مصر والأركان الثلاثة الغائبة

كمال غبريال في الأحد 01 فبراير 2015



ما يبدو الآن جلياً فيما نظن، هو أن الشعب المصري يمر بفترة عصيبة، تُفرض عليه فيها معركة مصيرية، يخوضها وهو مجرد تماماً من كل مقومات الانتصار، بل قد يكون العكس هو الصحيح، إذ تتوفر كل مقومات الاندحار أو الانتحار، فأي مسيرة يلزمها ثلاثة أركان:
- توجه استراتيجي يحدد الأهداف العامة والقواعد والمبادئ الأساسية، التي توجه المسيرة نحو الأهداف.
- خطط تكتيكية، تحدد مراحل وإجراءات تحقيق التوجه الاستراتيجي على أرض الواقع.
- إمكانيات إدارية ومادية وبشرية على درجة من الكفاية والكفاءة، كفيلة بالتننفيذ الفعلي للخطط الموضوعة.
الواقع المرصود في مصر الآن، يشير لغياب شبه كامل، لما يكفل نجاح مسيرة الشعب المصري، وفقاً لهذه الأركان الثلاثة. فمن الناحية الاستراتيجية، يغيب التوجه المستقيم لبناء دولة حديثة، متسقة مع العالم ومع معايير العصر، تكتسح من أمامها صخور الأيديولوجيات الدينية، ومن الطبيعي أن يحدث هذا الغياب، في ظل الدور المتعاظم الذي تلعبه الجماعات السلفية والمؤسسات الدينية في الحياة المصرية بكافة جوانبها، والمستند إلى الدستور الذي وضعته كل من "ثورتي 25 يناير و30 يونيو". بل ويتم سياسياً استدعاء دور هؤلاء، فيما يسمى "نشر التوعية والوسطية والاعتدال"، لتدور الحياة المصرية هكذا حول محور الفكر الديني، يزايد ويتاجر به الجميع، إرهابيين ونخبة ودولة وجماهير.
كما في ظل نوعية النخب المسيطرة على الإعلام والصحافة وسائر الفعاليات الثقافية، نعجز عن تجاوز أحجار الأفكار البالية المعادية للآخر ولمقومات الحضارة العالمية الراهنة. إذ يفترش الساحة فلول الاشتراكية الناصرية، ودعاة الفاشية العروبية، المصرة على العداء الدون كيشوتي للدنيا بأسرها، تعلقاً بيوتوبيا اشتراكية، توزع الفقر بالتساوي بين الجميع، عملاً بالمثل الدارج المعروف: "اشتغلنا ما اشتغلنا، سيدي الميرغني موكلنا"، وهياماً في غياهب الحلم البعثي: "أمة عربية واحدة، ذات رسالة خالدة"، الذي وصل بمختلف الدول التي رفعت شعاره، إلى التحلل والانهيار الذاتي الداخلي، تحت تأثير اختلالات هيكلية، في النظم السياسية والاجتماعية والإثنية لهذه الدول، وتلك التي حكمتها نظم سميت ثورية أو إسلامية، علاوة على المتوقع في المستقبل المنظور، من انهيار دول تقليدية عريقة، تحت ضغوط ذات الاختلالات.
كان من الطبيعي مع غياب الاستراتجية، أن يغيب الركن الثاني وهو التكتيك، الموضوع لا نقول لتحقيق الأهداف الاستراتيجية، ولكن لمواجهة هجمة الإرهاب والرؤى الظلامية، المتحالفة مع عناصر راديكالية عدمية وفوضوية. هكذا نجد الدولة المصرية تتعامل مع الأحداث "بالقطعة"، أو وفقاً "للتساهيل" و"الظروف اليومية"، فنجدها بعد كل مذبحة دموية يرتكبها الإرهاب المنظم في سيناء أو داخل المدن المصرية، تردد ذات العبارات التي صارت الآن محفوظة من قبل الجميع عن ظهر قلب، عن "الثأر للضحايا" و"ملاحقة الإرهابيين" و"وحدة الصف المصري" في مواجهة الإرهاب، لترافق هذه التصريحات والهتافات الجنازات المهيبة، التي تشيع جثامين الضحايا. ويعقب هذا عادة بعض النشاط العشوائي في ملاحقة الإرهاب، ريثما تهدأ النفوس وتنسى الرؤوس، إلى أن تعود نفس الدورة من جديد!!
الركن الثالث من أركان أي مسيرة جادة وناجحة، وهو توفر الإمكانيات الإدارية والمادية والبشرية، بالكم والكيف اللازم، ربما هو الأكثر استعصاء على تدارك غيابه. فبعد ستة عقود لثلاث مراحل حكم، جمع بينها قيامها على أساس المغامرة والعشوائية والجهالة والفساد، من التمادي في السذاجة أو حتى البلاهة، الظن بأن هناك مؤسسة مصرية أياً كانت، نجت من عوامل انعدام الكفاءة والتسيب والهزال المادي والإداري، ومن تدني قدرات ومهارات وسلوكيات منتسبيها. هذا بالطبع بخلاف ما لحق بسائر مؤسسات الدولة المصرية من تصدعات وانهيارات، جراء السنوات الأربع الأخيرة، مما سمي "الربيع العربي". ويضاف لهذا الصفات الطبيعية أو المستقرة في وجدان الإنسان المصري، من تواكل وإهمال وفهلوة وعشوائية السلوك، كذلك التركيبة العقلية الخرافية، والقابلية الشديدة للارتشاء والفساد المالي والإداري.
إذا بحثنا عن نقطة ضوء تبعث على التفاؤل، في خضم تلك الحالة المصرية المتدهورة، فهي أن الضغوط والتهديدات التي تتعرض لها البلاد حتى الآن، لم تصل إلى الدرجة الكفيلة بانهيار دولة عريقة كالدولة المصرية. فمصر بالفعل ليست العراق ولا سوريا ولا ليبيا ولا اليمن ولا السودان والصومال. هذا يبعث على اطمئنان نسبي، من أننا لن نشهد قريباً التحاق مصر بمسلسل الانهيارات العربي. لكن هذا لا يعني بالطبع، أن مصر بالحالة التي هي عليها الآن، وبالقيادات والتوجهات التي تتحكم وترسم لها مصيرها، قادرة بالفعل على الوقوف بالبلاد على قدميها، والخروج بها من مأزقها التاريخي الراهن. فأقصى المتوقع فيما نظن، هو البقاء نضرب في أوحال مستنقعنا، نرفع قدماً من الوحل، لتغوص القدم الأخرى، ونحن هكذا قد نظن، أو قد نصدق ما يصوره إعلام "الطبل والزمر لنا"، أننا نسير خطوات للأمام. ما يحدث في مصر الآن لا يصح اعتباره مسيرة نحو أي اتجاه أو أي مكان، وإنما على أحسن الفروض يعد "محلك سر"، وفي أسوأها هبوط تدريجي إلى اللاقرار.
kghobrial@yahoo.com

 
  المصدر ايلاف  
اجمالي القراءات 4604

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
التعليقات (6)
1   تعليق بواسطة   لطفية سعيد     في   الإثنين 02 فبراير 2015
[77435]

يا ليته يصل إلى هذه الدرجة


السلام عليكم ، ما يحدث في مصر حاليا يسير بها في طريق العراق  ، ولوقلنا إن تسير إلى مرحلة محلك سر: أي الثبات دون تطوير .. فهذه مجاملة للوافع المعاش ، نتمنى صادقين أن تنتهي هذه الأزمة ، ولكن ليس بالتمني وحده تنصلح الأمور، بل لابد من بداية الوقوف على  الأرض  وبداية حل المشكلات بتروي  وحكمة ... ودعنا من التجميل والتصفيق لفريقي الكرة ، ولأن من يصفق الآن سينتظر مع زميله المنكسر هزيمة  ،ساحقة ، لأنهمما وببساطة كلاهما مشاهدين فقط ، ومجني عليهما  ،وليسا لهما إلا التصفيق دورا ...



2   تعليق بواسطة   محمد وجيه     في   الثلاثاء 03 فبراير 2015
[77448]

الأستاذة الفاضلة عائشة حسين,,,


 



بعد التحية، إسمحى لى ان أختلف مع حضرتك فيما ذكرتيه عن اتجاه الموقف المصرى إلى طريق العراق ، فهناك عوامل عديدة فاصلة تحول دون حدوث سيناريو العراق فى مصر..



منها على سبيل المثال لا الحصر ، أن أغلب الشعب المصرى لا يستوعب الدموية التى تبرز فى العراق و تاريخه الطويل فى القتل واحتفالاته الشعبية التى يغلب عليها اللطم و تقطيع الأجساد ، فهذا الاسلوب يقف منه المصريون موقفا مخالفا تماما. أيضا غياب التدخل الأمريكى عن المشهد المصرى و اقتصاره على الغرف المغلقة فى دوائر صنع القرار يبعد عن مصر شبح الدموية التى تسببوا بها فى العراق ، فلا ينكر عاقل أن الدور الأمريكى فى العراق زاد الطين بلة. و هناك عوامل أخرى تحول دون اتجاهنا للمشهد العراقى ، منها المد الشيعى و تدخل إيران ، و كذا سوريا ... إلخ ، لكنى لن أستطرد في سرد هذه العوامل، فالعراق أراه بلدا يحتاج من يؤازره و يمد له يد العون بإخلاص ، فهذا البلد سئ الحظ خرج من عباءة صدام ، ليدخل فى جراب الأمريكان ، ثم استقر به الحال فى أتون الطائفية التى ألقت به فى نفق داعش .. ولا حول ولا قوة إلا بالله..



 



و الأستاذ كمال غبريال من فئة الكتاب الذين –عادة- ما اضطر لقراءة مقالاتهم أكثر من مرة حتى أصل إلى قناعة محددة, و هنا أعود إلى الثلاث أركان التى ذكرها فى مقاله لأرد عليها:



يتبع...



 



 


3   تعليق بواسطة   محمد وجيه     في   الثلاثاء 03 فبراير 2015
[77449]

يتبع...


 



كان اول هذه الأركان وجود توجه استراتيجى يحدد الأهداف العامة:



 



و اقول: أن استراتيجية مصر تتلخص فى رؤية واضحة مفادها تغيير موقع مصر لتصبح "قوة عظمى إقليمية". فإذا أراد أحدا أن يفهم الرؤية المصرية بوضوح و يعلم اين تتجه بوصلة السياسة فى مصر ، عليه أن يستوعب كافة التحركات من هذا المنطلق ، و أى منطلق آخر يخالف هذه الاستراتيجية فلن يتسبب لصاحبه إلا فى مزيد من الالتباس و الشوشرة.



 



الركن الثانى تحدث عن خطط تكتيكية تحدد مراحل و إجراءات تحقق التوجه الاستراتيجى على ارض الواقع،



 



و أقول: أن خطة مصر تسير على عدة محاور و أصعدة ، تأتى جميعها على درجة واحدة من الأهمية ، لذا فإن ترتيبها التالى لا يعنى أن أحدها اهم من الآخر ، و المحاور هى:


4   تعليق بواسطة   محمد وجيه     في   الثلاثاء 03 فبراير 2015
[77450]

يتبع...


 



محور بناء ديموقراطى يؤسس لأن يكون السيسي هو آخر رؤساء مصر القادمين من خلفية عسكرية ، و ذلك من خلال بناء كيانات حزبية قوية قادرة على قيادة الرأى العام المصرى ، لكن للاسف الشديد هذا التوجه يكاد يختفى خلف ركام عنيف من الخلافات الشخصية و المواقف الغير ناضجة من القوى السياسية ، ربما استلزم ذلك مزيدا من الوقت لكنه هدف واضح و محدد و لن يبدله إلا موقف يهدد الأمن القومى.



 



المحور الثانى هو محور البناء الاقتصادى ، و الذى يواجه تحديات داخلية و خارجية و إقليمية ، و اختصارا اقول أن بناء مصر الحقيقي لن يحدث إلا بأيدى المصريين أنفسهم ، لذا فإن تغيير السلوك المصرى فى الاعتماد على الآخرين لابد و أن ينتهى إلى لا رجعة ، و أول بوادر هذا النضج هو التحرك الجاد فى علاج منظومة الدعم و تغيير هيكل القوة البشرية فى مصر ليتجه نحو الأعمال المهنية المنتجة التى يحتاجها سوق العمل.



المحور الثالث هو محور البناء الفكرى للمجتمع، و الذى تؤسس من خلاله الدولة لمنظومة قابلة للتعدد و الاختلاف و حرية الافراد فى اعتقاد ما يشاؤون ، ربما كان التحدى الأبرز هنا هو الفكر الوهابى الغالب على المؤسسات ، لكن على الجانب الآخر هناك مؤسسات تواجه هذا التوجه الفكرى بقوة ناعمة لا تتسبب فى أعمال عنف تعرقل مسيرة المجتمع.



 


5   تعليق بواسطة   محمد وجيه     في   الثلاثاء 03 فبراير 2015
[77451]

يتبع..


المحور الرابع هو محور الخدمات ، و يتلخص فى خطط طموحة وضعتها الدولة لتطوير خدمات التعليم و الصحة و الاهتمام بذوى الاحتياجات الخاصة و تطوير العشوائيات ، و هو محور يستلزم العمل فيه لسنوات ، لكن على الأقل أننا بالفعل بدأنا بعد سنوات طويلة من التجمد فى عهد مبارك.



 



المحور الخامس هو المحور أمن المجتمع ، و يتلخص فى وضع منظومة أمن محمكة قادرة على استبعاد كافة العناصر المتسببة فى تكدير أمن المجتمع سواء كانت ذات صبغة دينية أو غير دينية، حتى وإن ظهرت تحت شعارات براقة تخطف الألباب مثل الحريات و الديموقراطية إلخ, فهذه العناصر تستخدم الشعارات البريئة كذبا ، فهم يزعمون الديموقراطية قولا، لكنهم فى حقيقتهم يجبرون المجتمع على الرضوخ لتوجهاتهم من خلال التظاهر و تخريب المنشآت ،  لذا فإن التصرف السليم تجاههم هو تطبيق القانون لاستبعادهم أطول فترة ممكنة عن المجتمع حتى تنضج رؤيتهم و يعودون أفرادا صالحين قادرين على تبنى التغيير السلمى ضمن عقيدتهم السياسية.



يتبع



6   تعليق بواسطة   محمد وجيه     في   الثلاثاء 03 فبراير 2015
[77452]

و أخيرا...


 



أما الركن الثالث و الذى يتعلق بالإمكانيات الإدارية و المادية و البشرية ، فإننى أتفق مع الأستاذ كمال تماما فيه ، فكلما تعاملت مع دوائر الدولة أشعر بالشفقة على من يحمل الأمانة فى هذا البلد ، فتغيير العقول التى اصابها الصدأ ليس بالأمر الهين ، خاصة إذا كانت هذه العقول لا ترى غضاضة فى أن تتعايش ضمن منظومة تؤدى إلى إفساد الصالح و ظلم المجتهد.



 



معذرة على الإطالة...



 



 



 



 


أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2007-03-23
مقالات منشورة : 598
اجمالي القراءات : 3,629,622
تعليقات له : 0
تعليقات عليه : 264
بلد الميلاد : Egypt
بلد الاقامة : Egypt