( كتاب الحج ب 6 ف 2 ) قبل مذبحة كربلاء : العهد ليزيد بن معاوية

آحمد صبحي منصور في الخميس 06 يونيو 2013


كتاب الحج بين الاسلام والمسلمين    

الباب السادس :مذبحة كربلاء وإنتهاك المسلمين للبيت الحرام والشهر الحرام

الفصل الثانى  : قبل مذبحة كربلاء :  العهد ليزيد بن معاوية

 مقدمة :

1 ـ عند وصول  عثمان للخلافة أوصى أبوسفيان بنى أمية بأن يتداولوا الخلافة بينهم ، تقول الرواية : ( حين بويع عثمان دخل أبو سفيان داره ومعه بنو أمية ، فقال ابو سفيان ـ وكان قد عمى ـ أفيكم أحد غيركم ؟ قالوا : لا . قال : يا بنى أمية تلقفوها تلقف الكرة ، فو الذى يحلف به أبو سفيان ما زلت أرجوها لكم . ولتصيرنّ الى صبيانكم وراثة. ). حمل معاوية فى قلبه وصية أبيه فأعدّ العدة مبكرا ولاحقا لتوريث ابنه يزيد . مشكلة معاوية هنا معقدة ، فهو أول توريث فى تاريخ المسلمين يجرى فرضه عليهم ، ثم إن إبنه يزيد بمجونه وفسوقه لا يصلح للخلافة، أى دخل معاوية فى (استحقاق ) هائل . والاستحقاق هو العمل السياسى الذى يخلق واقعا بكل السبل بعيدا عن الاخلاق وقيم الاسلام العليا. ونجح معاوية فى فرض التوريث فأقام إبنه خليفة ، ولكن إبنه الفاشل السيىء الماجن أضاع مجهود ابيه ، وترتب عليه خروج فرع آل أبى سفيان مبكرا من الخلافة الأموية ليحل محلهم الفرع المروانى ، نسبة لمروان بن الحكم بن العاص بن أمية . ونتتبع هنا جهد معاوية فى التوريث بعده ، كتمهيد لمذبحة كربلاء .

أولا : جهود معاوية فى ترتيب إستحقاق التوريث

1 ـ معاوية هو إبن مخلص للثقافة العربية السائدة فى الانتماء للقبيلة والولاء لها . هذا الانتماء حاربه الاسلام ، ووضع بديلا له هو الانتماء للقيم الاسلامية العليا من السلام والعدل والاحسان والحرية فى الدين وفى السياسة. وحقّقت دولة الرسول الاسلامية هذا واقعا استمر عشر سنوات ، فدخل فى ولايتها أناس شتى من القبائل العربية وبعض غير العرب مثل سلمان الفارسى وصهيب الرومى ، ودخلها رقيق سابقون ومستضعفون وأشراف وأثرياء وفقراء ورجال ونساء ، كلهم فى ظل الحرية والعدل والمساواة والتكافل الاجتماعى. ولكن ظل الولاء القبلى لقريش حيّا فى قلوب معظم المهاجرين ، وتعرضنا سابقا للتأنيب القرآنى الذى تعرضوا له فى المدينة بسبب ولائهم لقبيلتهم قريش حتى فى وقت الصراع معها ، وقد تتابع هذا التأنيب من بداية الاقامة فى المدينة فى سورة الممتحنة الى قبيل موت النبى عليه السلام فى سورة التوبة. هذا التعصب القبلى عاد سافرا بعد موت النبى عليه السلام وإتّحاد القرشيين من المهاجرين السابقين ومن دخل فى الاسلام قبيل موت النبى. وكانت الردة محاولة للتحرر من زعامة قريش ، وبإخمادها تزعمت قريش العرب فى الفتوحات، وسلّمت القبائل للقيادة القرشية ، وإعتلى الأمويون موجة الفتوحات التى كانت أفظع عصيان للاسلام ، فاختفت ثقافة الولاء للقيم الاسلامية لدولة الرسول، واستحكم البديل ، وهو الولاء للقبيلة وما يتبعه من تعصب قبلى . ونبهنا الى فشل (على) فى خلافته لأنّه كان يتغنى بالقيم الاسلامية من العدل والتقوى وهو يحكم دولة قامت على اسس الظلم والقهر والسلب والسبى لشعوب بأكملها. بينما كان معاوية يعزف ويعرف لغة خطاب واحدة هى إرادة الدنيا بكل صراحة وبلا نفاق ، وهو يعطى بعض هذه الدنيا لمن يتحالف معه ويخدمه، فنجح وأجاد معاوية اللعب على ثقافة قومه ، فجعل هذا التعصب القبلى فى خدمة أهدافه مذ أن بويع خليفة فى بيت المقدس فى شهر شوال عام 41 .

إنّ القبيلة العربية هى جيش عسكرى متحرك ، جنوده هم رجال القبيلة ، وقائده هو شيخ القبيلة ، ويتفانى أفراد القبيلة فى طاعة قائدهم ، حتى لو كان قائدا أحمق ،مثل (الأحمق المُطاع : الأقرع بن حابس ) الذى قيل عنه ( إنه لو غضب ، غضب لغضبه مائة ألف سيف لا يسألونه لماذا غضب ) . هذه الثقافة العربية الجاهلية لعب عليها معاوية بمهارة شديدة، وأسّس عليها إستحقاقه فى الوصول للخلافة ، ثم نجح بها فى جعل إبنه يزيد خليفة برغم كل التحديات .

2 ـ وقد ساعده فى النجاح عاملان : الأول ، أنه باستثناء الخوارج ( وهم قد تحولوا الى عصابات ارهابية متشاكسة لايؤبه بها فى التقييم السياسى) فإن كل القبائل العربية كانت تُسلّم بأحقية قريش فى القيادة والخلافة ، فانحصر التنافس والتعصب القبلى فيما بين تلك القبائل فقط ،بما يعنى إمكانية أن يجعل الخليفة القرشى هذا التعصب القبلى تنافسا بين القبائل فى خدمته . العامل الثانى هو المال الذى أصبح بالفتوحات الاها معبودا. فالصراع والاقتتال فى سبيل المال فاق ما تعوده العرب من قبل حين كانوا يقتتلون على المرعى والكلأ والشاة والبعير . أصبح صراعا حول الملايين من الدرهم والدينار وجنات زراعية دنيوية تجرى من تحتها الأنهار . وخلافا ( لعلى ) فقد نجح معاوية فى استغلال سلاح المال ، كان يكفيه أن يشترى زعيم القبيلة ليضمن قوتها العسكرية فى خدمته ، بل أن تتنافس القوى العسكرية فى خدمته . وبالمال نجح معاوية فى جعل ابنه خليفة بعده ، وبالمال نجح يزيد وفشل الحسين ، وبالمال نجح مروان بن الحكم وابنه عبد الملك وفشل ( البخيل ) ابن الزبير . المال هو الذى جعل القبائل تتبع الأمويين وتتخلى عن الهاشميين ، وبالتالى كان حتما أن يخسر ابن الزبير، فقد جمع مع البخل أنه كان الأقل شأنا من الأمويين والهاشميين .  

3 ـ ومن مهارة معاوية فى استخدام سلاح المال أنه تنوّع فى استخدامه حسب الظروف:

3/ 1 : إستخدمه فى التآمر لقتل خصومه. وفى تجنيد الأتباع وفى تحييد الخصوم كما فعل مع الهاشميين وكبار قريش ، وقد أغدق عليهم بالملايين ، وفى زيادة الولاء لدى أتباعه وولاته ليصبحوا أكثر ولاءا وطاعة . وسبق أنه أعطى عمرو بن العاص مصر ( طُعمة ) له ليستأثر بولائه ، وبعد موت عمرو استولى معاوية على كنوزه ، وعيّن عبد الله بن عمرو فترة قصيرة ، ثم عزله ، وولى مكانه أخاه ابن أبيه ليضمن السيطرة على مصر بالذات ولتكون عُمقا له .

3/ 2 : ومع أنه تزوج بنت بحدل الكلبى زعيم قبائل كلب وانجب منها أبنه يزيد إلا إنه قرن المصاهرة بعقد سياسى مالى ليضمن ولاء قبائل كلب كلها وهى المسيطرة على جنوب الشام .وطبقا للعقد كان معاوية يفرض لهم عطاءا ماليا لألفى رجل من كبارهم ألفين الفين ، وإن مات زعيم منهم أقام إبنه أو ابن عمه مكانه ، وجعل صهره واليا على جنوب الشام يتوارثها فى عقبه، وجعل لهم الأمر والنهى وصدر المجلس والحل والعقد والمشورة فى خلافة معاوية . وحين أنجب يزيد أرسله لينشأ فى مضارب أخواله فى الصحراء ليتعلم هناك الفروسية . وضمن تأييدهم ليزيد مقدما بنفس شروط العقد .

3/ 3 : ولم يضع معاوية كل البيض فى سلة واحدة . كانت قبائل قيس المُضرية تنافس قبائل كلب فى الشام ، فاستمالهم معاوية بالمال والمناصب ، وصار زعيم قيس ( الضحاك بن قيس الفهرى ) من كبار أعوانه فى دمشق ، وهو الذى تولى الدعوة للعهد ليزيد فى حياة معاوية ، ثم فى تثبيت خلافة يزيد بعد موت معاوية . ولم يغفل معاوية عن قبائل كنده وسيطرتها فى العراق، فعمل على إستمالتهم . و بعد أن تخلّص بالسم من زعيمهم الأشعث بن قيس ، إستطاع شراء إبنه محمد بن الأشعث بن قيس فضمن ولاء قبائل كنده . ومحمد بن الأشعث هو الذى خدم عبيد الله بن زياد فى الايقاع بمسلم بن عقيل ـ الرسول المبعوث من الحسين الى الكوفة ليمهد له الأمور فيها . وبسبب المال باع محمد بن الأشعث من جاء رسولا من الحسين يطلب عونه .

ثانيا : خطوات معاوية فى التجهيز للتوريث

1 ـ قام بالتخلص من خصومه الذين يحتمل أن يكونوا عقبة فى التوريث ، أو محتمل أن ينافسوا ابنه يزيد فى الخلافة ، فمات بالسم عبد الرحمن بن خالد بن الوليد عام  46 هجرية ، وبنفس الطريقة مات الحسن بن على  والذى كان مفروضا أن يلى الخلافة بعد معاوية تنفيذا للاتفاق بينهما فى عام الجماعة . وقبله مات بالسم الأشعث بن قيس .

2 ـ بث الخلاف والايقاع بين الطموحين من الأمويين لتولى الخلافة ، وهم نظراء معاوية نفسه ، وبالتالى فهم عقبة فى تولى ابنه يزيد الخلافة . لم يستعمل معاوية وسيلة القتل ليتخلص من زعماء الأمويين منافسى ابنه يزيد ، والذين هم أحق منه (أمويا ) بالحكم بما لهم من سوابق سياسية فى وصول البيت الأموى للحكم من عهد عثمان الى عهد معاوية . الى جانب معاوية كان يوجد إثنان من كبار بنى أمية ، ومن أعمدة ملك معاوية ، وهما سعيد بن العاص ومروان بن الحكم ، وكلاهما من فرع العاص بن أمية الذى ينتمى اليه عثمان بن عفان . هما منافسان قويان ليزيد ، و(يزيد ) بالنسبة لهما لا شىء . ومعاوية لا يستطيع التخلص منهما بالقتل لحاجته لهما وللحفاظ على وحدة البيت الأموى . إذن لا بد من طريقة أخرى لتحييدهما مع الابقاء على حياتهما ، وهى زرع العداوة بينهما . كيف يزرع بينهما العداوة وهما ابناء عم وأقرب لبعضهما من قرابتهما لمعاوية ؟.
إعتاد معاوية بذر الشقاق بينهما بأن يعزل أحدهما ويولى الاخر مكانه ، ويأمر أحدهما بالانتقام من الآخر . ففى عام 53: كان عزل سعيد عن المدينة واستعمال مروان مكانه . تقول الرواية ( وفيها عزل معاوية سعيد بن العاص عن المدينة واستعمل مروان‏.‏وكان سبب ذلك أن معاوية كتب إلى سعيد بن العاص أن يهدم دار مروان ويقبض أمواله كلها ليجعلها صافيةً ويقبض منه فدك وكان وهبها له ، فراجعه سعيد بن العاص في ذلك فأعاد معاوية الكتاب بذلك ، فلم يفعل سعيد ووضع الكتابين عنده ، فعزله معاوية وولى مروان ، وكتب إليه يأمره بقبض أموال سعيد بن العاص وهدم داره ، فأخذ الفعلة وسار إلى دار سعيد ليهدمها ، فقال له سعيد‏:‏ يا أبا عبد الملك أتهدم داري ؟ قال‏:‏ نعم ، كتب إلي أمير المؤمنين ولو كتب إليك في هدم داري لفعلت‏.‏ فقال‏:‏ ما كنت لأفعل‏.‏ قال‏:‏ بلى والله‏.‏ قال‏:‏ كلا‏.‏ وقال لغلامه‏:‏ ايتني بكتاب معاوية ، فجاءه بالكتابين ، فلما رآهما مروان قال‏:‏ كتب إليك فلم تفعل ولم تعلمني ؟ فقال سعيد‏:‏ ما كنت لأمن عليك وإنما أراد معاوية أن يحرض بيننا‏.‏ فقال مروان‏:‏ أنت والله خير مني‏.‏ وعاد ولم يهدم دار سعيد وكتب سعيد إلى معاوية‏:‏ " العجب مما صنع أمير المؤمنين بنا في قرابتنا‏!‏ إنه يضغن بعضنا على بعض . فأمير المؤمنين في حلمه وصبره على ما يكره من الأخبثين وعفوه وإدخاله القطيعة بيننا والشحناء وتوارث الأولاد ذلك فوالله لو لم نكن أولاد أب واحد لما جمعنا الله عليه من نصرة أمير المؤمنين الخليفة المظلوم واجتماع كلمتنا لكان حقًا على أمير المؤمنين أن يرعى ذلك‏.". ‏ فكتب إليه معاوية يعتذر من ذلك ويتنصل وأنه عائد إلى أحسن ما يعهده ‏.‏ ).الذى حمل معاوية على هذا السقوط الأخلاقى مع ركنى دولته هو تخطيطه للتوريث .

3 ـ قتل ( حُجر بن عدى ) زعيم الشيعة فى الكوفة ظلما وعدوانا ، فكان أول ضحية لحرية الرأى السياسى والمعارضة السياسية السلمية فى تاريخ المسلمين . قتله معاوية إرهابا للشيعة عام 53 . 

4 ـ الذى فهم غرض معاوية فى التوريث ولعب به وعليه هو المغيرة بن أبى شعبة .نحن الآن مع المغيرة قبيل عام  49 تقريبا ، وهو العام الذى توفى فيه ، على أصح الروايات . ويبدو أن معاوية قد برم بالمغيرة لأنه لم ينجح فى ولايته على الكوفة فى استثارة حجر بن عدى وأصحابه وقتلهم . لذا أراد عزل المغيرة وتولية سعيد بن العاص مكانه . كان المغيرة فى آخر أيامه يريد الاستقرار واليا على الكوفة لا يتركها إلا بالموت ،  فعلم نية معاوية فى عزله عن الكوفة ، فقال المغيرة لأصحابه: ( الرأي أن أشخص إلى معاوية فأستعفيه ليظهر للناس كراهتي للولاية‏.‏). لذا بادر المغيرة بالذهاب الى دمشق ليخدع معاوية بآخر سهم فى جعبته . قال المغيرة لأصحابه حين وصل إليه‏:‏ (إن لم أكسبكم الآن ولاية وإمارة لا أفعل ذلك أبدًا‏.‏ ). وقبل أن يقابل معاوية ذهب المغيرة رأسا ليزيد بن معاوية ، وقال له‏:‏ ( إنه قد ذهب أعيان أصحاب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وآله وكبراء قريش وذوو أسنانهم وإنما بقي أبناؤهم ، وأنت من أفضلهم وأحسنهم رأيًا وأعلمهم بالسنة والسياسة، ولا أدري ما يمنع أمير المؤمنين أن يعقد لك البيعة‏.‏ قال‏:‏ أوترى ذلك يتم ؟ قال‏:‏ نعم‏.‏) فوجىء يزيد بأن ما يحلم به وما يخطط له أبوه سرا يأتى المغيرة له ويشجعه عليه : (فدخل يزيد على أبيه ، وأخبره بما قال المغيرة ، فأحضر المغيرة وقال له : ما يقول يزيد ؟ فقال‏:‏ يا أمير المؤمنين قد رأيت ما كان من سفك الدماء والاختلاف بعد عثمان ، وفي يزيد منك خلف، فاعقد له ، فإن حدث بك حادثٌ كان كهفًا للناس وخلفًا منك . ولا تسفك دماء ولا تكون فتنة‏.‏ قال‏:‏ ومن لي بهذا ؟ قال‏:‏ أكفيك أهل الكوفة ويكفيك زيادٌ أهل البصرة وليس بعد هذين المصرين أحد يخالفك‏.‏) المغيرة هنا أدخل نفسه مع معاوية فى التخطيط لتحقيق الحلم ، وبالتالى لم يعد بوسع معاوية التخلى عنه ، لذا : ( قال‏:‏ فارجع إلى عملك وتحدث مع من تثق إليه في ذلك وترى ونرى‏.‏ فودعه ورجع إلى أصحابه‏.‏) رجع المغيرة منتصرا وهم فى انتظاره فى قلق : ( فقالوا‏:‏ مه ؟ قال‏:‏ لقد وضعت رجل معاوية في غرز بعيد الغاية على أمه محمد وفتقت عليهم فتقًا لا يرتق أبدًا ). أى إنه فى سبيل أن يبقى واليا على الكوفة عاما أو أكثر شجع معاوية على اتخاذ خطوة يعلم أنها ستزلزل المسلمين . وكله يهون ..فى سبيل الكرسى الملعون ..!
5 ـ ونعود للمغيرة بعد رجوعه للكوفة ، فقد جهز وفدا من بنى أمية واتباعهم ،وأرسلهم وفدا الى دمشق تحت قيادة ابنه موسى بن المغيرة ليطالبوا معاوية بأن يعهد لابنه بولاية العهد وتوارث الحكم . تقول الرواية : ( وسار المغيرة حتى قدم الكوفة وذاكر من يثق إليه ومن يعلم أنه شيعة لبني أمية أمر يزيد ، فأجابوا إلى بيعته ، فأوفد منهم عشرة ويقال أكثر من عشرة وأعطاهم ثلاثين ألف درهم ، وجعل عليهم ابنه موسى بن المغيرة ، وقدموا على معاوية ، فزينوا له بيعة يزيد ودعوه إلى عقدها‏.‏ فقال معاوية‏:‏ لا تعجلوا بإظهار هذا وكونوا على رأيكم‏.‏ ) أى أدخلهم معاوية فى مخططه للتوريث ، يتحركون وقت أن يريد . ثم اختلى بموسى بن المغيرة قائد الوفد وسأله : (‏:‏ بكم اشترى أبوك من هؤلاء دينهم ؟! .قال‏:‏ بثلاثين ألفًا‏.‏ قال‏:‏ لقد هان عليهم دينهم‏.‏ .!! ). هذا هو سحر المال .!!. وهناك روايات أخرى تختلف فى التفاصيل ولكن تتفق فى اساسيات الموضوع وهو دور المغيرة فى تشجيع معاوية على التحرك العلنى نحو تحقيق حلمه بتوارث السلطة فى عقبه .

وقد كان زياد بن أبيه هو المتحكم فى فارس فى خلافة (على ) وبعد مقتل ( على ) ، فاستماله معاوية بأن  زعم أن زياد هو ابن لأبي سفيان ، واستمر زياد بن أبيه أمير البصرة لمعاوية ، والذى أصبح اسمه رسميا زياد بن أبى سفيان .  ومات المغيرة فى طاعون عام 49 ، فضم معاوية الكوفة وأعمالها الى ( زياد ابن أبيه ) . فكان زياد هو أول من جمع ولاية العراق كله وما يتبعه من فارس . كانت هذه رشوة لزياد إنتظر معاوية منه الرد عليها بالموافقة على بيعة يزيد، إذ كتب معاوية الى زياد ابن أبيه يستشيره فى البيعة ليزيد. وكان زياد ابن أبيه يرى أن يزيد بن معاوية لا يصلح للخلافة ، فكتب الي معاوية ينصحه بالتروى وألا يعجل ، وأن يُصلح من أمر يزيد، تقول الرواية ( وكتب زياد إلى معاوية يأمره بالتؤدة وألا يعجل ، فقبل ذلك معاوية ، وكف يزيد عن كثير مما كان يصنع .).

ثالثا : إعلان البيعة ليزيد

1 ـ إنتظر معاوية الى أن مات زياد ابن أبيه ( فجأة ) . تقول الرواية إنه ( لما مات زياد دعا معاوية بكتاب فقرأه على الناس باستخلاف يزيد ، وإن حدث به حدث الموت فيزيد ولي عهده . فاستوسق له الناس على البيعة ليزيد غير خمسة نفر ) ( بايع الناس ليزيد بن معاوية غير الحسين بن علي وابن عمر وابن الزبير وعبدالرحمن بن أبي بكر وابن عباس .) . وتقول عناوين الروايات ( وفىعام 56 هجرية أعلن معاوية البيعة لابنه يزيد  ) ، ( ثم دخلت سنة ست وخمسين  : وفيها دعا معاوية الناس الى بيعة ابنه يزيد من بعده وجعله ولي العهد .).

2 ـ وابتدع معاوية السّنة التى سار عليها بعده المستبدون فى مسرحيات توريث العهد ، وهى أن يعقد مؤتمرا يتبارى فيه القادة على المطالبة بترشيح ابن السلطان وليا للعهد بعد السلطان ، ويقدمون لولى العهد البيعة والعهود والمواثيق . معاوية هو مؤسس ومبتدع الكثير من ملامح الكفر السلوكى ، من الاغتيال الى توريث الحكم . فبعد أن أعدّ العدة على مهل أمر بعقد مؤتمر عام للبيعة لابنه يزيد فى سنة 59 هجرية . وخطط معاوية السيناريو الواجب إتباعه . أن يخطب معاوية ، ثم يقوم بعده بالتعقيب الضحاك بن قيس الفهرى ينادى بترشيح يزيد ، ثم يليه عبد الرحمن بن عثمان الثقفى ، ثم ابن عضاة الأشعرى ثم ابن معن السلمى ليوافقوا الضحاك فى البيعة ليزيد . وجاءت الوفود لحضور المؤتمر . وتكلم معاوية فمدح إبنه يزيد وأنه اصبح ( صالحا ) وأن صلاحه يدفع معاوية لأن يوليه العهد . ثم قام الضحاك وخطب ووجه خطابه لمعاوية قائلا : " إعزم على ما فعلت ". وقام عبد الرحمن بن عثمان الثقفى ، ثم ابن عضاة الأشعرى وابن معن السلمى يؤيدون الضحاك . وطلب معاوية رأى الأحنف بن قيس زعيم بنى تميم ، وكان ( حكيم زمانه ) فتكلم الأحنف يحمّل معاوية المسئولية بما يفيد معارضته للبيعة ، فأسرع الضحاك وابن عثمان الثقفى بالهجوم على الأحنف ، وربما ساد الهرج والمرج لأن رجلا من ( الأزد ) قام وسلّ سيفه وصاح قائلا لمعاوية: " أنت أمير المؤمنين ، فإذا متّ فأمير المؤمنين يزيد ، فمن أبى هذا ..فهذا " ولوّح بسيفه . فقال له معاوية : " اقعد ، فأنت أخطب الناس  .".!. أى من الآخر هى الغلبة والقوة والسيف ، سواء فى الفتوحات أو فى الاستبداد بالحكم . هكذا صراحة بلا لفّ ولا دوران ، وبلا رقص على السلم .

3 ـ وبعدها قام الدين السّنى بتشريع هذا تحت مقولة  ( الملك لمن غلب ، والبيعة للمتغلب ) كما قام من قبل بتشريع الغزو والفتح والاحتلال بما يقال فيه (حق الفتح عنوة .). وبتعبيرنا فإن ( الاستحقاق ) بالقوة والغلبة والظلم أصبح دينا تأسس بالشريعة السّنية ، وتبعتها شريعة الشيعة حين أقاموا لهم دولا فى مصر وشمال أفريقيا وفارس . وهذا الاستحقاق يرتكز على ظلم هائل لشعوب بأكملها ومصادرة لحريتها . وهذا الظلم مرفوض فى شريعة الاسلام ، ولكن أصبح هذا الاستحقاق الظالم للمستبد والغزاة حقا عاديا فى تاريخ المسلمين بكل أديانهم الأرضية ، لا يستوجب إنكارا ولا إحتجاجا ، لأنه تم تشريعه بالدين الأرضى الذى يوافق ثقافة العصور الوسطى . ولذا فأن فقهاء الدين الأرضى كانوا ـ  ولا يزالون ـ يتنافسون فى خدمة المستبدين الظالمين . وتأسست الأديان الأرضية للمسلمين فى ظل هذا الظلم ، وعاش فى هذا المناخ الظالم أئمة الحديث والفقه قضاة وقصاصين وخدما لخلفاء وسلاطين الاستبداد .

4 ـ بإيجاز نقول أنه بدأ العرب بسبب طبيعتهم الحربية بالفتوحات ، وطبقا لتشريع القرآن والاسلام فهى ( كُفر سلوكى ) بالاعتداء . ثم تم تشريع هذا الكفر السلوكى بأحاديث وتشريعات فقهية ، فتمت ولادة الكفر العقيدى تشريعيا وعقيديا . ونحن نحظى فى عصرنا البائس بنوعى الكفر السلوكى ( الارهاب ) والعقيدى ( تقديس الصحابة والأئمة ). وبينما يتقدّم العالم المتحضر فى مجالات الديمقراطية وحقوق الانسان والمخترعات فإن المسلمين يتقدمون الى الخلف ، يجترّون ماضيا داميا ظالما شريرا ، يدافعون عن الظالمين ويسكنون مساكن الذين ظلموا أنفسهم ، بل يجعلون هذا التخلف الماضوى الرجعى دينا جديدا اسمه ( السلفية ).

اجمالي القراءات 8979

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
التعليقات (2)
1   تعليق بواسطة   صلاح الدين كرفه     في   الجمعة 07 يونيو 2013
[72100]


 السلام عليكم ، اود أولا أن أشكركم علي ما تكتبون . ألاحظ أن التاريخ يعيد نفسه باستمرار و أن نفس الأسباب تودي الي نفس النتائج و معاوية بصفته سياسي بارع استعمل نفس الأسلحة ( العلاقات ،التحالفات، الأهل، المال ، الإشهار ،التشهير، الغدر ، القتل...) و ذلك ببراعة و مقدره و ذلك قبل مكيافيل بقرون ، لسوء حظه أن ابنه يزيد لم يكن في مستواه و مقدرته السياسية.


2   تعليق بواسطة   حسين الشهري     في   السبت 08 يونيو 2013
[72107]

بعد إذن محمد دندن

صراحة اكتشفت أن معاوية بن أبي سفيان رجل رائع جدا من خلال سلسلة الدكتور أحمد صبحي منصور .


أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2006-07-05
مقالات منشورة : 4292
اجمالي القراءات : 39,210,124
تعليقات له : 4,566
تعليقات عليه : 13,353
بلد الميلاد : Egypt
بلد الاقامة : United State

مشروع نشر مؤلفات احمد صبحي منصور

محاضرات صوتية

قاعة البحث القراني

باب دراسات تاريخية

باب القاموس القرآنى

باب علوم القرآن

باب تصحيح كتب

باب مقالات بالفارسي