مقاربة هامشية لانتخابات هامشية

كمال غبريال في الخميس 15 مايو 2014


 

  أنا لا أناقش بالطبع بمقاربتي هذه، قضية من علينا نحن المصريين أن ننتخب، فأمامنا من وجهة نظري مرشح وحيد هو المشير/ عبد الفتاح السيسي. والمرشح الآخر لا فرصة له، إلا الحصول على لقب "منافس على رئاسة جمهورية مصر". التساؤل هو عما سيفعل السيسي بمصر برئاسته لجمهوريتها، وما هي رؤيته وإمكانياته، وما احتمال قيامه بما ينقل مصر من مصاف الدول المتعثرة والفاشلة، إلى مربع الدول المنخرطة في مسيرة التقدم والحداثة. خلال هذا التساؤل أحاول قدر ما أستطيع، غسل رأسي من أي أفكار أيديولوجية. لأعتنق فقط البحث عن صاحب منهج الإدارة العلمية لعناصر الواقع الراهن، توصلاً للحصول على أفضل منتج من عملية الإدارة. أيضاً أنا لا أعرف أو أعترف بتوجه ورؤية سياسية قائمة بذاتها. أعرف فقط سياسة في خدمة الاقتصاد. إدارة الاقتصاد هي التي ستحدد، إن كنا نتجه حضارياً للأمام، أم ننزلق إلى هاوية. وفيما الجماهير تبحث عن بطل منقذ، أبحث أنا عن إداري خبير وكفء ومخلص، ويمتلك فوق هذا رؤية بانورامية للحالة المصرية والوضع العالمي المعاصر، وقدرة على القيادة باتجاه رؤيته هذه.

بصورة عامة لا توجد بمصر مظلومية شعبية مصدرها الحاكم، بل العكس هو الصحيح. فمستوى المعيشة للشعب، فوق القدرات المادية للدولة. ومستوى الحرية العشوائية التي يمارسها الشعب، تأتي على حساب وجود وهيبة الدولة. المرحلة الأولى إذن لخلق دولة قادرة، أن تجد الدولة حلاً لمشاكلها مع الموارد، في حدود المستوى الراهن للمعيشة، وتجد حلاً للتسيب الشعبي والفوضى. بعدها نبدأ مرحلة العمل المشترك للدولة والشعب، للارتقاء بمستوى المعيشة.
الجماهير تفرض دوماً رأيها، على كل من الحاكم الديموقراطي والديكتاتور. الاختلاف فقط في أسلوب فرض هذا الرأي، الذي قد يكون عبر قنوات ومؤسسات ديموقراطية الطابع، أو عبر تلاعب الديكتاتور بمشاعر الجماهير، يدغدغها ويوظفها لصالحه تارة، ويستجيب لرغباتها تارة أخرى. معيار صلاح أحوال الرعية هكذا مرتهن دوماً بحال الجماهير نفسها، ميولها وثقافتها وسلوكياتها. لم يشهد التاريخ إلا قلة نادرة من الحكام المستبدين، الذي لم يخضعوا لميول الدهماء، وقادوا شعوبهم رغماً عنها، في طريق التقدم والحداثة، ولا يحضرني هنا غير مثال مصطفى كمال أتاتورك، وجزئياً الحبيب بورقيبة.
ما ورد أخيراً في لقاء السيسي برجال الأعمال، من طلبه منهم 100 مليار جنيه، توضع كما قال في صندوق لمساعدة مصر، لا يشير فقط إلى فشله في العثور على الطريق الصحيح للنهوض بالاقتصاد المصري، ولكن يعد أيضاً بداية تهديد، وإن كان غير مباشر (حتى الآن) لرجال الأعمال، ودافعاً لهم للهرب من الاستثمار بمصر، ومحرضاً لغيرهم على النأي عنها. ما جمعه السيسي من أفكار من هنا وهناك، يتبعثر الآن في الجو المصري المشحون بالآمال والإحباطات، بلا رابط أو تدبر وتعقل. عندما نسمع منه: "أنا مسؤول عن القيم والأخلاق والدين". . هل يعي الرجل حقاً ما يقول، وإلى أين يمكن أن يقوده ويقودنا هذا الكلام؟
أرى حماقة الأفكار الناصرية تغزو الساحة المصرية من جديد. وأجد من الشعب الطيب، ذات الاستحسان، الذي أدى بنا في النهاية، إلى تحويل حياتنا إلى كارثة مجسدة. مشكلة أو مأساة حكم عبد الناصر وناصريته، ليست فقط في الطرق المسدودة التي سلكها، والخراب الذي جره ذلك على البلاد. هي بالأساس في المنهج الذي سار عليه، وهو الجهل والعشوائية الفكرية، وردود الفعل العاطفية، والنزعة الاستبدادية، والطموح الشخصي المدمر لصاحبه، وللشعب ومقدرات حياته، التي قام بتسخيرها لتحقيق طموحاته. العجيب أنه لو كان عبد الناصر مازال حياً، لدفعه ذكاؤه الفطري في الأغلب، لأن يتوب عما يسمىى "ناصرية"، ويمضي العمر نادماً على ما اقترفه في حق بلاده من جرائم. مع ذلك نرى الآن من يتنطعون، مصورين عصر الخيبات والنكبات، وكأنه عصر ذهبي، علينا أن نعود إليه وإلى مناهجه الوبيلة. هي مهزلة أن نمنع عرض فيلم "حلاوة روح"، ونعيد عرض فيلم "انقلاب 1952" الهابط!!
رؤية السيسي للسياسة الخارجية رصينة وناضجة، من حيث اختفاء "نظرية المؤامرة" من خطابه على الأقل، وكذا مفردات العداء للآخر. مع وضع دائرة استفهام حول رؤيته لدور الجيش المصري في الخليج. شخصياً لا أحب أن تحل مصر أزمتها الاقتصادية، عن طريق العمل كشركة أمن خاصة لدول الخليج. ثم أن الجيش المصري هو جيش الدولة المصرية، وليست الدولة المصرية هي دولة الجيش. فالدولة والشعب هما اللذان يعطيان الجيش قوة، وليس ما يروج حالياً، أن مصر تستمد قوتها من قوة جيشها. فهذا ليس صحيحاً حتى في الدول التي تمتلك أقوى الجيوش. الجيش الأمريكي والروسي يستمدان قوتهما من قوة الشعب والدولة، التي صنعت وتقف وراء كل جيش منهما. أيضاً عندما يدعو البعض للتصويت لجانب ما، حباً في مصر وجيش مصر، كما سبق وأن دعا آخرون للتصويت لهم، انتصاراً لدين لله. فإننا نكون مازلنا لم نبارح ذات مستنقعات التخلف والنفاق، التي يفترض أننا قد ثرنا عليها!!
أرى أغلبية شعبية كاسحة مع السيسي، بكل قلوبها ووطنيتها وأملها في غد أفضل. وأرى حوله ويهلل له، ثلة نشطاء وإعلاميين وهتيفة، كثير مما يتفوهون به من تفاهات، يتسبب في شعور الكثيرين بالتقزز والنفور من كل ما يحدث. يبدو الفارق الأساسي بين حمدين والسيسي، هو أن حمدين يتحفنا بهلاوسه التي يختزنها طوال عمره، والسيسي بتلك التي يجمعها على عجل من مستشاري السوء. أغلب الظن أن السيسي يصلح فقط كقائد عسكري، وحمدين يصلح فقط قائد مظاهرة!!
الحل الممكن الآن ليس الهروب مما يسمى "حكم العسكر"، باللجوء لانتخاب شخص لا يصلح لشيء. الحل في تكوين معارضة حقيقية محترمة، تجبر السيسي على السير بالبلاد في اتجاه دولة مدنية حديثة، تلتزم فيها المؤسسة العسكرية حدودها الوظيفية. المشكلة ليست فقط فيمن يحكم، لكن أيضاً في وجود معارضة حقيقية، فهل يمكن أن نمتلك يوماً معارضة محترمة؟
المعارضة المحترمة تبدأ من رجال مخلصين للوطن، وليس فقط لذواتهم. رجال يدركون طبيعة المرحلة الحضارية العالمية المعاصرة، والمسافة بينها وبين الواقع المصري الراهن. ويقررون العمل بصيغة مؤسسية أهلية، لوضع تصورات ودراسات علمية لما يمكن عمله، لإحداث التغييرات الميدانية المصرية، التي تكفل توافق الأوضاع بالساحة المصرية، مع النظم والعلاقات العالمية. وترتفع بمصر وشعبها للمستوى الحضاري، الذي يؤهلها للتكامل والمشاركة مع سائر مراكز الحضارة في العالم. معارضة ترصد أخطاء الحكم، ليست فقط تلك البسيطة أو الفردية لرموز الحكم، ولكن ترصد بالأساس أي انحراف أو تقصير، يؤدي بابتعاد مصر عن الخط الذي تتصوره الأمثل، للوصول بنا إلى غد أفضل.
يتبقى أخيراً احتمال وارد، أن يكون بياض قلب وفكر السيسي، وراء ما نسمعه منه الآن من تهويمات. احتمال متى تولى السلطة، أن تجبره حقائق الواقع على السير في الطريق الصحيح.
 
 
 
اجمالي القراءات 5565

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2007-03-23
مقالات منشورة : 588
اجمالي القراءات : 2,566,194
تعليقات له : 0
تعليقات عليه : 260
بلد الميلاد : Egypt
بلد الاقامة : Egypt