درس من تاريخ الجبرتي

سامح عسكر في الخميس 13 فبراير 2014


في تاريخ الجبرتي شهادة للفرنسيين الذين حاكموا سليمان الحلبي.."قاتل كليبر"..بأنه- رغم قسوة الأحكام في حق سليمان ورفاقه- إلا أنها كانت بنظام ومحاكمة.. اعترف فيها المتهمين ولم يعجلوا بقتل سليمان كما يفعل المسلمين...

يقول الجبرتي مادحاً وثيقة المحاكمة:

" لما فيها من الاعتبار وضبط الأحكام من هؤلاء الطائفة الذين يحكمون العقل ولا يتدينون بأي دين-يقصد الفرنسيين- إلى أن قال على سليمان...وقبضوا عليه وقرروه ولم يعجلوا بقتله وقتل من أخبر عنهم..بل رتبوا حكومة ومحاكمة وأحضروا القاتل وكرروا عليه السؤال والاستفهام...

إلى أن قال:

بخلاف ما رأيناه من أفعال أوباش العساكر الذين يدعون الإسلام ويزعمون أنهم يجاهدون، وقتلهم الأنفس، وتجاريهم على هدم النية الإنسانية بمجرد شهواتهم الحيوانية"..انتهى

ترجمة كلام الجبرتي: أن المسلمين- سواء عرب أو أتراك-لو كانوا بدلاً من الفرنسيين لقتلوا سليمان بمجرد الشبهة، ولن يحاكموه لأن المحاكمة تعني النظام والقانون، وهذا يعني أن الجبرتي يشهد بأن المسلمين في عصره لم يكونوا منظمين ولم يكن لديهم قانون..

فرضاً لو ظهر بأن سليمان الحلبي كان بريئاً من قتل كليبر وتعجل الجنود في قتله فور إلقاء القبض عليه..ألم يكن هذا ظلما؟...سيكون ظلماً وربما يُحاكمون من تعجّل بقتل سليمان..هذا يعني أن العقل هو الذي يصنع النظام والقانون ويحقق العدالة للجميع.

كنت ولا زلت أعتقد بأن الدولة المصرية الحديثة أنشأها التنويريين في القرن التاسع عشر، وأسأل نفسي هل لو كان الإخوان -وهؤلاء الهَمَج- يحكمون مصر في تلك الفترة هل سيسمحون بمجالس نيابية أو قضاء مستقل أو أحزاب سياسية أو جيش وطني؟

كلا إنها لديهم بدعة ،فالخلافة تفرض عليهم أن الرأي هو رأي السلطان، وأن القضاء هو قضاء الشرع الذي يخدم هذا السلطان، وأن الجيش هو جش عقائدي يحارب من أجل الدين وتفسيراته وأهواء ورغبات المشايخ..

هذا هو معنى الفوضى أنه لا دولة ولا نظام ولا قانون سوى قانون السلطان، وأن الشعب يجب عليه الطاعة طالما كان السلطان يرفع لواء الشريعة والمذهب.

لقد تعاطف العرب مع سليمان وقضيته بدعوى النضال والمقاومة، ونسوا أن محاكمته جرت في أجواء نزيهة ومنظمة رغم قسوة وبشاعة العقوبة، مثلما تعاطف العرب مع مانديلا لنفس الأسباب ،وتناسوا أن دولة جنوب إفريقيا رغم عنصريتها إلا أنها كانت دولة نظام وقانون، لم يسمحوا بقتل مانديلا ولا المساس به، بل حاكموه وسجنوه في أجواء منظمة، نفس الحال بالنسبة لغاندي.. سجنوه ولم يقتلوه حتى رأس الهند وأصبح نموذجاً للحاكم العادل والحكيم.

لذلك عندما قلت بأن ما حدث في مصر من عزل رئيسين منتخبين متتاليين ، الفارق بينهم عامان، ومحاكمتهما بنظام وقانون.. هو في المحصلة .."عمل حضاري رائع".. لم يحدث في تاريخ مصر، وأنه دلالة على تحضر ورقي الشعب المصري ، بخلاف ما حدث في ليبيا واليمن، بل في سوريا لو وقع بشار في أيدي المعارضة لقتلوه ومثلوا بجثته ، ونفس الحال بالنسبة لزين العابدين بن علي، لو وقع في أيدي ثوار تونس في البداية لقتلوه...

كل هذا لم يحدث مع الشعب المصري بل أكرموا رؤسائهم ، حتى وجدنا القاضي المصري يقف في شموخ ويطلب محامياً عن مرسي رغم وضوح خيانته وفشله الذي كان يعصف بالدولة المصرية، وهذا دليل على قوة الدولة المصرية ومؤسساتها ورسوخها في أذهان ووجدان المصريين.

هذا كله لم يأتي بالشطارة أو الفهلوة،بل جاء بالعمل المنظم ودراسة تكوين الدولة الحديثة، أفضل منتوج بشري إداري وصل له الإنسان، حتى بعدما ظهر من يعادي تلك الدولة وحاول السيطرة عليها وتغيير هويتها وطبيعتها،وقفت في وجهه صارخة تستنجد بالشعب الذي نزل في ثورة شعبية مليونية لكي ينقذ دولته من أيدي المخربين ودعاة الفوضى والإرهاب..وتحقق له ما أراد واستجابت الدولة له وأقصت المخربين وتنفست الصعداء،وتريد أن تضع أقدامها على أول طريق البناء من جديد .

اجمالي القراءات 7013

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2012-09-25
مقالات منشورة : 788
اجمالي القراءات : 5,237,166
تعليقات له : 102
تعليقات عليه : 411
بلد الميلاد : Egypt
بلد الاقامة : Egypt