجعيته لديهم هو الهوى الشخصى للأئمة فهم مختلفون ليس فقط بين الأديان الأرضية المختلفة ، ولكن فى داخل الدين الأرضى الواحد . وهذا ما نلاحظه فى الاختلاف بين دينى السنة والتصوف فى موضوع الخضر .  يتفقون على هجص الخضر فى تأويلهم لشخصية العبد الصالح فى قصة موسى عليهما السلام ، ولكن يوجد الاختلاف الرئيس هو فى حياة الخضر هل انتهت حياته فى عصر موسى كما يرى السنيون أم هو لا يزال حيا لا يموت كما يقول الصوفية .

المزيد مثل هذا المقال :

2 ــ وفى داخل دين السنة المملوكى برزت خلافات حقيقية ، فابن تيمية الحنبلى أكثر حدة فى رفض حياة الخضر الأبدية وفى تقديسة ، ويسارع ـ كعادته ـ الى التكفير السلفى السنى بمعنى الاستتابة والقتل . ويأتى تلميذه ابن القيم برفض أقل حدة . بينما التلميذ المؤرخ ابن كثير يكون أكثر تساهلا فى موضوع حياة الخضر ، بحيث يقترب منه فيما بعد الفقيه السنى الشافعى المؤرخ ابن حجر .

3  ـ فى داخل الدين الصوفى نجد مستويات أخرى من الاختلافات . فالتصوف نوعان : تصوف نظرى فلسفى ، يرفع لواء العقائد الصوفية من الحلول والاتحاد ووحدة الوجود ( أى إلغاء الالوهية ، والخلط بين الخالق والمخلوقات ) ، وكان الأكثر شيوعا فى بداية التصوف ، ثم بدأ ينكمش بشيوع التصوف ودخول الأكثرية الجاهلة فيه من العوام ، فلم يكن من أعلامه فى  بداية العصر المملوكى إلا ابن عربى وابن الفارض والعفيف التلمسانى وعبد الحق بن سبعين فى القرن السابع الهجرى ثم عبد الكريم الجيلى والقاشانى فى القرن الثامن ، ثم قلة قليلة فى كتابات الشعرانى و على وفا الشاذلى . بدخول العوام فى التصوف انتشرت الطرق الصوفية خصوصا بعد تسيد ( التصوف السنى ) أو ركوب دين التصوف لدين السنة . وظهرت تفرعات هائلة للطرق الصوفية ، وصارت طريقا للشهرة والتكسب والاحتراف الدينى حيث يتمتع الصوفى بكونه مقدسا وتأتيه النذور والقرابين فكانت المزايدة على  هجص الكرامات ومنها لقاء الخضر . كل هذا إنعكس على إختلافهم فى هجص الخضر . فعلى مستوى التصوف النظرى الفلسفى نجد إختلافا بين إثنين من فلاسفة التصوف النظرى دُعاة العقائد الصوفية من الاتحاد ووحدة الوجود ووحدة الوجود ، وهما القاشانى وعبد الكريم الجيلى .

4 ــ القاشانى فى كتابه ( إصطلاحات الصوفية ) والذى يقرر فيه ملامح ومصطلحات الدين الصوفى بعد ظهوره بخمسة قرون يرى ان ( الخضر ) كناية عن البسط ، وأن  النبى الياس كناية عن القبض . ويقول : ( لو ان الخضر  عليه السلام انسانا باقيا من زمن موسى عليه السلام الى هذا العهد او روحانيا يتمثل بصورته لمن يرشده فهذا غير محقق عندى . بل قد يتمثل معناه له بالصفة الغالبة عليه ، ثم يضمحل ، وهو روح ذلك الشخص، أو روح القدس ) ( اصطلاحات الصوفية ص 160 تحقيق د محمد كمال جعفر ). هنا يرفض القاشانى حياة الخضر الدائمة ، ثم يناقض نفسه فيربط ظهوره روحانيا لروح الشخص الذى يراه . أى يجعل حياته دائمة بدوام ( الروح القدس ).

5 ــ أما عبد الكريم الجيلى ( 767 ـ 805 ) فى كتابه ( الانسان الكامل فى معرفة الأواخر والأوائل ) والذى خصصه لشرح عقائد التصوف ، فقد تعرض لهجص الخضر فى قصة خيالية طويلة، يؤول فيها شخصية طبقا لعقيدة وحدة الوجود الصوفية ، فيجعل الخضر صورة الاهية تتجلى فى المخلوقات والمعانى . يقول فى بعض سطورها : ( فلما دخلت هذه الأرض العجيبة وتطيبت من أطياب عطرها الغريبة ورأيت ما فيها من العجائب والغرائب والتحف والطُّرُف ما لا يخطر بالبال ...  ) ثم يدخل مدينة وهمية أطنب فى وصفها الى أن ينتهى الى لقائه بالخضر ، وقول الخضر له عن نفسه : ( أنا الحقيقة العالية والرقيقة المتدانية ، أنا سر إنسان الوجود ، أنا عين الباطن المعبود ، أنا لُجّة الرقائق ، أنا الشيخ اللاهوتى ، أنا حافظ عالم الناسوتى ، أتصور فى كل معنى ، وأظهر فى كل مغنى ، أتخلق بكل صورة ، وأبرز آية فى كل سورة ، وأمرى هو الباطن العجيب ، وحالى هو الحال الغريب ، سكنى جل قاف ، ومحلى الأعراف ، أنا الواقف فى مجمع البحرين ، والغارق فى نهر الأين ، والشارب من عين العين ، أنا دليل الحوت فى بحر اللاهوت ، وأنا سر الغذاء والحامل للفتى ، أنا معلم موسى ، موسى الظاهر ، أنا نقطة الأول والآخر ، أنا القطب الفرد الجامع ، أنا النور اللامع ، أنا البدر الساطع ، أنا القول القاطع ، أنا حيرة الآلباب ، أنا بغية الطلاب ، لا يصل الىّ ولا يدخل علىّ إلا الانسان الكامل والروح الواصل ، وأما من عداه فمكانى فوق مأواه ، لا يعرف لى خبرا ، ولا يرى لى أثرا ، بل يتصور له الاعتقاد فى بعض صور العباد ، فيتسمى باسمى ، ويكتب على خده وسمى ، فينظر اليه الجاهل الغّرّ فيظن أنه المسمى بالخضر ، وأين هو منى ، بل أين كاسه من دنّى . اللهم إلا أن يقال إنه نقطة من بحرى أو ساعة من دهرى ، إذ حقيقته رقيقة من رقائقى ، ومنهجه طريقة من طرائقى ، فبهذا الاعتبار أنا النجم الغرار ، فقلت له : ما علامة الوصول اليك والنازل فى سوحك عليك؟  فقال : علامته فى علم القدرة منزوية ومعرفته فى علم التحقيق بالحقائق منطوية .  ) ( الانسان الكامل ج 2 : 44 : 45 ). المستفاد من هذا الهجص العجيب تأليه الخضر ، وتجليه للبعض .

6 ــ يحتلف هذا عما شاع فى أواسط العصر المملوكى من إعتبار بعضهم الخضر رتبة عليا في مملكتهم الوهمية التى تتحكم فى العالم بزعمهم : " فإذا مات القطب الغوث وَلّي الخضر من يكون (قطباً ) بمكة (غوثاً) ، وجعل (بدل ) مكة ( قطباً ) ، وهكذا أبدا ، فإن مات الخضر صلى الغوث في حجر إسماعيل .. فتسقط عليه ورقة باسمه فيصير خضراً ويصير قطب مكة غوثاً)(ابن حجر : الدرر الكامنة 2 / 483 :  484 . ) . ويختلف عنهم (علي وفا ) الذى  يؤكد أن لكل ولي (خضراً) يمثل روح ولاية ذلك الولي ، طبقا لما ذكره الشعرانى فى ترجمته فى الطبقات الكبرى ( 2 /28 ).    وهذا ال ( على وفا ) المصرى متأثرا بعقيدة ( الكا ) الفرعونية أو القرين الالهى لكل شخص . وتفصيل هذا يخرج عن موضوعنا .

 7 ـ مع هذا ، يتفق جميع الصوفية على حياة الخضر الأزلية وتقديسه وظهوره للأولياء ، وتتشابه قصصهم الخيالية التى يزعمون فيها لقاء الخضر ، وفى ذلك يتناقلون نفس الكذب عن ظهور الخضر مُنقذا مع إختلاف الأشخاص والأماكن والظروف . ومنها ما ذكره ابن عياد الشاذلى مؤلف ( المفاخر العلية ) الذى خصصه فى تقديس أعيان الطؤيقة الشاذلية . يفترى هذا الهجص  عن سيده ( الشاذلي ) ص 11 :   أنه لما دخل مدينة تونس وجد بها مجاعة ، فتمنى وجود مال ليشترى به خبزا للجياع ،  فناداه هاتف فى داخله فحرّك جيبه فإذا فيه دراهم ، فأعطاها للخباز ، فردها الخباز ، وأتهمه بالكيمياء ،( أى بتزوير صناعة الذهب )  فرهن لديه ملابسه وتوجه للباب ، فوجد رجلا سأله عن الدراهم وأخذها وهزها وأعطاها له وأمره بإعطائها للخباز ، فقبلها منه واسترد ملابسه ، وطلب الرجل فلم يجده،  وبعد ذلك وجده فى صلاة الجمعة فسلم عليه  ، وأخبره بما تمناه فى نفسه من إنقاذ الناس فسأله الشاذلي عمن يكون،  فقال " أنا أحمد الخضر كنت بالصين وقيل لي أدرك الولى عليا بتونس فأتيت مبادرا إليك . فلما صلى الجمعة نظر إليه فلم يجده .

.9 ـ ومع كثرة الأولياء الصوفية وتنافسهم على المريدين ومزايدة بعضهم على بعضهم فى مزاعم الكرامات ، تنافسوا أيضا فى سبك المزيد من هجص الخضر ، ومنهم شمس الدين الحنفى،  ويذكر عنه الشعرانى (  2 /89 . ) أن الخضر كان  يحضر مجلس شمس الدين الحنفي مرارا فيجلس على يمينه فإن قام الشيخ قام معه وان دخل الخلوة شيعه إلى باب الخلوة )، أى جعل الخضر مريدا للشيخ شمس الدين الحنفى . واشتهر الشيخ النبتيتى ت 917 ، بأنه يجتمع بالخضر . يقول الشعرانى فى الطبقات الكبرى(  2 108 / 109 ):(  كان الشيخ على النبتيتى إذا جاء إلى مصر تندلق عليه الناس يتبركون به ، واشتهر بأنه يجتمع بالخضر ) أى كانت الناس ( تندلق عليه ) لأنه كان مشهورا بإجتماعه بالخضر .وقال ( كان الشيخ على النبتيتى يجتمع بالخضر ، فأسدى عن طريقه نصيحة للشيخ زكريا الأنصاري فقال له ( إذا أرسل تلميذه أو قاصده إلى أحد  من الأمراء أن يقول له عن نفسه :"  زكريا خادم الفقراء يقول لك كذا وكذا .. ) واستدل الشعرانى على صحة ولاية الشيخ النبتيتى بأنه يلقى الخضر ، فقال : ( وذلك أول دليل على ولايته فان الخضر لا يجتمع إلا بمن حقت له قدم الولاية المحمدية . وسمعته يقول : لا يجتمع الخضر عليه السلام لشخص إلا أن جمعت فيه ثلاث خصال فإن لم تجتمع فيه فلا يجتمع به قط ولو كان على عبادة الملائكة : الخصلة الأولى أن يكون العبد على سننه فى سائر أحواله والثانية ألا يكون له حرص على الدنيا والثالثة  أن يكون سليم الصدر لأهل الإسلام  لا غل ولا غش ولا حسد .) وكرر ذلك الشعرانى فى : لواقح الأنوار 211  )

أخيرا :

1 ــ هذا مع أنه لم تكن للخضر كل هذه الأهمية فى الرسالة القشيرية التى تُعتبر الكتاب المقدس للصوفية ، لم يعرض القشيرى فى رسالته للخضر إلا مرة واحدة ، يقول فيها ص 87 : ( حُكى أن بعضهم قيل له : ما أعجب ما لقيت فى سياحتك ؟ فقال: لقينى الخضر فطلب منى الصحبة فخشيت ان يفسد علىّ توكلى . ). 2 ــ حسب علمنا فإن القشيرى الذى عاش بين ( 376 : 465 ) هو أول من حكى هذا الهجص عن الخضر فى رسالته القشيرية المُتخمة بالهجص ، ولم يهتم أن يفترى لحكايته إسنادا ، أو يُسمّى ابطال القصة ، مكتفيا بقوله: ( حُكى أن بعضهم قيل له )، ومع هذا فقد أعيد إنتاج هذه ( الرواية ) بصيغ مختلفة ، ثم أضيفت لها تلال من الهجايص المختلفة ما بين السنيين والصوفيين ، وكلهم إعتبر هذا الهجص جزءا من الدين ..

3 ــ عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين .!!

اجمالي القراءات 4337

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
التعليقات (4)
1   تعليق بواسطة   عبد الرحمن اسماعيل     في   الخميس 14 يناير 2016
[79981]

تراث من الهجص


حتى هناك فروقات في الهجص هناك هجص سني . وهجص صوفي .. لكل هجص شحصيته المستقلة وكل هجص يعبر عن هجاص كبير .. وواضح انه كان هناك اجتهاد وتجديد وحركة علمية وقاعدة علمية في الهجص .. لقد استغرقوا في الهجص وتركوا لنا تراث من الهجص نتهاجص فيه فيما بيننا  .. وبالنسبة للهجاصين فلهم مراتب فهناك الهجاص وهناك المهجاص وهناك المهجوص عليه وهناك المهجوص له (الخصر).



2   تعليق بواسطة   محمد شعلان     في   الجمعة 15 يناير 2016
[79982]

لو لم يكن دينا ، وكان إبداعا أدبيا...


لو لم يكن هذا الخيال الخصب دينا ومنسوبا الإسلام، عند أهل السنة والمتصوفة ، وكان خيالا ٱدبيا يعامل معامالة المنتج العقلي البشري ، يؤخذ منه كصور بلاغية فيها جمال اللفظ ،وروعةالجملة والصورة الشعرية ، لكان ٱدبا ننافس به الأمم جميعها ، ولتربعنا على عرش الرواية والقصة ،



لكن من أسف أنهم جعلوه دينا ونسبوه لدين الله تعالى ألا وهو الإسلام العظيم ولبئس ما كتبوا ولبئس ما كسبوا، 



شكرا من القلب ومن العقل لصاحب هذا البحث القيم، د/ ٱحمد صبحي. ودمتم بكل عافية وسلامة.ذ



3   تعليق بواسطة   عبد الرحمن اسماعيل     في   الجمعة 15 يناير 2016
[79986]

الخلط المتعمد ..ّّ


لو لم يكن هذا الهجص ديناً لكان اضافة ادبية تعكس تطور العقل الادبي والمعرفي والثقافي والاجتماعي ..ولكن التعامل معه كدين افقده قيمته الادبية .. فالتعامل مع النص الادبي من نقد يحتلف مع النص الديني .. فالنص الديني لا يتم انتقاده وانما اتباعه والايمان بأنه منزه  .. بعكس النص الادبي فيتم انتقاده وتشريحه فلا قدسية له ولا لقائله .. 



ومن هنا أتذكر عندما تم التعامل الغبي مع ادب نجيب محفوظ على انه نص ديني أو اجتهاد ديني أو رؤية دينية ..فقد كان هذا يجمع بين الغباءين الديني والادبي .. فكتاب التاريخ ليس كتاب دين .. وكتاب الادب ليس كتاب دين .. ولكنه الخلط في التعامل الذي ورثناه ممن هم اميون ...



ولكن للانصاف فهناك من كان معاصرا للبخاري وهو الامام الجاحظ وقدم للبشرية ما ينفعها بعكس البخاري الذي قدم لها سبب من اسباب فسادها وفنائها .. 



فقدم الجاحظ على سبيل المثال البيان والتبيين في اربعة اجزاء  . كتاب الحيوان في ثمانية اجزاء ,البخلاء , المحاسن والاضاد ,البرصان والعرجان , التاج في اخلاق الملوك , التبصرة في التجارة , الامل والمأمول الخ...



هذا التراث الجاحظي لم يأخذ حظه من الاهتمام والدراسة واتجه الاهتمام الى البخاري وامثاله ..



4   تعليق بواسطة   مصطفى اسماعيل حماد     في   الأحد 08 يوليو 2018
[88915]

لاتزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى


(لايصل إلى ولايدخل على إلا الإنسان الكامل والروح الواصل) عبد الكريم الجيلى يريد أفهامنا أنه هو نفسه الأنسان الكامل والروح الواصل تماما مثلما رفض أبو يزيد معرفة الله حين أتيحت له غيرة عليه أن يعرفه سواه وكأن أبو يزيد أقرب إلى الله من أولى العزم وحملة العرش والعالين وأنه الوحيد فى العالمين الذى أتيحت له هذه الفرصة ومع ذلك رفضها حقا المجانين فى نعيم



أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2006-07-05
مقالات منشورة : 3566
اجمالي القراءات : 28,560,715
تعليقات له : 4,024
تعليقات عليه : 12,207
بلد الميلاد : Egypt
بلد الاقامة : United State

مشروع نشر مؤلفات احمد صبحي منصور

محاضرات صوتية

قاعة البحث القراني

باب دراسات تاريخية

باب القاموس القرآنى

باب علوم القرآن

باب تصحيح كتب

باب مقالات بالفارسي