ج1 ب2 ف 3 : فى علاقة المريد بشيخه : المريد يحبُّ شيخه حُب تأليه

آحمد صبحي منصور في الأربعاء 21 يناير 2015


كتاب (التصوف والحياة الدينية فى مصر المملوكية )

 الجزء الأول : العقائد الدينية فى مصر المملوكية بين الاسلام والتصوف .

  الباب الثانى :  تقديس الولي الصوفي في مصر المملوكية

الفصل الثالث :ملامح تأليه الولى الصوفى فى العصر المملوكى

فى علاقة المريد بشيخه :  المريد يحبُّ شيخه حُب تأليه

مقدمة:

   1- (المريد) هو اصطلاح الصوفية عن (العابد) لإلاهه الشيخ، (المطيع) له – طاعة المؤمن لربه، (المحب له) حب العبد الصالح لربه القادر، وتتجلى ملامح تأليه الولي كاملة في تقعيد الصوفية لعلاقة المريد بشيخه.. فلن نجد لوصف تلك العلاقة إلا عبودية المريد وتأليه الشيخ. فعلاقة المريد بشيخه أكبر من علاقته بأبيه وحاكمه بل وجعلها الصوفية فوق علاقة المسلم بالنبى المرسل .

   فالقاعدة الشرعية التي تحكم علاقة الإنسان بالإنسان في إطار الإسلام هي أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق  والإحسان للوالدين واجب ، إلا أن طاعتهما لا تكون إلا في إطار طاعة الله تعالى، فإذا أرادا صد الولد عن طريق الله فطاعتهما لاغية وإن كان ذلك لا يمنع من برهما، يقول تعالى ( وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ... لقمان 15) ، فالطاعة لله والإتباع لرسله ومن يسلك طريقهم، وللوالدين في هذه الحالة مجرد الصحبة بالمعروف.

   وطاعة الرسول هي طاعة لله .. فالرسول مبلغ عن ربه الأوامر والنواهي، فمن يأتمر بأمر الله فقد أطاع الله وأطاع الرسول في نفس الوقت. إلا أن طاعة الرسول لا تعني عبادته : أولاً : لأن تلك الطاعة ليست له بالشخص ولكن بالوصف.. فالله تعالى لم يقل لنا أطيعوا محمداً ، وإنما قال (  مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ ...النساء80) فطاعة الرسول مقصورة على شئون الرسالة المبلغة إليه من القرآن، وكل رسول يطلب الطاعة من أتباعه فيما يخص أوامر الله ونواهيه وشرعه ودينه، وحتى إذا جد أمر لم ينزل فيه وحي وأستشير الرسول بشأنه توقف حتى ينزل فيه وحي.. ثانياً: النبي بعد ذلك هو أول المؤمنين وأول المسلمين( قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ، لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ .. الأنعام 162 ، 163) فهو مأمور وملتزم بما يوحى به إليه شأن كل مسلم، وهو القدوة في تنفيذ أوامر الله ، يبدأ بنفسه في الطاعة لله ويحذو المسلمون حذوه. 

 وهكذا فالله وحده هو الحاكم وهو المطاع لأنه لا إله إلا هو، لذا جاء إسناد الحكم لله تعالى بأسلوب القصر المتبع في الأمور الإلهية المقصورة على الله تعالى .. يقول ( .. إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ.. الأنعام57) (.. إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ.. يوسف40 ، 67 ) .. (إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ..الأنعام 62 ) ( َلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ القصص..70، 88) .. (فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ.. غافر12) . أما التصوف فله شأن آخر.. فقد وضع الأشياخ ما أسموه بآداب المريد مع شيخه.. وهى آداب لازمة الطاعة.. وقد كفلوا فيها للشيخ حقوق الله على البشر فأصبح المريد مطالباً بعبادة الشيخ وتقديسه.. على النحو التالي

أولاً: حب المريد لشيخه حب تأليه:

   أ) طالبوا المريد بحب شيخه حباً يخرج عن إطار المحبة المتعارف عليها بين إنسان وإنسان، تلك المحبة القائمة على المساواة ووصلوا بها إلى المحبة التي ينبغي أن يتوجه بها المسلم لله تعالى .وحجة الصوفية في هذا أن الشيخ واسطة بين الله والمريد فحب الشيخ من حب الله . ومعلوم أن الواسطة بين العبد والرب لا تكون إلا في عقائد الشرك.. إذ بها يخلعون على الواسطة المزعومة كل تقديس واجب لله وحده وينتزعون حقوق الله ويضيفونها لذلك الإله الواسطة، ومن ذلك الحب ، فيحبون الواسطة حبهم لله تعالى ويجعلون من تلك الآلهة أنداداً لله تعالى ، يقول تعالى(وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبّاً لِّلّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ البقرة 165) . فقوله تعالى (يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ ) مقصود به أن حب الله تعالى متفرد عن حب البشر للبشر ، فحب الله فيه تقديس وإجلال وتعظيم وإخبات وإنابة ورهبة وخشية وتقوى ورجاء وأمل ، وحب الله تعالى مستمر حين النعمة ووقت الشدة والكرب ، ويتجلى حب العبد لله أكثر في التقوى ، وطاعته لأوامر ربه واجتنابه لنواهيه ، يقول تعالى (وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبّاً لِّلّهِ..) والإيمان عقيدة صحيحة وعمل صالح وطاعة لله وللرسول، وهذا هو الحب الحقيقى لله سبحانه وتعالى ( قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي  ..آل عمران 31) ..

 والمشركون يحبون آلهتهم هذا الحب الذي يجب أن ينفرد به الله وحده دون واسطة أو شريك.. يقول الشعراني ( من لم يحكم مقام السهر بين يدي شيخه لا يصح له مقام السهر بين يدي الله عز وجل ، وقبيح على المريد أن ينام وشيخه جالس.. بل ذلك علامة على كذبه في محبة الله عز وجل فضلاً عن محبته للشيخ، فإنه لو كان يحب الشيخ لاستغنم أوقات الخلوة به، كما أنه لو كان يحب الله عز وجل المحبة المعروفة بين القوم لما أخذه نوم)[1]. وافتخر الشعراني بمراعاة ذلك مع شيخه محمد الشناوي ونور الدين الشوني يقول ( فلا أتذكر أني نمت في وقت يكون أحدهما مستيقظاً فيه، وذلك من أكبر نعم الله تعالى عليّ لكونه وسيلة إلى دوام السهر بين يدي الله عز وجل )[2].

إن من علامات حب المؤمن لله تعالى أن المؤمن المحب لربه تعالى ينأى عن مضجعه حيناً من الوقت في هدأة الليل ليدعو ربه خوفا من عذابه وطمعا فى جنته ورحمته ، يقول جل وعلا عن المتقين :( تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً ).{16} السجدة) فجعل الصوفية من الشيخ شريكاً لله تعالى في وجوب السهر بين يديه..

 ب) وفي (قواعد الصوفية ) عقد الشعراني باباً عن آداب المريد مع شيخه، وبدأها بحب المريد لشيخه، ووصل بهذا الحب إلى درجة الحب الإلهي، ونقتطف من كلامه هذه العبارات ( من تلطخ بالذنوب وادّعى محبة شيخه فهو كاذب، وكما أنه لا يحب شيخه فكذلك شيخه لا يحبه، وأجمعوا أن من شرط المحبة لشيخه أن يصم أذنيه عن سماع كلام في الطريق غير شيخه ( يعني لا يشرك بمحبة شيخه محبة شيخ آخر) فلا يقبل عذل عاذل حتى ولو قام أهل مصر كلهم في صعيد واحد لم يقدروا أن ينفروه من شيخه، ولو غاب عنه الطعام والشراب أياماً لاستغنى عنها بالنظر إلى شيخه لتخيله في باله، وبلغنا عن بعضهم أنه لما دخل هذا المقام سمن وعبل من نظره إلى أستاذه ) أى إن حب المريد لشيخه يُغنيه عن الطعام والشراب ، وأن مريدا وصل الى هذا المقام فى حب شيخه فأصبح   ( عبلا )أى سمينا. وهذا التوصيف لمحبة المريد لشيخه يفوق  حب المؤمن التقى لربه جل وعلا .  ونتابع الشعرانى وهو ينقل عن أخيه الأكبر  أفضل الدين الشعراني : (من ألطف سكرات الحب الشغل بالحب عن متعلقه) واستشهد بمجنون ليلى الذي أعرض عن محبوبته لاشتغاله عنها بحبه لها، ويلاحظ أن هذا المثل بالذات يستعمله الصوفية في وصفهم للحب الإلهي فجعله الشعراني مثلاً لحب الشيخ.  

وقال أفضل الدين الشعراني أيضاً يقرن حب المريد لشيخه بحب المؤمن لربه جل وعلا ( حقيقة حب الشيخ أن يحب الأشياء من أجله ويكرهها من أجله كما هو الشأن في محبة ربنا عز وجل) واستشهد الشعراني بأقوال ابن عربي في المحبة في الفتوحات المكية ( باب 178) وحكي عنه أن محباً دخل على شيخ يتكلم في المحبة فما زال المحب ينحل ويذوب من سماعه لكلام المحبة حتى تحلل جسمه كله على الحصير بين يدي الشيخ وصار بركة ماء .. وذكر أبيات ابن عربي التي يقول فيها :    

            ما حرمة الشيخ إلا حرمة الله        فقـم بـها أدب  بـالله لله  

 وذكر قول شيخه المرصفي ( أن المريد يترقى في محبة شيخه إلى حد يصير يتلذذ بكلام شيخه له كما يتلذذ بالجماع ، فمن لم يعمل إلى هذه الحالة ، فما أعطى الشيخ حقه من المحبة)[3]. أى (يتلذذ بكلام شيخه له كما يتلذذ بالجماع ،) ..الجنسى .!!. ولكن لا ندرى هل المريد هنا هو الذكر وشيخه الانثى ، أم إنه الأنثى وشيخه الذكر ؟

   ج) وعقيدة الاتحاد الصوفية هي الأصل في حب الشيخ الصوفي حباً  إلهياً . وقد سبق إيراد قول الغزالي عن بعضهم وقد قيل له ( إنك محب فقال : لست محباً إنما أنا محبوب )[4]. أي أنه كالله يُحبُ حباً إلهياً من مريديه .ونظير ذلك ما رواه الغزالي عن جماعة دخلوا على الشبلي ، وقد كان محبوساً في مارستان ، فقال لهم من أنتم (فقالوا : مُحبُّوك ، فأقبل عليهم يرميهم بالحجارة ، فتهاربوا فقال : ما بالكم ادعيتم محبتي، إن صدقتم فاصبروا على بلائي )[5]. أي جعل نفسه إلاهاً مع الله تعالى .أى فكما يصبر المؤمن على بلاء ربه محبة لربه جل وعلا فكذلك يجب على مُحبّى الشبلى أن يصبروا على رميه إياهم بالحجارة .!!



[1]
- لطائف المنن 142 ، 143 .

[2] - لطائف المنن 142 ، 143 .

[3] - قواعد الصوفية جـ1 / 167 : 173.

[4] - إحياء جـ4 / 288 .

[5] - إحياء جـ4 / 299.

اجمالي القراءات 12570

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2006-07-05
مقالات منشورة : 4065
اجمالي القراءات : 35,846,474
تعليقات له : 4,424
تعليقات عليه : 13,104
بلد الميلاد : Egypt
بلد الاقامة : United State

مشروع نشر مؤلفات احمد صبحي منصور

محاضرات صوتية

قاعة البحث القراني

باب دراسات تاريخية

باب القاموس القرآنى

باب علوم القرآن

باب تصحيح كتب

باب مقالات بالفارسي