ليالي (إرهاب) المدينة!

سامح عسكر في الإثنين 26 نوفمبر 2012


 

لم يكن بخُلد عموم المصريين -وانطلاقاً من وعيهم الجمعي- بأن تتحول المُدن المصرية من مُدن يعمها السلام إلى مُدن يسودها الكر والفر والضرب والقتل بين متصارعين أحدهما موالي للحكومة والآخر معارض لها، قد يأتي السؤال ولماذا ننفي ذلك عن المجتمع المصري ولدينا مشاهد وأحداث ثورة يناير، ولكن أنا لا أرى في أحداث ثورة يناير -خاصة جمعة 28 يناير وما أعقبها من أحداث -إلا أنها كانت مواجهات بين الشعب المصري والشُرطة ، حتى مشاهد موقعة الجمل"الشهيرة" لم تكن فيها الأحداث بين طرفين يتصارعان عن عقيدة وأيدلوجيا، بل كان هناك طرفاً يتمتع بهذه الأشياء والآخر جرفته الأقدار إلى تلك المواجهة المشئومة والتي حفرت طريقها بسهولة إلى الذاكرة المصرية العتيقة،علاوة على كون هذا الطرف يرى منفعته في ما جرى من أحداث ولا يمكن توصيف أصحاب الجمال والخيول-السياحية- أنهم كانوا يُقاتلون عن عقيدة، إذ يُشترط في بناء العقيدة أن يكون الإنسانُ عارفاً مُطمئنا، ولا أظن هؤلاء على قدرٍ من الثقافة والوعي السياسيين أن يُقاتلوا فئة وهم يعلمون ماهية وعاقبة ما يفعلون.

إن معنى وجود الحرب الأهلية في مكان يعني وجود عقيدة..ابحث عن العقيدة،وليس المقصود حصر مفهوم العقيدة هنا في العقائد الدينية فحسب، بل هناك عقائد أخرى سياسية وأيدلوجية لا تقل خطورة في تَبِعاتها عن العقائد الدينية والعِرقية، وما يحدث في المُدن المصرية الآن وبعد إصدار الرئيس مُرسي لإعلانه الدستوري هو صراع بين فريقين يُقاتلان بعضهم عن عقيدة..وهنا مكمن الخطورة،فالفريقين على قدرٍ من الثقافة مقبول، وهنا لا أرمز بالثقافة على أنها المعرفة المُطلقة بل أرى أن سمة الصراع الذي يدور في مصر أن أحد هذه الأطراف -وهو التيار الإسلامي -وبالأخص الإخوان المسلمين- لا يتمتعون بمزايا المعرفة المُطلقة، بل كانت معرفتهم مُقيدة وشديدة الضيق والحصر إما في ماهيات القرارات أو في الشخوص، وهو ما حملهم على حصر كافة مُشكلاتهم إما في قرار استثنائي أو في شخص فلان وعلان بينما المسألة أكبر من ذلك بكثير.

في النصف الثاني من القرن العشرين ظهرت لنا احتفالات "أضواء المدينة"وهي احتفالات كانت تعلم أغلب أو كافة المُدن المصرية، فكان الفنانون والمطربون يتسابقون في إظهار مواهبهم الإبداعية بين ربوع الشعب البسيط ..ولو كان في منطقة نائية عن العاصمة، وقد أضفى ذلك صنوفاً من البهجة والمرح في قلوب المصريين وهم ينتظرون أو يستمتعون بمشاهدة هذه الحفلات إما في القاعات أو في المنازل عبر التلفاز، كان الشعب المصري قوي اجتماعياً وسياسياً ولم تكن تُفرقه السياسية بالقدر الذي نشاهده الآن من حرب عصابات وحرق مقرات وقتل شباب في سن الزهور فقط بمجرد الخلاف السياسي، وإن كان من مسئول عن هذه الأعمال فلا يُمكن تنحية الحكومة عن مسئوليتها وواجبها الوطني تجاه شعبها وأمنه، فمن المُفترض أن لكل مُشكلة علة أو باعث على النشوء وبدونها تفنى المُشكلة وتنعدم، وعلة أو باعث هذه المشكلة هي بلا شك ذلك الإعلان الدستوري الذي أصدره الرئيس محمد مرسي مؤخراً.

هذا الإعلان الذي شمل في مواده حرباً بلا هوادة على القضاء المصري والذي نال من استقلالية القضاء بشكلٍ مستفز، وهو ما حمل قُضاة مصر على رفض الإعلان- بالإجماع- في جمعيتهم العمومية أمس الأول، حتى أوصى نادي قُضاة مصر بتعليق العمل في كافة محاكم الجمهورية لحين إلغاء القرار خاصة هذه المواد التي تنتهك السيادة القضائية، لم يُخالف إجماع القُضاة إلا مجموعة صغيرة أعطت لنفسها دوراً سياسياً مؤيداً لقرارات واتجاهات التيار الإسلامي بعد الثورة، هذه المجموعة أطلقت على نفسها.."قُضاة من أجل مصر"..وحقيقة أنا أشك في توجهات هذه المجموعة كونها أطلقت تصريحات عنترية معزولة تماماً عن واقع المجتمع وإجماع القُضاة في جمعيتهم العمومية، ولا يُمكن تسمية هذه المجموعة في ظل هذا الظرف إلا أنها مجموعة.."قضاة من أجل مرسي"..أو."قضاة من أجل الإخوان"..أما أن تكون من أجل مصر فهذا محل شك كبير ، فالمجموعة يبدو أنمها متخصصة في تبرير والدفاع عن قرارات الرئيس والتيار الإسلامي بشكلٍ عام.

حقيقة إن تسييس القضاء بهذا الشكل الأهوج هو تصرف في منتهى الخطورة، فالماهية القضائية لها قُدسيتها المحفورة في وجدان بني الإنسان، وحين يعمل هذا القاضي بالسياسة بل ويعمل على الاصطفاف والتبرير أو الدفاع على طول الخط فلا يُمكن تسمية ذلك إلا أنها حالة"تسييس قضائي"مكشوفة..فلو فرضنا -وحسب مزاعم الرئيس في حيثيات قراره-أن القضاء الحالي مُسيس وأن الإعلان في جوهره يحارب هذا التوجه فما الذي حمل مجموعة"قُضاة من أجل مصر"على دعم الإعلان والدفاع عنه..في حين والمشهور عن هذه المجموعة أنها تصطف بجانب الإخوان في كل صغيرة وكبيرة ، فإن كان من هم أولى بمواجهة تسييس القضاء فتكون هذه المجموعة التي تخرق إجماع القُضاة بل وتتعمد إهانتهم ورؤسائهم في كل مرة يجري فيها الخلاف، وفي ظني أن نشاط هذه المجموعة متعمد والمقصود منه هو إحداث نوع من الخلاف داخل الصف القضائي في كل توجه يعارض سياسات الرئيس أو جماعة الإخوان...

أخيراً فالإنسان المصري الجديد..إنسان ما بعد ثورة يناير..أراه يطمح في تغيير ثوري ليس فقط في المجال السياسي بل أيضاً في المجالين الثقافي والتنويري، فإذا كانت كل هموم السلطة تنصب فقط على التغيير السياسي فلا يمكن توصيف إجراءات هذا التغيير بأنه تغييراً ثوريا بأي حال من الأحوال، وإذا عملت السلطة على التغيير الثقافي والنشاط التنويري ستجري محاصرة هذه الأعمال القتالية التي سلبت من المدينة المصرية أضواءها وأعطتها طابعاً إرهابياً يزداد قسوة مع مرور الوقت، وإن لم يحدث فسيشهد التاريخ أنه وفي ظل حُكم جماعة الإخوان المسلمين أن انقلب المجتمع المصري من سلميته "المتوارثة" إلى مجتمع حربي لا يطيق الآخر ويحرمه من كافة حقوقه وامتيازاته..وبذلك تصدق مقولة من اتهم الجماعة في السابق بأن صعود جماعة الإخوان المسلمين للحُكم هو أمر خطير على المجتمع المصري وعلى أمنه وسلامته بل أيضاً على دينه وثقافته، وأن من لم يرى-عملياً- بأن مهام السياسة لا تختص بأعمال تطبيق الأخلاق على المجتمع سيفشل حتماً في إيجاد تصور أخلاقي لذاته يمكنه من التعامل مع المستجدات وبالتالي يسقط أخلاقياً في الأذهان وهو سقوط سيتبعه-حتماً-ذلك السقوط السياسي الأخير.. ولكن بفاصل زمني ربما يقل أو يزيد حسب مهارة وقوة ذلك الفصيل.

اجمالي القراءات 5485

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2012-09-25
مقالات منشورة : 783
اجمالي القراءات : 4,715,008
تعليقات له : 102
تعليقات عليه : 410
بلد الميلاد : Egypt
بلد الاقامة : Egypt