الفصل السادس : اليهود (بقية):
الفصل السادس : اليهود (بقية)

محمود علي مراد في الخميس 06 سبتمبر 2012


 

الفصل السادس

اليهود (بقية)

ملحوظات عامة

1- الاقتباسات القرآنية بشأن اليهود التي علَّق عليها النص في الفصل السابق مقتطف أكثرها من سورة البقرة التي تحمل، في تصنيف بلاشير، رقم 93 والتي هي أول ما نـزل من سور القرآن الكريم في الفترة المدنية. والاقتباسات الأخرى، ما خلا الاقتباسات أرقام 49 و51 و53 و55، مقتطفة من سور لاحقة: سورة آل عمران (3) وسورة النساء (4) وسورة التوبة (9) وسورة المائدة (5)، التي تحمل في تصنيف بلاشير أرقام 99 و102 و115 و 116 على التوالي. ولما كانت سورة التوبة وسورة البقرة زمنياً آخر سورتين في القرآن الكريم، فيمكن القول إن ابن إسحاق أراد هنا أن يعالج موضوع اليهود بتعمق، ليس فقط خلال السنة الأولى بعد الهجرة وإنما خلال الفترة المدنية بأكملها.

والشيء الملفت للنظر في هذا المقام هو أننا لا نجد في أي مكان في "السيرة" مثل هذا التركيز على الاقتباسات القرآنية، فلا كفار مكة ولا منافقو المدينة كانوا موضوعاً لمثل هذا العدد من الاقتباسات.

2- المؤلف، في الجانب الأكبر من اقتباساته، لا يكتب باعتباره مؤرخاً وإنما يكتفي بشرح معنى الآيات المقتبسة. هذا ما فعله بالنسبة للاقتباسات من (1) إلى (10)، التي تمثل، من حيث عدد الآيات، ستين في المائة من المجموع. كذلك فإن أجزاء كبيرة من القرآن الذي يشير إليه، كما هو الحال في الآيات (25-39) و (45-75) من سورة البقرة لم تذكر إلا بالكاد.

3- في جزء من الاقتباسات القرآنية يبذل المؤلف قصارى جهده لينسج رباطاً بين القرآن الكريم وبين أفعال اليهود في المدينة، ولكن تفسيره - الذي لا يغني ولا يسمن من جوع لأنه ينصب على جمل لا يثير فهمها أي صعوبة - كثيراً ما يؤدي إلى تشويه المعنى. وهو في حالات عديدة يحد كثيراً من نطاق القرآن المقتبس. إن الآيات التسع والثلاثين الأولى من سورة البقرة مثلاً تعلن للناس جميعاً حقائق الدين الإسلامي الأساسية: الله سبحانه وتعالى، والبشر، والأنبياء، والخير، والشر، والحساب، والجنة، والنار، ودعوة إلى اليقظة لكيلا يخدع أحد نفسه فيما يتعلق بقيمة إيمانه. ومع ذلك فإن ما يقوله لنا النص كتفسير لهذه الآيات هو:

- أن مُجملها يتعلق بالأحبار وبمنافقي الأوس والخزرج؛

- أن الذين كفروا، في الآية (6)، هم اليهود؛

- أن "شياطينهم" في الآية (14)، هم شياطينهم من اليهود؛

- أن كلمة "مصلحون" في الآية (11) تعني الإصلاح بين المؤمنين وأهل الكتاب؛

- أن كلمة "الكافرين" في آخر الآية (24) تعني لمن كان على مثل ما أنتم (معشر اليهود) عليه من الكفر؛

- أن "عهد الله" في الآية (27) هو الميثاق الذي أخذ عليهم للنبي صلى الله عليه وسلم.

وخلاصة القول أن الكفار في الآيات التسع والثلاثين الأولى من سورة البقرة هم أحبار المدينة من اليهود، لا مشركو المدينة ومكة وغيرهما، ولا كفار القرون التالية.

4- أما الاقتباسات القرآنية التي تتحدث صراحة عن اليهود، فإن المؤلف يتبع في اختيارها القاعدة ذاتها التي اتبعها في الآيات المتعلقة بالمشركين في الفترة المكية، والمنافقين والنصارى في الفترة المدنية، وهي إيلاء الأولوية للآيات التي يسهل التلاعب بها، أي الآيات التي يمكن استخدامها لاصطناع واقعة تاريخية سابقة يقدمها المؤلف على أنها سبب نـزول الآيات المذكورة.

5- ويبلغ عدد الاقتباسات التي يقول النص إن أسباب نـزولها كانت تتمثل في كلام قيل ستة وثلاثين. وفيما يلي، على سبيل التخصيص، عيِّنة من الكلام الذي قاله أحبار اليهود للرسول صلى الله عليه وسلم، كما جاء في عشرين تعليقاً من تعليقات النص:

- كيف يشبه الولد أمه، وإنما النطفة من الرجل؟ أخبرنا كيف نومك؛ أخبرنا عما حرَّم إسرائيل على نفسه؛ أخبرنا عن الروح؛

- يا محمد، ما جئتنا بشيء نعرفه، وما أنـزل الله عليك من آية فنتَّبعك لها؛

- يا محمد، ائتنا بكتاب تنـزله علينا من السماء ونقرؤه، وفجِّر لنا أنهاراً نتَّبعك ونصدقك؛

- إن كنت رسولاً من الله كما تقول، فقل لله فليكلمنا حتى نسمع كلامه؛

- ما الهدى إلا ما نحن عليه، فاتَّبعنا يا محمد تهتد؛

- يا محمد، ما ولاَّك عن قبلتك التي كنت عليها وأنت تزعم أنك على ملة إبراهيم ودينه؟ أرجع إلى قبلتك التي كنت عليها نتَّبعك ونصدقك؛

- بل نتَّبع يا محمد ما وجدنا عليه آباءنا، فهم كانوا أعلم وخيراً منا؛

- يا محمد، لا يغرنَّك من نفسك أنك قتلت نفراً من قريش، كانوا أغمارا لا يعرفون القتال، إنك والله لو قاتلتنا لعرفت أنا نحن الناس، وأنك لم تلق مثلنا؛

- على أي دين أنت يا محمد؟ (على ملة إبراهيم ودينه) فإن إبراهيم كان يهودياً؛

- أرعنا سمعك يا محمد، حتى نفهمك؛

- ما نعرف ذلك يا محمد (أن الذي جئتنا به حق)؛

- يا محمد، ما نعلم أن الله أنـزل على بشر من شيءٍ بعد موسى؛

- ما نعلم (أنك رسول من الله إلينا)، وما نشهد عليه؛

- ما تخوفنا يا محمد، نحن والله أبناء الله وأحبّاؤه؛

- إن بيننا وبين بعض قومنا خصومة، أفنحاكمهم إليك فتقضي لنا عليهم، ونؤمن بك ونصدّقك؟

- إنا نأخذ ما بأيدينا، فإنا على الهدى والحق، ولا نؤمن بك، ولا نتبعك.

- أما تعلم مع الله إلهاً غيره؟

- كيف نتبعك وقد تركت قبلتنا، وأنت لا تزعم أن عُزيراً ابن الله؟

- إن الله يصنع لرسوله إذا بعثه ما يشاء ويقدر منه على ما أراد، فأنـزل علينا كتاباً من السماء نقرؤه ونعرفه.

- هذا الله خلق الخلق، فمن خلق الله؟

وتقديم النص لباقي الاقتباسات القرآنية وتعليقاته عليها هي من النوع ذاته، مع فارق واحد هو أن ما قيل من كلام كان موجهاً لمسلمين لا إلى محمد صلى الله عليه وسلم. وقد أوضحت ملحوظاتنا أنه ما من تقديم أو تعليق على الاقتباسات القرآنية الخمسة والخمسين إلا وهو محل للنقد.

6- ويمكن حصر الانتقادات التي ترد على تعليقات المؤلف في ثماني حالات:

 أ ) حالات لا يعدو التعليق فيها أن يكون مجرد تأويل لا يتضمن أي عنصر تاريخي ذي قيمة؛

ب) حالات لا يتمشى تعليق النص فيها مع الاقتباس القرآني. ومن المفيد أن نذكر في هذه الفئة:

- حالة الاقتباس رقم 16 التي يقول أحد اليهود فيها إن الله لم يعهد إلى اليهود في عهد ولم يأخذ له عليهم ميثاق مع أن الآية تتحدث عن عهد يتعلق بشئون الدنيا؛

- حالة الاقتباس رقم 18 التي يطلب فيها اثنان من اليهود من الرسول صلى الله عليه وسلم شيئاً مع أن الآية توجِّه لوماً للمسلمين؛

- حالة الاقتباس رقم 35 التي ذكر فيها عدد من أسماء اليهود مع أن الآية تخاطب الكفار بل والمسلمين؛

- حالة الاقتباس رقم 41 التي يقول النص فيها إن يهوداً معينين بأسمائهم تآمروا على قتل الرسول صلى الله عليه وسلم مع أن الآية (11) من سورة المائدة تتحدث على الأرجح عن قوم من الكفار أو المنافقين هموا بمحاربة المسلمين؛

- حالة الاقتباس رقم 44 الذي يتحدث عن مجموعتين من الأشخاص: الكفار واليهود، ومع ذلك فإن النص لا يذكر أي اسم لكافر بل يذكر اسم أحد الأحبار اليهود بصدد قصة - هي قصة الزنا - لا تتمشى مع المعنى الظاهر للآيات المقتبسة.

- حالة الاقتباسات أرقام 49 و 51 و 53 و 55 التي يذكر النص فيها أسماء أشخاص من اليهود مع أن الآيات المقتبسة نـزلت في مكة وأن المقصود فيها هم بالتالي مشركو مكة.

ج ) حالات يقول النص إن الآيات فيها نـزلت في ظروف محددة والواقع أن الآيات المذكورة تكرر معاني عامة وردت، بالعبارات ذاتها أو بعبارات مختلفة، في آيات أخرى سبقت أو تلت نـزولها؛

د ) حالات صمَت النص فيها عن مآخذ وُجِّهَت للكفار أو حوَّل وجهتها إلى اليهود.

ه ) حالات سوى فيها النص بين أهل الكتاب وبين اليهود وحدهم.

و ) حالات تتحدث فيها الآيات المقتبسة عن أهل الكتاب أو عن اليهود والنصارى ويقول النص في شأنها إن الكلام الذي تشير إليه قيل خلال لقاء جمع اليهود ونصارى نجران الذين قدموا لرؤية الرسول صلى الله عليه وسلم، علماً بأن ما يقصه النص عن هذه الزيارة ليس فيه شيء عن مثل هذا اللقاء.

ز ) حالات يشرح فيها النص آيات قرآنية بحدث وقع لشخص أو شخصين، مع أن القرآن الكريم يستخدم صيغة الجمع التي تشير إلى عدد أكبر.

ح ) حالات يعزو فيها النص إلى الأحبار كلاماً فيه سخرية أو سباً للذات الإلهية أو للدين قد تصدر عن الكفار من اليهود أو غيرهم ولكن لا يُتصوِّر صدورها من أحد رجال الدين.

وهناك عشر حالات يتحدث التعليق فيها لا عن كلام قيل وإنما عن فعل أو حدث. وفيما يلي ظروف كل منها طبقاً لما ورد في النص:

- كتاب بعث به الرسول صلى الله عليه وسلم إلى يهود خيبر يدعوهم فيه إلى الله ونبيه؛

- اثنان من أحبار اليهود كانا من أشد يهود حسداً للعرب، إذ خصهم الله تعالى برسوله صلى الله عليه وسلم، وكانا جاهدين في رد الناس عن الإسلام بما استطاعا؛

- بعض "الأنصار" سألوا نفراً من أحبار يهود عن بعض ما في التوراة، فكتموهم إياه، وأبوا أن يخبروهم عنه؛

- أحد أحبار اليهود كلف فتىً شاباً من يهود بإثارة الأحقاد بين جماعة من الأوس والخزرج الذين ألَّف الإسلام بين قلوبهم، فذكَّر هذا الشاب الجماعة بحرب قريبة خاضها الفريقان أحدهما ضد الآخر، فتشاجر الفريقان وتبادلا الإساءات حتى كادا يتقاتلا بالسلاح؛

- كان رجال من المسلمين يواصلون رجالاً من اليهود، لما كان بينهم من الجوار والحلف؛

- أحد الأحبار تفوَّه أمام أبي بكر، في بيت المدراس، بألفاظ فيها سبٌ للدين وقال: "الله… ينهاكم عن الربا ويعطيناه" فضرب أبو بكر وجهه ضرباً شديداً فذهب اليهودي إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ليشكوه إليه؛

- الرسول صلى الله عليه وسلم خرج إلى بني النضير يستعينهم في دية شخصين قتلهما مسلم، فتآمروا على قتله بإلقاء صخرة عليه من أعلى بيت كان يجلس تحته؛

- رجل وامرأة محصنان من اليهود ارتكبا جريمة الزنا، وبدلاً من محاكمتهما، قرر أحبار اليهود إحالة القضية إلى الرسول صلى الله عليه وسلم؛

- قبيلة يهودية كانت تؤدي الدية كاملة بينما كانت قبيلة يهودية أخرى، لشرفها، تؤدي نصف الدية، فتحاكموا في ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛

- اثنان من أحبار اليهود أظهرا الإسلام ثم نافقا، وكان رجال من المسلمين يوادونهما.

7- شككت ملحوظاتنا في صحة شرح النص لهذه الاقتباسات القرآنية. ولكن على فرض صحة الوقائع المذكورة التي يقدمها النص كسبب لنـزول الاقتباسات، فإنها لا تمثل إلا أحداثاً قليلة الأهمية لا تصور طبيعة العلاقات بين اليهود والمسلمين تصويراً حقيقياً.

8- المؤلف، وإن كان يحاول ما وسعه الجهد أن يصطنع أحداثاً تاريخية ليشرح أسباب نـزول اقتباساته القرآنية، لا يقوم بعمل المؤرخ حيث يقتضي الأمر كتابة التاريخ. وفيما يلي بعض المآخذ التي وردت في القرآن الكريم ضد اليهود وأهل الكتاب عموماً، اقتطفناها من الاقتباسات القرآنية التي جاءت في النص:

-     "أَوَكُلَّمَا عَاهَدُواْ عَهْداً نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُم"؛

-     "وَاتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ"؛

-     "وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً"؛

-     "الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنـزلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ"؛

-     " لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ مَنْ آمَنَ"؛

-     "لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ"؛

-     "هَاأَنتُمْ أُوْلاء تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ "؛

-     "وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذًى كَثِيرًا"؛

-     " الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَواْ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ"؛

-     "الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاء النَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ"؛

-     "الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ"؛

-     "الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلاَلَةَ وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّواْ السَّبِيلَ"؛

-     "مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا"؛

-     " يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ"؛

-     "قَالُواْ آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هِادُواْ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ"؛

-     "سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُواْ"؛

-     "قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّىَ تُقِيمُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنـزلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ".

إن المآخذ الواردة في هذه المقتطفات القرآنية ضد اليهود وأهل الكتاب عموماً مآخذ بالغة الخطر. وهي لا تنصب فحسب على كلمة قيلت أو على فعل فردي أتاه شخص من الأشخاص، وإنما على حالة عامة تتضمن في مجالات الإيمان، والسلوك، والمشاعر، والنوايا أوضاعاً ذات أهمية قصوى.

-  في مجال الإيمان: عدم إقامة التوراة والإنجيل، أي العمل بما فيهما من أوامر ونواه؛ إتباع ما تتلو الشياطين على مُلك سليمان؛ الإيمان بالجبت والطاغوت؛ الإسراع في الكفر؛

-  في مجال السلوك: نبذ العهود المتكرر؛ كتمان ما أنـزل الله من البينات والهدى؛ صد من آمن بالله عن سبيله؛ الرضاء عن النفس وحب أن يُحمدوا بما لم يفعلوا؛ البخل؛ شراء الضلالة؛ تحريف كلام الله عن مواضعه؛ العصيان المتعمد؛ النفاق؛ الترحيب بسماع الكذب؛

-     في مجال المشاعر: كره المسلمين؛ تمني الشر لهم؛ عدم مبادلتهم لهم حباً بحب؛

-     في مجال النوايا: الرغبة في رد المسلمين من بعد إيمانهم كفاراً؛ "لا يألونكم خبالاً"، "لتسمعن (منهم) أذىً كثيراً"؛ "يريدون أن تضلُّوا السبيل".

إن تصوير المآخذ القرآنية المتعلقة بأشكال سلوك أهل الكتاب حيال المسلمين بأمثلة ملموسة؛ والتحديد الدقيق لتعاليم التوراة والإنجيل التي أهمل اليهود والنصارى العمل بها؛ وشرح كيف كانوا يتبعون ما تتلو الشياطين على مُلك سليمان وكيف كانوا يؤمنون بالجبت والطاغوت؛ وكيف كانوا يسارعون في الكفر؛ وضرب أمثلة على مشاعرهم العدائية ونواياهم الشريرة التي تُرجمت إلى أفعال، هو ما كان منتظراً من كاتب "السيرة". والحاصل هو أنه بدلاً من أن يزودنا بهذه المعلومات التي لا غنى عنها والتي تشكل جوهر السيرة النبوية، اكتفي بترديد ما قاله القرآن الكريم بشأن هذه المآخذ ولم يعط قارئه الحد الأدنى من البيانات الذي يسمح له بفهم أحداث الفترة.

9- النص يكتفي، في الشروح التي يقدمها للاقتباسات القرآنية، بذكر الظروف التي يرى مؤلفه أنها أدت إلى نـزول الآيات. ولكن تاريخ كل اقتباس قرآني لا يتوقف عند هذه النقطة في معظم الأحيان، بل يتعين استكماله بذكر الأثر الذي أحدثته الآيات على من نـزلت فيهم. فهل بُلِّغ هؤلاء الأشخاص بنـزول هذه الآيات؟ ماذا كان رد فعلهم؟ هل جعلهم الكلام الرباني يثوبون إلى رشدهم؟ هل سدروا على العكس في غيِّهم؟ ماذا كان أثر نـزول الآيات على من كانوا يحيطون بهم؟ على أعضاء جاليتهم. لابد أنه كان أثراً عظيماً إذ أنهم كانوا جميعاً من الأحبار. ثم ماذا كان وقعها على المسلمين؟ كيف استقبلوا التنـزيل الذي يعنف معارضيهم من اليهود؟ هل قطعوا علاقاتهم بالأحبار المعنيين؟ هل استمروا في مخالطتهم؟ إن غياب المعلومات عن هذه المسائل يحمل على الظن بأن ردود القرآن الكريم على أقوال الأحبار الذين ذكرهم وعلى أفعالهم لم يكن لها أثر على مجتمع المدينة، وكأن الصراع الأيديولوجي بين ممثلي الديانتين العظميين، الذي كانت تداعياته بالغة الأهمية، مباراة شطرنج تسجل فيها نقاط المكسب والخسارة في قاعة خلت من المتفرجين، فليس هناك من يصفق ولا من يُطلِق صيحات الاستهجان، واللاعبان فيها لا يبدو عليهما أدنى اكتراث للنتيجة!

10- وهناك نقطتا نقد أخريان تستحقان مزيداً من التفصيل، وهما تتعلقان بميثاق اليهود وباستخدام الأسماء في "السيرة".

ميثاق اليهود

حين يرِد في القرآن الكريم ذكر "الميثاق" أو "العهد" فإن النص - وقد حدث هذا عدة مرات - يتحدث عنهما كما لو أن الأمر لا يعني إلا اليهود، وكما لو كان لهما معنى واحد هو ذلك الذي يؤخذ من الآية التالية:     

وَإِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ ﴿81﴾[آل عمران]

والحاصل أن هذا الميثاق:

أ ) ليس الوحيد الذي ارتبط به اليهود، فإن القرآن الكريم يتحدث عن الميثاق في الآيات التالية:

وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنكُمْ وَأَنتُم مِّعْرِضُونَ ﴿83﴾وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَاءكُمْ وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ ﴿84﴾[البقرة]

وَلَقَدْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاَةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنتُم بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللّهَ قَرْضًا حَسَنًا لأُكَفِّرَنَّ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السَّبِيلِ ﴿12﴾[المائدة]

ب) لم يكن اليهود وحدهم الذين ارتبطوا بمثل هذا الميثاق مع ربهم. لقد ارتبط به النصارى أيضاً:

وَمِنَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللّهُ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ ﴿14﴾[المائدة]

والمسلمون بدورهم ارتبطوا به، كما في قوله تعالى:

وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُم بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴿7﴾[المائدة]

الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللّهِ وَلاَ يِنقُضُونَ الْمِيثَاقَ ﴿20﴾وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ ﴿21﴾وَالَّذِينَ صَبَرُواْ ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً وَيَدْرَؤُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ ﴿22﴾جَنَّاتُ عَدْنٍ …﴿23﴾…وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُوْلَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ ﴿25﴾[الرعـد]

وأخيراً فإن القرآن الكريم يتحدث عن ميثاق آخر في عالم آخر فيقول:  

وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا ﴿7﴾لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَن صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا ﴿8﴾[الأحزاب]

فيمكن القول إذاً أن الميثاق هو، في الواقع، الدين. لقد عقده الأنبياء مع الله سبحانه وتعالى وتعهدوا بإبلاغه كاملاً إلى أقوامهم. وهو يقضي أولاً بعبادة الله. وهو يوجب بعد ذلك إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وطاعة الأوامر والنواهي، وهي واحدة بالنسبة للمؤمنين كافة. وكلما بعث الله رسولاً، تعهد الرسل السابقون بالإيمان به وبنصرته. والتعهد ذاته يربط أولئك الذين تلقوا رسالاتهم وآمنوا بها. وهؤلاء يتعهدون باحترام جميع الأوامر والنواهي وبالإيمان بكل الكتب المقدسة. أما الإيمان الجزئي والتطبيق الجزئي لأحكام الدين فمحظور. ومن المحرَّم قتل الناس وإخراجهم من ديارهم. ومن الواجب وصل ما أمر الله به أن يوصل. وقطع هذه الأواصر أو الإفساد في الأرض إخلال بعهد الله وبميثاقه. والمؤمن مطالب بإذاعة كل ما جاء في الميثاق وبألاَّ يكتمه. وإذا هو أخفى منه شيئاً فهو مخالفٌ للدين.

والمأخذ الذي يأخذه الله على اليهود في القرآن الكريم ليس إذاً فحسب، كما يوهمنا ابن إسحاق، عدم إيمانهم بمحمد صلى الله عليه وسلم، بل هو أيضاً كونهم لا يفون بعهودهم حيال دينهم ذاته، الذي جاء به موسى عليه السلام. وكونهم نسوا جزءاً من ميثاقهم وكتموا جزءاً آخر. وأنهم، بالحروب، قطعوا ما أمر الله به أن يوصل. وكونهم قتلوا أنبياء (لم يعيِّنهم القرآن). وما لم يقله كاتب "السيرة" هو أن اتهامات من النوع ذاته وجهت من القرآن إلى أهل الكتاب الآخرين، أي النصارى. وهو لا يقول أيضاً إن القرآن الكريم حين يذكِّر اليهود والنصارى بخطاياهم لا يفعل ذلك بغية إدانتهم بل لإنقاذهم. وقد غفل مؤلفنا أخيراً عن حقيقة أن الشدة التي يظهرها القرآن الكريم حيال أهل الكتاب هي في الوقت ذاته تحذير للمسلمين. ومن ذلك قوله تعالى: "وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ" ﴿105﴾[آل عمران].

استخدام الأسماء

ربط التعليقات بأسماء أشخاص طريقة استخدمها ابن إسحاق دائماً بصدد اقتباساته القرآنية. ويجب الاعتراف بأنها طريقة فعالة في جعل المعلومات المختلقة تبدو صحيحة. وتتأتى فعاليتها في استحالة إثبات أن الشخص الذي ذكر اسمه - إذا كان قد وُجد فعلاً - لم يقل أو لم يفعل ما ذكر النص أنه قاله أو فعله، بعد الحدث بزمن طويل.

وترتكز هذه الطريقة على افتراض أن من الممكن اكتشاف العلاقة التي تربط تنـزيلاً قرآنياً بجملة أو جملتين قيلتا في حوار دار بين شخصين أو عدة أشخاص، أو تربطه بحدث فردي معين. وواقع الأمر أن مثل هذا الافتراض في غير محله وذلك للأسباب الآتية:

 أ ) القرآن الكريم، الذي جاء "هدىً للناس" يقسم الناس كقاعدة عامة، إلى فئات، فهناك الأنبياء والرسل، والمؤمنون، والكفار، والمنافقون، وبنو إسرائيل، والنصارى، والفقراء، والأغنياء، والنساء، واليتامى، والأتقياء، والفجار، والكاسبون، والخاسرون، والأولون، الخ … وكلها تتكون من مجموعات كبيرة. والخطاب القرآني يقتصر أحياناً على جماعات صغيرة أو على أفراد، حين تكون للمسألة المطروحة دلالة خاصة. وينطبق هذا على التنـزيل الذي يتناول كلاماً قيل أو أفعالاً وأحداثاً، ولكن ذلك نادر.

ب) تعقب الظروف التي نـزلت فيها هذه الآيات أو تلك، بشكل دقيق، كان يكون ممكناً من الناحية النظرية لو أن هذه الآيات نـزلت بعد الواقعة التي تشير إليها مباشرة. ولكن المعروف أن التنـزيل القرآني لا يخضع لقاعدة. لذلك فمن الصعب جداً إقامة رابطة السببية بين القرآن الكريم وأحداث ملموسة، اللهم إذا كانت الواقعة المذكورة في القرآن عامة وإذا شهدها كثيرون.

ج ) لكي تقام مثل هذه العلاقة بين القرآن الكريم والحدث لابد من توافر بعض الشروط:

- فيجب أولاً أن يكون هناك سجل يومي بكل المحادثات، حتى إذا تمت خلف أبواب موصدة، وكل اللقاءات، وكل حركات الرسول صلى الله عليه وسلم وسكناته، هو وأصحابه وخصومه، وكل أقواله وأقوالهم، وكل الأحداث صغيرة وكبيرة التي كانت تتم في مكة وفي المدينة وفي مختلف أنحاء جزيرة العرب؛

- ويجب بعد ذلك معرفة كل أسرار الخطاب الإلهي؛

- والإمكانية الوحيدة ماعدا هذا هي أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم قد أعلن فيما حوله الصلة بين آيات القرآن الكريم والحدث وأن يكون كلامه صلى الله عليه وسلم قد سُجِّل كتابةً أو أن تكون سلسلة من الرواة الثقات قد نقلوها حتى المؤلف؛

- ينبغي كذلك أن يكون سجل المعلومات الذي ذكرناه أعلاه قد بلغ إلى علم كاتب "السيرة".

والحاصل أن أياً من الشروط المذكورة لم يكن متوافراً، بل كان بينها وبين التوافر أمد بعيد. لقد كان العصر وقتها عصر الأمية وعصر التزييف المكثف لأخبار الرسول صلى الله عليه وسلم ولأحاديثه. ومن جهة أخرى فإن واحدة من تعليقات النص على الاقتباسات الخمسة والخمسين لا تستند إلى معلومة تعود إلى الرسول. وفي تسع حالات فقط ذكر ابن إسحاق مصادره مع سلسلة للرواة لا توحي بالثقة. وفي حالات الاقتباس الست والأربعين الباقية، كان مصدر ابن إسحاق هو ابن إسحاق نفسه !!

وفي هذا السياق، الذي ثبت فيه أن مؤلف "السيرة" لم يكن يملك وسائل تقرير رباط السببية بين الآيات التي اقتبسها والكلام الذي قيل أو الأفعال التي أُتيت من اليهود أو بعضهم، فإن تعليقاته التي ترمي إلى تقرير هذه السببية ما كان يمكن إلا أن تكون تزويراً. والأسماء التي قرن بها تعليقاته ليست في واقع الأمر سوى تمويه يهدف إلى إخفاء ما ارتكب من تزوير. وكان من الممكن أن تنطلي حيلته فيما يتعلق باليهود لو أن تأويله لمعنى الآيات المقتبسة الظاهر كان سليماً دائماً ولكن الواقع أن هذا التأويل في معظم الحالات بعيد عن هذا المعنى بعداً يشكك في مصداقية ابن إسحاق.

والحالة الصارخة في هذا الصدد، وقد تكررت عدة مرات، هي حالة أهل الكتاب. فنظراً إلى أن النص يقصرهم على اليهود ويستبعد النصارى عن مسرح الأحداث في المدينة، فإن جميع أسماء الأشخاص التي يوردها في تعليقاته على الاقتباسات القرآنية هي أسماء يهود. وعدم وجود أسماء نصارى يضيف إلى هشاشة شروحه ويقيم الدليل على رغبته في إدخال اللبس على قارئه.

القرآن غير المقتبس

القرآن الكريم لم يقل أبداً إن جميعاليهود أو جميعالنصارى كافرون. صحيح أنه يوجه إلى اليهود، بصفتهم هذه أو باعتبارهم جزءاً من أهل الكتاب، تقريعاً في عبارات عامة إلا أن التعميم في مثل هذه الحالات إنما يعني الأغلبية. وهذا شيءٌ كثيراً ما يحدث في اللغة الجارية. ولكن القرآن الكريم يحرص دائماً على التفريق، في حديثه عن أهل الكتاب، بين المؤمنين منهم وبين الكافرين. والتفرقة ذاتها موجودة حين يتحدث القرآن الكريم عن الأعراب، فإنه في حكم عام ينصرف إلى أغلبيتهم يقول:

الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُواْ حُدُودَ مَا أَنـزلَ اللّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴿97﴾[التوبة]

ثم، بعد ذلك بآيتين، يحدد الحكم فيقول:

وَمِنَ الأَعْرَابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَاتٍ عِندَ اللّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَّهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴿99﴾

إن كون أغلبية أهل الكتاب قد ضلوا عن الصراط المستقيم بالنسبة للإسلام، الذي يرى أنه دين الإصلاح، شيء في منطق رسالته ذاته. فلو أن اليهود والنصارى كانوا على شريعة لا تشوبها شائبة، ولو أن معظمهم كانوا يطبقون الأوامر والنواهي الدينية التي جاءهم بها أنبياؤهم كما ينبغي، لما كان العالم، في نظر الإسلام، بحاجة إلى رسالة جديدة، ولكفت الديانات القائمة لإخراج الناس من الظلمات إلى النور ولما أرسل الله تعالى محمداً صلى الله عليه وسلم والقرآن الكريم.

نقول إن القرآن الكريم يفرق لدى اليهود بين المؤمنين والكفار. صحيح أن مؤمنيهم قليلون، ولكنهم موجودون. بَيْد أن نص ابن إسحاق لا يتحدث عنهم. ونحن نجدهم في آيات تتحدث عن أهل الكتاب، مثل:

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ ﴿6﴾إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ﴿7﴾جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيْهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ ﴿8﴾[البينة]

وهذه الآيات من سورة البينة، التي يعطيها بلاشير رقم 94، والتي هي إذاً ثاني السور المدنية، تقيم تفرقة غاية في الوضوح بين المؤمنين والكفار من أهل الكتاب.

والتفرقة ذاتها واردة في القرآن الكريم بالنسبة للإسلام، وإن يكن مع إحلال "المنافقين" محل "الذين كفروا من أهل الكتاب"، فنحن نقرأ:

لِيُعَذِّبَ اللهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا ﴿73﴾[الأحزاب]

إِنَّ اللهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا ﴿140﴾[النساء]

وهو ما يدل على أن القرآن الكريم يعامل المنافقين من بين المسلمين معاملته للكفار من بين أهل الكتاب.

كذلك فإن نص ابن إسحاق لم يتوقف عند آيات أخرى من القرآن الكريم تشهد بوجود مؤمنين بين اليهود وتشبّه مصير هؤلاء يوم القيامة بمصير المؤمنين المسلمين والمؤمنين من الديانات الأخرى، مثل قوله تعالى:

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴿62﴾[البقرة]

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴿69﴾[المائدة]

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴿17﴾[الحج]

وحين يقتبس النص آية تتحدث عن اليهود المؤمنين، فإنه لا يتوقف عند هؤلاء بل يسارع إلى توجيه الأنظار إلى اليهود الكافرين. هذا هو ما فعله في صدد الاقتباس رقم 32 الذي تقول آية فيه إن أهل الكتاب ليسوا سواء، وأن بينهم "أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون" وأنهم "يؤمنون بالله واليوم الآخر، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات". ونص ابن إسحاق يخفي أيضاً آيات قرآنية ذات دلالة خاصة كالآيتين التاليتين من سورة البقرة التي استمد منها الجزء الأكبر من اقتباساته:

الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمن يَكْفُرْ بِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ﴿121﴾

الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴿146﴾

ثم هناك هذه الآية الكريمة:

وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنـزلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الأَحْزَابِ مَن يُنكِرُ بَعْضَهُ ﴿36﴾[الرعد]

صحيح أن كل هذا القرآن الذي لم يقتبسه النص يتحدث عن أهل الكتاب، لا عن اليهود على وجه التخصيص، ولكن حيث أن النص يعتبر أن أهل الكتاب هم اليهود وحدهم، فإن للمرء أن يتساءل: لماذا لم يأخذ هذه الآيات في حسبانه؟ وللمرء أن يتساءل أيضاً: لماذا يخفي النص بعض الآيات التي تعنيهم خاصة مثل قوله تعالى:

وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ (أي من بني إسرائيل)أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴿24﴾[السجدة]

وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ ﴿159﴾[الأعراف]

وهناك أيضاً هذه الآيات الكريمة الواردة في سورة القصص، وهي سورة مكية:

الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ ﴿52﴾وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ ﴿53﴾أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَؤُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ﴿54﴾وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ لاَ نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ ﴿55﴾

إننا إذا أخذنا بمنطق مؤلفنا في التسوية بين أهل الكتاب واليهود، لفهمنا أن هذه الآيات الكريمة إنما تشير إلى اليهود. والحاصل أن ابن إسحاق، فيما يبدو، - ربما لأن فيها تزكية لبعض اليهود - لا يرى في عبارة "الذين آتيناهم الكتاب" من الآية (52) سوى النصارى. ومن المحتمل جداً أن هذه الآيات طرأت له، بصورة لاإرادية، في موضعين من "السيرة" لم يكن حديثه فيهما يدور حول اليهود وإنما حول النصارى. والموضع الأول هو روايته لزيارة وفد يتكون من عشرين شخصاً من نصارى الحبشة (أو نجران) للرسول صلى الله عليه وسلم في مكة، وهي الزيارة التي أسفرت عن إسلامهم جميعاً (1). والموضع الثاني هو زيارة وفد نصارى نجران للرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة (2). ذلك أن إجابة الوفد الأول عن إهانة وجهها إليهم قرشيون لأنهم أسلموا تشبه كثيراً ما ورد في الآية (55) أعلاه. ومن الجهة الأخرى فإن نصارى نجران قالوا إنهم أسلموا أي أنهم مسلمون كأولئك الذين تتحدث عنهم الآية (53)، على الرغم من أن أحداً منهم لم يعلن دخوله في الإسلام.

والنص لا يقتبس أيضاً الآيات الكريمة التالية:

وَلاَ تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنـزلَ إِلَيْنَا وَأُنـزلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ﴿46﴾وَكَذَلِكَ أَنـزلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هَؤُلاَء مَن يُؤْمِنُ بِهِ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلاَّ الْكَافِرُونَ ﴿47﴾[العنكبوت]

وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ ﴿31﴾ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ ﴿32﴾[فاطر]

وهي آيات يبرز القرآن الكريم فيها نقاط الالتقاء بين المسلمين وأهل الكتاب ويستبعد الخلط والتعميم الذي في غير محله.

وأخيراً فإن الآيات الكريمة التالية آيات بالغة الدلالة فيما نحن بصدده:



(
1) "السيرة"، ص 392.

(2) ص 575.

اجمالي القراءات 7053

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2011-03-19
مقالات منشورة : 27
اجمالي القراءات : 311,859
تعليقات له : 2
تعليقات عليه : 26
بلد الميلاد : Egypt
بلد الاقامة : Egypt