الثالـوث حقيقة أم وهم

سامر إسلامبولي في الثلاثاء 16 يناير 2007


EXT-KASHIDA: 0%">عبدالله : صديقي يحيى !! قبل أن يوجد السيد المسيح هل كان الله عز وجل أحد صمد أم كان مفهوم الثالوث موجود في الواقع ؟

يحيى : طبعاً ! إن الله أحد صمد قبل مفهوم الثالوث وبعده .

عبدالله : مهلاً يا صديقي أريد جواباً محدداً ؟ وسوف أصيغ لك السؤال بصيغة أخرى . هل مفهوم الثالوث أزلي أم حادث ؟

يحيى : طبعاً هو حادث لأن الله كان ولم يكن معه شيء .

عبدالله : حسناً . هل حدوث مفهوم الثالوث كان قبل ميلاد السيد المسيح ، أم مرتبط بالسيد المسيح ؟

يحيى : مفهوم الثالوث لم يكن له وجود حتى وُلد السيد المسيح لأنه أحد الأقانيم الثلاثة .

عبدالله : إذاً مفهوم الثالوث حديث عهد في تاريخ البشرية .

يحيى : هذا ما قلته .

عبدالله : ألم يرسل الله عز وجل أنبياء ورسل قبل ولادة السيد المسيح ؟

يحيى : نعم لقد أرسل الله رسلاً كثر وعلى رأسهم النبي إبراهيم عليه السلام .

عبدالله : إلى ماذا كانت تدعو الأنبياء والرسل جمعياً أقوامهم قبل السيد المسيح ؟

يحيى : كانت دعوة الأنبياء والرسل إلى توحيد الله وعبادته والعمل الصالح .

عبدالله : هل كانت دعوة الأنبياء والرسل سابقاً قاصرة أو خطأ ؟

يحيى : بل كانت دعوة إلى الحق والصواب .

عبدالله : إذاً دعوة الأنبياء والرسل جميعاً خالية من مفهوم الثالوث ، وكانت تدعو إلى لا إله إلا الله .

يحيى : نعم هذا صحيح .

عبدالله : هل السيد المسيح أشار من قريب أو من بعيد إلى أنه إله أو ولد الله ؟

يحيى : نعم أشار إلى أنه ابن الله .

عبدالله : صديقي يحيى !! ينبغي أن تفرق بين دلالة كلمة ( ولد ) ودلالة كلمة ( ابن )

   ولد : تدل على خروج شيء من شيء . ومن هذا الوجه عملية الولادة المعروفة

   ابن : تدل على التربية والحفظ والعناية . ومن هذا الوجه نقول فلان ابن الكنيسة أو المسجد بمعنى أنه تربى فيها وحمل مفاهيمها.

ومن كلمة ( ولد ) جاءت كلمة ( والد ) . ومن كلمة ( ابن ) جاءت كلمة ( أب ) التي تدل على التربية والحفظ والعناية . ومن هذا الوجه أُطلق على الخالق المدبر كلمة ( أب ) وأطلقت كلمة ( أبناء ) على جميع الناس . فالله عز وجل هو أب لجميع الناس ، والناس جميعاً هم أبناء الله عز وجل .

  صديقي يحيى !! السؤال محدد ، وإذا سمحت تقيد بالجواب على السؤال دون استخدام أسلوب الحيدة عن السؤال .

يحيى : حسن يا صديقي !! لم أقصد الحيدة عن السؤال ، وإنما فاتني الفرق بين دلالة الكلمتين : (ولد وابن ) وعلى كلٍّ فالجواب هو لم يذكر السيد المسيح لا من بعيد ولامن قريب أنه وَلَدُ الله .

عبد الله : إذاً تؤمن أن الله أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد ؟

يحيى : نعم أؤمن بذلك أصلاً ، وهذا ليس محل خلاف .

عبد الله : أرجو منك استصحاب هذا المفهوم الأحدي لبقية النقاش ؟

يحيى : وهل تشك في إيماني بوحدانية الله عز وجل ؟

عبدالله : سوف أُؤَخِِّرُ الجواب عن سؤالك إلى فيما بعد . والآن أتابع ما بدأنا به .

  صديقي يحيى !! لقد وصلنا إلى أن دعوة الأنبياء والرسل جميعاً مع دعوة السيد المسيح كانت إلى توحيد الله المتمثلة بلا إله إلا الله خالقاً ورباً للوجود الحادث .

يحيى : سأوافقك مع تحفظ ، لأن الأمر له تفاصيل كثيرة .

عبد الله : لا أريد منك أن تتحفظ ، ولا أريد منك الدخول في التفاصيل ,أنا أريد أن أعرف موقفك بصراحة من مفهوم لا إله إلا الله ,التي تعني أنه لا خالق مدبر في الوجود إلا الله ، وبالتالي وجب توحيده بالعبادة . فهل تعتقد بوجود خالق مدبر غير الله عز وجل ؟

يحيى : لا ! لا أعتقد بتعدد مفهوم الخالقية . فالخالق المدبر هو واحد .

عبد الله : يكفيني الآن هذا الجواب لأصل وإياك إلى أننا متفقان على قاعدة الإيمان بتوحيد الله عز وجل والإيمان باليوم الآخر والعمل الصالح .

   وهذه القاعدة هي أرضية صلبة تجمعنا ، ونكون قد دخلنا معاً إلى دائرة دين الله عز وجل الذي سماه الخالق الإسلام ، فالله لم ينزل إلا ديناً واحداً وهذا واضح من خلال ثبات مفهوم التوحيد في كل دعوات الأنبياء والرسل فلم يأتِ نبي أو رسول لينقض أساس دعوة من سبقه من الأنبياء والرسل ، وإنما جاء ليقررها ويجددها مع بعض التعديل في التشريعات لتغير الأحداث . وهذا يعني أن النقاش والحوار ليس بين أديان, وإنما النقاش ضمن دائرة الدين الواحد ، وبالتالي من الخطأ نشر مقولة تعدد الأديان والدعوة إلى التقريب بينها . وإنما ينبغي أن يكون النقاش والحوار ضمن دائرة الدين الإلهي الواحد ، والدعوة إلى التعارف والتعايش والتعاون للنهضة بالمجتمع ضمن رؤى متعددة ثقافياً, فالدين واحد والرؤى الثقافية له متعددة .

يحيى : كلام جميل لو كان فعلاً هو السائد بين الناس . ولن للأسف السائد بين الناس هو إزالة الآخر المختلف عني وسحقه والحكم عليه بالكفر, وبالتالي فالقاعدة عند الناس قائمة على توحد الرؤى ورفض الآخر, وبالتالي كرهه والحقد عليه وعدم السماح له بالعيش رغم أنه ينتمي إلى المجتمع ذاته ويحمل صفة المواطنة .

عبد الله : صديقي يحيى !! إذاً اتفقنا على الأساس الذي يجمعنا وهو أكبر من المسائل المختلفة بيننا ، لذا ينبغي أن نستمر بالحوار والنقاش على موجبه وبضوئه, وسواء وصلنا إلى الاتفاق والقناعة أم اختلفنا في الرؤى فالأساس ما زال قائماً والعلاقة بيننا مبنية على التعارف والتعايش والتماسك .

يحيى : إن وعي هذه الأهداف الثلاثة يخلق جواً نظيفاً منفتحاً على الآخرين ويتم معرفة ما عند الآخر والاستفادة منه في عملية التلاقح الفكري, ويختفي العنف والإرهاب والتكفير ونبذ الآخر ليحل محلهم المحبة والسلام والتفكير والقَبول بالرأي الأخر .

عبد الله : لنتابع الحوار بمحبة وسلام . صديقي يحيى !! السيدة مريم البتول إلى أي قوم تنتمي ؟

يحيى : لا شك بأن قومها هم بنو إسرائيل .

عبد الله : ماذا كانت لغة بني إسرائيل ؟

يحيى : كانت لغتهم العبرية .

عبد الله . إذاً كان السيد المسيح من بني إسرائيل وبُعث فيهم ، وكانت لغته التي يتكلم بها هي العبرية بالنسبة لقومه , والآرامية بالنسبة للمجتمع الذي يعيش فيه ؟

يحيى : نعم لا شك بذلك .

عبد الله : هل تم كتابة الأناجيل في عهد السيد المسيح ؟

يحيى : لم تكتب الأناجيل في عهد السيد المسيح ، وإنما كتبت بعده بمدة طويلة .

عبد الله : بأي لغة تم كتابة الأناجيل ؟

يحيى : تم كتابتها ابتداءً بالسريانية والآرامية .

عبد الله : أي لم تكتب بلغة السيد المسيح ( العبرية ) ولم تكتب بعهده .

يحيى : نعم لم تكتب ابتداءً بلغته ، ولم تكتب بعهده .

عبد الله : صديقي يحيى !! ألا ترى أن مادة الوحي الإلهي غير قابلة للنقل على ما هي عليه إلى أي لغة أخرى ، بمعنى أن مادة الوحي عندما يتم ترجمتها إلى لغة أخرى تفقد صفة القداسة وصفة الوحي, وتصير من باب الشرح والترجمة المتأثرة بفهم المترجم ، وبالتالي يسقط الاستدلال بها وخاصة باستخدام المفردات .

يحيى : ربما !! لا جواب عندي .

عبد الله : ألا ترى أن كتابة الأناجيل في مجملها هي عبارة عن سيرة السيد المسيح كيف عاش وأين ذهب وبمن اجتمع وماذا قال وماذا حصل معه .

يحيى : نعم إنها كذلك .

عبد الله : هل كلمة الأقانيم أو اللاهوت أو الناسوت أو الثالوث قد تم استخدامها في الكتب الإلهية ومنها الإنجيل والنسخ المترجمة عنه إلى السريانية واللاتينية ؟

يحيى : لا !! لا يوجد في جميع الكتب الإلهية هذه الألفاظ وإنما يوجد مفهومها بصيغة أخرى .

عبد الله : دعني من المفهوم لأنه رأي من قال به ، وإنما أريد الواقع على ما هو عليه الذي يدل على أن هذه المفردات لا وجود لها في دين الله عز وجل الذي نزل على جميع الأنبياء والرسل ومنهم السيد المسيح . وهذا يدل على أن هذه المفردات قد تم إدخالها في الخطاب الديني الفلسفي لتعبئة مفاهيم جديدة غير موجودة سابقاً في الكتب الإلهية, ولم يدع إليها أحد من الرسل أو الأنبياء , ومنهم السيد المسيح .

يحيى : إنك لا تدعني أناقش مفهوم الثالوث كيف تم وحصل ! .

عبد الله : سوف نناقش ذلك آجلاً, ولكني أريد أن ألخص أهم النقاط التي وصلنا إليها.

1- كان الله ولا شيء معه , إله أحد صمد حي قيوم .

2- الله خالق السموات والأرض .

3- الله لم يلد ولم يولد .

4- دعوة جميع الأنبياء والرسل ومنهم المسيح كانت توحيد الله وعبادته .

5- عيسى بن مريم من بين إسرائيل بُعث فيهم .

6- لغة السيد المسيح هي العبرية .

7- الإنجيل الأصلي لغته عبرية . وهو مفقود لا وجود له .

8- مادة الوحي إذا ترجمتها إلى لغة أخرى فقدت خصائصها القدسية .

9- إن مفردات الثالوث واللاهوت والناسوت والأقانيم مصطلحات تم إدخالها في الخطاب الديني الإلهي, وهي غير مستخدمة في كافة الكتب الإلهية, ولم تجر على لسان أي نبي أو رسول ,وبالذات السيد المسيح .

10- العلاقة بين الأنبياء والرسل علاقة تكامل وتجديد لا هدم ونقض لبعضهم بعضاً وذلك لوحدة المصدر والهدف .

11- الله أنزل ديناً واحداً بشرعين :

   الأول : شرع إنساني بدأ نزوله مع أول رسول أرسله الله للناس ، واستمر نزوله خلال الرسل بصورة متنامية حسب ما يسمح المستوى المعرفي للناس إلى أن تم بعثة النبي محمد فنزل عليه القرآن, وتم إعادة كل ما نزل في الكتب السابقة من شرع إنساني وأكمله, وتم ختم الرسالة التي اقتضت ختم النبوة .

   الثاني : شرع قومي عيني ظرفي مرحلي مؤقت يتقلص مع الزمن إلى أن تم نسخه كلياً . لذا نشاهد في هذا الشرع العيني بعض الأحكام أتت عقوبة وآصار لبني إسرائيل وعندما بُعث عيسى عليه السلام تم تعديل هذه الأحكام في الإنجيل . لذا لم يحتوِ الإنجيل شرعاً كاملاً لأنه يجب ضمه إلى التوراة ، وتعديل التوراة بحسبه .

عبد الله : إن عقيدة الثالوث قد تم اختراعها وافتراؤها في عهد قسطنطين, وهي نتيجة دمج عقائد وثنية فلسفية سابقة بعقيدة التوحيد ,فوصلوا إلى هذه العقيدة الغامضة  الله واحد بثلاثة أقانيم . وينبغي أن تُلحق بالمستحيلات التي ذُكرت بالتراث وهي:

           ثلاث من المستحيلات................. الغول والعنقاء والخِلُّ الوفي

وأضاف إليها أحد العلماء نظرية الكسب عند الأشعري لتناقضها مع بعضها وعدم تماسكها . وأضيف أنا إليها مفهوم الثالوث !!

يحيى : مهلاً يا صديقي لم أذكر لك بعد مفهوم الثالوث فكيف تحكم عليه سلفاً .

عبد الله : حكمت عليه سلفاً بما ظهر لي من برهان ونور ساطع . ومع ذلك سوف أصغي إليك لعلك تأتي بما لم يأت به الأوائل من أدلة وبراهين .

يحيى : نعم ! لقد جاء دوري وتركتك تصول وتجول في الميدان لوحدك.

     صديقي عبد الله !! إن عيسى كلمة الله وروح منه ,ولقد جاء إلى الدنيا من غير والد كما تعلم أنت, ويعلم الجميع ذلك . فأول أمر هو أن كلام الله صفة أزلية له, وأنتم تعتقدون بأن القرآن كلام الله, وهو أزلي في الوجود غير مخلوق ، ومع ذلك لم تروا ذلك كفراً أو شركاً !! فكيف تكون عقيدتكم بأن القرآن كلام الله أزلي غير مخلوق إيمان وتوحيد!!!

وتكون عقيدتنا بأن عيسى كلمة الله في الأزل غير مخلوقة كفر وشرك ؟ !

عبد الله :دعني أجيب على هذه الشبهة قبل أن تستمر حتى لا تتراكم الأفكار ويصعب الرد عليها أو تضيع منا .

يحيى : لا بأس بذلك أخبرني لماذا مفهومكم عن أزلية القرآن توحيد وإيمان ، وأزلية كلمة الله ( (عيسى ) شرك وكفر ؟!

عبد الله : صديقي يحيى ! إن في خطابك تعميم وذلك بقولك : [ أنتم تعتقدون ... ] والأمر ليس كذلك يا صاحبي فالمسألة مختلفة عليها بين المسلمين ، وما ذكرته هو رأي من الآراء لا يمثل المفهوم القرآني ، ولا قيمة برهانية للكثرة أو الشهرة في الحوار أو النقاش . فأنت تعلم أنه يوجد فرقه من المسلمين يخالفون ذلك الرأي ويقولون : بأن القرآن مخلوق . وهم المعتزلة وهم من أقوى الاتجاهات الإسلامية التراثية علماً وتفكيراً . لذلك لا يصح أن تأخذ ما يدعم فكرتك وتعرض عن الرأي الآخر .

    صديقي يحيى !! النقاش بيننا فقط فأرجو منك أن لا تدخل فيه آراء فرق أنا لا أعتقد بها وغير مسؤول عنها .

والرأي الذي أعتقده وأراه صواباً في هذه المسألة هو :

إن صفة الكلام لله عز وجل صفة فعلية وليست ذاتية ، وهي توجه إرادة الله نحو مقاصد معينة يريد أن يخبر بها أحد من رسله فيتم استخدام لغة الرسل لتحمل المعاني والمقاصد الإلهية ، ومن هذا الوجه تعددت لغة مادة الوحي الإلهي ,التوراة بلغة عبرية ، والقرآن بلغة عربية, واللغة كما تعلم هي من نتاج تفاعل الإنسان مع واقعه فهي مخلوقة وبالتالي محدودة . فالتوراة والإنجيل والقرآن كلهم مخلوقون وليس لهم صفة الأزلية في الوجود .

يحيى : إذا سلمت لك بأن مادة الوحي مخلوقة بأي لغة نزلت, فما تقول بالمعاني والمقاصد الإلهية قبل أن يتم اختيار لغة لتحملها أليست أزلية غير مخلوقة ؟!

عبد الله : إن القول بأزلية المعاني والمقاصد والصور لمادة الوحي قبل تموضعها في لغة يعين أن هذه الأمور موجودة ذاتيا مع الله وليست منه ، لأن الأزلية تعني الوجود دون بداية التي تقتضي الاستمرار إلى مالا نهاية ، وإذا كان الأمر كذلك انتفى عن الله أنه أراد تلك المعاني والصور والمقاصد . لأن الأمر إذا تعلق بإرادة الله صار حادثاً في الوجود له بداية . فالمعاني والمقاصد والصور إذا كانت من الله فهي متعلقة بإرادته وبالتالي هي حادثة وليست أزلية ، أما إذا كانت أزلية فهي مع الله وليست منه, وبالتالي خارج عن إرادته . وهذا يعني وجود هذه المقاصد والصور مثل السماء والأرض والجبال والحيوانات وغير ذلك بصورة أزلية غير قابلة للتعديل أو الإبداع وملزم الله بها لا يستطيع تجاوزها أبداً !! .

  ومن يقول بأزلية التوراة والقرآن وكلمة الله ( عيسى ) ينطبق عليه ما ينطبق على المسألة السابقة من كونه وصف الله بالعجز والمحدودية ,ونفى الإرادة والعلم والقدرة عنه ,ووجود تعدد للجهة الأزلية !!! .أما كلمة ( كن ) التي يقولها الله عز وجل في عملية إيجاد ما أراد ,فينبغي العلم أولاً أن الله ليس كمثله شيء أبداً ، فعندما نقرأ أو نسمع أو نستخدم نحن في خطابنا جملة [ قال الله ] لا يعني أن عملية القول الإلهي هي ذات عملية القول الإنساني تحتاج إلى لسان وشفتين وصوت ولغة . فالله عز وجل يتكلم دون حرف وصوت, وعندما يريد أن يكلمَ مخلوقاً يستخدم الله عز وجل نظام الاتصال والمعرفة عند المخلوق, ويأمره وينهاه ويخبره بما يريد عن طريق الوحي الإلهي . ومثل ذلك مثل لغة القرآن العربية فهي مخلوقة من حيث الأحرف والأصوات والنظام أما محل تعلق الخطاب فذلك راجع إلى المعاني للكلمات فإن كانت متعلقة بالذات الإلهية نحو كلمة [ حي قيوم ] فلا شك أن مدلول هذه الكلمات أزلي دون الأحرف والأصوات ، أما إذا كانت متعلقة بحوادث مثل كلمة [ السموات والأرض والنجوم والكواكب ... ] فلا شك بحدوثها خلقاً ومن ثم أطلق عليها الأسماء, لأن الأسماء توجد بعد المسميات فتكون الكلمة المتعلقة بحادث حادثة لفظاً ومعنى . دالة ومدلولاً.

فقول الله ( كن ) هو تعبير مجازي, والأمر في حقيقته هو أن الأشياء توجد في الواقع بمجرد أن تتوجه إرادة الله نحو الخلق والإيجاد فيكون الشيء وفق الإرادة . لذلك يقول بعض العلماء : إن أمره بين الكاف والنون . أي بمجرد أن تتوجه الإرادة نحو الشيء يكون في الواقع مباشرة صورة ممثلة لإرادة الله, فلا يوجد عند الله مرحلة قبل الإرادة تسمى التصور . وإنما إذا أراد شيئاً يقول له كن فيكون حسب ما أراده مباشرة .

فكلمة ( كن ) بهذا الاعتبار لها وجهان :

الأول : متعلق بالله إرادة وقدرة

الثاني : متعلق بالمخلوق وجوداً وكينونة .

فالمخلوقات كلها كلمات الله من هذا الوجه ، ولكن لم يتم إطلاق كلمة الله على كل واحد بعينه لأنهم وجدوا بكلمة ( كن ) الأولى ومن خلالها تم التكاثر والتوالد والتطور ، إلا عيسى بن مريم فقد تم توجيه كلمة ( كن ) خاصة له, لذلك سمي كلمة الله, مثله مثل آدم كلمة الله لأنه محل تعلق كلمة ( كن ) ابتداءً بخلاف الآخرين فهم نتيجة كلمة ( كن ) . فإطلاق كلمة الله على عيسى بن مريم لا يعني أنه أخذ الجانب الأزلي المتعلق بالله إرادة وقدرة ، وإنما أخذ الجانب المتعلق بمحل الكلمة في الوجود . وبالتالي لا وجود لأي شبهة أو لبس في الموضوع أبداً, فالتوراة والإنجيل والقرآن كلام الله إرادة وعلماً تم استخدام لغة الإنسان لاحتواء المعاني والمقاصد الإلهية .

أما كلمات الله فهي متعلقة بوجهين :

الأولى : إذا كانت مفردة الكلمة في سياق القول والخطاب فيقصد بها الكلام الإلهي . نحو : [قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً ] آل عمران 64 

الثاني : إذا كانت مفردة الكلمة في سياق الأمر والخلق فيقصد بها الإيجاد والقانون الإلهي للخلق . نحو : [ إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيراً لكم إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولد له ما السموات وما الأرض وكفى بالله وكيلاً ] النساء 171

يحيى : هل أفهم من كلامك أنك تكفر كل من يقول بأزلية القرآن ؟!

عبد الله : لا !! لا أكفر أحداً بعينه ، ولكن لا يعني أن هذه العقيدة ليست بكفر . فالكفر قسمان:

1-كفر هو مجرد تغطية للحق ومجانبة للصواب, فيكون فاعله كافر صفة من جراء هذا السلوك وما ينبغي قتاله ,والعلاقة بيننا قائمة على العدل والسلام والحرية .    

2- كفر حربي قائم على الحقد والعداء ورفض الآخر ، فهذا كافر ينبغي قتاله من أجل رجوعه إلى العدل والسلام والحرية .

يحيى : إن عيسى هو روح الله تمثلت في جسم بشر ليتم عملية الفداء والخلاص نتيجة صلب الجسم ورجوع الروح إلى أصلها اللاهوت .

عبد الله : إن هذا المفهوم غلط بَيِّن ,وهو ناتج عن سوء فهم لكلمة الروح ,إن كلمة الروح تدل من خلال دلالة أصوات أحرفها على تكرار وضم منته بتأرجح تلك العملية ، ومجموع دلالة هذه الأصوات في الواقع تدل على السنن والنظام الذي يحكم الأشياء . فالروح هي نظام الشيء الذي يحكمه . فعندما نقول : روح الإنسان . لا نقصد نفسه وإنما نقصد النظام السنني الذي يحكم الإنسان . وعندما يموت الإنسان لا تخرج روحه ، وإنما تخرج نفسه وفق نظام, كما أن بقاءها في جسم الإنسان كذلك وفق نظام, فالروح تحكم الإنسان حياً وميتاً . وكل شيء في الوجود الحادث من الذرة إلى المجرة خاضع للروح ، وروح الذرة غير روح الخلية ,وكل هذه الأمور في النهاية تخضع لروح كلية تحكم الوجود الحادث لذلك نجد القرآن قد استخدم الروح وأطلقها على ثلاثة أمور وهي :

1- القرآن : [وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا]الشورى 52 كون القرآن يحتوي على نظام ينبغي على المجتمع الإنساني أن يخضع له طوعاً . وإذا تم ذلك فهذا المجتمع مجتمع روحاني . أما إذا لم يخضع لهذا النظام التشريعي يكون المجتمع قد خرج عن روح الله وأخلد إلى الأرض وعاث فيها فساداً وكفراً وسار في طريق مخالف للروح مما يؤدي إلى الحياة الضنك والاضطراب .

2-جبريل : نزل به الروح الأمين ] الشعراء 193

3-الأمر : [وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا ] الشورى 52  ] أمر الله في الوجود هو النظام السنني الذي يتم بموجبه الإيجاد والإمداد ,وعندما سُئل النبي عن الروح أمره الله أن يقول : الروح من أمر ربي [ ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي ] فلم يقل له قل إن الروح أمر لا يمكن معرفته أو العلم به أو السؤال عنه خطأً . بل أجابه بجواب جامع مانع إن الروح من أمر الرب . فإذا عرفنا أمر الرب عرفنا الروح .

إن أمر الرب في الواقع له وجهين :

الأول : أمر الرب الكوني [ والنجوم مسخرات بأمره] النحل 12

الثاني : أمر الرب الشرعي [ وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين ]البينة 5

وكون الروح من أمر الرب مما يعني أنها داخلة في النوعين لأمر الرب الكوني والشرعي . فالعلم بسنن الكون هو علم بروحه ، والعالم به عالم روحاني كوني . والعلم بشرع الله هو علم بروحه ، والعالم به عالم روحاني شرعي ، والعالم بكليهما هو عالم رباني ,كونه ضم الروح الكونية إلى الروح الشرعية وسَيَّر نفسه وفق النظام الروحي .

فقولنا : إن عيسى من روح الله[إنما المسيح عيسى بن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه ] النساء 171  بمعنى أن عيسى قد صار نبياً وهو في بطن أمه لأن النبوة هي علوم ، فتم إدخال بعض العلوم الكونية والشريعة إلى عقل عيسى وهو مازال صغيراً, وعندما كبر مارس تلك العلوم وظهر على يديه إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى وكل ذلك بإذن الله وليس بإذن عيسى وإذن الله هو سلطان ونظام يعطيه للإنسان .ونفخ الروح ليست أمراً خاصاً بعيسى وإنما كانت لآدم أيضاً [ فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين ] الحجر 29

فلا يوجد علاقة لكلمة روح بذات الخالق أبداً ,وإنما هي متعلقة بالسنن والنظام الإلهي . وبالتالي لا وجود لأي شبهة حول اتحاد أو حلول الله في عيسى اعتماداً على مفهوم الروح ناهيك عن أن عملية الاتحاد أو الحلول الإلهي في شيء حادث باطلة في الواقع ، لأن الله أزلي في وجوده وصفاته وهو لا متناهي, فكيف يتحد أو يحل الأزلي اللامتناهي في المحدود المتناه ؟! فهذا يقتضي ضرورة التجزيء والتبعيض, والله منزه عن ذلك لأنه أحد صمد ليس كمثله شيء, وإذا حصل ذلك فرضاً فالهلاك للإله هو النتيجة الحتمية لتلك العملية الاتحادية أو الحلولية .

يحيى : إن الله اتحد بعيسى مع بقائه إله واحد, فصار عيسى من هذا الوجه لاهوتي إله مع المحافظة على الجانب الناسوتي ( الإنسان ) فإذا نظرت إلى عيسى من جهة اللاهوت فهو الله, وإذا نظرت له من جهة الناسوت فهو إنسان ابن الله, والعلاقة بين اللاهوت والناسوت تمثلت بالروح ، ومن هذا الوجه ظهر مفهوم الثالوث الأب والابن وروح القدس إله واحد .

عبد الله : صديقي يحيى !! تريث بطرح المفاهيم وحدد لي ماذا تقصد بقولك : [ اتحد الله بعيسى مع بقائه إله واحد ] ؟

يحيى : ألا تقولون أنتم أن الله معنا بذاته بلا كيف ، وينزل إلى السماء الدنيا دون أن يخلو العرش منه ودون أن يدخل في خلقه ,وأشباه هذه المقولات, وما أكثرها في عقيدتكم . فلماذا تستنكر قولي وهو مثل قولكم تماماً . فالله اتحد بعيسى مع بقائه إله واحد وذلك بلا كيف !.

عبد الله : لقد عدت إلى التعميم بقولك [ أنتم ...وعقيدتكم ] صديقي هذه العقائد هي رأي من آراء إسلامية وهي ليست محل تسليم ، وأنا لا أعتقد بها, بل أعتقد ببطلانها تماماً لتصادمها مع مقومات الإله ,والقواعد العقلية, فهي مثل قول أحدهم : هل يستطيع الله أن يخلق صخرة يعجز عن حملها . أو هل يستطيع الله أن يدخل في عنق زجاجة .وما شابه ذلك من المغالطات العقلية فهذه الأقوال هراء وسفسطة متهافتة, وهي ليست بسؤال أصلاً ، والسائل لا يوجد عنده تصور أو فهم لمضمون السؤال فهو مثل من يقول : هل تستطيع أن تثبت أن الخطين في المثلث متوازيين . فهذا القائل لا يوجد عند تصور للمثلث ، ولو كان عنده تصور صحيح للمثلث لما سأل هذا السؤال, لأن من المعلوم أن المثلث لا يوجد فيه خطين متوازيين, ولو وجد فيه خطين متوازيين لانتفى المثلث من الوجود!. وهذه المقولات من هذا القبيل لا قيمة لها فهي ترهات .

 صديقي يحيى !! هل اتحاد الله بعيسى كان قبل الولادة أم بعد الولادة ؟

يحيى : أظن قبل الولادة !

عبد الله : هذا الكلام يعني أن الله دخل إلى رحم السيدة مريم, وخضع لقانون الولادة ، وصارت السيدة مريم والدة الله ، لذلك كثيراً ما نسمع رجال الدين في الكنيسة وغيرهم يقولون عن السيدة مريم يا والدة الله !! وكان ينبغي أن تصير مريم أقنوم رابع يضاف إلى الثالوث ويصير رَبوع لأن مريم حملت الإله في رحمها !!

مع العلم أنك منذ البداية وافقت على أن الله أحد صمد لم يلد هو ولم يولد من غيره . فكيف تقول أن مريم ولدت الله !! . وهل عيسى الناسوت هو إنسان كامل أم جسم فقط ؟

يحيى : ماذا تقصد بقولك إنسان كامل أم جسم فقط ؟

عبد الله : أقصد هل عيسى نفس وجسم أم جسم دون نفس .

يحيى : طبعاً إنسان كامل نفس وجسم .

عبد الله : إذا كان عيسى نفس وجسم ، والله حل في جسم عيسى فمعنى ذلك وجود نفس عيسى ونفس الله في جسم بشري واحد, وصارت نفس الله من جنس نفس عيسى محدودة وعاجزة وضعيفة خاضعة لقوانين الجسم, وبقيت نفس الله حبيسة في جسم عيسى غير فاعلة إلى أن كبر وبعد ذلك إلى أن مات, فتحرر الله من جسم عيسى وصعد إلى السموات . فإذا كان الله متحداً مع عيسى أين ذهبت نفس عيسى بعد موته وانفصال نفس الله من جسمه ؟

يحيى : نحن نقول أن عيسى عندما مات قام من قبره وصعد إلى السموات إلى أبيه الإله وجلس على يمينه .

عبد الله : إذاً تقولون أن نفس عيسى مع جسمه صعد إلى السموات وجلس إلى يمين الرب ، وهذا يعني أن عيسى بصورة ناسوت صار إلها ورباً ,لأن نفس الله قد انفصلت منه عند موته . وأنتم تقولون إله واحد قبل الثالوث وبعد الثالوث, ولكن الملاحظ أن الآلهة عندكم متعددة وهي ثنائية متمثلة بذاتين نفس الله ونفس عيسى أما روح القدس فهو إله غير متموضع لا بنفس الله ولا بنفس عيسى لأن الروح كما تقولون هي العلاقة بين اللاهوت والناسوت ، فهي قائمة بنفس الله وبنفس عيسى مؤرجحة بينهما فهي ليست بإله وإنما علاقة الله ببعضه لأن تمثل نفس الله بجسم عيسى هو تمثل ألوهي . وعند موت عيسى وارتفاعه إلى السماء كان ينبغي أن ترجع الأمور إلى أصلها من حيث اللاهوت والناسوت بمعنى أن يأخذ الله الجزء الإلهي الموجود في عيسى ليصير اللاهوت منفصل عن عيسى ويصير عيسى ناسوت فقط ! ولكن الذي فعلتموه أنكم أصعدتم عيسى إلى يمين الرب وحافظ على اللاهوت بجانب الناسوت فصار إلها آخر مؤلف من لاهوت وناسوت بصورة منفصلة عن الرب . وصار مقام الإله ثنائي, الإله الأول متمثل بالأب، والإله الثاني متمثل بالابن عيسى الناسوتي .

  صديقي يحيى!! هل الإله عيسى له صفة الإله الأول من حيث التصرف والفعل لما يريد ؟

يحيى : نعم ! فهو يخلق ويحي ويميت ودليل ذلك الفعل الذي صدر منه في الواقع ، وأنتم تتلون في القرآن ذلك.  

عبد الله : أنت تقبل بالاستدلال بالقرآن ؟

يحيى : لا !! لا أقبل .

عبد الله : إذاً لا تأتي على ذكره أبداً لأن القرآن صريح العبارة في عيسى وأمه وأنهما بشريان مثل سائر البشر ، وما من إله إلا الله الواحد الأحد لم يتخذ ولداً وما ينبغي له ذلك . فمن الخطأ أن تأخذ بعض الآيات التي ظاهرها نتيجة الفهم السطحي لها تشير إلى صحة فكرتك نحو قوله تعالى [أني أخلق لكم من الطين كهيئة  الطير فأنفخ فيه فيكون طيراً  بإذن الله ]آل عمران 49

مع وضوح الآية في آخرها عندما جاءت كلمة عيسى [ بإذن الله ] فهو لم يقل : أنا بقدرتي وقوتي أخلق لكم طيراً ، أو بإذني . وإنما قال : بإذن الله .

  إذاً الخالق الحقيقي هو الله عز وجل وقد أجرى هذه العملية على يد عيسى معجزة له لإثبات نبوته. فلو كان عيسى إله يحي ويميت لدفع عن نفسه الموت والأذى والسخرية والعذاب والطرد ! وما ترك الأرذال يسيئون إليه وهو الإله العظيم !! .

   صديقي يحيى !! إن ( الأقانيم ) التي مفردها ( أقنوم ) كلمة تدل على ذات وصفة . وأنتم تقولون : الله بثلاثة أقانيم إله واحد . فكيف ذلك في الواقع دون غموض وتلاعب بالألفاظ ؟!

يحيى : نحن نقول : إن الله واحد بثلاثة أقانيم, ونضرب على ذلك مثلاً الشمس ونورها وحرارتها وأشعتها . فإذا قلنا الشمس تصورنا مباشرة بعقلنا بصورة لازمة صفاتها الثلاثة : النور والحرارة والأشعة . وإذا قلنا : النور والحرارة والأشعة . تصورنا مباشرة الشمس . ومن هذا الوجه نقول : واحد بثلاثة ، وثلاثة بواحد . والوجود كله قائم على هذا الوجه . نظام واحد كلي متعدد الظهور . وتعدد الأنظمة لنظام واحد . بمعنى آخر وحدة الوجود بصوره المتعددة .

عبد الله : كنت قد طلبت منك أن لا تلعب بالألفاظ, وأن تكون واضحاً وصريحاً ، ولكن أبيت إلى الغموض والالتباس واللعب بالألفاظ !! صديقي !! إن الأقنوم ذات وصفة مجتمعين مع بعضهم بينما في حديثك وذكر الشمس كمثال جعلت الأقنوم تارة ذات ، وتارة صفة, فنور الشمس ليس هو الشمس ذاتها وإنما هو صفة للشمس, ولا يصح أن نطلق على النور اسم الشمس أو نتعامل معه كأنه شمس . فمن المعلوم أن الصفة لا وجود لها بصورة مستقلة عن الموصوف . فالموصوف هو الأصل الذي له وجود حقيقي والصفة قائمة به . ولو كان اعتقادكم بالأقانيم مثل ما ذكرت أي صفات ثلاثة لواحد فهذا كلام يهدم عقيدة الثالوث كلها من أصلها ونحن نقول : إن صفات الله غير محصورة بثلاثة فهو خالق ورازق ومحي ومميت ورحيم وعزيز وحي وقيوم ... الخ ولكن لسان حالكم ومقالكم ليس كذلك بل تقولون : وتعتقدون بدلالة الأقنوم ذاتاً وصفة معاً ومن هذا الوجه تتوجهون بالدعاء والعبادة لذات عيسى وتصفونه بالألوهية وكذلك والدته وتقولون : يا والدة الإله . لذا لا قيمة لطرحكم السفسطائي لمحاولة فلسفة الثالوث, فكيف ماطرحتم فهو في النهاية ثلاث آلهة ,سواء بدأتم بالتوحيد أم ختمتم الثالوث بقولكم إله واحد . مع العلم أن صفات الشمس المذكورة تنفصل عنها, لأن الشمس جرم محدود قابل للتجزيء والتبعيض فيتم خروج الحرارة منها بصورة منفصلة عنها تماماً ,ولا يقول أحد إن الحرارة هي الشمس أبداً . فهل الإله العظيم عندكم قابل للتجزيء والتبعيض وفصل شيء منه ، وهذا الشيء المنفصل هو جزء من كُلٍّ ضرورة ، فهل هذا الجزء له مواصفات إله كامل ؟ والقول بذلك يفتح باب كبير من الهراء والسفسطة . نحو قول بعضهم إذا حل أو اتحد الله بعيسى الناسوت ممكن أن يتحد بأي ناسوت آخر !! وربما حصل ونحن لا ندري !! لذلك لا عجب أو غرابة من ادعاء بعض الرجال خلال الزمان مقام الرب أو الإلوهية ، لعل الإله حل أو اتحد بهم بصورة جزئية أو كلية ونحن لا ندري !! وعلى رأس هؤلاء الطواغيت فرعون فقد ادعى الإلوهية [ ما علمت لكم من إله غيري ] والإله الذي يستطيع أن يحل أو يتحد بناسوت مع بقائه إله واحد يستطيع أن يحل أو يتحد بناسوت بصورة كلية ليصيرا إله واحد . فمن يمنعه من ذلك [ فعال لما يريد ] . إذاً عقيدة الثالوث من وجهة نظر أهل الباطل باطلة لقصورها وتحديدها بثلاثة أقانيم فقط ، وكان ينبغي فتح التعداد إلى مالا نهاية من الأقانيم !!.

أما من وجهة نظر العلم والواقع فإن عقيدة الثالوث باطلة وظلم كبير للحقيقة الأحدية . تمثل أكبر عملية كفر للحق .

يحيى : ولكن نبيكم محمد في القرآن قد مدح النصارى !.

عبد الله : عدت إلى الاستشهاد بالقرآن وأنت لا تعتقد به .

صديقي يحيى !! إذا كان النبي محمد صادق في إخباره بأمور متعلقة بالنصارى من مدح وغيره ، فهذا يقتضي صدقه في كل أخباره ، وإذا لم يكن صادقاً فما ينبغي الاستدلال  ببعض ما نزل عليه من آيات وترك الباقي !! فلقد ذكرت لك سابقاً أن النص القرآني قد أدان عقيدة الثالوث وحكم عليها بالكفر وطالب أصحاب القول بالانتهاء عن ذلك وإلا ليمسنهم عذاب أليم !! .

يحيى : لقد أربكتني وضيعتني من طريقة طرحك ونقاشك للموضوع .

عبد الله : أنت ضائع قبل النقاش وفي النقاش ومازلت كذلك . أتعلم لماذا يا صديقي ؟!

يحيى : لماذا يا ترى ؟

عبد الله : لأنك تفكر بعقل غيرك ، وتردد أقوالهم دون دراية ، وتتبع رجال الدين وتسلم زمام أمورك لهم ، وتصدق كل ما يقال عن القرآن من شبهات وافتراءات ، ولا تعتمد على العلم والواقع والفطرة في إيمانك بتوحيد الله الخالق المدبر .

يحيى : ماذا برأيك ينبغي أن أفعل ؟

عبد الله : ارجع إلى عقيدة الأنبياء والرسل ومنهم السيد المسيح . فهل قال السيد المسيح : أنا الله وكان ينبغي أن يستخدم ضمير [ أنا ] في خطابه لو كان اللاهوت متمثلاً بناسوته وهذا لم يحصل منه أبداً لأنه بشر مثل سائر البشر وهو عبد الله ورسوله ، وأنت تعلم ذلك فقد كان المسيح وأمه يأكلان الطعام ويذهبان إلى السوق وينامان ، فهل الإله يأكل وينام , بل ويتعذب ويتأذى ويطرد ويقتل ويصلب ... الخ .

يحيى : لقد ذكروا لنا أن سبب توحد اللاهوت بالناسوت إنما هو لخلاص الناس لذلك ضحى الله بابنه الوحيد لينقذ الناس من الشيطان .

عبد الله : ومن هو الشيطان؟ وما هي قوته أمام قوة الله الخالق المدبر؟ أليس الشيطان مخلوق من مخلوقات الله المحدودة العاجزة الضعيفة أم الشيطان إله جبار شرير ؟!

إن فكرة الخلاص والتضحية فكرة وثنية قديمة وموغلة في تاريخ البشرية ,فقد كانت الشعوب البدائية الوثنية التي تعبد مظاهر الطبيعة تقوم بتقديم قربان للنهر إذا فاض وتجاوز حده ، وذلك فداء وتضحية عن الناس وإرضاء لغضب النهر ، وهكذا تفعل مع البراكين وغيرها من مظاهر الطبيعة .

  صديقي يحيى ! إذا أصابت نفس الإنسان نجاسة أو ملابسه قذارة هل يتطهر إذا قام غيره بعملية الطهارة ؟!! [أم لم ينبأ بما في صحف موسى ، وإبراهيم الذي وفى ،ألا تزر وازرة وزر أخرى ، وأن ليس للإنسان إلا ما سعى ، وأن سعيه سوف يرى ، ثم يجزاه الجزاء الأوفى، وأن إلى ربك المنتهى]النجم 36-42  فكل إنسان مسؤول عن عمله وإلا بطل الثواب والعقاب ، وانتفى عن الله صفة العدل والحكمة !!!.

   لذا فكرة الثالوث والتضحية والفداء هي مفاهيم وثنية تفلسفت مع الزمن وخاصة في مناطق الشرق الأقصى لبعدها عن مهد الحضارات، وشدة الظلم الذي كان يمارس على هذه الشعوب، فظهرت فلسفة وثنية تدعو إلى العزلة ونبذ الحياة ووصفها بالنجاسة والدعوة إلى الاندماج مع الحركة الكونية ليعود الإنسان إلى محله من المنظومة الإلهية لأنه في النهاية هو جزء من الإله اللامتناهي .

  وقام قسطنطين الوثني بتلقيح عقيدة النصارى القائمة على التوحيد بلقاح الوثنية, وخرج بعقيدة مشوهة غامضة دمجت التوحيد بالتعددية ، والتجريد بالتجسيم فظهرت عقيدة الثالوث بإله واحد ، وتجسد الإله العظيم بناسوت ضعيف محدود .

 

وقام بحرق الأناجيل التي تثبت توحيد الله بالألوهية والعبادة  ، وتثبت بشرية السيد المسيح ونبوته، وطارد المخالفين له في أرجاء البلاد .

 أما قول الفلاسفة الوثنيين أنه لا يوجد في الوجود إلا الرب المعبود . فهذا القول هراء ومتهافت وهرطقة لأن الوجود ذاته يشهد على وجود أزلي متمثل بالإله العظيم ، ووجود محدود ضعيف متمثل بالمخلوقات . أي وجود لفاعل قائم بنفسه ، ووجود فعل له بائن عنه, فالفاعل غير الفعل ، والفعل ليس هو الفاعل, أما تسلسل عملية الخلق إلى الخلف والوصول إلى العنصر الأول الذي تم الخلق منه ، نحو الفوتون الذي هو جُسيم وشعاع في الوقت ذاته ، وعدم قدرة العلم على رصد حركته إلا إذا افترض ثبوته في جهة ما . فقد استغل الفلاسفة الوثنيون هذه الأفكار ووصلوا إلى أن الله الخالق في الحقيقة هو عين الوجود ذاته وبكل صوره المتعددة, لذلك ينادون بوحدة الوجود ، وما التغيرات في الوجود إلا تعديلات وترميمات إلهية لنفسه ، والإنسان هو أرقى صورة إلهية في الوجود لذا ينبغي الحذر من قراءة هذه الفلسفات الضالة ، وعدم الانخداع بعباراتهم المنمقة مثل قولهم : أن الكون يحكمه نظام واحد من الذرة إلى المجرة وبالتالي وحدة النظام الكوني الذي يحتوي على تعدد ومتغيرات كثيرة ، فظهر في الوجود علاقة الوحدة بالتعدد ، والتعدد بالوحدة ليشكلا لوحة الكون العظيمة البديعة التي هي في النهاية ما يطلق عليه الله العظيم البديع .

   فصدر الكلام حسن وجميل ولم يجانب الصواب ، فالكون قائم على نظام الثابت والمتغير والعلاقة جدلية بينهما ، ولكنهم انطبق عليهم مقولة : كلمة حق أريد بها باطل .

فعندما عجز عقلهم وأدواتهم المعرفية عن تجاوز أول أو أقدم عنصر موجود في الواقع ,وشاهدوا أن الفوتون هو شعاع وجسيم في وقت واحد ,وأن النور جسم لطيف يحل في الوجود كله ، وقد تم وصف الإله بالنور, لأن النور رمز للمعرفة والعلم والخير ، ولم يستطع عقلهم تصور إيجاد شيء من لا شيء ، ولم يستطع عقلهم تصور وجود الإله العظيم ولا شيء معه ,ومن ثم ابتدأ فعل الخلق من لاشيء, فوصلوا إلى أن الوجود الكوني هو أزلي في وجوده وسرمدي في بقائه ، وما الحياة الدنيا بالنسبة للإنسان إلا إحدى صور الحياة التي ينتقل منها إلى أخرى إلى ما لانهاية .

   صديقي يحيى !! لقد أدخلتك في مواضيع ليست هي محل النقاش ، ولكن هي أفكار كامنة وراء الأفكار المعروضة ، وينبغي العلم بالمقصد والنهاية لهذه الأفكار المتعلقة بالله العظيم إلى أين يريد أصحابها أن يأخذونا .

   فالأقانيم والثالوث واللاهوت والناسوت ووحدة الوجود والاتحاد والحلول وغير ذلك كلها أفكار باطلة تسير بك إلى الهاوية .

يحيى : لقد أثرت الشبهات والإشكالات الكامنة في نفسي منذ زمن بعيد ، وسمعت منك أجوبة على أكثرها ، وبصراحة هي مقنعة إلى حد بعيد ، ولكن أريد أن أعطي لنفسي فرصة في التفكير الحر ومراجعة الذات ، ونقاش المعنيين بالموضوع والحوار معهم .          

عبد الله :سوف اختم الحوار بقول الله عز وجل:

  1-[ يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى بن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيراً لكم إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولد له ما في السموات وما في الأرض وكفى بالله وكيلاً , لن يستنكف المسيح أن يكون عبداً لله ولا الملائكة المقربون ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعاً ] النساء 171-172

 2-[ لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار , لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله واحد وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم , أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم , ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام انظر كيف نبين لهم الآيات ثم انظر أنى يؤفكون ]المائدة 72-75

...............................................................................

اجمالي القراءات 14854

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
التعليقات (1)
1   تعليق بواسطة   ربيعي بوعاقل     في   الثلاثاء 12 يونيو 2012
[67267]

رائع برغم الطول الطويل + هدية.


أخي سامر : شكرا جزيلا.
عيب المتدينين أنهم لا يقرأون، ولقد قرأت كلام المسيح في { الإنجيل} مارارا وتكرارا ، فالفيته يدعوا إلى توحيد لا تشوبه شائية شرك.
((... الوصية الأولى هي: اسمع يا إسرائيل، الرب إلهنا هو الرب الأحد، فأحب الرب إلهك بكل قلبك، وكل نفسك، وكل فكرك، وكل قدرتك، والوصية الثانية: أحب قريبك مثلما تحب نفسك، وما من وصية أعظم من هاتين الوصيتين.))[إنجيل مرقس12].
كلمة الإنجيل ـ عندهم ـ تعني: البشارة السارة.
(( واذ قال عيسى ابن مريم يا بني اسرائيل اني رسول الله اليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول ياتي من بعدي اسمه احمد فلما جاءهم بالبينات قالوا هذا سحر مبين.)) الصف:6/61الكتاب المهيمن: القرآن الكريم.
 هدية: ملاك الرب تمثل لمريم بشرا سويا (( قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا )).
وكان قبلها يوسف ( بشرا سويا)، لكن النسوة أكبرنه حتى قلن: (( ما هذا بشرا إن هذا إلا ملاك كريم))
لاحظ هذا التناظر بين الحادثتين:
............................ملاك ........... يظهر في صورة: (( بشرا سويا )).
وفي المرآة:......( بشرا سويا)....... يظهر في صــــورة (( ملاك كريم )).
اقرأ المقال: (؟)لترى بأم عينك ـ حفظك الله ـ أن هذا التناظر محكم، وشامل، ومطرد، وله دلالات خطيرة.

 
شكرا  للجميع .
نصارى ومسلمين.
 

أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2007-01-08
مقالات منشورة : 134
اجمالي القراءات : 3,388,013
تعليقات له : 354
تعليقات عليه : 833
بلد الميلاد : Syria
بلد الاقامة : Syria



فيديو مختار
خطبة د أحمد صبحى منصور فى مظاهرة الأقباط أمام البيت الأبيض للإحتجاج على حوادث إلمنيا الطائفية