عن الأصل التاريخى لتقسيم العالم فى عصر الخلفاء الى ( دار السلام ودار الحرب ) :
الجزء الأول من كتاب :( مسلسل الدماء فى تاريخ الخلفاء )

آحمد صبحي منصور في السبت 24 نوفمبر 2018


الجزء الأول من كتاب :( مسلسل الدماء فى تاريخ الخلفاء )

عن الأصل التاريخى لتقسيم العالم فى عصر الخلفاء الى ( دار السلام ودار الحرب )  

الكتاب كاملا

الفهرس

هذا الكتاب

مقدمة الكتاب

 الفصل الأول : مسلسل الدماء فى الخلافة الأموية

المزيد مثل هذا المقال :

رحلة الشتاء والصيف ( التجارة الشرقية ) أساس الصراع العالمى من قريش وحتى الآن

 غزو (القسطنطينية ) من معاوية الى السلطان محمد الفاتح العثمانى (  أولا :  معاوية وحصار القسطنطينية عام  49 / 50 ـ ثانيا : كيد البيزنطيين للأمويين فى شمال أفريقيا ـ ثالثا : محاولة الأمويين الأخيرة لاحتلال القسطنطينية ـ  رابعا : كيد البيزنطيين للعرب مع بداية العصر العباسى ـخامسا : الرد على البيزنطيين بتقوية ( الحرب الفكرية ) أملا فى فتح القسطنطينية ـ أخيرا : أثر تلك الحرب الفكرية فى فتح القسطنطينية

دور معاوية : ( مقدمة . أولا :الخليفة معاوية يتابع الحملات فى الشتاء والصيف على غرار رحلتى الشتاء والصيف  ـ ثانيا : الجهاد القرشى مع الخارج ( دار الحرب ) لا يعوق القتال فى الداخل ( دار السلم ) ـ ثالثا : الوصول لمنبع التجارة الشرقية ـ  رابعا : الجهاد القُرشى الأموى فى سبيل السلطان وليس فى سبيل الله جل وعلا )

مسلمة بن عبد الملك نموذج للجهاد الأموى : جهاد فى سبيل الشيطان : ( مقدمة . أولا : لمحة عن مسلمة بن عبد الملك ـ ثانيا : غزوات مسلمة بن عبد الملك  ضد البيزنطيين وتوسعه شرقا فى الطريق للهند ـ ثالثا : مسلمة يحارب فى الداخل أيضا  ـ رابعا : إستمرار الجهاد الأموى فى إتجاه الهند والصين: منبع التجارة الشرقية ) .

 عمر بن عبد العزيز : فريد عصره :"عصر تقسيم العالم الى معسكرين" ( مقدمة ـ أولا ـ كيف وصل هذا الرجل المتفرد الى العرش الأموى ؟  ثانيا : عمر بن عبد العزيز فى خلافته ـ وبدأ مبكرا بتطبيق  العدل والسلام :  العدل :  رد المظالم ـ  السلام ووقف الحروب ـ مع الأمويين ـ  سبب قتل عمر بن عبد العزيز )

أواخر الدولة الأموية : مسلسل الدم داخليا وخارجيا فى 17 عاما فقط .!

مسلسل الدماء قبيل سقوط الدولة الأموية ( 118 : 127 )

مسلسل الدماء بين ( المسلمين فى دار السلام ) فى خلافة مروان بن محمد (127 : 132 )

 الفصل الثانى : مسلسل الدماء فى الخلافة العباسية

مسلسل الدماء فى خلافة السفاح العباسى (  132 ـ   136 )

مسلسل الدماء فى عشر سنوات من خلافة أبى جعفر المنصور ( 136 : 145 )

مسلسل الدماء فى خلافة ابى جعفر المنصور من عام 146 الى وفاته فى 158

مسلسل الدماء فى خلافة المهدى العباسى ( 158 : 169   )

مسلسل الدماء فى خلافة الهادى العباسى (  169  : 170 )

مسلسل الدماء :الخيزران تقتل زوجها الخليفة المهدى ثم تقتل ابنها الخليفة الهادى

 

مسلسل الدماء فى خلافة الرشيد : الرشيد بين الاسراف فى النساء والاسراف فى الدماء

موجز أنباء مسلسل الدماء فى خلافة الرشيد (170 : 193) 

مسلسل الدماء فى خلافة ( الأمين ) العباسى  (الخليفة الشاذ التافه ) 

مسلسل الدماء فى خلافة المأمون  (198:  218 ) أولا :  شخصية المأمون :

 مسلسل الدماء بين المأمون وأهله العباسيين والبغداديين

 مسلسل الدماء فى خلافة المأمون  (198:  218 ) : بين المأمون والعرب  

 مسلسل الدماء فى خلافة المأمون  (198:  218 ) : بين المأمون والعلويين

 مسلسل الدماء فى خلافة المأمون(198:  218 )  بين المأمون وبلاد الشرق

المأمون ومسلسل الدماء فى مصر

 مسلسل الدماء فى خلافة المأمون:زيادة الله الأغلبى فى شمال أفريقيا بين حرب الداخل والخارج  

مسلسل الدماء فى خلافة المأمون : الهجوم على البيزنطيين (دار الحرب )

 

هذا الكتاب

يتغنون بما يسمونه بالخلافة الاسلامية ، وهى فى الحقيقة خلافة شيطانية نشرت حمامات الدم فى العالم ، والذين يتغنون بها هم سفاكو دماء . لتبرئة الاسلام من شرورهم ننشر هذا الكتاب ، نبدأ بالجزء الأول عن الدولة الأموية والعصر العباسى الأول .

مقدمة الكتاب

أولا :

1 ـ سبق لنا نشر مقالات كتاب المسكوت عنه من تاريخ الخلفاء الراشدين ، وفيه تحليل الفتوحات والفتنة الكبرى ، ثم تلاه مقالات كتاب عن مأساة كربلاء ، ثم مقالات كتاب عن الفتنة الكبرى الثانية من مقتل الحسين الى مقتل ابن الزبير . موجز ما سبق أن الفتوحات ـ أكبر جريمة إرتكبها الصحابة ـ قد أنتجت الفتنة الكبرى ، وهذه الفتنة الكبرى أنتجت مأساة كربلاء ثم الفتنة الكبرى الثانية . ولا يزال المسلمون المعاصرون يعيشون تلك المآسى لأنه تأسست عليها اديان أرضية تجعلهم يتقاتلون فيما بينهم فى حروب مذهبية ، نراها الآن بين السُّنّة والشيعة . هذا فيما يخص العلاقات بين المسلمين وحروبهم المذهبية .

2 ـ وهناك أثر عالمى للفتوحات ، وهو تلك الحرب العالمية الدينية بين المسلمين والأوربيين ـ ويمثلهم الروم أساسا ـ فى القرن الأول الهجرى . الفتوحات التى دمرت الامبراطورية الفارسية الشرقية ، وقلّصت الامبراطورية الرومية البيزنطية ـ كانت تحولا هائلا فى التاريخ العالمى ، أحدثته قريش والأعراب ، واستمر هذا التحول يقسم الصراع العالمى الى صراع بين امبراطوريتين ( عربية مسلمة ) و ( نصرانية رومية ) . ولقد كان الصراع عالميا وعلمانيا بين الفرس والروم لذا كان ممكنا إنهاؤه . ولكنه تحول الى صراع دينى بين قريش التى تحمل إسم الاسلام ، وتتهم الآخر ( المسيحى ) بالكفر توطئة لتبرير الهجوم عليهم وإحتلال ما تحت أيديهم ، بل وغزو وحصار عاصمتهم القسطنطينية . ولذا إستمرت الحروب بين ( المسلمين و الأوربييين )  لأنها تأسست على دين أرضى ، وتأسّس له تعبير لا يزال ساريا هو تقسيم العالم الى معسكرين ، هو التعبير الفقهى السُّنّى : دار السلام ودار الحرب ، أو دار الاسلام ودار الكفر . هذا من وجهة نظر المسلمين ، يعتبرون أنفسهم دار السلام والسلام والايمان ويعتبرون المعسكر الآخر دار الكفر والحرب . والطرف الآخر ( الروم ) يعتبر الخصم العربى المسلم كافرا .

3 ــ بالاضافة الى إستمرارية الصراع بين الشرق المسلم والغرب المسيحى ( حتى الآن )  فقد ترتب عليه فى الداخل : إضطهاد النصارى ( المسيحيين ) داخل ما يسمى بدار السلام ، وهم أهل البلاد الأصليين وكانوا فى القرون الأولى من الهجرة الأغلبية من السكان . وعقوبة من يرتد عن الاسلام بالقتل على إعتبار أنه خائن وينتمى للمعسكر المعادى ، وهذا مع استمرار الحرب الداخلية داخل ( دار السلام ) حربا مذهبية .

4 ــ الغريب أن المؤمنين فى مكة ــ وهم تحت إضطهاد قريش ـ كانوا يتابعون صراع الروم والفرس ، ويتمنون نُصرة الروم ، بينما كان عُتاة قريش يتمنون نُصرة الفرس . وإستبشرت قريش بانتصار الفرس ، وحزن المؤمنون لهزيمة الروم لأنهم أهل كتاب .  ونزل قول رب العزة جل وعلا : (الم (1) غُلِبَتْ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (5) وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (6) الروم ) . أخبر جل وعلا يبشر المؤمنين مقدما بنصرة الروم وعدا منه ، وتحقق هذا الوعد ، وانتصر الروم فعلا بقيادة هرقل ، وغرق اسطول الفرس وتفرق جيش كسرى . بعد موت النبى عليه السلام قادت قريش المسلمين ومعها قوة الأعراب الحربية ، فأشعلت حربا عالمية ـ هى أطول حرب عالمية فى التاريخ ، بدأت بخلافة أبى بكر ..ولا تزال تقوم بها داعش . بدأ العرب الحرب ، هاجموا الامبراطوريتين العظميين ( الفرس والروم ) فى نفس الوقت ، دمروا مبراطورية الفرس وتجاوزوها شرقا ، وإستحوذوا من الامبراطورية البيزنطية على الشام ومصر وشمال أفريقيا ، ودمروا اسطولها فى البحر المتوسط ، وتوسعوا الى المحيط الأطلنطى ، ثم عبروا الى اسبانيا ووصلوا الى جنوب فرنسا .

5 ـ وتواصلت الحرب بين قريش والروم فى دول الراشدين والأمويين والعباسيين عبر ما كان يسمى ب ( الثغور ) أو النقاط الحربية على التخوم بين العرب والروم فى آسيا الصغرى أو ما يعرف الآن بتركيا ـ هذا مع استمرار الحروب فى أقصلى الغرب فى اسبانيا وفى أقصى الشرق فى آسيا الوسطى ، ومع إستمرار الحروب الأهلية داخل ( دار السلام ) أو معسكر المسلمين ، من الفتنة الكبرى الأولى والثانية وثورات الخوارج والشيعة وسقوط الدولة الأموية وتأسيس الدولة العباسية .

6 ـ وضعفت قريش مُمثلة فى خلفائها العباسيين فقام عنها بإدارة الصراع مع البيزنطيين قادة آسيويون تحكموا فى الخلافة العباسية كان أهمهم الأتراك السلاجقة . وبعد إنتهاء عصر الخلفاء العباسيين الأقوياء وفى العصر العباسى الثانى بدأت الكفة تميل ناحية البيزنطيين ، وإستمر ميلها نحوهم الى درجة أنهم بدأوا حركة إسترداد لما إستولى عليه العرب منهم ، ووصلت غاراتهم الى حلب وشمال العراق ، بعد أن كان العرب يحاصرون القسطنطينية مرتين فى الدولة الأموية .

7 ــ وأصاب الاجهاد البيزنطيين والمسلمين معا فدخلت اوربا بزعامة البابوية فى الحروب الصليبية والتى احتلت بيت المقدس وأسست ممالك لها فى الشام وآسيا الصغرى ، مع حملات صليبية لمصر . وبعد ملاحم حربية تمكن المماليك من إجتثاث الوجود الصليبى .

8 ـ بضعف المماليك ظهر العثمانيون فى مناطق الثغور ــ او الجهاد فى آسيا الصغرى ـ وبإحياء الجهاد توسعوا على حساب البيزنطيين حتى إستولوا على القسطنطينية نفسها ، وتوسعوا فى أوربا الشرقية والجنوبية من حدود فيننا الى البلقان واليونان ، ثم ضموا اليها العراق والشام ومصر وشمال أفريقيا بدون المغرب .

9 ـ  ثم ما لبث أن دخل العثمانيون فى دور الضعف ــ الى أن حوصروا بين روسيا من الشرق وأوربا من الغرب ، وبدأت حركة إسترداد مسيحية فى إسبانيا قامت بتقليص الوجود العربى الى أن إجتثته تماما ، وواصلت الهجوم على موانى المسلمين فى شمال افريقيا ونقلت المعارك الى داخلهم ، وحاولت الوصول الى الهند لتكسر إحتكار المسلمين للتجارة الشرقية ولتتحالف مع المملكة المسيحية فى الحبشة لتغزو مكة والمدينة . ونتج عن هذه المحاولات الكشوف الجغرافية وبدء حركة إستعمار لم تقتصر على العالم الجديد ، بل إمتدت الى بلاد المسلمين نفسها ، ولم تقتصر على اسبانيا والبرتغال بل انضم اليها انجلترة وفرنسا وهولندة ثم أيطاليا . 

10 ـ وقع المسلمون تحت إستعمار أوربا المسيحية  فى وقت أصبحت فيه الدولة العثمانية ( رجل أوربا المريض ) الذى يتسابق الأوربيون على نهش ممتلكاته . وحاول  الوالى محمد على باشا إحياء الدولة العثمانية فكسرته أوربا ، فقنع بمصر له ولذريته ، ولكنه ترك مشروعا لليقظة بالأخذ عن أوربا ، بينما ظهرت الوهابية فى الجزيرة العربية تستعيد أسوأ ما فى تاريخ وتراث المسلمين ، ظهر فى الدولة السعودية الأولى والتى قضى عليها محمد على عام 1818 ، ثم أعيد قيامها وانهارت ثم أعاد تأسيسها عبد العزيز آل سعود ، وأعطاها إسم إسرته عام 1932 .

11 ــ أدت الظروف الاقليمية والدولية والبترولية الى أن تنشر الدولة السعوية وهابيتها على أنها الاسلام ، والوهابية تعطى المسوّغ الدينى للسلطان القائم لكى يستمر فى الحكم ، كما تعطى المسوّغ الدينى لمن يثور عليه ، بمجرد التكفير . ولذا أنتجت الوهابية أنظمة حكم وأنتجت أيضا الثائرين عليها ، وهؤلاء وهابيون وأولئك وهابيون . ونشرت الوهابية حمامات الدم فيما بينها وبين الشيعة ( حروب مذهبية ) وفيما بينها وبين الغرب ( حروب دينية ) وفيما بين أجنحتها المختلفة ( سعوديون وإخوان نجديون فى عهد عبد العزيز ، سعوديون وإخوان مسلمون فيما بعد / سعوديون والقاعدة / سعوديون وداعش / داعش والنصرة ..الخ ) .

ثانيا :

فيما يخص موضوعنا عن دار السلام ودار الحرب ، فقد أعادته الوهابية على المستوى النظرى والمستوى العملى .

1 ـ فى المستوى النظرى نقرأ هذه الفتوى الوهابية : ( ما معنى دار حرب و دار السلم؟:

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أما بعد:

فقد عَّرف الفقهاء دار الإسلام ودار الحرب بتعريفات وضوابط متعددة يمكن تلخيصها فيما يلي، دار الإسلام هي: الدار التي تجري فيها الأحكام الإسلامية، وتحكم بسلطان المسلمين، وتكون المنعة والقوة فيها للمسلمين.ودار الحرب هي: الدار التي تجري فيها أحكام الكفر، أو تعلوها أحكام الكفر، ولا يكون فيها السلطان والمنعة بيد المسلمين.

قال الإمام أبو يوسف صاحب أبي حنيفة: تعتبر الدار دار إسلام بظهور أحكام الإسلام فيها، وإن كان جُلُّ أهلها من الكفار.وتعتبر الدار دار كفر لظهور أحكام الكفر فيها، وإن كان جل أهلها من المسلمين. المبسوط للسرخي 10/144.

وقال الإمام ابن القيم: دار الإسلام هي التي نزلها المسلمون، وجرت عليها أحكام الإسلام، وما لم يجر عليه أحكام الإسلام لم يكن دار إسلام وإن لاصقها. أحكام أهل الذمة 1/266.

ويقول الإمام ابن مفلح: فكل دار غلب عليها أحكام المسلمين فدار الإسلام، وإن غلب عليها أحكام الكفر فدار الكفر، ولا دار لغيرهما. الآداب الشرعية 1/213.

إذا عرفت هذا استطعت التمييز بين دولة وأخرى من حيث كونها دار إسلام، أو دار حرب. والله أعلم.) http://fatwa.islamweb.net/fatwa/index.php?page=showfatwa&Option=FatwaId&Id=7517

نلاحظ الآتى على الفتوى :

1 / 1 ـ أنها تخلو من أى آية قرآنية ، أو حتى أى حديث من أحاديثهم . وهم يعلمون أنه لم ترد أحاديث فى موضوع دار الاسلام ودار الكفر. هى مجرد آراء فقهية تعبّر عن ظروف عصرها .

 1 / 2  ـ إنها تعطى المسوغ الشرعى السُّنّى لتكفير أى مجتمع وأى دولة ، لمجرد الخلاف المذهبى ، والتكفير يُسوّغ الهجوم والاحتلال . وبالتكفير قامت قريش بالفتوحات ، وبالتكفير قام آل سعود بإقامة دولتهم وإحتلال ما ليس لهم ، وبالتكفير أسّست ( داعش ) دولتها المؤقتة الحالية ، وبالتكفير تسعى منظمات الوهابية ما ظهر منها وما بطن الوثوب للحكم . والفتوى فى سطرها الأخير تعطى القارىء حق الحكم على أى دولة بما يشاء .

1/ 3  ـ إذا كان التكفير وجهة نظر خلافية فى داخل دول المسلمين ( أو فى داخل دار الاسلام والسلام ) فإنه ليس كذلك . فالجميع يتفقون على تكفير الغرب المسيحى . وهو ليس مجرد أحكام فقهية بل قرون من الصراع المسلح بأنهار من الدماء ، وإحتلالات وإستردادات ، وسبى وسلب وقتل للأسرى بلا رحمة .

2 ـ على المستوى العملى الواقعى فى عصرنا :

2 / 1  ـ المملكة السعودية بحدودها الحالية أسسها عبد العزيز آل سعود بسيوف الاخوان . وهم جُند من الأعراب المتوحشين علمهم الوهابية على انها الاسلام . واضطرت ظروف السياسة عبد العزيز الى التعامل مع ( مصر ) و ( إنجلترة ) ، وهذا فى التشريع الوهابى ــ الذى تعلمه الاخوان ــ  كُفر بُواح . لذا بدأت معارضتهم لعبد العزيز ، وتصاعدت الى  تكفيره وحربه . وقد قضى عليهم فى موقعة السبلة عام 1930 ، بعد أن أنشأ الاخوان المسلمين المصريين بديلا عنهم عام 1928 . يهمنا هنا  هو : أول بنود معارضتهم له  فى  مؤتمر الارطاوية في ديسمبر 1926: ، وهو إرسال ولده سعود الي مصر و ولده فيصل الي لندن وهما من بلاد الشرك . طبقا للوهابية فمصر بلد المشركين ( حرب مذهبية ) وبريطانيا بلد الكفار ( حرب دينية ) ، وهذا تطبيق عملى لشريعة تقسيم العالم الى معسكرى الايمان والكفر . تقسيم يبدا بالقسمة علىى إثنين ( المسلمون و النصارى ) بالحرب الدينية  ثم ينتهى الى تقسيم آخر داخل ( دار الاسلام ودار الكفر ) بالحرب المذهبية . . ثم تقسيم أصغر داخل المذهب السُّنّى ثم داخل الوهابية . والاخوان النجديون ما لبث أن حاربوا استاذهم عبد العزيز واقاموا مذابح للوهابيين التابعين له .

2 / 2 : ـ أسس عبد العزيز الاخوان المسلمين فى مصر وحظر عليهم العمل فى بلاده كى لا يكرر تجربة الاخوان النجديين ، ونجح حسن البنا فى إنشاء 50 الف فرع للاخوان فى العمران المصرى وتأسيس جيش سرى له وتنظيمات دولية له ، وأسهم فى إشعال ثورة الميثاق فى اليمن لصالح عبد العزيز ، ونجح فى التسلل للجيش المصرى ، وفيما بعد قامت حركة الجيش بتأييد الاخوان ، ثم اختلف الاخوان مع عبد الناصر فعصف بهم عبد الناصر ، وهرب معظمهم الى السعودية بعد موت عبد العزيز . وقاموا بتطوير الوهابية ونشرها ، ولكن أسهموا فى تحويل بعض الوهابيين الى معارضة للأسرة السعودية . فبدأت الخصومة بين الاخوان المسلمين وسادتهم آل سعود . وكانت المعارضة السعودية فى أواخر القرن الماضى بعد حرب الخليج بتأثير الاخوان المسلمين ، وشرحنا هذا فى مقالات كتابنا ( المعارضة الوهابية فى الدولة السعودية فى القرن العشرين ) . يهمنا أن هذه المعارضة هى التى أنتجت أسامة بن لادن وتنظيم القاعدة المُنشأ عام 1998 للجهاد ضد ( اليهود والصليبيين ) ، طبقا لشريعة دار الاسلام ودار الحرب . واستهدفت القاعدة الغرب الأوربى والأمريكى بهجمات إنتحارية ، وعندما تباطأ جهادها الوهابى السلفى نهضت داعش وأخواتها تحارب فى جبهتين : ضد الغرب ، وضد الشيعة معا .

أخيرا :

1 ـ لا نملٌّ من تكرار أن الاسلام هو دين اسلام وان القتال فيه دفاعى لرد العدوان بمثله ويتوقف الرد بتوقف العدوان ( البقرة 190 : 194 ) وأنه يتوجب معاملة الذين لا يعتدون على دولة الاسلام بالبر والقسط والعدل ( الممتحنة 8 : 9  ) وأن قريش غيّرت هذا التشريع الاسلام بجريمة الفتوحات ، وجعلت تكفير الغير مسوغا للهجوم عليه واستحلال أرضه وماله وعرضه . وأصبح التكفير سلاحا داخليا استخدمه الأعراب الخوارج ضد قريش بمثل ما استخدمه إخوان عبد العزيز ضده .

2 ـ  ونقول أيضا أن تشريع (  دار السلام والاسلام ودار الكفر والحرب ) لا أصل له حتى فى التشريعات الفقهية الشفوية فى العصر الأموى . أى تم إستحداث تشريعها فى العصر العباسى . وبالتالى فهى نتاج عصرها حيث ساد تقسيم العالم الى معسكرين متحاربين حربا دينية، وإستلزمت هذه الحرب الدينية المُعاشة تأطيرا فقهيا يواكبها ويؤيدها ويسوغها، وقامت الدولة الدولة السعودية بإحيائه فى عصرنا على المستويين النظرى والعملى ، ويتم تطبيقه الآن فى حمامات دم ضحاياها ألان بلغوا عدة ملايين منذ ظهور الوهابية وحتى الآن .

3 ـ وفى كتابنا هذا ، نستعرض سجالات الحروب بين قريش والروم البينزنطيين ، على المستوى العسكرى والمستوى الانسانى أيضا .. لاثبات أن:

3 / 1 :  هذه الحروب كانت الأرضية التى نشأ عليها تشريع ( دار الحرب / دار الاسلام ودار الكفر ) . 

3 / 2 : وأن الدين الأرضى مملوك لأصحابه ، هم الذين يملكون التشريع فيه طبقا لأهوائهم.

3 / 3 : وللتأكيد على أن دين الله جل وعلا وهو السلام لا شأن له بهذا الهجص الدموى .

3 / 4 : أن الفتوحات العربية التى قام بها الخلفاء ( الراشدون / الفاسقون ) هو أفظع خطيئة ، اضاعت الاسلام ، واضاعت المسلمين ، ولا يزالون يدفعون ثمنها حتى الان حروبا أهلية .

3 / 5 : فى حمامات الدم هذه كانوا يحرصون على تأدية صلاة شكلية ، كانت صلاة شيطانية لأنها لم تكن تنهاهم عن الفحشاء والمنكر بل كانت تأمرهم بالفحشاء والمنكر وتسوّغ لهم سفك الدماء والسلب والنهب والاسترقاق باسم الاسلام العظيم. كانت صلاتهم الشيطانية حربا لرب العزة جل وعلا.!

  والله جل وعلا هو المستعان .

 

 

الفصل الأول

رحلة الشتاء والصيف ( التجارة الشرقية ) أساس الصراع العالمى من قريش وحتى الآن

مقدمة

1 ـ نريد التذكير والتأكيد على أن قيام دين أرضى بإسباغ مشروعية دينية على الصراع السياسى والحربى يجعله مستمرا طالما بقى هذا الدين الأرضى مسيطرا . ولهذا إستمر صراع الشرق ( المسلم ) مع  الغرب ( المسيحى ) فى حروب دينية استمرت قرونا ترعاها ( الخلافة ) والكنيسة . ما عدا ذلك ، فكل الصراعات الدولية والاقليمية والمحلية ( العلمانية ) تنتهى وتصبح تاريخا ماضيا ، بل قد تتحول الى علاقات صداقة وتحالف ، أو العكس ( ألمانيا وفرنسا وانجلترة وايطاليا ) ( اليابان وأمريكا ) ( أمريكا والاتحاد السوفيتى قبل وبعد الحرب العالمية الثانية ). تظل فى إطار العلاقات المتغيرة حسب المصلحة . يختلف الحال لو تدخل الدين الأرضى فيحولها الى علاقات حرب متصلة عبر القرون ، سواء كانت حربا دولية دينية ( دار السلام ودار الحرب ) أو حربا مذهبية داخلية ( السنة والشيعة ، الخوارج ..الخ ) . 

2 ـ هذا التذكير للتأكيد على حجم الجريمة الكبرى التى إقترفها أبو بكر وعمر وعثمان والأمويون فى فتح صفحة الحرب الدينية بين ( المسلمين ) والأوربيين المسيحيين ، تلك الحرب التى لم تنته ، ولن تنتهى إلا بزوال هيمنة الدين السُّنّى الوهابى بالذات ، وحصره كما حاصرت أوربا المسيحية داخل الكنائس وحظرت عليها التجول فى الحياة السياسية .

أولا :

1 ـ جذور الفتوحات التى إقترفها الخلفاء ترجع الى التجارة الشرقية ( رحلة الشتاء والصيف ) التى إحتكرتها قريش بزعامة الأمويين فى الجاهلية ، والتى بسببها عارض الأمويون الاسلام ، ثم بسببها إضطروا للدخول فى الاسلام مؤخرا قبيل موت النبى ، ثم إستغلوه من خلال الخلفاء الفاسقين فى الفتوحات خدمة لهدفهم ليس فقط فى إقامة امبراطورية ، بل أيضا فى السيطرة على التجارة الشرقية .

2 ـ كات التباعد هائلا بين الشرق الأقصى والهند من ناحية وأوربا ( والامبراطورية البيزنطية ) من ناحية أخرى . كان هذا التباعد يجعل الاتصال التجارى بين الشرق وأوربا متعذرا ، زاد منه خطورة الطريق البرى عبر الاستبس الأسيوى من أواسط آسيا الى أوربا الشرقية ، كما زاد من تعذره تلك الحروب المتصلة بين القوتين العظميين وقتها ( الفرس والروم ) ، وتركز هذا الصراع فى المنطقة الوسطى من العالم ( أو ما يعرف الآن بالرافدين والشام وآسيا الصغرى ) . بهذا أصبح الطريق الوحيد المُتاح للتجارة الشرقية هو من الهند والصين بحرا الى اليمن ، ومنها عبر القوافل الى الشام حيث تسيطر الامبراطورية البيزنطية ، ومن موانى الشان تنتقل الى أوربا . العقبة الوحيدة فى هذا الطريق هو عدم الأمن فى الصحراء حيث  تحترف القبائل الاغارات سبيلا للعيش . وهنا حدث الانقلاب فى مكة وقريش والذى أحدثه ( قُصىّ ) الذى قضى شطرا من عمره فى الشام ، وأدرك أهمية  موقع ( مكة ) والبيت الحرام فى جعل مكة والبيت الحرام مركزا للتجارة الشرقية عبر الصحراء والقوافل فى رحلتى الشتاء والصيف . ومن هنا ظهر الايلاف ، وهو عقد إتفاقات مع القبائل فى طريق التجارة من مكة الى الشام ومن مكة الى اليمن ، على أن تحمى القوافل فى رحلتى الشتاء والصيف ، مقابل رعاية أوثانها داخل الحرم المكى ، ثم إيلاف آخر بين قريش فى أن ينقسم رأس مال التجارة على أسهم ، وتتقسم الارباح حسب الأسهم . وتقاسم أبناء قصى ركنى النفوذ ، قام بنو أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بالاشراف على الجانب التجارى وقام بنوهاشم بن عبد مناف بالاشراف على البيت ورعاية الحجاج . وبنزول القرآن  ــ والدعوة الى تنقية ملة ابراهيم من الموروثات الشركية ومنها تطهير البيت الحرام من رجس الأوثان  ــ وقف الأمويون ضد الاسلام حماية لمصالحهم التجارية وعلاقاتهم بالقبائل ، كانت معارضتهم إقتصادية بحتة مع علمهم بأن القرآن هدى ( القصص 57 / الواقعة  81 : 82 ). وأخرجت قريش المؤمنين من ديارهم وأموالهم وورثت أسهمهم فى التجارة ، بل تابعت الهجوم على المؤمنين فى المدينة وقت أن كان المؤمنون ممنوعين من رد الاعتداء ، فلما نزل لهم الإذن برد الاعتداء كانت موقعة بدر ليحصل المؤمنون على حقهم الذى صادرته قريش فى تجارتها الشرقية . ومع تواصل الصراع الحربى بين النبى وقريش أدركت قبائل العرب كيف كانت قريش تخدعهم ، وبدأ الاسلام بمعنى السلام ينتشر ومعه الادراك بعبثية تقديس البشر والحجر ، وشعرت قريش بأن الاسلام هو الذى سيكتسح الساحة فسارعت بركاب قطار الاسلام ، منتهزة فرصة أن أهم الفاعلين فيه هم القرشيون المهاجرون . وبموت النبى تخالف القرشيون جميعا ، وأدرك الأعراب عودة نفوذ قريش فثاروا فى حرب الردة ، وأخمدتها قريش ، وحتى لا تتكر ثوراتهم أقنعتهم قريش بأن المجال واسع أمام نشاطهم الحربى بالجهاد ضد ( الكفار ) ، وبهذا غيّرت قريش تشريع القتال من الدفاع الى الهجوم والاحتلال والظلم . وبالفتوحات أقامت أمبراطوريتها .

4 ـ ويلاحظ أن إتجاه الفتوحات سار فى ناحيتين ، هما معا طريق التجارة بين الشرق الآسيوى والغرب الأوربى ، أى بالاستيلاء على الشام وسواحل البحر المتوسط والبحر الأحمر ، والاستيلاء على العراق وايران وأواسط آسيا . وبهذا وقع طريقا التجارة الشرقية تحت سيطرة قريش المباشرة . أصبح البحر الأحمر بحيرة مقفولة ، كما أصبح البحر المتوسط تحت السيطرة بعد تحطيم الاسطول البيزنطى فى موقعة ذات الصوارى عام 35 . وأصبحت قريش هى المنفذ الوحيد لأوربا فى الحصول على التجارة الشرقية . وفقد البيت الحرام أهميته التجارية بالنسبة للأمويين ، وحين سيطر عليه ابن الزبير وجعل من الحج وسيلة للدعاية ضد الأمويين سارع عبد الملك بن مروان بتأسيس المسجد الأقصى فى القدس بديلا عنه لأهل الشام .

ثالثا :

1 ـ وفى سجالات الحرب بين العرب ( المسلمين ) القوة الشرقية و البيزنطيين ( القوة الغربية )  نمت وإزدهرت الموانى الايطالية كوسيط فى نقل التجارة الشرقية من العرب الى أوربا ، وتحولت جنوة والبندقية الى إمارات قوية بأساطيل تجارية وعسكرية ، وسيطرت على السواحل الايطالية لتحمى نقل البضائع من موانى الاسكندرية والشام اليها ، ثم منها الى الداخل الأوربى . 

2 ـ وضعف الخلفاء العباسيون وسيطرت عليهم قوى آتية من الشرق كان آخرهم الأتراك السلاجقة . وتابع السلاجقة الجهاد ضد البيزنطيين ، وقد سيطروا على معظم آسيا الصغرى ، واستطاع السلطان السلجوقى الب ارسلان  هزيمة البيزنطيين هزيمة ساحقة موجعة وأن يأسر الامبراطور فى موقعة ملاذكرد عام 1071  ، وبها تم انهاء هيبة بيزنطة وفتح الدور لاوربا وكنيسة روما لتدخل فى الصراع ( المسلم / المسيحى ) . وبدأت الحملة الصليبية الاولى  بالاستيلاء على القسطنطينية نفسها عام 1097 : 1099 . وقضت الحملات الصليبية على النفوذ السلجوقى فى آسيا الصغرى والشام وأسسوا ممالك لهم فى المنطقة ، أهمها مملكة بيت المقدس ، وتابع الزنكيون  ( عماد الدين زنكى ) ثم ( نور الين زنكى ) مقاومة الصليبيين ، ثم ورث صلاح الدين الأيوبى هذا الجهاد .

3 ـ  وفى خضم المعارك الحربية لم يكن العامل التجارى غائبا . خصوصا مع التفوق الواضح البحرى للصليبيين .   ومع عقد هدنة بين صلاح الدين والصليبيين فإن رينو دى شاتيو أو ( إرناط ) صاحب خصن الكرك ( او الاردن ) نكث بالعهد وهاجم القوافل ، بل إنه أعدّ حملة بحرية لتخترق البحر الأحمر وتهاجم جدة ثم مكة والمدينة .   وفي عام (578هـ) شرع أرناط في بناء سفن نقلها إلى ساحل البحر الأحمر مفككة على ظهور الجمال وعبر بها الأراضي العربية كانها قافلة تجارية عابرة ، ولم يكن للصليبيين وجود في البحر الأحمر قبل هذا، وباغت المسلمين في ديارهم على حين غفلة؛ فقتل، ونهب، وسلب، وأسر، ثم توجه إلى أرض الحجاز وسار باتجاه المدينة المنورة مرة أخرى حتى وصل إلى رابغ، ، وأسرع قائد الأسطول حسام الدين لؤلؤ بارسال حملة بحرية فى رمضان 578 هـ= يناير سنة1183 م إلى قلعة أيلة واستولت على مراكب العدو برمتها، وقتلت أكثر مقاتليها ، وأرسل حملة أخرى الى ميناء عيذاب بالبحر الأحمر  ، وأطلقت المأسورين من المسلمين فيها ،  وأدركت حملة ارناط قبل وصولها المدينة فقتلوا معظمهم وأسروا الباقين. وأمر صلاح الدين بقتل الأسرى علنا ،   أما أرناط فقد استطاع الهرب ، الى أن قتله صلاح الدين بيده بعد أن وقع أسيرا فى موقعة حطين .

4 ـ  كانت الامبراطورية البيزنطية قد إنتقلت الى متحف التاريخ ، واستولى السلطان العثمانى محمد الفاتح على القسطنطينية عام  1453 ،وحول كنيستها الشهيرة آيا صوفيا الى مسجد ،  وتحولت الى عاصمة لدار السلام والاسلام ( اسلامبول ) ضد دار الحرب والكفر فى أواسط أوربا وشرقها ، وبالتالى إنتقل قطب الصراع الى أسبانيا ،  التى توحدت بزواج ايزابيلا وفريدناند عام 1469 ـ وكان اول اعمالهما عام 1492  هو اسقاط غرناطة وطرد المسلمين منها  وارسال رحلة كولومبوس . ثم تم كشف رأس الرجاء الصالح 1498  وبعده توسعوا الى الهند وشرق آسيا . وبهذا دخل الغرب الأوربى عصر الكشوف الجغرافية والاستعمار للعالم الجديد والقديم على السواء .

 5 ـ خلال قرون مضت كانت أوربا قد أدمنت السلع الشرقية  ، وأهمها  البهارات ( التوابل ) ، والعقاقير ( الأفيون بالذات )  والعطور.  وبلغت شهرتها الآفاق ؛ كان : كيس البهار يساوى وزنه فضة ، وكان الرجل الأوربى الثرى يطلق عليه لقب كيس بهار ، وكان البهار أثمن هدية للعروسين . إرتفعت أسعار تلك السلع إرتفاعا باهظا مع تعاظم الطلب عليها بسبب الجمارك الباهظة التى كان يفرضها المماليك، وكانوا يفرضونها  مرتين ، من وصولها الى موانيهم فى البحر الأحمر ، ومن تصديرها الى أوربا فى الاسكندرية ودمياط ، ثم تكلفة النقل والتجارة عبر إمارتى البندقية وجنوة ، وبسبب الارباح الهائلة لتلك التجارة الشرقية والتى إحتكرتها البندقية و وجنوة فقد إزدهرتا إزدهارا فاحشا على حساب بقية البلدان الأوربية . ومن هنا نشأت الحاجة الى الوصول الى الهند عبر طريق آخر غير هذا الطريق الذى يسيطر عليه المسلمون .

6 ـ وكالعادة تعانق العامل الدينى والتجارى فى هذا الصراع . أصبح من عوامل الكشوف الجغرافية : التخلص من الجمارك الباهظة التى كان يفرضها المماليك وضرب إحتكار البندقية فى نقل التجارة الشرقية ، واضيف اليه تحويل السكان الى المسيحية  ، والتعاون مع مملكة الحبشة المسيحية لضرب الاسلام فى العُمق . وبزول بيزنطة وإنحسار دور كنيستها الشرقية المذهبية  برزت المذهبية الكاثولوكية فى تحالف الكرسى البابوى فى روما مع اسبانيا والبرتغال المتعصبتين للكاثولوكية .  وصدرت المراسيم  البابوية تبيح وتخوّل للبرتغال واسبانيا ملكية ما يكتشفونه ، وتوجب عليهم الجهاد ضد ما اسموه بطاعون الاسلام ، وتعطى المجاهدين الصليبيين صكوك الغفران والتمتع بالجنة .

7 ـ ومضى كولومبوس بسفنه فى المحيط الأطلنطى ليصل الى الهند من الناحية الغربية بإعتبار كروية الأرض فوصل الى العالم الجديد وظنّه الهند فأطلق على سكانه ( الهنود الحمر ) . ثم تتابعت الكشوف ليدرك الأوربيون أنهم بإزاء عالم جديد ، ودخل فى الكشوف انجلترة وفرنسا ، وامتدت الكشوفات لتتحول الى إستعمار إستيطانى ، ثم إمتد الى العالم الآسيوى القديم فى الفلبين وجزر الهند الشرقية ( أندونيسيا ) ووصلت اوربا الى الشرق الآسيوى واستولت بريطانيا على الهند عبر ( شركة الهند الشرقية )، ولم تستطع السيطرة على العملاق الصينى فقامت بتخديره بالأفيون ، وفرضت عليه تدخين وإدمان الأفيون فى حربى الأفيون ألأولى ( 1840 : 1842 ) والثانية ( 1856 : 1860 ) . بدأت أسبانيا والبرتغال الكشوف الجغرافية وأنتهى الأمر بالامبراطورية البريطانية التى لا تغيب عنها الشمس بسبب سيطرتها على التجارة الشرقية ، ومركزها الهند التى كانت (دُرّة التاج البريطانى ) .

8 ـ التطرف الأسبانى البرتغالى فى سفك الدماء والتعصب الدينى لديهما مع قلة عدد سكانهما أخرجهما مبكرا من الصراع الأوربى حول إستعمار العالم الجديد والقديم ، خصوصا بعد قيام انجلترة بتدمير الاسطول البرتغالى السبانى ( الأرمادا ) فى اغسطس عام  1588 ، وبهذا خرجت اسبانيا والبرتغال من ميدان التنافس فى التجارة الشرقية . ولكن قبل أن نغادرهما نتذكر الحملة الصليبية البرتغالية لهدم الكعبة ونبش قبر النبى فى المدينة ثم الزحف منها الى تبوك والقدس . كان هذا  فى عهد السلطان الغورى المملوكى .  وقد استعان البرتغاليون في حملاتهم باليهود الذين استخدموا كجواسيس ، وقد ساعدهم في ذلك معرفتهم باللغة العربية، وعلى سبيل المثال فقد ارسل ملك البرتغال يوحنا الثاني خادمه الخاص ومعه رفيق آخر يهودي الى مصر والهند والحبشة وكان من نتائج رحلتها تقديمها تقرير يتضمن بعض الخرائط العربية عن المحيط الهندي .وذكر ابن اياس إنه في زمن الشريف بركات قد ارتاب في ثلاثة أشخاص تسللوا إلى مكة المكرمة وكانوا يحومون حول المسجد الحرام متظاهرين بأنهم مسلمون، و يرتدون زي العثمانيين، و يتكلمون العربية والتركية. فأمر بالقبض عليهم. وبالكشف على أجسامهم اتضح أنهم مسيحيون لأنهم كانوا بغير ختان. وباستجوابهم اتضح أنهم جواسيس برتغاليون بعثت بهم سلطات لشبونة ليعملوا أدلاء للجيش البرتغالي الصليبي عند دخوله مكة "و قد وضعوهم في الحديد و بعث بهم إلى السلطان الغوري" . و قد وقع هذا الحادث في عام  1510.

وكان السلطان الغوري  قد انهزم حربيا أمام البرتغال فى البحر الأحمر. وكان البرتغاليون بعد وصولهم إلى الهند قد نقلوا جزءاً من نشاطهم الحربي إلى منطقة الخليج العربي وبحر العرب واستولوا على مسقط وهرمز و البحرين وقلهات على ساحل عمان ، و قربات ، و صحار ، وحور و غيرها وجزيرة سقطرى وضربوا ساحل عمان . و فشلوا في احتلال عدن، نجحوا في دخول البحر الأحمر. وبعد أن ضربوا بعض الجزر القريبة من مدخله الجنوبي وبعض ثغوره اتجهوا عام 1517م لاحتلال جدة وفشلوا ، ثم فشلوا ثانيا عام 1520 بع سقوط الدولة المملوكية عام 1517 .

9 ـ  وحاول السلطان العثمانى  سليمان القانونى ضرب البرتغاليين بإرسال حملة كبرى عام 1538م ، و قد نجحت هذه الحملة في الاستيلاء على عدن، و فشلت في ضرب البرتغاليين في الهند. ورد البرتغاليين على الدولة العثمانية بحملة بحرية كبرى دخلت البحر الأحمر واتجهت إلى ميناء السويس، وهي مقر القاعدة العثمانية البحرية. ولكنها ولت مدبرة على أعقابها بعد أن تبين لها أن الأسطول العثماني في حالة تأهب.وقررت الدولة العثمانية وضع خطة جديدة لحماية الولايات العربية الخاضعة لها ، و تتمثل هذه الخطة في اتخاذ عدن- وهي البوابة الكبرى للبحر الأحمر - خط دفاع وقاعدة عسكرية لضرب المراكز البرتغالية في شرق الجزيرة العربية و للسيطرة على البحر الأحمر، وزيادة نشاط الترسانة البحرية في السويس في بناء سفن حربية جديدة وعديدة. تنفيذا لهذا المخطط العكسري قررت الدولة ، كإجراء أمن داخلي وخارجي، إغلاق البحر الأحمر في وجه السفن البرتغالية، ثم عممت هذا المبدأ على جميع السفن المسيحية. فكان لا يسمح لها بالإبحار بالبحر الأحمر فيما وراء ثغر المخا جنوبي ثغر الحديدة في اليمن، فتفرغ شحناتها ويعاد شحن حمولاتها على سفن إسلامية تجوب أنحاء البحر الأحمر و تتردد على ثغوره وموانئه.  

10 ـ وانتهى دور التجارة الشرقية التى كانت تسيطر عليها قريش ، ثم استولت عليها أوربا ، وحلّ محل التجارة الشرقية حاليا ـ تجارة البترودولار . وعاد الصراع  ــ معقدا بالغ التعقيد ــ بين الطرفين يتداخل فيه ويتشابك مصالح السياسة والاقتصاد مع تغلغل النفوذ السعودى الوهابى بعملائه ( الطابور الخامس ) داخل  (معسكر الكفر ودار الحرب ) ، ويتعين على امريكا والغرب أن تحارب الارهاب ( اللوجيستى فقط ) داخل اراضيها مع المحافظة على استمرار ثقافته ودعوته الوهابية حرصا على إقتصادها الذى يعتمد على نفط الخليح الوهابى . تأخذ من الوهابية نفطها مع التقليل بقدر الامكان من خطورة إرهابها . لُعبة بالغة التعقيد ، ويدفع أهوالها الفقراء والمستضعفون فى دار هذا ودار ذاك .

أخيرا : حتى لايضيع منا طرف الخيط :

 نذكركم بعنوان الكتاب : ( مسلسل الدماء فى تاريخ الخلفاء ـ الأصل التاريخى لتقسيم العالم فى عصر الخلفاء الى :" دار السلام ودار الحرب ")

الأصل التاريخى لتقسيم العالم الى ( دار السلام ودار الحرب ).

ونذكركم :

1 ـ بأن الله جل وعلا لم يخلق البشر ليكونا معسكرين متحاربين ، بل خلق البشر جميعا  أخوة من أب واحد وأم واحدة ، وجعلهم شعوبا وقبائل كى يتعارفوا سلميا ، لا لكى يتقاتلوا ، يقول جل وعلا يخاطب البشر جميعا : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13) الحجرات )

2 ـ إن الله جل وعلا أرسل رسوله بالقرآن الكريم رحمة للعالمين وليس لقتال العالمين ، يقول جل وعلا : ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (107) الأنبياء )

3 ـ إن الله جل وعلا أمر المؤمنين بالدخول فى السلام كافة ، فقال جل وعلا : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (208) البقرة ). وتشريعات القتال الدفاعية هى إستثناء يخدم السلام .  ولكن الصحابة إتبعوا خطوات الشيطان بالفتوحات ، وجعلوها دينا ، نتج عنه تقسيم العالم الى معسكرين متحاربين ـ حربا مستمرة ، لا يزال الوهابيون يواصلونها حتى اليوم

4 ـ القتال فى الاسلام هو لرد العدوان فقط ، وهذا معنى أن يكون فى سبيل الله جل وعلا . أما القتال المعتدى الذى فعله الصحابة فهو فى سبيل الشيطان ، وليس هناك توسط : إما قتال دفاعى فى سبيل الله جل وعلا ، وإما قتال باغ معتد ظالم يريد الثروة والسلطة ، أى فى سبيل الشيطان . يقول جل وعلا عن نوعى القتال : (الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ  )(76) النساء  )

5 ـ  فى حمامات الدم هذه كانوا يحرصون على تأدية صلاة شكلية ، كانت صلاة شيطانية لأنها لم تكن تنهاهم عن الفحشاء والمنكر بل كانت تأمرهم بالفحشاء والمنكر وتسوّغ لهم سفك الدماء والسلب والنهب والاسترقاق باسم الاسلام العظيم. كانت صلاتهم الشيطانية حربا لرب العزة جل وعلا.!

 

غزو (القسطنطينية ) من معاوية الى السلطان محمد الفاتح العثمانى

مقدمة :

1 ـ كانت قرية للصيادين اسمها بيزنطة ، ثم جعلها الامبراطور قسطنطين عاصمة الامبراطورية الرومانية الشرقية عام من 335 ، وسماها القسطنطينية ، وجعلها مقر الكنيسة الشرقية الارثوذكسية ، وكانت كنسيتها آياصوفيا آية فى المعمار الدينى . وعاشت عصرها الذهبى ، وصارت مطمح الأمويين فى الاستيلاء عليها بإعتبارها مركز المعسكر الآخر المعادى . وفشلت حملتان أمويتان فى غزوها ، وظلت القسطنطينية تمثل مركز المواجهة ضد المسلمين فى العصر العباسى فى مصطلح ( دار السلام والاسلام ضد دار الحرب والكفر ) ، الى أن انتهى الأمر بأن فتحها السلطان العثمانى محمد الفاتح عام 1453 ، واطلق عليها إسم إسلامبول ، أو دار الاسلام . ثم بعد سقوط الخلافة العثمانية وتولى أتاتورك بعلمانيته المتطرفة أطلق عليها إسم إستانبول .

2 ـ ولأنها حرب دينية فى الأساس فقد إستمر حُلم الاستيلاء على القسطنطينية مسيطرا على الخلفاء القرشيين العباسيين بعد فشل أبناء عمومتهم الخلفاء الأمويون فى الاستيلاء عليها . ولقد تحولت الحروب الدينية بين العباسيين والبيزنطيين الى معارك برية بعيدا عن حصار القسطنطينية نفسها ، وكانت للعباسيين الغلبة فى المعارك فى عصر قوتهم فى الدولة العباسية الأولى ، ثم بضعف الخلفاء العباسيين بدأت الكفة تميل نحو البيزنطيين حتى لقد بدأوا حرب إسترداد وصلت الى شمال الشام والعراق . وهذه الانتكاسات الحربية زادت من تأكيد الحُلم بالاستيلاء على القسطنطينية . وكانت ـ من خلال الأساطير الدينية التى لبست ثوب الأحاديث والروايات التاريخية ــ أكبر محرّض للسلطان العثمانى محمد الفاتح على تحقيق الحلم .

3 ــ ونعطى بعض التفصيلات :

 

أولا :  معاوية وحصار القسطنطينية عام  49 / 50

1 ـ يقول ابن الأثير : ( في هذه السنة، وقيل: سنة خمسين، سيّر معاوية جيشاً كثيفاً إلى بلاد الروم للغزاة ، وجعل عليهم سفيان بن عوف وأمر ابنه يزيد بالغزاة معهم، فتثاقل واعتل، فأمسك عنه أبوه ) .. ( ثم  أقسم عليه ليلحقن بسفيان في أرض الروم ليصيبه ما أصاب الناس، فسار ومعه جمع كثير أضافهم إليه أبوه، وكان في الجيش ابن عباس وابن عمر وابن الزبير وأبو أيوب الأنصاري وغيرهم وعبد العزيز ابن زرارة الكلابي، فأوغلوا في بلاد الروم حتى بلغوا القسطنطينية، فاقتتل المسلمون والروم في بعض الأيام واشتدت الحرب بينهم.. ) .

2 ـ وفشل الجيش الأموى وعاد .

 

ثانيا : كيد البيزنطيين للأمويين فى شمال أفريقيا

1 ـ استطاع عقبة بن نافع طرد البيزنطيين من مساحات كثيرة من شمال أفريقيا . وكان كسيلة زعيم البربر ( الأمازيغ ) قد اسلم وانضم بقومه للعرب ، ولكن عقبة بن نافع أهانه ،   فتحالف سرا مع الروم ، وإستطاع كسيلة ومعه الروم هزيمة العرب وقتل عقبة بن نافع عام 63 ، ودخل القيروان . فأرسل عبد الملك بن مروان قائدا جديدا هو زهير بن قيس البلوى ـ وكان مقيماً ببرقة مرابطا فيها . وتقدم زهير بن قيس بجيشه فواجهه كسيلة بجمع من البربر والروم ، وبعد صدام حربى مروع إنتصر العرب ولقى كسيلة حتفه ، ومعه أعيان البربر والروم .

2 ـ  وانتهز الامبراطور البيزنطى خروج زهير بن قيس بجنده من برقة الى القيروان وتركه برقة خالية من الجنود ـ فارسل حملة بحرية قوية من   جزيرة صقلية، تقول الرواية : ( وأغاروا على برقة، فأصابوا منها سبياً كثيراً، وقتلوا ونهبوا، ووافق ذلك قدوم زهيرمن إفريقية إلى برقة، فأخبر الخبر، فأمر العسكر بالسرعة والجد في قتالهم، ورحل هوومن معه، وكان الروم خلقاً كثيراً، فلما رآه المسلمون استغاثوا به فلم يمكنه الرجوع، وباشر القتال واشتد الأمر وعظم الخطب ، وتكاثر الروم عليهم ، فقتلوا زهيراً وأصحابه ولمينج منهم أحد، وعاد الروم بما غنموا إلى القسطنطينية.)
3 ــ   وأرسل عبد الملك بنمروان إلى إفريقية حسان بن النعمان الغساني بجيش ( لم  يدخل إفريقية قط جيش مثله.فلما ورد القيروان تجهز منها وسار إلى قرطاجنة ( تونس الآن )، وكان صاحبها أعظم ملوك إفريقية، ولم يكن المسلمون قط حاربوها، فلما وصل إليها رأى بها من الروم والبربر مالا يحصى كثرةً، فقتلهم وحصرهم وقتل منهم كثيراً، فلما رأوا ذلك اجتمع رأيهم على الهرب، فركبوا في مراكبهم وسار بعضهم إلى صقلية وبعضهم إلى الأندلس، ودخلها حسان بالسيف فسبى ونهب وقتلهم قتلاً ذريعاً وأرسل الجيوش فيما حولها، فأسرعوا إليه خوفاً، فأمرهم فهدموا من قرطاجنة ما قدروا عليه.ثم بلغه أن الروم والبربر قد اجمعوا له في صطفورة وبنزرت، وهما مدينتان، فسار إليهم وقاتلهم ولقي منهم شدةً وقوة، فصبر لهم المسلمون، فانهزمت الروم وكثر اقتل فيهم واستولوا على بلادهم، ولم يترك حسان موضعاً من بلادهم إلا وطئة، وخافه أهل إفريقية خوفاً شديداً . )  

4 ـ أدى هذا الى معاودة الأمويين محاولة فتح القسطنطينية ، لبتر ( رأس الأفعى ) أو ( مركز دار الحرب والكفر ) فى دينهم الأرضى العملى .

 

ثالثا : محاولة الأمويين الأخيرة لاحتلال القسطنطينية

 

1 ـ كان فتح الاندلس مع عام 92 ، وبه طالت المسافة بين دمشق واسبانيا ، وكان ممكنا أن ينتهز الروم الفرصة بالاغارة البحرية على المسلمين فى الشمال الأفريقى ، لذا كان ضرورة فتح القسطنطينية ، وجرت محاولة  لهذا فى عام 98 فى خلافة سليمان بن عبد الملك . وكانت الحملة بقيادة مسلمة بن عبد الملك أعظم قائد أموى وقتها .

2 ـ  وقد اختط مسلمة خطة جديدة في ذلك الحصار ، تفادى فيها أخطاء حملة معاوية السابقة التى تعجلت الرحيل والعودة ، إذ أقام بتخرين الطعام والمؤن وأقام بيوتا من خشب للجيش وأمرهم بأن يزرعوا ويأكلوا مما يزرعون ومما يصيبون من الغارات وذلك حتي يستمر الحصار أطول مدة ممكنة . وفي نفس الوقت الذي ضمن فيه إمدادات الجيش أقام العسكر حول أسوار القسطنطينية يشددون عليها الحصار ، وجعل علي مقدمة الجيش قوادا مهرة مثل خالد بن بعدان ومجاهد بن جبر وعبد الله زكريا . واضطر الروم لأن يعرضوا الجزية دينارا عن كل شخص في مقابل إنهاء الحصار ولكن رفض مسلمة.

2 ـ وحدث أثناء  ذلك أن مات ملك الروم فاستمال الروم إليهم القائد الرومي إليون ، وقد كان ثائرا علي الملك السابق ومناصرا لمسلمة ومتحالفا معه في حصار القسطنطينية. وحدث التحالف السري الجديد بين الروم وإليون من وراء ظهر مسلمة الذي كان يثق في إليون ولا يتصور أنه سيخونه ، وعدّ المؤرخون ذلك خطأ من جانب مسلمة لأن الذي يخون قومه لا يستبعد عليه أن يخون حليفه. وكان أعيان القسطنطينية قد وعدوا إليون بالملك إذا تمكن من صرف المسلمين عن حصار مدينتهم، فاقنع إليون مسلمة بأن يعطي المؤن للروم في مقابل أن يعطيه الروم الطاعة وانتقلت المؤن لأهل القسطنطينية وهم تحت الحصار والجوع ، ففوجيء مسلمة بإليون ينضم إليهم بعد أن نقل كل مؤن الجيش المسلم ، وأصبح الروم في قوة وشبع بينما أصبح مسلمة وجيشه في خوف وجوع خصوصا وقد حل الشتاء فاضطر الجيش لأكل الدواب وأصول الشجر، وساءت الأحوال حتي تولي عمر بن عبد العزيز عام 99 ، فأمر مسلمة بالرجوع عن حصار القسطنطينية.  

 

رابعا : كيد البيزنطيين للعرب مع بداية العصر العباسى

1 ـ  انتهز البيزنطيون سقوط الدولة الأموية عام 132 ، وإنشغال العباسيين بتأسيس مُلكهم الجديد فأغاروا عام 133 تحت قيادة الامبراطور قسطنطين، على ملطية وملكوها ، تقول الرواية : ( في هذه السنة أقبل قسطنطين، ملك الروم، إلى ملطية وكمخ، فنازل كمخ، فأرسل أهلها إلى أهل ملطية يستنجدونهم، فسار إليهم منها ثمانمائة مقاتل، فقاتلهم الروم، فانهزم المسلمون، ونازل الروم ملطسة وحصروها، والجزيرة يومئذ مفتونة بما ذكرناه، وعاملها موسى بن كعب بحران.فأرسل قسطنطين إلى أهل ملطية: إني لم أحصركم إلا على علم من المسلمين واختلافهم، فلكم الأمان وعودون إلى بلاد المسلمين حتى أحترث ملطية. فلم يجيبوه إلى ذلك، فنصب المجانيق، فأذعنوا وسلموا البلاد على الأمان وانتقلوا إلى بلاد الإسلام وحملوا ما أمكنهم حمله، وما لم قدروا على حمله ألقوه في الآبار والمجاري.فلما ساروا عنها أخربها الروم ورحلوا عنها عائدين، وتفرق أهلها في بلاد الجزيرة، وسار ملك الروم إلى قاليقلا فنزل مرج الخصي، وأرسل كوشان الأرمني فحصرها، فنقب إخوان من الأرمن من أهل المدينة ردماً كان في سورها، فدخل كوشان ومن معه المدينة وغلبوا عليها وقتلوا رجالها وسبوا النساء وساق القائم إلى ملك الروم.) .

2 ـ  المستفاد من الرواية السابقة : تبادل الفريقين القتل والسلب والسبى ، وتقسيم العالم الى معسكرين ، فالامبراطور إتفق مع أهل ملطية المسلمين على تسليم ملطية والرحيل عنها الى بلاد الاسلام : (فأذعنوا وسلموا البلاد على الأمان وانتقلوا إلى بلاد الإسلام ) .

  

خامسا : الرد على البيزنطيين بتقوية ( الحرب الفكرية ) أملا فى فتح القسطنطينية

1 ـ شهد العصر العباسى متغيرات شتى ، منها الدخول فى عصر التدوين وإزدهار التأليف والاختلاق فى الحديث ، وتأسيس الأديان الأرضية بكتب أحاديث وفقه ، هذا مع ، إنتقال العاصمة من دمشق الى بغداد شرقا ، بمعنى أن تتجه الأنظار أكثر ناحية الشرق ، خصوصا وأن الدولة العباسية قامت على أكتاف الفُرس وتشبّه خلفاؤها بالأكاسرة ، وفى تركيزهم على الشرق أضاعوا الأندلس ثم المغرب ـ مبكرا . وهذا التركيز على الشرق حصر الصراع العسكرى مع القسطنطينية على التخوم بين الامبراطوريتين العباسية والبيزنطية ، فظلت القسطنطينية بمأمن من محاولات الغزو . هذا الإخفاق العباسى فى تحقيق الحُلم بفتح القسطنطينية أجّج فى إختلاق روايات حديث وتاريخ تُحرّض على فتح القسطنطينية ، وتضيفها الى محاولة معاوية غزو القسطنطينية .

2 ـ إنتهزوا وجود أبى أيوب الأنصارى فى جيش يزيد بن معاوية فزعموا أنه : ( توفي أبو أيوب الأنصاري عند القسطنطينية فدفن بالقرب من سورها، فأهلها يستسقون به، وكان قد شهد بدراً وأحداً والمشاهد كلها مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وشهد صفين مع علي وغيرها من حروبه.) ( وقيل إن الروم قالت للمسلمين في صبيحة دفنهم لأبي أيوب: "لقد كان لكم الليلة شأن"، قالوا: "هذا رجل من أكابر أصحاب نبينا وأقدمهم إسلاماً، وقد دفناه حيث رأيتم، ووالله لئن نبش لا ضرب لكم بناقوس في أرض العرب ما كانت لنا مملكة". )"، ( وكان ابو ايوب الأنصارى في جيشٍ متوجهٍ لفتح القسطنطينية، يقوده يزيد بن معاوية في زمن خلافة معاوية بن أبي سفيان، فمرض أبو أيوب، فدخل عليه يزيدٌ يعوده فقال: "ما حاجتك؟"، قال: "حاجتي إذا أنا مت فاركب، ثم سُغ في أرض العدو ما وجدت مساغاً، فإذا لم تجد مساغاً فادفني ثم ارجع"، فتوفي أبو أيوب، ففعل الجيش ذلك، ودفنوه بالقرب من القسطنطينية، وأمر يزيد بالخيل فجعلت تقبل وتدبر على قبره، حتى عفا أثرَ القبر، وقبره هنالك يستسقي به الروم إذا قحطوا ) . الرواية فيها تضارب ، إذ كيف يزول أثر القبر ، ثم يكون بعدها معروفا ؟ وكيف يتبرك به مسيحيو القسطنطينية ويستسقون به ؟ . الثابت أن أبا ايوب الأنصارى عاش بعد حصار القسطنطينية الذى كان بين عام 49 ، 50 . مات فى اعوام مختلف فيها ، ما بين 52 : 54 . والأرجح موته فى 52 .

3 ـ ووضعوا حديثا جعلوا له إسنادا يقول فى مسند أحمد : (  حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، وَسَمِعْتُهُ أَنَا مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَ حَدّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ، قَالَ حَدَّثَنِي الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ الْمَعَافِرِيُّ، قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بِشْرٍ الْخَثْعَمِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: لَتُفْتَحَنَّ الْقُسْطَنْطِينِيَّةُ فَلَنِعْمَ الْأَمِيرُ أَمِيرُهَا وَلَنِعْمَ الْجَيْشُ ذَلِكَ الْجَيْشُ ). والنبى عليه السلام لم يكن يعلم الغيب ، ولم يكن له أن يتحدث فيه:(الأنعام 50 ) ( الأعراف  188) وما كان يدرى ما يُفعلُ أو بغيره ( الأحقاف ). 

4 ــ ووضع البخارى حديثا يقول : (أول جيش من أمتي يغزون مدينة قيصر مغفور لهم ).  والنبى عليه السلام لا يعلم غيب الغفران ، ولا يملك الغفران لأحد ، وقد قال له رب العزة جل وعلا : ( لَيْسَ لَكَ مِنْ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (128) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِوَمَا فِي الأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (129) آل عمران ). ولكن الملفت للنظر قول ذلك الحديث المصنوع (أول جيش من أمتي )، ذلك أن تقسيم العالم الى دار السلام ودار الحرب أسّس مقولة (أُمّة محمد ) التى تعيش فى دار السلام ، فى مواجهة (أُمّة المسيح ) التى تعيش فى دار الحرب .

5 ـ وإخترع البخارى ( ت 256 ) شخصية لم ترد من قبل فى الصحابيات فى الطبقات الكبرى لابن سعد ت 230 ، وهى شخصية ( أم حرام بنت ملحان ) وبنى عليها طعنا حقيرا فى خاتم النبيين ، عليهم السلام ـ يزعم فيه أن النبى كان : (( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل على أم حرام بنت ملحان فتطعمه وكانت أم حرام تحت عبادة بن الصامت فدخل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأطعمته وجعلت تفلي رأسه فنام رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم استيقظ وهو يضحك قالت فقلت وما يضحكك يا رسول الله؟ قال (ناس من أمتي عرضوا علي غزاة في سبيل الله يركبون ثبج هذا البحر ملوكا على الأسرة أو مثل الملوك على الأسرة). شك إسحاق قالت فقلت يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم فدعا لها رسول الله صلى الله عليه وسلم   قال (أنت من الأولين). فركبت البحر في  زمان معاوية  فصرعت عن دابتها حين خرجت من البحر فهلكت.. ).

 وقد حللنا هذا الحديث الحقير فى كتابنا ( القرآن وكفى ) ولكن ما يهمنا هنا أن الحديث إنتشر ، وابتلع الناس الاهانة التى وجهها البخارى لشخص النبى عليه السلام فى مقدمة الحديث ، وهللوا لما جاء فيه من غزو بحرى للروم ، مفهوم أنه غزو للقسطنطينية . هذا مع أنهم ــ فى تناقض مفضوح ـ قالوا انها ماتت فى عصر عثمان فكيف تحضر عصر معاوية ؟ . ولكن بإستمرار الشحن الاعلامى الدينى لفتح القسطنطينية أصبحت شخصية أم حرام بنت ملحان حيّة فى الوجدان ، خصوصا مع تقديس البخارى فى الدين السُّنّى الأرضى . وفيما بعد زعموا لها قبرا هناك ، وأقيم عليه مسجد عام 1760 برعاية شيخ يسمى حسن الصالحة .!!

أخيرا : أثر تلك الحرب الفكرية فى فتح القسطنطينية

1 ـ  لسنا فى معرض التفصيل لفتح السلطان العثمانى محمد الفاتح القسطنطينيةعام 1453 ، ولكن نؤكد على أنه بالتوازى مع الاستعداد العسكرى للحملة العثمانية ( ربع مليون جندى على أعلى تدريب وتسليح ، وأقوى مدفعية فى وقتها مع اسطول ضخم ب 400 سفينة ) فقد كان الاعداد الدينى على أعلى مستوى ، وتمثل فى الآتى : جيش من الشيوخ والقُصّاص لتحميس الجنود ، وتلاوة الأحاديث على مسامعهم ، وأهمها حديث : (لئَتُفْتَحَنَّ الْقُسْطَنْطِينِيَّةُ فَلَنِعْمَ الْأَمِيرُ أَمِيرُهَا وَلَنِعْمَ الْجَيْشُ ذَلِكَ الْجَيْشُ ) ،ثم خدعة هائلة ، وهى إكتشاف قبر ( أبى أيوب الأنصارى ) عند أسوار القسطنطينية قبيل الهجوم.!؟ وبعدها خطب السلطان محمد فيهم خطبة قوية حثهم فيها على الجهاد وطلب النصر أو الشهادة، وذكّرهم فيها بالتضحية وصدق القتال عند اللقاء، وقرأ عليهم الآيات القرآنية التي تحث على ذلك، كما ذكر لهم أحاديث ( الجهاد ) وتلك التى تبشر بفتح القسطنطينية وفضل الجيش الفاتح لها وأميره، وما في فتحها من عز للإسلام والمسلمين، وبدأ الهجوم بالتكبير والتهليل .

2 ـ ولنتذكر أن القسطنطينية وقتها كانت رأسا كبيرا بلا جسد ، لم يبق لها ممالك تُذكر ، وكانت فى خصومة مع البابا الكاثوليكى ، ولكنها ظلت محتفظة بمكانتها الدينية كمركز للكنيسة الشرقية ، وبموقعها البحرى الحصين . وكان وجودها يفصل ممتلكات العثمانيين ويقف حائلا دون توسعهم فى أوربا . وبفتحها تمكن السلطان محمد الفاتح من التوسع فى شرق أوربا وتوحيد الأناضول .

3 ـ ولأنها حرب دينية بين معسكرين دينيين ترسخت بعد قرون ــ فلا مجال فيها للتراجع أو الاستسلام ، سواء من جانب الامبراطور أو من السلطان . لقد استمات الإمبراطور البيزنطي في إسترضاء السلطان ورشوة كبار أتباعه لصرفه عن غزو القسطنطينية ، فلما يأس طلب المساعدات من  دول اوربا ، وعرض على بابا روما توحيد الكنيستين الشرقية البيزنطية الكاثولوكية . وبعث البابا مندوبا الى القسطنطينية خطب فى كنيسة آيا صوفيا معلنا توحيد الكنيستين بما يعنى تبعية كنيسة بيزنطة الى روما فأغضب هذا جمهور الارثوذكس ، وفضّل بعضهم عمامة العثمانيين على بابا روما . وفي يوم 24 مايو سنة 1453م، الموافق 15 جمادى الأولى سنة 857هـ، أرسل السلطان محمد إلى الإمبراطور قسطنطين رسالة دعاه فيها إلى تسليم المدينة دون إراقة دماء، وعرض عليه تأمين خروجه وعائلته وأعوانه وكل من يرغب من سكان المدينة إلى حيث يشاؤون بأمان، وأن تحقن دماء الناس في المدينة ولا يتعرضوا لأي أذى وأعطاهم الخيار بالبقاء في المدينة أو الرحيل عنها، ولما وصلت الرسالة إلى الإمبراطور جمع المستشارين وعرض عليهم الأمر، فمال بعضهم إلى التسليم وأصر آخرون على استمرار الدفاع عن المدينة حتى الموت، فمال الامبراطور إلى رأي القائلين بالقتال حتى آخر لحظة، فرد الامبراطور رسول الفاتح برسالة قال فيها إنه يشكر الله إذ جنح السلطان إلى السلم وأنه يرضى أن يدفع له الجزية أما القسطنطينية فإنه أقسم أن يدافع عنها إلى آخر نفس في حياته فإما أن يحفظ عرشه أو يُدفن تحت أسوارها، فلما وصلت الرسالة إلى الفاتح قال:  ( حسناً عن قريب سيكون لي في القسطنطينية عرش أو يكون لي فيها قبر ) 

4 ـ ولأنها حرب دينية بين معسكرين دينيين ترسخت بعد قرون ــ فقد واصل العثمانيون حصارهم ، وبعد 53 يوما من الحصار إقتحم العثمانيون القسطنطينية وهم يهللون ويكبرون ، وقُتل الأمبراطور دفاعا عن مدينته ودخل الفاتح فأوقف السلب والنهب ، ودخل كنيسة آيا صوفيا ، أعلن تأمين أهل المدينة وحريتهم الدينية والمدنية . وأعلن كثير منهم إسلامهم ، وبالأذان تحولت الكنيسة الى مسجد. وأطلق على القسطنطينية ( إسلامبول ) أى ( دار الاسلام ).!

5 ـ  ولأنها حرب دينية بين معسكرين دينيين ترسخت بعد قرون ــ فإن السلطان محمد الفاتح أمر السلطان ببناء مسجد بالقرب من قبر أبى أيوب الأنصارى عام 1458 ، وصار هذا المسجد مركزا لتقليد السلطنة العثمانية لكل سلطان جديد ، حيث يتقلد فيه كل سلطان جديد سيف جده ( عثمان "الغازى الأول " ) . فقد تأسست دولة العثمانيين وشهرتهم على ( الغزو وفق التشريع السُّنّى ).

6 ــ ولأنها حرب دينية بين معسكرين دينيين ترسخت بعد قرون ــ فقد حاول البابا بيوس الثانى أن يقنع السلطان محمد الفاتح باعتناق المسيحية ووعده بأنه بالغفران والجنة  ، فلما فشل حاول إستثارة أوربا لحرب صليبية ضد العثمانيين ، وفشل أيضا . 

7 ــ ولا تزال هذه الحرب الدينية مشتعلة بين الوهابية والغرب المسيحى ..

أخيرا : حتى لايضيع منا طرف الخيط :

 نذكركم بعنوان الكتاب : ( مسلسل الدماء فى تاريخ الخلفاء ـ الأصل التاريخى لتقسيم العالم فى عصر الخلفاء الى :" دار السلام ودار الحرب ")

الأصل التاريخى لتقسيم العالم الى ( دار السلام ودار الحرب ).

ونذكركم :

1 ـ بأن الله جل وعلا لم يخلق البشر ليكونا معسكرين متحاربين ، بل خلق البشر جميعا  أخوة من أب واحد وأم واحدة ، وجعلهم شعوبا وقبائل كى يتعارفوا سلميا ، لا لكى يتقاتلوا ، يقول جل وعلا يخاطب البشر جميعا : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13) الحجرات )

2 ـ إن الله جل وعلا أرسل رسوله بالقرآن الكريم رحمة للعالمين وليس لقتال العالمين ، يقول جل وعلا : ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (107) الأنبياء )

3 ـ إن الله جل وعلا أمر المؤمنين بالدخول فى السلام كافة ، فقال جل وعلا : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (208) البقرة ). وتشريعات القتال الدفاعية هى إستثناء يخدم السلام .  ولكن الصحابة إتبعوا خطوات الشيطان بالفتوحات ، وجعلوها دينا ، نتج عنه تقسيم العالم الى معسكرين متحاربين ـ حربا مستمرة ، لا يزال الوهابيون يواصلونها حتى اليوم

4 ـ القتال فى الاسلام هو لرد العدوان فقط ، وهذا معنى أن يكون فى سبيل الله جل وعلا . أما القتال المعتدى الذى فعله الصحابة فهو فى سبيل الشيطان ، وليس هناك توسط : إما قتال دفاعى فى سبيل الله جل وعلا ، وإما قتال باغ معتد ظالم يريد الثروة والسلطة ، أى فى سبيل الشيطان . يقول جل وعلا عن نوعى القتال : (الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ  )(76) النساء  )

5 ـ  فى حمامات الدم هذه كانوا يحرصون على تأدية صلاة شكلية ، كانت صلاة شيطانية لأنها لم تكن تنهاهم عن الفحشاء والمنكر بل كانت تأمرهم بالفحشاء والمنكر وتسوّغ لهم سفك الدماء والسلب والنهب والاسترقاق باسم الاسلام العظيم. كانت صلاتهم الشيطانية حربا لرب العزة جل وعلا.!

  

دور معاوية :

مقدمة

1 ـ تعاون بنو عبد مناف ( الهاشميون والأمويون ) فى إستغلال البيت الحرام فى الايلاف ورحلتى الشتاء والصيف وإحتكار نقل التجارة الشرقية العالمية بين الهند وأوربا عبر اليمن والشام . ونزل القرآن بالاسلام على النبى الهاشمى فحدث الخلاف والصراع بين بنى هاشم وبنى أمية ، ويرز هذا فى حربى بدر و أحُد والخندق . ثم قام الأمويون بعد إسلامهم المتاخر وبعد موت النبى بتوجيه الخلفاء ( الراشدين ) للفتوحات ، وكانوا القادة لهذه الفتوحات فى الشام ، حيث كانت أعين الأمويين مفتوحة على مصراعيها على أهمية الشام وجبهة البيزنطيين ، ومعهم قبيلة كلب العربية التى كانت حليفا لهم فى الجاهلية ، وكانت التى تحرس قوافلهم فى الشام . ولم يكن مستغربا أن يستحوذ معاوية على حكم الشام كله ، ويظل فيه دون أن يعزله عمر بن الخطاب الذى عزل الكثيرين ومنهم سعد بن أبى وقاص الذى دمّر امبراطورية كسرى .

2 ـ ما نريد التذكير به هنا أن معاوية فى ولايته على الشام وفى خلافته جعل ( الجهاد القُرشى ) وسيلة يصل بها الى أحقيته فى الخلافة  وتوريثها لذريته ، ووساما يضعه على صدره فى تنافسه مع بنى عمه الهاشميين ، وخصوصا (على بن أبى طالب ) الذى جلس فى المدينة ، يستمتع بثمار الجهاد القرشى من أموال وسبايا ، ينجب منهن ذرية لم ينجح ابن سعد ـ فى طبقاته الكبرى ـ فى التعرف عليهم بالكامل .

 3 ـ معاوية فى ولايته على الشام إفتتح قبرص عام 27 ، لتكون موطأ قدم له ضد القسطنطينية ، تقول الرواية لابن كثير: ( وافتتح في سنة سبع وعشرين جزيرة قبرص ، وسكنها المسلمون قريباً من ستين سنة في أيامه ومن بعده، ولم تزل الفتوحات والجهاد قائماً على ساقه في أيامه في بلاد الروم والفرنج وغيرها‏.‏ ) .

وتوقفت فتوحات معاوية فى الفتنة الكبرى ، وحاول امبرطور بيزنطة إستغلال الموقف فهدده معاوية ، يقول ابن كثير : ( فلما كان من أمره وأمر أمير المؤمنين علي ما كان لم يقع في تلك الأيام فتح بالكلية، لا على يديه ولا على يدي علي، وطمع في معاوية ملك الروم بعد أن كان قد أخشاه وأذله، وقهر جنده ودحرهم‏.‏ فلما رأى ملك الروم اشتغال معاوية بحرب علي تدانى إلى بعض البلاد في جنود عظيمة وطمع فيه، فكتب معاوية إليه‏:‏ " والله لئن لم تنته وترجع إلى بلادك يا لعين لأصطلحن أنا وابن عمي عليك ولأخرجنك من جميع بلادك، ولأضيقن عليك الأرض بما رحبت‏.‏"!فعند ذلك خاف ملك الروم وانكف وبعث يطلب الهدنة‏.‏  .

4 ــ وتولى معاوية الخلافة فأشعل ( الجهاد القرشى ) شرقا وغربا ، برا وبحرا ، مع حربه الداخلية ضد الخوارج . يقول عنه ابن كثير : ( فلم يزل مستقلاً بالأمر في هذه المدة إلى هذه السنة التي كانت فيها وفاته، والجهاد في بلاد العدو قائم، وكلمة الله عالية‏.‏ والغنائم ترد إليه من أطراف الأرض ‏.‏ ) ( قالوا‏:‏ وكان عام غزوة المضيق - يعني‏:‏ مضيق القسطنطينية - في سنة ثنتين وثلاثين في أيامه، وكان هو الأمير على الناس عامئذ‏.‏  ثم قُتل علي، فاستقل معاوية بالأمر سنة إحدى وأربعين، وكان يغزو الروم في كل سنة مرتين، مرة في الصيف ومرة في الشتاء.. )( ..‏ لما قتل عثمان لم يكن للناس غازية تغزو، حتى كان عام الجماعة فأغزا معاوية أرض الروم ست عشرة غزوة، تذهب سرية في الصيف ويُشَتُّوا بأرض الروم، ثم تقفل وتعقبها أخرى‏.‏ وكان في جملة من أغزى ابنه يزيد ومعه خلق من الصحابة، فجاز بهم الخليج، وقاتلوا أهل القسطنطينية على بابها، ثم قفل بهم راجعاً إلى الشام، وكان آخر ما أوصى به معاوية أن قال‏:‏ شد خناق الروم‏..)‏ .

5 ـ ونعطى بعض التفصيلات والتحليلات :

أولا :

الخليفة معاوية يتابع الحملات فى الشتاء والصيف على غرار رحلتى الشتاء والصيف :

1 ـ عام 42 : تقول الرواية لابن الأثير : ( في هذه السنة غزا المسلمون اللان وغزوا الروم أيضاً فهزموهم هزيمةً منكرة وقتلوا جماعة من بطارقتهم.)

2 ـ عام 43 : ( في هذه السنة غزا بسر بن أبي أرطأة الروم وشتا بأرضهم حتى بلغ القسطنطينية ...)

3 ـ عام 44 : ( في هذه السنة دخل المسلمون مع عبد الرحمن بن خالد بن الوليد بلاد الروم وشتوا بها، وغزا بسر بن أبي أرطأة في البحر.)  هنا جمع فى عام واحد بين الغزو البرى والبحرى .

4 ـ عام 46 : ( في هذه السنة كان مشتى مالك بن عبد الله بأرض الروم، وقيل: بل كان ذلك عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، وقيل: بل كان مالك بن هبيرة السكوني.).

5 ـ  عام 47 : ( في هذه السنة كان مشتى مالك بن هبيرة بأرض الروم، ومشتى عبد الرحمن القيني بأنطاكية.) حملتان فى عام واحد .

6 ـ عام 49 : ( فيها كان مشتى مالك بن هبيرة بأرض الروم. وفيها كانت غزوة فضالة ابن عبيد حزة وشتا بها، وفتحت على يده، وأصاب فيها شيئاً كثيراً. وفيها كانت صائفة عبد الله بن كرز البجلي. وفيها كانت غزوة يزيد بن شجرة الرهاوي في البحر فشتا بأهل الشام. وفيها كانت غزوة عقبة بن نافع البحر فشتا بأهل مصر. ) حملات شتوية وصيفية وبرية وبحرية .

7 ـ  حصار القسطنطينية  عام  49 أو 50 وأرغم معاوية ابنه يزيد على المشاركة فى هذا  الجهاد ( القرشى ) توطئة لاعداده للتوريث.

8 ـ عام 50 : ( فيها كانت غزوة بسر بن أبي أرطأة وسفيان بن عوف الأزدي أرض الروم، وغزوة فضالة بن عبيد الأنصاري في البحر.) حملة بحرية وأخرى برية .

9 ـ عام 51 : ( وفيها كان مشتى فضالة بن عبيد بأرض الروم، وغزوة بسر بن أبي أرطأة الصائفة.) حملة شتوية وأخرى صيفية .

10 ـ عام 52 : ( فيها كانت غزوة سفيان بن عوف الأسدي الروم وشتى بأرضهم، وتوفي بها في قول، فاستخلف عبد الله بن مسعدة الفزاري، وقيل: إن الذي شتى هذه السنة بأرض الروم بسر بن أبي أرطأة ومعه سفيان بن عوف، وغزا الصائفة هذه السنة محمد بن عبد الله الثقفي.) بسبب كثرة الحملات وتعدد القادة يحدث الخلط فى الروايات .

11 ـ عام 53 : ( فيها كان مشتى عبد الرحمن بن أم الحكم الثقفي بأرض الروم.وفيها فتحت رودس، جزيرة في البحر، فتحها جنادة بن أمية الأزدي ونزلها المسلمون وهم على حذر من الروم، وكانوا أشد شيء على الروم يعترضونهم في البحر فيأخذون سفنهم، وكان معاوية يدر لهم العطاء، وكان العدو قد خافهم. ) إمتدت الفتوحات البحرية الى جزيرة رودس فى البحر المتوسط فى حصار لأوربا جنوبا بالاضافة الى حصار البيزنطيين فى شرق البحر المتوسط ، وتوالى حملات الشتاء والصيف البرية عليهم .

12 ـ عام 54 : ( ذكر غزوة الروم وفتح جزيرة أرواد:فيها كان مشتى محمد بن مالك بأرض الروم، وصائفة معن بن يزيد السلمي.وفيها فتح المسلمون ومقدمهم جنادة بن أبي أمية جزيرة أرواد قريب القسطنطينية، فأقاموا بها سبع سنين، وكان معهم مجاهد بن جبر، فلما مات معاوية وولي ابنه يزيد أمرهم بالعود فعادوا.)  .

13 ــ عام 56 : ( فيها كان مشتى جنادة بن أبي أمية بأرض الروم، وقيل: عبد الرحمن ابن مسعود. وقيل: غزا فيها في البحر يزيد بن شجرة، وفي البر عياض بن الحارث . )

14 ـ عام 57 : ( فيها كان مشتى عبد الله بن قيس بأرض الروم.) .

15 ــ عام 58 : ( في هذه السنة غزا مالك بن عبد الله الخثعمي أرض الروم وعمرو بن يزيد الجهني في البحر، وقيل: جنادة بن أبي أمية.)

16 ــ عام 59 : ( في هذه السنة كان مشتى عمرو بن مرة الجهني بأرض الروم البر، وغزا في البحر جندة بن أبي أمية، وقيل: لم يكن في البحر غزوة هذه السنة.   وفيها غزا المسلمون حصن كمخ ومعهم عمير بن الحباب السلمي، فصعد عمير السور ولم يزل يقاتل عليه وحده حتى كشف الروم فصعد المسلمون، ففتحه بعمير، وبذلك كان يفتخر ويفخر له بذلك.  )

17 ــ  عام 60 : ( في هذه السنة كانت غزوة مالك بن عبد الله سورية ودخول جنادة رودس وهدمه مدينتها في قول بعضهم وفيها توفي معاوية بن أبي سفيان. .! ) 

ويلاحظ التقدم فى الحملات البرية والفتوحات البحرية صيفا وشتاء نحو عاصمة البيزنطيين نفسها : القسطنطينية ، أى نحن هنا أمام خطة يتم تنفيذها على مراحل لتدمير الامبراطورية البيزنطية كما حدث مع الامبراطورية الكسروية وعاصمتها المدائن .

ثانيا : الجهاد القرشى مع الخارج ( دار الحرب ) لا يعوق القتال فى الداخل ( دار السلم )

1 ـ فى هذا كله كان معاوية يواجه الخوارج . مثلا فى عام 42 : ( في هذه السنة غزا المسلمون اللان وغزوا الروم أيضاً فهزموهم هزيمةً منكرة وقتلوا جماعة من بطارقتهم.)
 .وبعده فى أحداث نفس العام : ( .ذكر الخبر عن تحرك الخوارج ) .

2 ـ  فى عام 43 :( في هذه السنة غزا بسر بن أبي أرطأة الروم وشتا بأرضهم حتى بلغ القسطنطينية ..) وبعده فى أحداث نفس العام  : ( ..ذكر مقتل المستورد الخارجي ) .

3 ـ  عام 52 : ( فيها كانت غزوة سفيان بن عوف الأسدي الروم وشتى بأرضهم، وتوفي بها في قول، فاستخلف عبد الله بن مسعدة الفزاري، وقيل: إن الذي شتى هذه السنة بأرض الروم بسر بن أبي أرطأة ومعه سفيان بن عوف، وغزا الصائفة هذه السنة محمد بن عبد الله الثقفي.) وبعده فى أحداث نفس العام  : ( .ذكر خروج زياد بن خراش العجلي:) و ( .ذكر خروج معاذ الطائي:).

ثالثا : الوصول لمنبع التجارة الشرقية

هذه الحملات البرية والبحرية فى آسيا الصغرى والبحر المتوسط واكبتها ـ فى خلافة معاوية ـ حملات أخرى إتجهت من الشرق الآسيوى جنوبا الى الهند منبع التجارة الشرقية بعد إخضاع أفغانستان وهى بوابة الهند  .

1 ـ عام : 43  بدء فتح ما يعرف الآن بأفغانستان : ( .ذكر عود عبد الرحمن إلى ولاية سجستان:في هذه السنة استعمل عبد الله بن عامر عبد الرحمن بن سمرة على سجستان، فأتاها وعلى شرطته عباد بن الحصين الحبطي ومعه من الأشراف عمرو بن عبيد الله بن معمر وغيره، فكان يغزو البلد قد كفر أهله فيفتحه، حتى بلغ كابل فحصرها أشهراً ونصب عليها مجانيق فثلمت سورها ثلمةً عظيمة، فبات عليها عباد بن الحصين ليلةً يطاعن المشركين حتى أصبح فلم يقدروا على سدها وخرجوا من الغد يقاتلون فهزمهم المسلمون ودخلوا البلد عنوةً، ثم سار إلى بست ففتحها عنوةً، وسار إلى زران فهرب أهلها وغلب عليها، ثم سار إلى خشك فصالحه أهلها، ثم أتى الرخج فقاتلوه فظفر بهم وفتحها، ثم سار إلى زابلستان، وهي غزنة وأعمالها، فقاتله أهلها، وقد كانوا نكثوا، ففتحها، وعاد إلى كابل وقد نكث أهلها ففتحها.) بعدها غزو الهند أو شمال الهند ، أو ( السند ) . تقول الرواية : ( .ذكر غزوة السند:استعمل عبد الله بن عامر على ثغر الهند عبد الله بن سوار العبدي، ويقال ولاه معاوية من قبله، فغزا القيقان فأصاب مغنماً . ) 

2 ـ عام  44   غزو الهند .: ( ذكر غزو المهلب السند:وفيها غزا المهلب بن أبي صفرة ثغر السند فأتى بنة والأهور، وهما بين الملتان وكابل، فلقيه العدو وقاتله، ولقي المهلب ببلاد القيقان ثماية عشر فارساً من الترك فقاتلوه فقتلوا جميعاً . )  .

رابعا : الجهاد القُرشى الأموى فى سبيل السلطان وليس فى سبيل الله جل وعلا :

1 ـ كل هذا التعب فى سبيل المُلك والسلطان والثروة والسُّلطة . حرص فيه معاوية على إغراق الحسن بن على فى المال ـ وكان المفترض أن يلى الحسن الخلافة بعده . ولكن سرعان ما قتله معاوية بالسّم بمؤامرة نفذتها زوجة الحسن نفسها ، وهى بنت الأشعث بن قيس . وكان الحسن بن على مُدمنا للزواج ، يتزوج ويطلق . وفى نفس الفخ أغرق معاوية الحسين فى الأ موال ، بل أغرق ابن الزبير حتى يكبح طموحه وتآمره . رأى معاوية أن تعبه فى الجهاد القرشى يجب أن يكون من نصيب ذريته ، وابنه يزيد . ليس هذا جهادا فى سبيل رب العزة جل وعلا . فالجهاد فى سبيله جل وعلا هو ببذل النفس والمال دفاعا وليس إعتداءا .

2 ـ الطريف أن عبد الرحمن بن خالد بن الوليد لمع نجمه ــ  مبكرا ــ فى الجهاد القُرشى ضد الروم ، وخشى  معاوية أن يكون هذا خطرا على  تخطيط معاوية فى التوريث ، فكان لا بد من التخلص  ــ مبكرا ــ من هذا البطل القرشى الذى بدأ يستعيد شُهرة أبيه ويكون منافسا لمعاوية كما كان أبوه من قبل وكانت الطريقة المُلى لمعاوية هى قتله بالسُّم ، كما قتل من قبل خالد بن الوليد والأشتر النخعى والأشعث بن قيس والحسن بن على . مات عبد الرحمن بن خالد بن الوليد شابا ، بالسُّم . تقول الرواية عن أحداث عام 46 : ( وفيها انصرف عبد الرحمن بن خالد من بلاد الروم إلى حمص ومات.).

 وتستطرد الرواية تحت عنوان : ( .ذكر وفاة عبد الرحمن بن خالد بن الوليد:وكان سبب موته أنه كان قد عظم شأنه عند أهل الشام ومالوا إليه لما عندهم من آثار أبيه ولغنائه في بلاد الروم ولشدة بأسه، فخافه معاوية وخشي على نفسه منه ، وأمر ابن أثال النصراني أن يحتال في قتله وضمن له أن يضع عنه خراجه ما عاش وأن يوليه جباية خراج حمص. فلما قدم عبد الرحمن من الروم دس إليه ابن أثال شربةً مسمومة مع بعض مماليكه، فشربها، فمات بحمص، فوفى له معاوية بما ضمن له.) .

ثم يذكر ابن الأثير هذه الطُرفة : ( وقدم خالد بن عبد الرحمن بن خالد المدينة فجلس يوماً إلى عروة بن الزبير، فقال له عروة ما فعل ابن أثال؟ فقام من عنده وسار إلى حمص فقتل ابن أثال، فحمل إلى معاوية، فحبسه أياماً ثم غرمه ديته، ورجع خالد إلى المدينة فأتى عروة، فقال عروة: ما فعل ابن أثال؟ فقال: قد كفيتك ابن أثال، ولكن ما فعل ابن جرموز؟ يعني قاتل الزبير، فسكت عروة.).

أخيرا : حتى لايضيع منا طرف الخيط :

 نذكركم بعنوان الكتاب : ( مسلسل الدماء فى تاريخ الخلفاء ـ الأصل التاريخى لتقسيم العالم فى عصر الخلفاء الى :" دار السلام ودار الحرب ")

الأصل التاريخى لتقسيم العالم الى ( دار السلام ودار الحرب ).

ونذكركم :

1 ـ بأن الله جل وعلا لم يخلق البشر ليكونا معسكرين متحاربين ، بل خلق البشر جميعا  أخوة من أب واحد وأم واحدة ، وجعلهم شعوبا وقبائل كى يتعارفوا سلميا ، لا لكى يتقاتلوا ، يقول جل وعلا يخاطب البشر جميعا : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13) الحجرات )

2 ـ إن الله جل وعلا أرسل رسوله بالقرآن الكريم رحمة للعالمين وليس لقتال العالمين ، يقول جل وعلا : ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (107) الأنبياء )

3 ـ إن الله جل وعلا أمر المؤمنين بالدخول فى السلام كافة ، فقال جل وعلا : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (208) البقرة ). وتشريعات القتال الدفاعية هى إستثناء يخدم السلام .  ولكن الصحابة إتبعوا خطوات الشيطان بالفتوحات ، وجعلوها دينا ، نتج عنه تقسيم العالم الى معسكرين متحاربين ـ حربا مستمرة ، لا يزال الوهابيون يواصلونها حتى اليوم

4 ـ القتال فى الاسلام هو لرد العدوان فقط ، وهذا معنى أن يكون فى سبيل الله جل وعلا . أما القتال المعتدى الذى فعله الصحابة فهو فى سبيل الشيطان ، وليس هناك توسط : إما قتال دفاعى فى سبيل الله جل وعلا ، وإما قتال باغ معتد ظالم يريد الثروة والسلطة ، أى فى سبيل الشيطان . يقول جل وعلا عن نوعى القتال : (الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ  )(76) النساء  )

5 ـ  فى حمامات الدم هذه كانوا يحرصون على تأدية صلاة شكلية ، كانت صلاة شيطانية لأنها لم تكن تنهاهم عن الفحشاء والمنكر بل كانت تأمرهم بالفحشاء والمنكر وتسوّغ لهم سفك الدماء والسلب والنهب والاسترقاق باسم الاسلام العظيم. كانت صلاتهم الشيطانية حربا لرب العزة جل وعلا.!

 

 

 مسلمة بن عبد الملك نموذج للجهاد الأموى : جهاد فى سبيل الشيطان

مقدمة

1 ـ قلنا إن الجهاد الأموى تحددت مسيرته فى خلافة معاوية بأنه : ( خارجيا ) :  ضد الامبراطورية البيزنطية ومعسكر الكفر والحرب ( غربا )، والتوسع ( شرقا ) للوصول الى الهند منبع التجارة الشرقية . وأنه : ( داخليا ) ضد أى حركة معارضة للحكم الأموى. وكان الخوارج هم المعارضة المسلحة ضد الأمويين فى خلافة معاوية . على نفس المنهج سارت الدولة الأموية تحت حكم بنى مروان بن الحكم. وكان الأمير الأموى مسلمة بن عبد الملك بن مروان أبرز من طبّق هذا المنهج .

أولا : لمحة عن مسلمة بن عبد الملك

1 ـ كان مسلمة أفضل ابناء عبد الملك سياسيا وحربيا ،ووعلى فراش الموت أوصى عبد الملك أولاده  فقال : (.. وانظروا مسلمة فاصدروا عن رأيه فإنه نابكم الذي عنه تفترون، ومجنكم الذي عنه ترمون. ) ، ولكن لم يجرؤ عبد الملك على تعيينه لولاية العهد لأن أمه لم تكن عربية حرة ، بل كانت من السبى ، ( الرومى غالبا ) ، وإذا صحّ هذا فإن مسلمة كان يحارب بضراوة أخواله البيزنطيين عالما بهذا ، وهذا يدخل فى موضوع العلاقات الانسانية التى جدّت على هامش الصراع الحربى بين المعسكرين، وتشمل الأسرى والسبى والعلاقات الاجتماعية ، وسنتوقف معها فى فصل خاص .

2 ـ وكان مسلمة نعم الناصح الأمين لإخوته الصغار من الخلفاء .. وقد كان إلي جانب يزيد ثم هشام يشير عليهما ويقود الجيوش يحارب أعداء الأمويين في الداخل والخارج، في العراق حين قاتل يزيد بن المهلب الثائر علي الأمويين وفي الشمال والشرق حين جاهد الروم والخرز والترك والأرمن.وفي خلافة هشام كان الوالي علي الجزيرة وأرمينيا وأذربيجان إلي أن عزله هشام وولي مكانه مروان بن محمد سنة114هـ

ثانيا :    غزوات مسلمة بن عبد الملك  ضد البيزنطيين وتوسعه شرقا فى الطريق للهند

1 ـ  أقام الروم سلاسل من الحصون والمدن الحربية فى آسيا الصغرى فى مناطق المواجهة مع الأمويين ، وحولها دارت المعارك التى برز فيها مسلمة بن عبد الملك .    

وأول غزوة غزاها مسلمة كانت سنة 86 هـ في أرض الروم ، وقد فتح حصن بوق وحصن الأخرم ، واستمر مسلمة يغزو الروم في نفس العام ففتح حصن تولو وبحيرة الفرسان وبلغ عسكره فلورنس وسوسنة في المعيصة، وسبي وأسر وأنهك الروم .

2 ـ ولكى يتفرغ مسلمة بعض الوقت للتوسع العسكرى فى الشرق الآسيوى وأواسط آسيا فقد عزم على ان يؤهل ابن أخيه العباس ليتولى مكانه فى حرب الروم فى آسيا الصغرى .

 وفي سنة 87هـ قام بغزوتين ، في المرة الأولي صحب ابن أخيه العباس بن الوليد بن عبد الملك وربما خاف علي ابن أخيه الخليفة فاكتفي بالمرابطة في تطوانة ليدربه ، ولكنه في المرة الثانية صحب معه ابن أخيه العباس ودخل في حرب ضارية مع الروم وفتح تطوانة والحوصة وقتل من الروم خمسين ألفا.وبذلك أحسن مسلمة تدريب ابن أخيه العباس بن الوليد بعد تلك التجربة . وقد شهد عام 88هـ غزوتين  قام بهما مسلمة ومعه العباس ، وهزم فيهما الروم وفي الغزوة الثانية فتح ثلاثة حصون.

3 ــ  وكانت سنة 89هـ حافلة في سجل مسلمة الحربي ضد الروم ، كان ابن أخيه قد أصبح كفؤا للقيادة ، فأوكل إليه مسلمة فتح اذروليه وهزم العباس بن الوليد جيش الروم  بينما فتح مسلمة حصن عمورية وهزم جيشا روميا عندها ، وفتح مدينتي هرقلة  وقونية ، بينما كان العباس بن الوليد يتوغل بجيشه من ناحية البندون.وبعد أن إطمأن مسلمة لكفاءة ابن أخيه العباس فى مواجهة وهزيمة الروم فى الأناضول وآسيا الصغرى فقد تحرك مسلمة فى نفس العام بجيش قوي إلي ناحية الشرق الآسيوى فهزم الترك في أذربيجان وفتح حصونا ومدائن أضافها للدولة الأموية.

4 ـ ثم أصبح مسلمة يوزع وقته بين الشرق الآسيوى و الأناضول يحارب هنا وهناك .

في سنة 90 هـ عاد يغزو الروم فى آسيا الصغري فاستولي علي عدة قلاع وحصون شمال ديار بكر، وبلغ عدد الحصون التي استولي عليها في هذا العام خمسة حصون.

ثم عاد يغزو الشرق الآسيوى في سنة91 هـ ، حيث توجه مسلمة بجيش إلي أذربيجان فوصل إلي بحرها وافتتح المدن والحصون المتاخمة لمدينة الباب في أرمينية.

 وفي سنة92هـ عاود مسلمة غزو الروم ففتح ثلاثة حصون وأجلي أهل سوسنة والروم عنها وطردهم إلي  بلادهم.

 وفي سنة 93هـ غزا مسلمة الروم ففتح حصن الحديد وقلعة غزالة.

 وفي سنة 94هـ جمع مسلمة بين الجهاد والحج فقد غزا أرض الروم ثم خرج من الروم قاصدا الحج ومعه أعيان جيشه ثم عاد بعد الحج إلي الثغور حيث الجهاد.

 وفي سنة 95 هـ فتح مسلمة مدينة الباب في أرمينية ، وقد هدمها بسبب قوة ومناعة حصونها التي أرهقت المسلمين ، ثم أعاد بناءها بنفسه بعد ذلك بتسعة أعوام.

 وفي سنة 96هـ اتجه مسلمة إلي البيزنطيين فى آسيا الصغري ففتح مدينة الصغالية وقام بغارة سريعة علي المنطقة القريبة من القسطنطينية فوقع في كمين وحاصره الروم بجيش ضخم وكان جيش مسلمة أقل عددا ولكن استطاع مسلمة أن يهزم الروم وقائدهم برجان ففرت أمامه جموع الروم.

 وفي سنة 97هـ غزا مسلمة بعض الحصون الرومية واستطاع أن يفتح منها حصني الحديد وسروا، وأقام الشتاء في ضواحي الروم.

وفي سنة98هـ كان حصاره لمدينة القسطنطينية. وقد عرضنا لذلك .

بعد حصار القسطنطينية  تولي إمارة أرمينية وأذربيجان في خلافة أخيه هشام .

وغزا سنة 107هـ قيسارية وفتحها عنوة .

وفي سنة 108هـ غزا قيسونة وحصونها وانتشر جيشه في الجزء الذي لم يتم فتحه في أذربيجان واستمرت غزواته .

ثالثا : مسلمة يحارب فى الداخل أيضا

1 ـ ضد  بنى المهلب

إشتهر المهلب بن أبى صفرة الأزدى ( اليمنى القحطانى ) أولا فى حرب الخوارج فى المشرق فى الفتنة الكبرى الثانية ، ثم إنضم الى الأمويين بعد مقتل ابن الزبير ، وقاد حروب الأمويين فى المشرق  ، عينه الحجاج على خراسان عام 78 ،  وفتح بلاد ما وراء النهر، ومنها الصغد وخوارزم وجرجان وطبرستان ومات عام 82 ، وإكتسب أبناؤه شهرة بعده خصوصا يزيد بن المهلب . والمهلب ينتمى الى القبائل اليمنية وكان هناك تنافس بين قبائل ( مضر ) وقبائل اليمن ، وحرص عبد الملك بن مروان على التوازن بينهما وإستخدام تنافسهما لصالحه . وبعد موت عبد الملك زاد نفوذ الحجاج وقبائل مُضر ، وقام الحجاج بسجن آل المهلب وتعذيبهم ، وهرب يزيد من السجن قبيل وفاة عمر بن عبد العزيز ، خوفا من أن يتولى يزيد بن عبد الملك الخلافة ، وكان بينهما عداء شخصى بالاضافة الى أن يزيد بن عبد الملك كان صهر الحجاج بن يوسف . ودخل يزيد بن المهلب البصرة وخلع يزيد بن عبد الملك ، وأحرز يزيد بن المهلب إنتصارات جزئية وتجمع حوله الآلاف من الأنصار لأنه كان يوزع الذهب بينما كان الوالى الأموى شحيحا بخيلا . تحرك يزيد بن عبد الملك سريعا ، تقول الرواية :( جهز أخاه مسلمة بن عبد الملك وابن أخيه العابس بن الوليد بن عبد الملك في سبعين ألف مقاتل من أهل الشام والجزيرة، وقيل: كانوا ثمانين ألفاً، فساروا إلى العراق. ..  ولما سمع أصحاب بن المهلب وصول مسلمة وأهل والشام راعهم ذلك، فبلغ ابن المهلب، فخطب الناس وقال: قد رأيت أهل العسكر وخوفهم، يقولون: جاء أهل الشام ومسلمة، موما أهل الشام؟ هل هم إلا تسعة أسياف، سبعة منها إلي وسيفان علي؟ وما مسلمة إلا جرادة صفراء، أتاكم في برابرة وجرامقة وجراجمة وأنباط وأبناء فلاحين وأوباش وأخلاط، أوليسوا بشراً بألمون كما تألمون، وترجون من الله ما لا يرجون؟ ) ودارت موقعة العقر عام 102 ، وانهزم فيها ابن المهلب ، وتولى مسلمة بن عبد الملك العراق وخراسان . 

2 ـ ضد الخوارج ، قتل شوذب الخارجى عام 101 :

 إلتزم الخوارج الهدوء فى خلافة عمر بن عبد العزيز بعد المناظرة التى قامت بينهما والتى أدت الى قيام الأمويين بإغتيال عمر بن عبد العزيز بالسم خوفا من تأثره بمنطق الخوارج الرافض لتوارث العهد . ونقض والى الكوفة الأموى الهدنة مع الخوارج فهزمه الخوارج بزعامة شوذب ، وهزم الخوارج حملات متفرقة للأمويين . ومع هذا لم يدخل الخوارج الكوفة ، وظل مقامهم بجانبها مخيفا لأهل الكوفة فجاءهم مسلمة. تقول الرواية : ( وأقام الخوارج بمكانهم حتى دخل مسلمة بن عبد الملك الكوفة، فشكا إليه أهل الكوفة مكان شوذب وخوفوه منه، فأرسل إليه مسلمة سعيد بن عمرو الحرشي، وكان فارساً، في عشرة آلاف، فأتاه وهو بمكانه، فرأى شوذب وأصحابه ما لا قبل لهم به، فقال لأصحابه: من كان يريد الشهادة فقد جاءته، ومن كان يريد الدنيا فقد ذهبت. فكسروا أغماد سيوفهم وحملوا فكشفوا سعيداً وأصحابه مراراً حتى خاف سعيد الفضيحة، فوبخ أصحابه وقال: من هذه الشرذمة لا أب لكم تفرون! يا أهل الشام يوماً كأيامكم! فحملوا عليهم فطحنوهم طحناً وقتلوا بسطاماً، وهو شوذب، وأصحابه.).

رابعا : إستمرار الجهاد الأموى فى إتجاه الهند والصين ( منبع التجارة الشرقية ) .

1 ـ بعد آل المهلب قام قتيبة بن مسلم بمتابعة الجهاد الأموى فى وسط آسيا الى أن وصل تخوم الصين . تقول الرواية فى أحداث عام 96 : ( .ذكر فتح قتيبة مدينة كاشغر:وفي هذه السنة غزا قتيبة كاشغر، فسار وحمل مع الناس عيالاتهم ليضعهم بسمرقند، فلما عبر النهر استعمل رجلاً على معبر النهر ليمنع من يرجع إلا بجواز منه، ومضى إلى فرغانة وأرسل إلى شعب عصامٍ من يسهل الطريق إلى كاشغر وهي أدنى مدائن الصين وبعث جيشاً مع كبير بن فلان إلى كاشغر، فغنم وسبى سبياً، فختم أعناقهم وأوغل حتى بلغ قريب لصين.)

2 ـ وفى نفس العام 89 الذى استولى فيه قتيبة على ( بخارى ) إستولى الشاب محمد بن القاسم الثقفى ابن عم الحجاج بن يوسف ـ على السند ، وقتل ملكهم ذاهر.  ثم توسع فى الهند بعدها ، تقول الرواية : ( فلما قتل ذاهر غلب محمد على بلاد السند وفتح مدينة "راور" عنوةً، وكان بها امرأة لذاهر فخافت أن تؤخذ فأحرقت نفسها وجواريها وجميع مالها.ثم سار إلى " برهمناباذ "  العتيقة .. وكان المنهزمون من الكفار بها، فقاتلوه ففتحها محمد عنوةً وقتل بها بشراً كثيراً وخربت.وسار يريد "الرور" و " بغرور" فلقيه أهل "ساوندرى " فطلبوا الأمان فأعطاهم إياه واشترط عليهم ضيافة المسلمين، ثم أسلم أهلها بعد ذلك. ثم تقدم إلى " بسمد  " وصالح أهلها، ووصل إلى " الرور" ، وهي من مدائن السند على جبل، فحصرهم شهوراً فصالحوه، وسار إلى" السكة "  ففتحها، ثم قطع نهر بياس إلى  "الملتان " فقاتله أهلها وانهزموا، فحصرهم محمد فجاءه إنسان ودله على قطع الماء الذي يدخل المدينة فقطعه، فعطشوا فألقوا بأيديهم ونزلوا على حكمه، فقتل المقاتلة وسبى الذرية وسدنة البلد، وهم ستة آلاف، وأصابوا ذهباً كثيراً، فجمع في بيت طوله عشرة أذرع وعرضه ثمانية أذرع يلقى إليه من كوة في وسطه، فسميت الملتان فرج بيت الذهب، والفرج الثغر .. ونظر الحجاج في النفقة على ذلك الثغر فكانت ستين ألف ألف درهم، ونظر في الذي حمل فكان مائة ألف ألف وعشرين ألف ألف، فقال: ربحنا ستين ألفاً..).

من النّصّ السابق نفهم دين السنيين المعتدى ، فأصحاب البلاد المُسالمون الذين يتعرضون للإعتداء هم الكفار ، أى إتهموهم بلكفر مسوغا لاحتلال بلادهم وسلب أموالهم وسبى نسائهم . والمعتدون الكفار فى الحقيقة هم الأمويون الذين جاءوا من الجزيرة العربية ليقتلوا ويسلبوا وينهبوا ويسبوا . والمال هو الاله الأعظم لديهم ،: (ونظر الحجاج في النفقة على ذلك الثغر فكانت ستين ألف ألف درهم، ونظر في الذي حمل فكان مائة ألف ألف وعشرين ألف ألف، فقال: ربحنا ستين ألفاً..). والمحصلة هى كم أنفق الحجاج الثقفى الآتى من الجزيرة العربية على هذه الحملة على الهند ، وكم كسب ، وليس مهما عدد الضحايا من القتلى والسبى ..!!

3 ـ ولأن المال هو المعبود الأعظم للأمويين فى هذه الحرب التى جعلوها ( دار السلام والسلام ضد دار الكفر والحرب ) فلا بأس من قراءة هذه الرواية عن صاحبنا الأمير مسلمة ابن عبد الملك. تحت عنوان : ( .ذكر عزل مسلمة عن العراق وخراسان وولاية ابن هبيرة:) تقول الرواية : ( وكان سبب ذلك أنه ولي العراق وخراسان، فلم يرفع من الخراج شيئاً، واستحيا يزيد بن عبد الملك أن يعزله فكتب إليه: استخلف على عملك وأقبل.) . رأى مسلمة أن كل فتوحاته التى ملأت خزائن أخيه يزيد بن عبد الملك لم يأخذ منها ما ينبغى له ، فاستحوذ لنفسه على خراج نصف الامبراطورية ( العراق وخراسان ) . ولأن المال هو المعبود الأعظم ، ولأنهم لا يقاتلون فى سبيل الله جل وعلا بل فى سبيل الشيطان فإن الخليفة الماجن ( يزيد بن عبد الملك صاحب سلامة وحبابة والذى لا يفيق من الخمر  ) صحا وقرر عزل مسلمة .

ومات مسلمة عام 120 ، ويقال عام 121 . بعد أن قتل وسبى عشرات الألوف ..

4 ـ   ولا تزال هذه الحرب الدينية مشتعلة بين الوهابية والغرب المسيحى ..

 

 أخيرا : حتى لايضيع منا طرف الخيط :

 نذكركم بعنوان الكتاب : ( مسلسل الدماء فى تاريخ الخلفاء ـ الأصل التاريخى لتقسيم العالم فى عصر الخلفاء الى :" دار السلام ودار الحرب ")

الأصل التاريخى لتقسيم العالم الى ( دار السلام ودار الحرب ).

ونذكركم :

1 ـ بأن الله جل وعلا لم يخلق البشر ليكونا معسكرين متحاربين ، بل خلق البشر جميعا  أخوة من أب واحد وأم واحدة ، وجعلهم شعوبا وقبائل كى يتعارفوا سلميا ، لا لكى يتقاتلوا ، يقول جل وعلا يخاطب البشر جميعا : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13) الحجرات )

2 ـ إن الله جل وعلا أرسل رسوله بالقرآن الكريم رحمة للعالمين وليس لقتال العالمين ، يقول جل وعلا : ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (107) الأنبياء )

3 ـ إن الله جل وعلا أمر المؤمنين بالدخول فى السلام كافة ، فقال جل وعلا : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (208) البقرة ). وتشريعات القتال الدفاعية هى إستثناء يخدم السلام .  ولكن الصحابة إتبعوا خطوات الشيطان بالفتوحات ، وجعلوها دينا ، نتج عنه تقسيم العالم الى معسكرين متحاربين ـ حربا مستمرة ، لا يزال الوهابيون يواصلونها حتى اليوم

4 ـ القتال فى الاسلام هو لرد العدوان فقط ، وهذا معنى أن يكون فى سبيل الله جل وعلا . أما القتال المعتدى الذى فعله الصحابة فهو فى سبيل الشيطان ، وليس هناك توسط : إما قتال دفاعى فى سبيل الله جل وعلا ، وإما قتال باغ معتد ظالم يريد الثروة والسلطة ، أى فى سبيل الشيطان . يقول جل وعلا عن نوعى القتال : (الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ  )(76) النساء  )

5 ـ  فى حمامات الدم هذه كانوا يحرصون على تأدية صلاة شكلية ، كانت صلاة شيطانية لأنها لم تكن تنهاهم عن الفحشاء والمنكر بل كانت تأمرهم بالفحشاء والمنكر وتسوّغ لهم سفك الدماء والسلب والنهب والاسترقاق باسم الاسلام العظيم. كانت صلاتهم الشيطانية حربا لرب العزة جل وعلا.!

 عمر بن عبد العزيز : فريد عصره ( عصر تقسيم العالم الى معسكرين )

مقدمة :

1 ـ وسط بحور الدماء فى الصراع بين ( العرب ) وغيرهم شرقا  فى آسيا وغربا ( دار الحرب  ) ، وفى صراع الأمويين مع خصومهم فى الداخل ( فى دار السلام ) ظهر على السطح شخصية فذّة تثبت إمكانية الاصلاح  . جاء عمر بن عبد العزيز : فريد عصره .

2 ـ هو فريد عصره لأنه من الصعب جدا القيام بإصلاح وأنت قائد لقلعة تم تأسيسها  على يد الخلفاء الفاسقين أصحاب الفتوحات ، من عظام وأشلاء ودماء مئات الألوف من البشر ، وتم تسويغ ذلك بالدين ، فكيف يمكن بالدين أن تُصلح هرما من الظلم والبغى ؟ ثم إن هذا الهرم كان متسقا مع ثقافة العصور الوسطى وجهالتها ، تلك الثقافة التى آمن بها أولئك الخلفاء الفاسقون وبها تمكنوا من تغييب شريعة الاسلام ، وإحلال شريعة العصور الوسطى تحت إسم الاسلام .

من السهل على الفرد العادى المسئول عن نفسه تطبيق الاسلام عقيدة وشريعة. أن يطهر قلبه من تقديس البشر ، لأن كل البشر يتبولون ويتغوطون ويبكون ويصرخون ويمرضون ويموتون ، ومن السهل عليه أن يطبق الاسلام سلاما وإحسانا فى تعامله مع الناس ، بأن يخاطب جانب الخير فى كل الناس ، وبأن يرد السيئة بالتى هى أحسن فإذا بخصمه يضطر الى أن يتراجع ويتصرف كأنه ولىّ حميم : ( وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34) فصلت ). ولكن من الصعب جدا أن تقوم بإصلاح قلعة تأسست من الظلم . هى معركة إنتحارية ، نتيجتها حاسمة ، أن القلعة ستقتلك ، وتعود الى سيرتها الأولى . هذا بإيجاز هى ملحمة هذا الرجل الرائع عمر بن عبد العزيز ، الذى ظلموه فجعلوه خامس الخلفاء الراشدين ، وهو لا ينتمى اليهم ، فهم خلفاء فاسقون ، بل أفظع ، لأنهم روّاد البغى والظلم والفتوحات التى أسبغوا عليها إسم الاسلام ظلما وزورا وفجورا . من الظلم وضع عمر بن عبد العزيز مع أولئك الخلفاء الفاسقين ، لا فارق بين الراشدين أو الأمويين . لذا فهو فريد عصره .

3 ـ تنقية الروايات المكتوبة فى ( سيرة عمر بن عبد العزيز ) عمل علمى ثقيل ولذيذ ، فالروايات عنه تكاثرت بمرور القرون ، وفيها الخيالى وفيها الواقعى ، وفيها التضارب ، وفيها خرافات العلم بالغيب ، وفيها المبالغات ، وفيها ما يتفق مع ثقافة العصر . شخصية عمر بن عبد العزيز المتفردة ـ والتى لم يسبقها أحد ولم يلحقها أحد ـ كانت مُغرية للقُصّاص وللوُعّاظ فى العصر العباسى ، وهو عصر التدوين ، فالذى يريد الاحتجاج على ظلم الخلفاء العباسيين فى عصره يؤلف قصة عن عمر بن عبد العزيز تخاطب الخليفة الظالم وتعظه ، وتقول له بطريق غير مباشر : (إنك أيها الخليفة العباسى الهاشمى لم تصل الى عدل ذلك الخليفة الأموى ). ووصلت جاذبية عمر بن عبد العزيز الى فقهاء العصر العباسى ، فنسبوا له أقوالا فى مسائل فقهية لم تكن متداولة أو حتى لم تكن معروفة فى العصر الأموى ، ولم يكن لديه متسع من الوقت  ــ فى حكمه القصير ووسط مسئولياته الضخمة ــ  أن يتحدث فيها.

4 ـ  لسنا هنا فى معرض التفصيل ، ولكن نستشهد ببعض الروايات  الكاذبة التى ذكرها ابن سعد فى الطبقات الكبرى فى ترجمته لعمر بن عبد العزيز : ( قال عمر بن الخطابليت شعري من ذو الشين من ولدي الذي يملؤها عدلا كما ملئت جورا ) (   قال رايت في المنام رجلا قاعدا عنيمينه رجل وعن شماله رجل اذ اقبل عمر بن عبد العزيز فاراد ان يجلس بين الذي عنيمينه وبينه قال فلصق بصاحبه فدار فاراد ان يجلس بينه وبين الذي عن يساره فلصق بهفجذبه الاوسط فاقعده في حجره قال قلت من هذا قالوا هذا رسول الله وهذا ابو بكر وهذاعمر  ) (  كنت اسمع بن عمر كثيرا يقول ليت شعري من هذا الذي من ولد عمر فيوجهه علامة يملا الارض عدلا  ) (   قال ابن عمر انا كنا نتحدث ان هذا الامر لا ينقضي حتى يلي هذه الامة رجل من ولدعمر يسير فيها بسيرة عمر بوجهه شامة قال حتى جاء الله بعمر بن عبد العزيز وامه امعاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب قال يزيد ضربته دابة من دواب ابيه فشجته قال فجعلابوه يمسح الدم ويقول سعدت ان كنت اشج بني امية . )  (  قال سمعت سعيد بن المسيب وساله رجلفقال له يا ابا محمد من المهدي فقال له سعيد ادخلت دار مروان قال لا قال فادخل دارمروان تر المهدي قال فاذن عمر بن عبد العزيز للناس فانطلق الرجل حتى دخل دار مروانفراى الامير والناس مجتمعين ثم رجع الى سعيد بن المسيب فقال يا ابا محمد دخلت دارمروان فلم ار احدا اقول هذا المهدي فقال له سعيد بن المسيب وانا اسمع هل رايت الاشجعمر بن عبد العزيز القاعد على السرير قال نعم قال فهو المهدي  ) (   سمعت محمد بن علييقول النبي منا والمهدي من بني عبد شمس ولا نعلمه الا عمر بن عبد العزيز ) (   قال قلت لمحمد بن عليان الناس يزعمون ان فيكم مهديا فقال ان ذاك كذاك ولكنه من بني عبد شمس قال كانه عنىعمر بن عبد العزيز ) ( حدثنا مالك بن دينار قال لما استعمل عمر بن عبد العزيز على الناسقالت رعاء الشاء في رؤوس الجبال من هذا العبد الصالح الذي قام على الناس قيل لهموما علمكم بذاك قالوا انه اذا قام على الناس خليفة عدل كفت الذئاب عن شائنا  ) (   راع كان لمحمد بن ابيعيينة قال كنا نرعى الشاء بكرمان في خلافة عمر بن عبد العزيز فكانت الشاء والذئابوالوحش ترعى في موضع واحد فبينا نحن ذات ليلة اذ عرض الذئب لشاة فقلنا ما ارى الرجلالصالح الا قد هلك ) (   قالت فاطمة بنت عبد الملك، رحمها الله، امرأة عمر: لما مرض عمر اشتد قلقه ليلة، فسهرنا معه، فلما أصبحنا أمرت وصيفاً له يقال له مرثد ليكون عنده، فإن كانت له حاجة كنت قريباً منه، ثم نمنا، فلما انتفخ النهار استيقظت فتوجهت إليه فرأيت مرثداً خارجاً من البيت نائماً، فقلت له: ما أخرجك؟ قال: هو أخرجني، وقال لي: إني أرى شيئاً ما هو بإنس ولا جن، فخرجت فسمعته يتلو: {تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً والعاقبة للمتقينالقصص: 83. قالت: فدخلت فوجدته بعدما دخلت قد وجه نفسه للقبلة وهو ميت.) ( بينما نحن نسوي التراب على قبر عمر بن عبدالعزيز اذ سقط علينا رق من السماء فيه مكتوب بسم الله الرحمن الرحيم امان من اللهلعمر بن عبد العزيز من النار . ) .

  أولا ـ كيف وصل هذا الرجل المتفرد الى العرش الأموى ؟

 1 ـ كان مستحيلا أن يلى الخلافة شخص خارج أبناء عبد الملك بن مروان . عبد الملك هذا بجبروته قتل عمرو بن سعيد الأشدق لكى يجعل الخلافة فى أولاده ، ولنفس السبب كان على وشك التخلص من اخيه عبد العزيز . فكيف يصل ( عمر بن عبد العزيز بن مروان ) للحكم فى وجود أبناء عبد الملك ؟  والذى لم يصل اليه مسلمة  ، وهو أنجب أبناء عبد الملك .؟!..  الجواب فى الخليفة سليمان بن عبد الملك .

2 ـ وقف عمر بن عبد العزيز ضد ابن عمه الخليفة الوليد بن عبد الملك حين أراد خلع أخيه سليمان من ولاية العهد ، وتعرض عمر للأذى والسجن بسبب موقفه هذا . وكان الوليد قد حاول إرغام سليمان على التنزل فرفض ، وأيّد الولاة الأقوياء خلع سليمان ، وأهمهم الحجاج بن يوسف وآله ، وقتيبة بن مسلم الباهلى الفاتح فى تخوم الصين ، وعبد العزيز بن موسى بن نصير الذى وطّد حكم الأمويين فى الاندلس . بعد أن إستوثق الخليفة الوليد من تأييد كبار دولته  أرسل الى سليمان ليأتيه ، تقول الرواية : ( فكتب الوليد إلى سليمان يأمره بالقدوم عليه، فأبطأ، فعزم الوليد على المسير إليه ليخلعه ..فمات قبل أن يسير إليه.). وعن موت الوليد المفاجىء وتولية سليمان تقول الرواية عن أحداث عام 96 : ( وفي هذه السنة بويع سليمان بن عبد الملك في اليوم الذي توفي فيه الوليد وهو بالرملة.) .

3 ـ البلاط الأموى تخصص فى فنون التآمر من عهد معاوية ، وكان التخلص من الخصوم بالسُّم وغيره ايسر وسيلة ، ووصل هذا الى داخل البيت الأموى نفسه ، بقتل  معاوية الثانى ، ثم بقتل مروان بن الحكم ، وبهذا مات فجأة الخليفة الوليد ، وهو على وشك عزل أخيه سليمان . 

4 ـ سليمان بن عبد الملك كان عريقا فى التآمر ، وكان حقودا محبا للإنتقام ، وبينما كافأ ابن عمه عمر بن عبد العزيز فإنه إفتتح خلافته بالانتقام من الولاة الذين أيدوا خلعه . ونجا الحجاج من إنتقامه ، إذ مات قبل أن يتولى سليمان الحكم ، فلم يجد سليمان وسيلة سوى الانتقام من آل الحجاج ، فسلّط عليهم خصومهم من آل المهلب . تقول الرواية عن عام 96 أول حكم سليمان بن عبد الملك : (وفيها عزل سليمان يزيد بن أبي مسلم عن العراق واستعمل يزيد بن المهلب ، وجعل صالح بن عبد الرحمن على الخراج ، وأمره بقتل بني عقيل وبسط العذاب عليهم وهم أهل الحجاج، فكان يعذبهم ويلي عذابهم عبد الملك بن المهلب  ). ووصل إنتقامه الى أقصى الشرق فقتل  ــ بمؤامرة  ـ  قتيبة بن مسلم أكبر قائد  فى  أقصى الشرق عام 96 . وقتل عبد العزيز بن موسى بن نصير فى الأندلس فى أقصى الغرب  عام 97 .

5 ـ وسليمان بن عبد الملك ـ فى عراقته بالتآمر ـ إكتشف حركة الشيعة الكيسانية السرية ، وإستدعى أبا هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية ( حفيد على بن أبى طالب ) و ( أكرمه وقضى حوائجه ) ثم وضع له فى الطريق (من وقف على طريقه فسمّه في لبن.  ) .  ولما أحس أبوهاشم بالسّم وأيقن موته سار الى ابن عمه ( محمد بن على بن عبد الله بن عباس ) وأفضى اليه بأسرار التنظيم العنقودى ، وكلفه بتولى أمره . وهذا التنظيم العنقودى الذى كان يدعو سرا الى ( الرضى من آل محمد) هو الذى تمكن فى النهاية من إسقاط الدولة الأموية .

6 ـ ودفع سليمان الثمن مبكرا .  فى عام 98 ، تقول الرواية : ( بايع سليمان لإبنه أيوب بولاية العهد، فمات أيوب قبل أبيه ) . مات هذا الشاب مبكرا ، ثم ما لبث أن لحقه أبوه الخليفة سليمان عام 99 ، تقول الرواية : (في هذه السنة توفي سليمان بن عبد الملك بن مروان لعشر بقين من صفر، فكانت خلافته سنتين وخمسة أشهر وخمسة أيام...، فتكون ولايته سنتين وثمانية أشهر إلا خمسة أيام ) . أحسّ بالسُّم الذى سقاه لضحاياه، فكان إنتقامه الأخير بأن يجعل ولى عهده (عمر بن عبد العزيز). وبهذا تولى عمر بن عبد العزيز ، وتحقق المستحيل .!! 

7 ـ وحاول عمر بن عبد العزيز تحقيق مستحيل آخر ، هو إصلاح قلعة الظلم التى أسسها الخلفاء الفاسقون ، فلقى عمر بن عبد العزيز حتفه أيضا بالسّم عام  101 ، تقول الرواية :  ( توفي عمر بن عبد العزيز في رجب سنة إحدى ومائة.. ) (   مات عمر بن عبد العزيز لعشر ليال بقين من رجب سنة احدى ومائة وهو ابن تسع وثلاثينسنة واشهر وكانت خلافته سنتين وخمسة اشهر . ) . كانت خلافة سليمان سنتين وثمانية أشهر إلا خمسة أيام ) .وكانت خلافة عمر بن عبد العزيز (سنتين وخمسة اشهر ) ، وكلاهما مات فى شبابه ..مسموما ..

ثانيا : عمر بن عبد العزيز فى خلافته :

1 ـ وضع منهاجه السياسى فى أول خطبة له قالها فى عبارات قصيرة واضحة ، تقول الرواية : (  خرج الى المسجد فصعد المنبر فحمد الله واثنى عليه ثم قال اما بعدفانه ليس بعد نبيكم نبي ، ولا بعد الكتاب الذي انزل عليه كتاب . الا ان ما احل اللهحلال الى يوم القيامة وما حرم الله حرام الى يوم القيامة . الا اني لست بقاض ولكنيمنفذ . الا اني لست بمبتدع ولكني متبع  . الا انه ليس لاحد ان يطاع في معصية الله . الا انيلست بخيركم ، ولكني رجل منكم ، غير ان الله جعلني اثقلكم حملا  ) . لم يكن وقتها كلام عن مصدر آخر غير القرآن الكريم ، هذا من الناحية الدينية ، أما من من الناحية السياسية الاسلامية فلا طاعة لمخلوق فى معصية الخالق .  وأكد على ذلك : ( قامفي مسجد دمشق ثم نادى باعلى صوته : لا طاعة لنا في معصية الله  ).وأرسل كتابا بنسخة واحدة لكل الولاة .  وبدأ مبكرا بتطبيق  العدل والسلام :

ثانيا :  العدل

1 ـ  كتب عمر إلى والى الكوفة : ( أما بعد فإن أهل الكوفة قد أصابهم بلاء وشدة وجور في أحكام الله وسنة خبيثة سنها عليهم عمال السوء، وإن قوام الدين العدل والإحسان .. ) ومنع  أشكالا من الضرائب : فقال : (   ولا تأخذن أجور الضرابين ولا هدية النوروز والمهرجان ولا ثمن الصحف، ولا أجور الفتوح ولا أجور البيوت، ولا درهم النكاح، ولا خراج على من أسلم من أهل الأرض .. ) الى أن قال له : (..   ولا تعجل بقطع ولا صلب حتى تراجعني فيه ..) ، كان للوالى الأموى قتل من يشاء أخذا بسنة زياد وابن زياد والحجاج . فمنع ذلك عمر بن عبد العزيز .

 وكتب الى والى المدينة بالمساواة  بين الأمويين وبقية الناس  : ( .. ولا يكن احد من الناس اثر عندك من احد ، ولا تقولن هؤلاء من اهل بيتامير المؤمنين  ، فان اهل بيت امير المؤمنين وغيرهم عندي اليوم سواء.  بل انا احرى اناظن باهل بيت امير المؤمنين انهم يقهرون من نازعهم. ).

2 ـ واستبشر أهل البلاد المفتوحة خيرا . قال أهل سمرقند للوالى سليمان بن السرى : (  قتيبة ظلمنا وغدر بنا فأخذ بلادنا، وقد أظهر الله العدل والإنصاف فأذن لنا فليقدم منا وفد على أمير المؤمنين. فأذن لهم، فوجهوا وفداً إلى عمر. ) وقابل الوفد الخليفة عمر ، فكتب عمر إلى سليمان:  ( إن أهل سمرقند شكوا ظلماً وتحاملاً من قتيبة عليهم حتى أخرجهم من أرضهم، فإذا أتاك كتابي فأجلس لهم القاضي فلينظر في أمرهم، فإن قضى لهم فأخرج العرب إلى معسكرهم كما كانوا قبل أن يظهر عليهم قتيبة. ) وحكم القاضى  بخروج عرب سمرقند الى معسكرهم . 

3 ـ وتوافدت الوفود من البلاد على دمشق ترجو الانصاف ، فكان ينصفهم ويقول لهم : (  الحقواببلادكم فاني اذكركم امصاركم وانساكم عندي الا من ظلمه عامل فليس عليه مني اذنفلياتني  ) ، وظل هذا التوافد الى آخر عهده ، ففى آخر خطبة قال للناس : ( ايها الناس الحقوا ببلادكم فاني اذكركم في بلادكم وانساكم عندي .  الاواني قد استعملت عليكم رجالا لا اقول هم خياركم ولكنهم خير ممن هو شر منهم ، فمن ظلمهعامله بمظلمة فلا اذن له علي) أى أن يأتى ويدخل بلا إستئذان .

4 ــ وتقول الرواية : (   لما ولي عمر بن عبد العزيز وضع المكس عن كل ارض ووضع الجزية عن كلمسلم  ) كان الأمويون يأخذون الجزية من أهل البلاد المفتوحة حتى من أسلم منهم ، فمنع ذلك ، وكتب اليه ابن شريح والى مصر : (  ان اهل الذمة قداسرعوا في الاسلام وكسروا الجزية  ، فكتب اليه عمر اما بعد فان الله بعث محمدا داعياولم يبعثه جابيا فاذا اتاك كتابي هذا فان كان من اهل الذمة اسرعوا في الاسلاموكسروا الجزية فاطو كتابك واقبل ) أى عزله . ورفض عمر إمتحان من أسلم بالختان ،  وقال : (  انا اردهم عن الاسلام بالختان ؟ .. لو اسلموا فحسن اسلامهم كانوا الى الطهرةاسرع .. فاسلم على يده نحو من اربعة الاف ). وولى على شمال أفريقيا  ( إسماعيل بن عبد الله  ..، وكان حسن السيرة، فاسلم البربر في أيامه جميعهم.)
 ثالثا : رد المظالم :

إستأثر بنو أمية بالضياع ، وإغتصبوا الأموال والعقارات من أصحابها ، ولتحقيق العدل كان التحدى الأكبر  فى إرجاع هذا كله الى بيت المال سواء كان مسلوبا فى عهد معاوية أو بعده .

1 ـ وبدأ عمر بنفسه وزوجته  بمجرد بيعته ، تقول الرواية : ( فلما استقرت البيعة لعمر بن عبد العزيز قال لأمرأته فاطمة بنت عبد الملك: أن أردت صحبتي فردي ما معك من مال وحلى وجوهر إلى بيت مال المسلمين فإنه لهم، فإني لا أجتمع أنا وأنت وهو في بيت واحد. فرددته جميعه.) ( ان عمر بن عبد العزيز لما استخلف نظر الى ما كان لهمن عبد والى لباسه وعطره واشياء من الفضول فباع كل ما كان به عنه غنى فبلغ ثلاثةوعشرين الف دينار فجعله في السبيل  ) (  لما رد عمر بن عبد العزيز المظالم قال انهلينبغي ان لا ابدا باول من نفسي فنظر الى ما في يديه من ارض او متاع فخرج منه حتىنظر الى فص خاتم فقال هذا مما كان الوليد بن عبد الملك اعطانيه مما جاءه من ارضالمغرب فخرج منه ) (رايت عمر بن عبدالعزيز بدا باهل بيته فرد ما كان بايديهم من المظالم ،  ثم فعل بالناس بعد .)

2 ـ وشمل هذا كل المظالم القديم منها والحديث : ( ما زال عمر بن عبد العزيز يرد المظالم من لدن معاوية الى ان استخلف،  اخرج من ايدي ورثة معاوية ويزيد بن معاوية حقوقا .)  وشمل هذا كل الولايات : ( كتب الينا عمر بن عبد العزيز بالعراق في ردالمظالم الى اهلها فرددناها  ).

3 ـ ولم يكن المظلوم محتاجا لإثبات قاطع :  ( وكان عمر يرد المظالم الى اهلها بغير البينة القاطعةكان يكتفي بايسر ذلك اذا عرف وجها من مظلمة الرجل ردها عليه ولم يكلفه تحقيق البينةلما كان يعرف من غشم الولاة ) .

4 ــ وإذا مات صاحب الحق يعطيه لورثته سواء كان صاحب الحق مسلما أو غير مسلم ، فكتب الى والى المدينة  : (  ان استبرىء الدواوين فانظر الى كل جور جاره من قبليمن حق مسلم او معاهد فرده عليه فان كان اهل تلك المظلمة قد ماتوا فادفعه الى ورثتهم )، واستمر يعيد الحقوق لأصحابها الى أن مات :  ( ما زال عمر بن عبد العزيز يرد المظالم منذ يوم استخلف الى يوم مات ),

5 ـ هذا بالاضافة الى إصلاحات فى احوال المساجين وبناء خانات لأبناء السبيل ، وترك سب  ( علي بن ابى طالب ) على المنابر . 

ثالثا : السلام ووقف الحروب :

1 ـ بدأ خلافته بعودة جيش مسلمة الذى كان يحاصر القسطنطينة ، وأن ينسحب من أرض الروم .وأمر    أهل طرندة بالقفول عنها إلى ملطية. وكانت طرندة تتبع  الروم ، وقد استولى عليها الأمويون وأسكنوها مقاتلين عام 83 ، فأمرهم عمر بن عبد العزيز بالانسحاب منها .  أى أوقف الحرب بين ( دار السلام ضد دار الحرب ) . 

ونفس الحال فى الشرق ، أوقف الحروب هناك ، و ( كتب عمر بن عبد العزيز إلى ملوك السند يدعوهم إلى الإسلام على أن يملكهم بلادهم ولهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين، وقد كانت سيرته بلغتهم، فأسلم جيشه بن ذاهر، والملوك تسموا له بأسماء العرب. .. وبقي ملوك السند مسلمين على بلادهم أيام عمر ويزيد ابن عبد الملك، فلما كان أيام هشام ارتدوا عن الإسلام ). 

2 ـ وهو إختيار للسلام قائم على القوة ، وليس الضعف ، وعندما أغار ( الترك على أذربيجان فقتلوا من المسلمين جماعة، فوجه عمر حاتم بن النعمان الباهلي فقتل أولئك الترك ولم يفلت منهم إلا اليسير، وقدم على عمر منهم بخمسن أسيراً )

 رابعا : مع الأمويين

1 ـ إعترضوا فهددهم بالتنازل عن الخلافة وأن يُرجعها شورى ، تقول الرواية : (   جاء بنو مروانالى عمر فقالوا انك قصرت بنا عما كان بنا من قبلك وعاتبوه، فقال : لئن عدتم لمثل هذاالمجلس لاشدن ركابي ثم لاقدمن المدينة ولاجعلنها او اصيرها شورى ) .. ووسطوا  عمته  فلم تنجح وساطتها عنده .  وكان أحيانا يهددهم بالقتل ، تقول الرواية : (   اتى عمر بن عبدالعزيز كتاب من بعض بني مروان فاغضبه فاستشاط غضبا ،  ثم قال : ان لله في بني مروان ذبحاوايم الله لئن كان ذاك الذبح على يدي ." .. فلما بلغهم ذلك كفوا ، وكانوا يعلمون صرامتهوانه إذا وقع في امر مضى فيه  ).

2 ــ وواقع الأمر أنه كان يتحاشى أن يلجأ الى سفك الدماء . وقد طلب منه ابنه  عبد الملك  أن يقيم العدل بالقوة ، فقال له :  ( يا بني إن بادهت الناس بما تقول أحوجوني إلى السيف ، ولا خير في خير لا يحيا إلا بالسيف .).!

أخيرا : سبب قتل عمر بن عبد العزيز

 1 ـ خرج شوذب الخارجي ، وأمر عمر بعدم التعرض له طالما لم يسفكوا دما ، ، ودعاه عمر الى المناظرة  وكتب له : بلغني أنك خرجت غضباً لله ولرسوله ولست أولى بذلك مني، فهلم إلي أناظرك، فإن كان الحق بأيدينا دخلت فيما دخل الناس، وإن كان في يدك نظرنا في أمرك.فكتب بسطام إلى عمر: قد أنصفت وقد بعثت إليك رجلين يدارسانك ويناظرنك.).

2 ـ  وقد أفحمهما عمر فى البداية ، إلا إنه عجز عن الرد حين حاججوه فى ولاية يزيد بن عبد الملك بعده بلا شورى من المسلمين . تقول الرواية : ( قال اليشكري: أرأيت رجلاً ولي قوماً وأموالهم فعدل فيها ثم صيرها بعده إلى رجل غير مأمون، أتراه أدى الحق الذي يلزمه لله، عز وجل، أو تراه قد سلم؟ قال: لا. قال: أفتسلم هذا الأمر إلى يزيد من بعدك وأنت تعرف أنه لا يقوم فيه بالحق؟ قال: إنما ولاه غيري والمسلمون أولى بما يكون منهم فيه بعدي. قال: أفترى ذلك من صنع من ولاه حقاً؟ فبكى عرم وقال: أنظراني ثلاثاً...  فكان عمر بن عبد العزيز يقول: أهلكني أمر يزيد وخصمت فيه، فأستغفر الله.) تقول الرواية : ( فخاف بنو أمية أن يخرج ما بأيديهم من الأموال وأن يخلع يزيد ولاية العهد، فوضعوا على عمر من سقاه سماً، فلم يلبث بعد ذلك إلا ثلاثاً حتى مرض ومات . )

 

 

أواخر الدولة الأموية : مسلسل الدماء داخليا وخارجيا فى 17 عاما فقط .!

مقدمة :                                                

كانت خلافة عمر بن عبد العزيز لمحة ضوء بزغت فى ظلام الخلافة ، ودليلا على إمكانية الاصلاح الاسلامى القائم على العدل والحرية والسلام ، ودليلا آخر على أن الظلم فى الداخل يؤدى الى حروب داخلية وخارجية. بموت عمر بن عبد العزيز عاد الظلم والحروب على كل المستويات : ( خارجيا ) فى الغرب ضد بيزنطة وأوربا ، فى الشرق الآسيوى ، و( داخليا ) فى حروب متنوعة بين القبائل ، وضد الخوارج ،   وأثناء هذا كانت الدعوة السرية للرضى من آل محمد تنتشر وتتمدد فى خراسان  

2 ـ نعطى نشرة أخبار سريعة لمسلسل الدماء من عام 101 الى عام 117 

عام 101 :

1 ـ موت محمد بن مروان ( أخو عبد الملك، وكان قد ولي الجزيرة وأرمينية وأذربيجان، وغزا الروم وأهل أرمينية عدة دفعات . ) وابنه مروان بن محمد واصل بعده نفس الحروب ثم صار آخر خلفاء بنى أمية .

عام 102 : 

1 ـ مقتل  يزيد بن المهلب وآله فى موقعة العقر ، ثار ابن المهلب على الخليفة يزيد بن عبد الملك بسبب خصومة شخصية بينهما وبسبب عداء قديم للحجاج بن يوسف وآله وهم أصهار الخليفة يزيد . 

2 ـ غزو الترك  وهزيمتهم فى سمرقند.

3 ـ غزو الصغد ، وهزيمتهم ، ( وكانوا قد نقضوا العهد وأعانوا الترك على المسلمين، فقال الناس لسعيد: إنك قد تركت الغزو وقد أغار الترك وكفر أهل الصغد. فقطع النهر وقصد الصغد، فلقيه الترك وطائفة من الصغد فهزمهم المسلمون . )

  4 ـ قبض سعيد خذينة  والى خراسان على بعض دُعاة بنى العباس ، ثم أطلق سراحهم .  

5 ـ ( غزا عمر بن هبيرة الروم من ناحية أرمينية وهو على الجزيرة قبل أن يلي العراق، فهزمهم وأسر منهم خلقاً كثيراً وقتل سبعمائة أسير. ) ( وغزا عباس بن الوليد بن عبد الملك الروم فافتتح دلسة.)

عام 103  

1 ـ تولى سعيد الحرشي خراسان ، وعزل سعيد خدينة عنها ، وكان خدينة وقتها يغزو سمرقند ، وتولى الحرشى الحرب ، ( فلما سمع أهل الصغد بقدوم الحرشي خافوا على نفوسهم لأنهم كانوا قد أعانوا لترك أيام خذينة، فاجتمع عظماؤهم على الخروج من بلادهم. )  وذهبوا الى (حجندة )

2 ـ  ( أغارت الترك على اللان ). و  ( غزا العباس بن الوليد الروم ففتح مدينة يقال لها دلسة. ) 

عام 104 :

1 ـ حرب الحرشى والصغد:وهزمهم الحرشى (فقتلوا عن آخرهم، وكانوا ثلاثة آلاف، وقيل سبعة آلاف، واصطفى أموال الصغد وذراريهم، وأخذ منها ما أعجبه . )( وسار الحرشي إلى كش وصالحوه على عشرة آلاف رأس، وقيل ستة آلاف رأس. وسار إلى زلرنج، فوافاه كتاب ابن هبيرة بإطلاق ديوشتى، فقتله وصلبه وولى نصر بن سيار قبض صلح كش، واستعمل سليمان بن أبي السري على كش ونسف حربها وخراجها. وكانت خزائن منيعة. ) وكان اسم ملكها سبغرى، وقد خدعه  الحرشى بالأمان ثم قتله وصلبه بعد ان استولى على خزائنه  .
 2 ـ  الخزر يهزمون الأمويين .  ( دخل جيش للمسلمين بلاد الخزر من أرمينية..فاجتمعت الخزر في جمع كثير وأعانهم قفجان وغيرهم من أنواع الترك فلقوا المسلمين في مكان يعرف بمرج الحجارة فاقتتلوا هنالك قتالاً شديداً، فقتل من المسلمين بشر كثير واحتوت الخزر على عسكرهم وغنموا جميع ما فيه. )

 3 ـ طمع الخزر فى مزيد من الانتصار ، فأرسل الخليفة يزيد بن عبد الملك جيشا كثيفا يقوده الجراح الحكمى وولاه أرمينيا ،  ( .. وسار الخزر إليه وعليهم ابن ملكهم فالتقوا عند نهر الران واقتتلوا قتالاً شديداً، وحرض الجراح أصحابه، واشتد القتال، فظفروا بالخزر وهزموهم وتبعهم المسلمون يقتلون ويأسرون، فقتل منهم خلق كثير، وغنم المسلمون جميع ما معهم وساروا حتى نزلوا على حصن يعرف بالحصين فنزل أهله بالأمان على مال يحملونه، فأجابهم ونقلهم عنها.ثم سار إلى مدينة يقال لها يرغوا، فأقام عليها ستة أيام، وهو مجد في قتلهم، فطلبوا الأمان، فأمنهم وتسلم حصنهم ونقلهم منه.ثم سار الجراح إلى بلنجر .وهو حصن مشهور من حصونهم )واستولى الحكمى عليه ، (..ثم إن الخزر انهزموا واستولى المسلمون على الحصن عنوة وغنموا جميع ما فيه في ربيع الأول فأصاب الفارس ثلاثمائة دينار، وكانوا بضعة وثلاثين دينار، وكانوا بضعة وثلاثين ألفاً.ثم إن الجراح أخذ أولاد صاحب بلنجر وأهله وأرسل إليه فأحضره ورد إليه أمواله وأهله وحصنه وجعله عيناً لهم يخبرهم بما يفعله الكفار...) 

عام 105 

   1 ـ حركات للخوارج تم وأدها : عقفان  فى خراسان ، ومسعود العبدى فى البحرين . ومصعب بن محمد الوالى فى الموصل ,

2 ـ   غزا الجراح الحكمي اللان حتى حاز ذلك إلى مدائن وحصون وراء بلنجر ففتح بعض ذلك وأصاب غنائم كثيرة.غزا  سعيد بن عبد الملك أرض الورم، فبعث سرية في نحو ألف مقاتل فأصيبوا جميعاً. وغزا مسلم بن سعيد الكلابي أمير خراسان الترك بما وراء النهر، فلم يفتح شيئاً وقفل. وغزا مسلم أفشين فصالح أهلها على ستة آلاف رأس ودفع إليه القلعة،  وغزا مروان بن محمد الصائفة اليمنى فافتتح قونية من أرض الروم وكمخ.
3 ـ ومات يزيد بن عبد الملك حزنا على محظيته حبابة ، وتولى بعده أخوه هشام ، وعين الخليفة الجديد خالد القسرى على العراق ، أى النصف الشرقى من الامبراطورية الأموية . .

   عام 106 : 

1 ـ حرب بين قبائل مضر وقبائل اليمن فى بلخ .

2 ـ وغزا مسلم بن سعيد الكلابى الترك .وولى خالد القسرى أخاه ( اسد القسرى ) على خراسان ، وعيّن أسد القسرى على سمرقند ( الحسن الكندى ) ,قيل للحسن الكندى :(إن الأتراك قد أتوك في سبعة آلاف. فقال: ما أتونا، نحن أتيناهم وغلبناهم على بلادهم واستعبدناهم )

 3 ـ  غزا سعيد بن عبد الملك الصائفة. وغزا الجراح بن عبد الله اللان فصالح أهلها فأدوا الجزية.  

عام 107 :

1 ـ حرب الهند : كان جيشبه بن ذاهر ملك السند قد أسلم وتملك بلده بإتفاق مع عمر بن عبد العزيز . ولم يعترف خالد القسرى بهذا فأرسل الجنيد واليا للسند ، فتصدى له الملك الهندى وقال له : ( إننا مسلمون، فقد استعملني الرجل الصالح، يعنى عمر بن عبد العزيز، على بلادي ولست آمنك )، فأعطاه رهناً وأخذ منه رهناً بما على بلاده من الخراج . ثم نكث الجنيد بعهده (  فأتى الهند فجمع جموعاً وأخذ السفن ) وقتل ملك الهند ، ( وهرب أخوه "صصه " إلى العراق ليشكو غدر الجنيد، فخدعه الجنيد حتى جاء إليه فقتله.)
2 ـ وغزا الجنيد الكيرج، وكانوا قد نقضوا، ففتحها عنوةً وفتح أزين والمالبة وغيرهما من ذلك الثغر.

3 ـ غزوة عنبسة الفرنج بالأندلس:( ..ونازل مدينة قرقسونة وحصر أهلها، فصالحوه على نصف أعمالها وعلى جميع ما في المدينة من أسرى المسلمين وأسلابهم وأن يعطوا الجزية ويلتزموا بأحكام الذمة من محاربة من حاربه المسلمون وسالمة من سالموه، فعاد عنهم عنبسة. )   

4 ـ غزا أسد القسرى بلاد الغور،( جبال هراة )  وقد أخفى اهلها كنوزهم فى كهف ( ليس إليه طريق، فأمر أسد باتخاذ توابيت ووضع فيها الرجال ودلاها بسلاسل فاستخرجوا ما قدروا عليه.) وغزا أسد جبال نمرون ملك غرشس مما يلي جبال الطالقان، فصالحه نمرون وأسلم على يده .

5 ـ والى خراسان أسد القسرى إعتقل بعض دعاة العباسيين فقطع أيدى بعضهم وصلب البعض الآخر

6 ـ عزل الجراح بن عبد الله الحكمي عن أرمينية وأذربيجان وتولى مسلمة بن عبد الملك، فاستعمل عليها مسلمة الحارث ابن عمرو الطائي، فافتتح من بلد الترك رستاقاً وقرى كثيرة .  7 ـ أسد القسرى يقوم بتوطين الجند فى (بلخ  ) . 

عام 108  

1 ـ  غزوة الختل والغور:( وانهزم المشركون وحوى المسلمون عسكرهم وظهروا على البلاد وأسروا وسبوا وغنموا.)   

  2 ـ ( غزا مسلمة بن عبد الملك الروم مما يلي الجزيرة ففتح قياسرية، وهي مدينة مشهورة. ) ( غزا إبراهيم بن هشام ففتح حصناً الروم. )

 3 ـ ( سار ابن خاقان ملك الترك إلى أذربيجان فحصر بعض مدنها، فسار إليه الحارث ابن عمرو الطائي فالتقوا فاققتلوا فانهزم الترك وتبعهم الحاث حتى عبر نهر أس، فعاد إليه ابن خاقان فعادو الحرب أيضاً، فانهزم ابن خاقان وقتل من الترك خلق كثير. )

4 ـ حركة للخوارج فى اليمن تزعمها ( عباد الرعيني ) فقتله أميرها يوسف بن عمر وقتل أصحابه. وكانوا ثلاثمائة.

5 ـ غزا معاوية بن هشام بن عبد الملك قبرس، وغزا في البر مسلمة بن عبد الملك بن مروان.  

عام 109

1 ـ أسد القسرى يقتل عشرة من دعاة بنى العباس

2 ــ عزل خالد وأخيه أسد القسرى عن خراسان بسبب تعصبها للقبائل اليمنية ، وتولى أشرس السلمى خراسان .

3ـ غزا عبد الله بن عقبة الفهري في البحر، وغزا معاوية ابن هشام أرض الروم ففتح حصناً يقال له طيبة .
4 ــ غزا مسلمة بن عبد الملك الترك من ناحية أذربيجان فغنم وسبى وعاد سالماً.
5 ــ  وفيها غزا بشر بن صفوان عامل إفريقية جزيرة صقلية فغنم شيئاً كثيراً  

عام 110

1 ـ أشرس يدعو  أهل سمرقند الى الاسلام وأن يضع عنهم الجزية ، فأسلم كثيرون فأعادوا فرض الجزية عليهم ، فارتدوا .فاشتعلت الحرب سجالا بين ( المسلمين ) وانتصر الأمويون فى النهاية (، فحملوا على العدو فقاتلوهم فكشفوهم وركبهم المسلمون يقتلونهم حتى حجزهم الليل وتفرق العدو، وأتى أشرس بخارى فحصر أهلها.)

2 ـ حاصر خاقان الترك كمرجة بمن فيها من العرب ، ودارت معارك أسوارها ، ( وكانت مدة حصار كمرجة ثمانية وخمسين يوماً )

3 ـ أرتد أهل كردر، فأرسل إليهم أشرس جنداً فظفروا بهم .

4 ـ غزا مسلمة الترك من باب اللان، فلقي خاقان في جموعه فاقتتلوا قريباً من شهر وأصابهم مطر شديد، فانهزم خاقان وانصرف ورجع مسلمة فسلك على مسلك ذي القرنين.

5 ــ غزا معاوية الروم ففتح صملة. وفيها غزا الصائفة عبد الله بن عقبة الفهري، وكان على جيش البحر عبد الرحمن بن معاوية بن حديج .   

عام 111

1 ـ عزل أشرس عن خراسان واستعمال الجنيد ، والجنيد يقاتل خاقان الترك ويهزمه :، وكان الجنيد يتعصب لقومه من قبائل مضر . وكان التعصب القبلى سائدا بين العرب فى خراسان .

2 ـ   غزا معاوية بن هشام الصائفة اليسرى، وغزا سعيد بن هشام الصائفة اليمنى حتى أتى قيسارية، وغزا في البحر عبد الله بن أبي مريم.  

3 ـ  سارت الترك إلى أذربيجان فلقيهم الحارث ابن عمرو فهزمهم.

4 ـ عزل مسلمة عن أرمينية وتولى الجراح الحكمى مكانه ، فدخل بلاد الخزر من ناحية تفليس وفتح مدينتهم البيضاء وانصرف سالماً. ، ( فجمعت الخزر وحشدت وسارت إلى بلاد الإسلام، وكان ذلك سبب قتل الجراح. )

عام 112 

.1 ـ إتحد الخزر والترك وهزموا وقتلوا الجراح الحكم ، وتوغلوا حتى قاربوا الموصل .

2 ـ الجنيد يغزو طخارستان ، ومعارك متصلة مع الترك انتهت بأن ( سار المسلمون فدخلوا بخارى يوم المهرجان ).

3 ـ غزا معاوية بن هشام الصائفة فافتتح خرشنة.

عام 113

 1 ـ ( وفيها فرق مسلمة الجيوش ببلاد خاقان ففتحت مدائن وحصون على يديه وقتل منهم وأسر وسبى وأحرق ودان له من وراء جبال بلنجر، وقتل ابن خاقان، فاجتمعت تلك الأمم جميعها الخزر وغيرهم عليه في جمع لا يعلم عددهم إلا الله تعالى، وقد جاز مسلمة بلنجر فلما بلغه خبرهم أمر أصحابه فأوقدوا النيران ثم ترك خيامهم وأثقالهم وعاد هو وعسكره جريدة، وقدم الضعفاء وأخر الشجعان، وطووا المراحل كل مرحلتين في مرحلة حتى وصل إلى الباب والأبواب في آخر رمق.)

2 ـ هزيمة عبد الرحمن الغافقى أمير الأندلس  فى ( توربواتييه ) : (  فغزا إفرنجة وأوغل في أرضهم وغنم غنائم كثيرة، وكان فيما أصاب رجل من ذهب مفصصة بالدر والياقوت والزمرد، فكسرها وقسمها في الناس. ..  ثم خرج غازياً ببلاد الفرنج هذه السنة، ..  فقتل هو ومن معه شهداء.)
 3 ـ  عبيد الله بن الحبحاب، يغزو السودان : (  .. وسيرهم إلى أرض السودان فظفر بهم ظفراً لم يظفر أحد مثله وأصاب ما شاء، ثم غزا البحر ثم انصرف.)
4 ـ  غزا معاوية بن هشام أرض الروم فرابط من ناحية مرعش ثم رجع.
5 ـ الجنيد يقتل احد دعاة العباسيين .

 عام 114

1 ـ الخليفة هشام يولى مروان بن محمد أرمينية وأذربيجان:ومروان يسير بجيش من 120 الفا ، وخدع ملك الخزر بأنه يريد الصلح ، ودخل بلاده ، فانسحب ملك الخزر شرقا ( ودخل مروان البلاد وأوغل فيها وأخربها وغنم وسبى وانتهى إلى آخرها وأقام فيها عدة أيام حتى أذلهم وانتقم منهم، ودخل بلاد ملك السرير فأوقع بأهله وفتح قلاعاً ودان له الملك وصالحه على ألف رأس وخمسمائة غلام وخمسمائة جارية سود الشعور ومائة ألف مديٍ تحمل إلى الباب، وصالح مروان أهل تومان على مائة رأس نصفين، وعشرين ألف مدي، ثم دخل أرض زريكران، فصالحه ملكها، ثم أتى إلى أرض خمزين، فأبى حمزين أن يصالحه، فحصرهم فافتتح حصنهم، ثم أتى سغدان فافتتحها صلحاً ووظف على طيرشانشاه عشرة آلاف مدي كل سنة تحمل إلى الباب، ثم نزل على قلعة صاحب اللكز، وقد امتنع من أداء الوظيفة، فخرج ملك اللكز يريد ملك الخزر، فقتله راعٍ بسهم هو لا يعرفه، فصالح أهل اللكز مروان،واستعمل عليهم عاملاً، وسار إلى قلعة شروان، وهي على البحر، فأذعن بالطاعة، وسار إلى الدوداني فأقلع بهم ثم عاد.)

2 ـ غزا معاوية بن هشام الصائفة اليسرى، فأصاب ربض أقرن، وإن عبد الله البطال التقى هو وقسطنطين في جمع، فهزمهم البطال وأسر قسطنطسن. وغزا سليمان بن هشام الصائفة اليمنى، فبلغ قيسارية.

عام 115
1 ـ  غزا معاوية بن هشام أرض الروم.   

2 ـ وغزا عبد الملك بن قطن عامل الأندلس أرض البشكنس  وعاد سالماً.

عام 116 

1 ـ   غزا معاوية بن عبد الملك أرض الروم الصائفة.

2 ـ ثورة الحارث بن سريج بخراسان:إنشقّ عن الأمويين ، وحاربوه وانهزم (فاقتتلوا قتالاً شديداً، فانهزم أصحاب الحارث فغرق منهم بشر كثير في أنهار مرو وفي النهر الأعظم ومضت الدهاقين إلى بلادهم، وغرق خازم بن عبد الله ابن خازم، وكان مع الحارث، وقتل أصحاب الحارث قتلاً ذريعاً، ..واجتمع إلى الحارث زهاء ثلاثة ألاف.)

3 ـ  ( سير ابن الحبحاب جيشاً إلى صقلية، فلقيهم مراكب الروم فاقتتلوا قتالاً شديداً، فانهزمت الروم، وكانوا قد أسوا جماعة من المسلمين، منهم عبد الرحمن بن زياد، فبقي أسيراً إلى سنة إحدى وعشرين ومائة، وفيها سير ابن الحبحاب أيضاً جيشاً إلى السوس وأرض السودان فغنموا وظفروا وعادوا. وفيها استعمل عبد الله بن الحبحاب عطية بن الحجاج القيسي على الأندلس، فسار إليها ووليها في شوال من هذه السنة وعزل عبد الملك ابن قطن، وكان له كل سنة غزاة، وعو الذي افتتح جليقية والبتة وغيرهما ).

عام  117

1 ـ  ( غزا معاويةً بن هشام الصائفة اليسرى، وغزا سليمان بن هشام الصائفة اليمنى من نحو الجزيرة، وفرق سراياه في أرض الروم.) 

2 ـ ( بعث مروان بن محمد، وهو على أرمينية، بعثين، وافتحح أحدهما حصوناً ثلاثة من اللان، نزل الآخر على تومانشاه فنزل أهلها على الصلح.)

3 ـ ولاية ابن الحبحاب أفريقيا ( شمال أفريقيا ) والأندلس . (وبعث حبيب بن أبي عبيدة بن عقبة بن نافع غازياً إلى المغرب، فبلغ السوس الأقصى وأرض السودان فلم يقالتله أحد إلا ظهر عليه، وأصاب من الغنائم والسبي أمراً عظيماً، فملئ المغرب منه رعباً، وأصاب في السبي جارتيتين من البربر ليس لكل واحدة منهما غير ثدي واحد، ورجع سالماً. وسير جيشاً في البحر سنة سبع عشرة إلى حزيرة الردانية، ففتحوا منها ونهبوا وغنموا وعادوا. ثم سيره غازباً إلى جزيرة صقلية سنة اثنتين وعشرين ومائة ومعه ابنه عبد الرحمن بن حبيب، فلما نزل بأرضها وجه عبد الرحمن على الخيل فلم يلقه أحد إلا هزمه عبد الرحمن، فظفر ظفراً لم ير مثله، حتى نزل على مدينة سرقوسة، وهي من أعظم مدن صقلية، فقاتلوه فهزمهم وحصرهم، فصالحوه على الجزية، وعاد إلى أبيه، )

4 ـ ثورة البربر لأن والى طنجة اسماعيل بن عبيد الله بن الحبحاب إعتبر البربر فيئا للمسلمين : ( فأساء السيرة وتعدى وأراد أن يخمس مسلمي البربر، وزعم أنهم فيء للمسلمين، وذلك شيء لم يرتكبه أحد قبله، فلما سمع البربر بمسير حبيب بن أبي عبيدة إلى صقلية بالعساكر طمعوا ونقضوا الصلح على ابن الحبحاب وتداعت عليه بأسرها ملمها وكافرها، وعظم البلاء، وقدم من بطنجة من البربر على أنفسهم ميسرة السقاء قم المغدوري، وكان خارجياً صفرياً وسقاء، وقصدوا طنجة، فقاتلهم عمر بن عبد الله فقتلوه واستولوا على طنجة وبايعوا ميسرة بالخلافة وخوطب بأمير المؤمنين وكثر جمعه من البربر وقوي أمره بنواحي طنجة.وظهر في ذلك الوقت جماعة بإفريقية فأظهروا مقالة الخوارج . ) واصطدم العرب والبربر فى معركة  ( غزوة الأشراف ) التى انهزم فيها العرب هزيمة قاسية ، ووصلت الأنباء الى الأندلس فثاروا على واليهم ، وبعث هشام بجيش يقوده كلثوم ابن عياض القشيرى ، فانهزم وتفرق من بقى من جيشه ، ( فلما ضعفت العرب بهذه الوقعة ظهر إنسان يقال له عكاشة بن أيوب الفزاري بمدينة قابس، وهو على رأي الخوارج الصفرية، فسار إليه جيش من القيروان فاقتتلوا قتالاً شديداً، فانهزم عسكر القيروان، فخرج إليه عسكر آخر فانهزم عكاشة بعد قتال شديد وقتل كثير من أصحابه، ولحق عكاشة ببلاد الرمل.فلما بلغ هشام بن عبد الملك قتل كلثوم بعث أميراً على إفريقية حنظلة ابن صفوان الكلبي، فوصلها في ربيع الآخر سنة أربع وعشرين ومائة، فلم يمكث بالقيروان إلا يسيراً حتى زحف إليه عكاشة الخارجي في جمع عظيم من البربر ... ) وفى النهاية انهزم البربر والخوارج : (هزم الخوارج والبربر ونصر العرب، وكثر القتل في البربر وتبعوهم إلى جلولاء يقتلون ..فقيل: لم يقتل بالمغرب أكثر من هذه القتلة، فإن حنظلة أمر بإحصاء القتلى، فعجز الناس عن ذلك حتى عدوهم بالقصب، فكانت عدة القتلى مائة ألف وثمانين ألفا. )

ملاحظة :

قارن بين عدد القتلى فى الحرب العالمية الأولى ، وتلك الحروب التى تسبب فيها الأمويون خلال 17 عاما . عدد قتلى الحرب العالمية الثانية حوالى 60 مليونا . ربما يصل عدد القتلى هنا بضع مئات من الألوف ، ولكن الفارق فى نوعية الاسلحة . كان السلاح فرديا ، ( سيف مقابل سيف مثلا ) ، أما فى الحروب الحديثة فالطائرة يمكن أن تقتل آلافا مؤلفة . وبالتالى لو كان للأمويين نفس التسليح الحالى لتضاعف القتلى الى عشرات الملايين . هذا بالاضافة الى أن الحرب العالمية الأولى والثانية كانتا حربا علمانية ، قامت وتوقفت ، بل أصبح الخصوم خلفاء وأصدقاء تبعا لتغير المصالح . أما الحرب التى أشعلها الصحابة وتابعها الأمويون والعباسيون والعثمانيون فهى الحرب العالمية التى لا تنتهى طالما بقى دينها الأرضى مسيطرا .ولا تزال هذه الحرب الدينية مشتعلة بين الوهابية والغرب المسيحى ..

 

 أخيرا : حتى لايضيع منا طرف الخيط :

 نذكركم بعنوان الكتاب : ( مسلسل الدماء فى تاريخ الخلفاء ـ الأصل التاريخى لتقسيم العالم فى عصر الخلفاء الى :" دار السلام ودار الحرب ")

الأصل التاريخى لتقسيم العالم الى ( دار السلام ودار الحرب ).

ونذكركم :

1 ـ بأن الله جل وعلا لم يخلق البشر ليكونا معسكرين متحاربين ، بل خلق البشر جميعا  أخوة من أب واحد وأم واحدة ، وجعلهم شعوبا وقبائل كى يتعارفوا سلميا ، لا لكى يتقاتلوا ، يقول جل وعلا يخاطب البشر جميعا : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13) الحجرات )

2 ـ إن الله جل وعلا أرسل رسوله بالقرآن الكريم رحمة للعالمين وليس لقتال العالمين ، يقول جل وعلا : ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (107) الأنبياء )

3 ـ إن الله جل وعلا أمر المؤمنين بالدخول فى السلام كافة ، فقال جل وعلا : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (208) البقرة ). وتشريعات القتال الدفاعية هى إستثناء يخدم السلام .  ولكن الصحابة إتبعوا خطوات الشيطان بالفتوحات ، وجعلوها دينا ، نتج عنه تقسيم العالم الى معسكرين متحاربين ـ حربا مستمرة ، لا يزال الوهابيون يواصلونها حتى اليوم

4 ـ القتال فى الاسلام هو لرد العدوان فقط ، وهذا معنى أن يكون فى سبيل الله جل وعلا . أما القتال المعتدى الذى فعله الصحابة فهو فى سبيل الشيطان ، وليس هناك توسط : إما قتال دفاعى فى سبيل الله جل وعلا ، وإما قتال باغ معتد ظالم يريد الثروة والسلطة ، أى فى سبيل الشيطان . يقول جل وعلا عن نوعى القتال : (الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ  )(76) النساء  )

5 ـ  فى حمامات الدم هذه كانوا يحرصون على تأدية صلاة شكلية ، كانت صلاة شيطانية لأنها لم تكن تنهاهم عن الفحشاء والمنكر بل كانت تأمرهم بالفحشاء والمنكر وتسوّغ لهم سفك الدماء والسلب والنهب والاسترقاق باسم الاسلام العظيم. كانت صلاتهم الشيطانية حربا لرب العزة جل وعلا.!

 

 مسلسل الدماء قبيل سقوط الدولة الأموية ( 118 : 127 )

مقدمة :

تتابع مسلسل الدماء فى علاقة ( دار السلام ) بدار الحرب : مع أوربا وأقصى الشرق ، وفى نفس الوقت تتابع مسلسل الدماء داخل ( دار السلام ) ، فى قتال الأمويين مع خصومهم من الخوارج وغيرهم ، بل وصل الاقتتال الى البيت الأموى ، وبعد أن كان القتل يتم سرا بمؤامرة وبالسُّم ، أصبح القتال علنيا عسكريا ، وفى نفس الوقت كانت الدعوة السرية لبنى العباس آتت أُكلها ، فظهرت فجأة بجيش يقوده أبو مسلم الخراسانى ، فاجأ مروان بن محمد آخر الخلفاء الأمويين ، والذى كان منهمكا فى حروب داخلية ( فى دار السلام ) وحروب خارجية مع ( دار الحرب ) ، فوجىء بالمارد العباسى الذى هزمه وقتله وقتل من وجدهم من الأمويين . 

2 ـ نعطى بعض التفصيلات لمسلسل الدماء فى عناوين سريعة  من عام 118 الى تولى مروان بن محمد آخر خلفاء بنى أمية فى دمشق:

عام 118 :

 1 ـ ( غزا معاوية وسليمان ابنا هشام بن عبد الملك أرض الروم.)

2 ـ ( غزا مروان بن محمد بن مروان من أرمينية ودخل أرض ورنيس إلى الخزر ونزل حصنه، فحصره مروان ونصب عليه المجانيق، فقتل ورنيس، قتله بعض من اجتاز به وأرسل رأسه إلى مروان، فنصبه لأهل حصنه، فنزلوا على حكمه، فقتل المقاتلة وسبى الذرية.)

3 ـ   عودة الحارث بن سريج للثورة على الامويين : نزل الوالى على خراسان ( أسد بن عبد الله القسرى ) بلخ ، وارسل جيشا يقوده جديع الكرمانى فحاصر الحارث فى قلعته فى طخارستان ، ومنعهم الطعام والشراب ، فاستسلموا ، تقول الرواية عن مصير أتباع ابن سريج  : (  فقتل بني برزى وسبى عامة أهله من العرب والموالي والذرادي وباعهم فيمن يزيد ( اى فى مزاد ) في سوق بلخ . )  وهرب الحارث بن سريج . وبناء على أمر الوالى أرسل الكرمانى خمسين من كبار الأسرى الى الوالى أسد القسرى ، تقول الرواية عن مصيرهم : (  فحملوا إليه، فقتلهم . وكتب إلى الكرماني أن يجعل الذين بقوا عنده أثلاثاً، فثلث يقتلهم، وثلث يقطع أيديهم وأرجلهم، وثلث يقطع أديهم، ففعل ذلك الكرماني وأخرج أثقالهم فباعها. )

4 ـ بعدها واصل أسد القسرى الغزو : ( واتخذ أسد ميدنة بلخ داراً، ونقل إليها الدواوين، ثم غزا طخارستان ... فغنم وسبى.).
5 ـ ارسل بكير بن هامان ــ القائم على الدعوة العباسية السرية ــ عمار بن يزيد إلى خراسان داعية ،  فنزل مرو وغيّر اسمه وتسمى بخداش، ودعا إلى محمد بن علي، فسارع إليه الناس وأطاعوه، ثم غيّر ما دعاهم وتحوّل الى دين الخرمية الفارسى ودعا اليه واباح الزنا وأبطل الصلاة والصيام والحج ، تقول الرواية : ( ورخص لبعضهم في نساء بعض، وقال لهم: إنه لا صوم ولا صلاة ولا حج،) (وكان خداش نصرانياً بالكوفة فأسلم ولحق بخراسان.
وكان ممن اتبعه على مقالته مالك الهيثم، والحريش بن سليم الأعجمي وغيرهما .. فبلغ خبره أسد بن عبد الله، فظفر به، فأغلظ القول لأسد، فقطع لسانه وسمل عينيه  )  وقتل  أسد إثنين آخرين .

عام 119

 1 ـ قتل خاقان الترك بعد معرك طاحنة وتحرير سبى المسلمين فى معسكره

2 ـ :هزيمة الخوارج : هزيمة بهلول الخارجى الذى ثار على خالد القسرى : (فلما قُتل بهلول خرج عمرو اليشكري فلم يلبث أن قتل.وخرج البختري صاحب الأشهب، وبهذا كان يعرف، على خالد في ستين، فوجه إليه خالد السمط بن مسلم البجلي في أربعة آلاف، قالتقوا بناحية الفرات، فانهزمت الخوارج، فتقلاهم عبيد أهل الكوفة وسفلتهم فرموهم بالحجارة حتى قتلوهم.ثم خرج وزير السختياني على خالد بالحيرة في نفر، فجعل لا يمر بقرية إلا أحرقها، ولا يلقى أحداً إلا قتله، وغلب على ما هنالك وعلى بيت المال، فوجه إليه خالد جنداً فقاتلوا عامة أصحابه وأثخن بالجراح، وأتي به خالد، وأقبل على خالد فوعظه، فأعجب خالداً ما سمع منه فلم يقتله وحبسه عنده، وكان يؤتى به في الليل فيحادثه. فسعي بخالد إلى هشام وقيل: أخذ حورياً قد قتل وحرق وأباح لأموال فجعله سميراً، فغضب هشام وكتب إليه يأمره بقتله، وكان خالد يقول: إني أنفس به عن الموت، فأخر قتله، فكتب إليه هشام ثانياً يذمه ويأمره بقتله وإحراقه، فقتله وأحرقه ونفراً معه، ولم يزل يتلو القرآن حتى مات وهو يقرأ(قل نار جهنم أشد حراً لو كانوا يفقهون} [التوبة: 81 ).وخرج الصحارى بن شبيب ، فهزمه خالد القسرى .

3 ـ غزو أسدٍ بلاد الختل بالقرب من الصين :(.. وفرق أسد العسكر في أودية الختل فملأ أيديهم من الغنائم والسبي . ) ، ( وهرب أهله إلى الصين.)

4 ـ و غزا الوليد بن القعقاع أرض الروم.

5 ـ وغزا مروان بن محمد أرمينية فدخل بلاد اللان وسار فيها حتى خرج منها إلى بلاد الخزر فمر ببلنجر وسمندر وانتهى إلى البيضاء التي يكون فيها خاقان، فهرب خاقان منه.

عام 120

1 ـ وفاة أسد بن عبد الله والى خراسان ، وتعيين نصر بن سيار فى العام التالى . وقد مدح دهقان هراة ( أسد بن عبد الله القسرى ) فكان مما قاله له : (ومن يُمن نقيبتك أنك لقيت خاقان وهو في مائة ألف ومعه الحارث بن سريج فهزمته وقتلته وقتلت أصحابه وأبحت عسكره،   ) هذه هى ثقافة العصر ، القتل العام والسبى العام ، وهذا الدهقان الفارسى جاء بهدية الى أسد ، تقول الرواية : (، فقدم عليه في المهرجان ومعه من الهدايا والتحف ما لم يحمل غيره مثله، وكانت قيمة الهدية ألف ألف. ) ، وهذه الهدية من عرق الفلاحين الذين كان هذا الدهقان يمصّ دماءهم ليعطى هدايا لأسد وأمثاله .

2 ـ  عزل خالد بن عبد الله القسري ( زعيم القبائل اليمنية )عن العراق وولاية يوسف بن عمر الثقفي ( المُضرى ) مكانه.  وفيما بعد عام  126 ـ وفى خلافة الوليد بن يزيد ـ كان قتل خالد القسرى بعد تعذيبه وإهانته ، فتصاعد الصراع القبلى بين قبائل اليمن وقبائل مضر ، خصوصا مع تعيين نصر بن سيار على خراسان ، وهو من قبائل (مُضر )، فتعصّب نصر بن سيار لقومه من (مُضر ) ولم يعين فى ولايات خراسان أحدا إلا من ( مُضر )  .

3 ـ   غزا سليمان بن هشام بن عبد الملك الصائفة وافتتح سندرة.

4 ــ غزا إسحاق بن سلم العقيلي تونشاه وافتتح قلاعها وخرب أرضها.

عام  121

1 ـ غزا مسلمة  بن هشام الروم فافتتح بها مطامير.

2 ـ  ـ ثلاث غزوات لنصر بن سيار فيما وراء النهر .

3 ـ غزو مروان بن محمد بن مروان من ارمينيا الى طبرستان

 4 ـ غزا مسلمة بن هشام الروم فافتتح بها مطامير

5 ـ وثار زيد بن علي زين العابدين بن الحسين . كان الخليفة هشام قد أهان زيد بن على ، وأهانه أيضا الوالى خالد القسرى ، فالتف حول زيد شيعة الكوفة يدعونه الى الثورة والخروج على الأمويين ، وبرغم النصائح إستجاب لهم ، وثار فى العام 122 التالى وقتلوه .

عام 122

1 ـ قتل عبد الله البطّال أشهر جنود الأمويين فى حرب الروم البيزنطيين ، وكانت تُقال عنه حكايات فى ( بطولاته ) فأطلقوا عليه ( البطّال ) صيغة مبالغة من (البطل ) واسمه الحقيقى عبد الله أبو الحسين الأنطاكي . وقتل الروم معه جماعة من أصحابه .

2 ـ قتل زيد بن على بن الحسين وهزيمته بعد ان تخلى عنه معظم أتباعه . 

 عام 123

1 ـ  اضطرابات فى الاندلس : إنعكاسا لما حدث للبربر عام 117 . خلع اهل الاندلس الوالى عقبة بن الحجاج وولوا عبد الملك بن قطن ( للمرة الثانية ). وحاصر البربر فى افريقيا الوالى الاموى بلج العبسى فاستغاث بعبد الملك بن قطن ان يعينه على الهرب الى الاندلس فرفض أبن قطن ، ثم إضطر ابن قطن لنجدة بلج وادخله الاندلس بجنوده ، وكانوا فى اسوأ حصار . تقول الرواية : (  وشرط عليهم أن يقيموا سنة ويرجعوا إلى إفريقية، فأجابوه إلى ذلك ). وقاتل بلج جمعا من البربر فى شدونة الاندلسية، وأهلكوهم وسلبوهم ، تقول الرواية : ( وقصدوا جمعاً من البربر بشدونة فقاتلوهم فظفروا بالبربر فأهلكوهم وغنموا مالهم ودوابهم وسلاحهم، فصلحت أحوال أصحاب بلج وصار لهم دواب يركبونها.) وطلب عبد الملك والى الاندلس من بلج الرحيل الى أفريقيا ، وتنازع معه ، وانتهى الأمر بالقتال ، وانهزم عبد الملك بن قطن ، وقتله بلج وصلبه، وتولى الاندلس مكانه. وكان عبد الملك بن قطن فى التسعين من عمره حين مقتله، وهرب ولداه قطن وأمية، فلحق أحدهما بماردة والآخر بسرقسطة.

2 ـ غزا نصر بن سيار فرغانة غزوته الثانية.  

عام 124 

1 ـ بداية ظهور أبى مسلم الخراسانى قائد جيش العباسيين الذى أسقط الولة الأموية عام 132 .

2 ـ الحرب  فى الاندلس ( بين بلج وابني عبد الملك ، ووفاة بلج وولاية ثعلبة بن سلامة الأندلس ) : تحالف مع إبنى عبد الملك بن قطن جموع من البربر والعرب وكانوا مائة ألف مقاتل، فسمع بهم بلج والذين معه فسار إليهم، والتقوا واقتتلو تقالاً شديداً، وجرح بلج جراحات، ثم ظفر بابني عبد الملك والبربر ومن معهم وقتل منهم فأكثر ، وعاد إلى قرطبة مظفراً منصوراً، فبقي سبعة أيام، ومات من الجراحات التي فيه. وعين مكانه ثعلبة العجلى .

 2 ـ وثارت في أيامه البربر بناحية ماردة، فغزاهم ثعلبة العجلى فقتل فيهم فأكثر، وأسر منهم ألف رجل وأتى بهم إلى قرطبة.

3 ـ  غزا سليمان بن هشام الصائفة، فلقي أليون ملك الروم فغنم.  

عام 125

1 ـ وفاة الخليفة هشام بن عبد الملك وتولى ابن أخيه الوليد بن يزيد ، ونهاية عهد الاستقرار فى البيت الأموى .

2 ـ وأمر الخليفة الجديد ( الماجن الملحد ) الوليد بن يزيد والى خراسان نصر بن سيار أن  يحمل اليه ( ما قدر عليه من الهدايا والأموال،) و( أن يتخذ له برابط وطنابير وأباريق ذهب وفضة، وأن يجمع له كل صناجه بخراسان، وكل بازي وبرذون فاره، ثم يسير بكل ذلك بنفسه في وجوه أهل خراسان.). ونفّذ الوالى الأمر ، وسار بالهدايا ومن معه فبلغه فى الطريق قتل الخليفة الوليد فرجع بما معه ومن معه .

3 ـ  قتل يحيى بن زيد بن علي بن الحسين فى خراسان . كان يحيى قد هرب الى خراسان بعد فشل ثورة ابيه ومقتله ، واستخفى عند الحريش بن عمر ، فبلغ ذلك والى العراق الذى تتبعه خراسان ، وهو يوسف بن عمر ( وهو الذى هزم زيد بن على بن الحسين ) فأمر والى خراسان نصر بن سيار فضرب الحريش ستمائة سوط ، وتحمل الحريش ورفض أن يدل على يحيى ، ولكن إبنا للحريث خاف على أبيه من القتل بالسوط فأقر بمكان يحيى فاعتقله نصر ، ولكن الخليفة الوليد أمر باطلاق سراح يحيى . وسار يحيى ثم جمع أنصارا وثار بهم ، وانتهى أمره بالهزيمة والقتل ، وامر الخليفة الوليد بإحراق جثة زيد بن على بن الحسين والد يحيى ، ونثر رماده فى الفرات ، (وأما يحيى ، فإنه لما قتل صُلب بالجوزجان، فلم يزل مصلوباً حتى ظهر أبو مسلم الخرساني وأستولى على خراسان، فأنزله وصلى عليه ودفنه ، وامربالنياحة عليه في خراسان، واخذ ابو مسلم ديوان بني أمية ، وعرف منه أسماء من حضر قتل يحيى، فمن كان حياً قتله ،ومن كان ميتاً خلفه في أهله بسوء.) .

4 ـ  ( خرجت الروم إلى زبطرة، وهو حصن قديم كان افتتحه حبيب بن مسلمة القهري، فأخربته الروم الآن، فبنى بناء غير محكم، فعاد الروم وأخربوه أيام مروان بن محمد ..ثم بناه الرشيد وشحنه بالرجال، فلما كانت خلافة المأمون طرقه الروم فشعثوه، فأمر المأمون برمته وتحصينه، ثم قصده الروم أيام المعتصم .. )   

5 ـ  غزا الغمر بن يزيد بن عبد الملك  .
 عام 126

1 ـ . قتل خالد بن عبد الله القسرى ، والى العراق السابق وزعيم قبائل اليمن :، وكان قتله دخولا فى صراع قبائل مضر مع قبائل اليمن ، وتداخل هذا الصراع مع صراعات البيت الأموى فأضعفه، وكان خالد القسرى متهما فى دينه .

2 ـ قتل الخليفة الوليد بن يزيد بن عبد الملك ، قتله ابن عمه يزيد الثالث ( يزيد بن الوليد بن عبد الملك ) وتولى مكانه . تقول الرواية ( وكان سبب قتله ما تقدم ذكره من خلاعته ومجانته، فلما ولي الخلافة لم يزد من الذي كان فيه من اللهو واللذة والركوب للصيد وشرب النبيذ ومنادمة الفساق إلا تمادياً، فثقل ذلك على رعيته وجنده وكرهوا أمره، وكان أعظمه ما جنى على نفسه إفساده بني عميه هشام والوليد، فإنه أخذ سليمان بن هشام فضربه مائة سوط وحلق رأسه ولحيته وغربه إلى عمان من أرض الشام فحبسه بها، فلم يزل محبوساً حتى قتل الوليد . )

3 ـ اضطراب أمر بني أمية:(  وثوب سليمان بن هشام بن عبد الملك بعد قتل الوليد بعمان، وكان قد حبسه الوليد بها، فخرج من الحبس وأخذ ما كان بها من الأموال وأقبل إلى دمشق وجعل يلعن الوليد ويعبه بالكفر.) (  خلاف أهل حمص:لما قتل الوليد أغلق أهل حمص أبوابها وأقاموا النوائح والبواكي عليه، ... )  ( خلاف أهل فلسطين: وثب أهل فلسطين على عاملهم سعيد بن عبد الملك فطردوه، وكان قد استعمله عليهم الوليد، وأحضروا يزيد بن سليمان بن عبد الملك فجعلوه عليهم وقالوا له: إن أمير المؤمنين قد قتل فتول أمرنا. فةليهم ودعا الناس إلى قتال يزيد، فأجابوه... ) ( وعٌزل الخليفة الجديد ( يزيد بن الوليد ) يوسف ابن عمر على العراق وولي منصور بن جمهور، فامتنع نصر بن سيار والى خراسان من الاعتراف به )  ( نشوب الحرب بين أهل اليمامة وواليهم الأموى  وهزموه فهرب ، وتجددت الحروب بين القبائل هناك فيما يسمى بيوم الفلج الأول والفلج الثانى ، واستمرت القلاقل الى أن جاءت الدولة العباسية  ) ( وعزل الخليفة يزيد الثالث منصور بن جمهور عن العراق وولى مكانه إبنا لعمر بن عبد العزيز ، هو عبد الله ، وقال له  ( سر إلى العراق فإن أهله بميلون إلى أبيك. )، وحاول إرضاء أهل العراق فثار عليه قواده من أهل الشام ، ( وثار غوغاء الناس من الفريقين فأصيب منهم رهط لم يعرفوا. )   (  وسقطت خراسان فى حروب قبلية بين القبائل النزارية المضرية يتزعمها نصر بن سيار والقبائل اليمنية القحطانية يتزعمها الكرمانى . ) ( وطلب الحارث بن سريج الأمان فأعطوه الأمان وكان لاجئا عند الترك اثنتي عشرة سنة، وعاد إلى خراسان.وتحالف مع نصر بن سيار )

4 ـ فى الاضطراب الذى كان فى ( شمال ) أفريقيا والأندلس التابع لها : (ثار بعبد الرحمن جماعة من العرب والبربر ثم قتل بعد ذلك.فممن خرج عليه عروة بن الوليد الصدفي واستولى على تونس، وقام أبو عطاف عمران بن عطاف الأزدي فنزل بطيفاس، وثارت البرر بالجبال، وخرج عليه ثابت الصنهاجي بباجة فأخذها...) واستمر الاضطراب فيها من طرابلس (فى ليبيا الآن ) الى الاندلس ، من هذا الوقت الى أن هرب اليها عبد الرحمن الأموى ( الداخل ) أو ( صقر قريش ) فدخل بالأندلس عصرا جديدا . 

5 ــ ومرض الخليفة الجديد الشاب يزيد بن الوليد  ( فجأة ) فعهد بالخلافة لأخيه ابراهيم بن الوليد ، ورفض والى أرمينية القوى مروان بن محمد بن مروان  الاعتراف بهذا فجاء بجيشه بحجة الدفاع عن حق أبناء الخليفة المقتول الوليد بن يزيد . ومات الخليفة يزيد الثالث بعد أن حكم ستة أشهر .! . (فلما مات يزيد بن الوليد قام بالأمر بعده أخوه إبراهيم، غير أنه لم يتم له الأمر، فكان يسلم عليه تارة بالخلافة وتارة بالإمارة وتارة لا يسلم عليه بواحدة منهما، فمكث أربعة أشهر.. ثم سار إليه مروان بن محمد فخلعه .) .

 

 أخيرا : حتى لايضيع منا طرف الخيط :

 نذكركم بعنوان الكتاب : ( مسلسل الدماء فى تاريخ الخلفاء ـ الأصل التاريخى لتقسيم العالم فى عصر الخلفاء الى :" دار السلام ودار الحرب ")

الأصل التاريخى لتقسيم العالم الى ( دار السلام ودار الحرب ).

ونذكركم :

1 ـ بأن الله جل وعلا لم يخلق البشر ليكونا معسكرين متحاربين ، بل خلق البشر جميعا  أخوة من أب واحد وأم واحدة ، وجعلهم شعوبا وقبائل كى يتعارفوا سلميا ، لا لكى يتقاتلوا ، يقول جل وعلا يخاطب البشر جميعا : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13) الحجرات )

2 ـ إن الله جل وعلا أرسل رسوله بالقرآن الكريم رحمة للعالمين وليس لقتال العالمين ، يقول جل وعلا : ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (107) الأنبياء )

3 ـ إن الله جل وعلا أمر المؤمنين بالدخول فى السلام كافة ، فقال جل وعلا : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (208) البقرة ). وتشريعات القتال الدفاعية هى إستثناء يخدم السلام .  ولكن الصحابة إتبعوا خطوات الشيطان بالفتوحات ، وجعلوها دينا ، نتج عنه تقسيم العالم الى معسكرين متحاربين ـ حربا مستمرة ، لا يزال الوهابيون يواصلونها حتى اليوم

4 ـ القتال فى الاسلام هو لرد العدوان فقط ، وهذا معنى أن يكون فى سبيل الله جل وعلا . أما القتال المعتدى الذى فعله الصحابة فهو فى سبيل الشيطان ، وليس هناك توسط : إما قتال دفاعى فى سبيل الله جل وعلا ، وإما قتال باغ معتد ظالم يريد الثروة والسلطة ، أى فى سبيل الشيطان . يقول جل وعلا عن نوعى القتال : (الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ  )(76) النساء  )

5 ـ  فى حمامات الدم هذه كانوا يحرصون على تأدية صلاة شكلية ، كانت صلاة شيطانية لأنها لم تكن تنهاهم عن الفحشاء والمنكر بل كانت تأمرهم بالفحشاء والمنكر وتسوّغ لهم سفك الدماء والسلب والنهب والاسترقاق باسم الاسلام العظيم. كانت صلاتهم الشيطانية حربا لرب العزة جل وعلا.!

 مسلسل الدماء بين (المسلمين فى  دار السلام) فى خلافة مروان بن محمد (127 : 132 )

مقدمة :

توقفت مؤقتا حرب ( دار السلام ) لدار الحرب والكفر لأن قادة (دار السلام ) ــ  وهم أساس البلاء ــ  دخلوا فى حروب متصلة مروعة ، ومن حُسن حظهم أن دار الكفر لم ينتهزوها فرصة للإنتقام ورد العدوان . والأبطال الفاعلون فى مسلسل الدماء  كانوا من الأمويين وبنى عمومتهم العباسيين ، وهم :

1 ـ مروان بن محمد بن مروان ، والى أرمينية والجزيرة القوى ، وكان صلبا عنيفا داهية ، وقد كان لقبه ( مروان الحمار ) بسبب صبره . وتولى الخلافة فى وقت تداعى الدولة فلم تنفعه شدته ولا حنكته ، خصوصا وأنه تمتع بأهم رذائل خلفاء بنى أمية ، وهى القسوة المفرطة والتعصب القبلى لفريق ضد فريق .

2 ـ ثم سليمان بن هشام بن عبد الملك ، وهو شخصية درامية قضى الشطر الأول من عمره يقاتل ضد البيزنطيين ، ثم أهانه الخليفة الوليد بن يزيد  ( الماجن ) ، تقول الرواية فى سبب قتل الخليفة الوليد بن يزيد ( الماجن ) عام 126: ( وكان سبب قتله ما تقدم ذكره من خلاعته ومجانته، فلما ولي الخلافة لم يزد من الذي كان فيه من اللهو واللذة والركوب للصيد وشرب النبيذ ومنادمة الفساق إلا تمادياً، فثقل ذلك على رعيته وجنده وكرهوا أمره، وكان أعظمه ما جنى على نفسه إفساده بني عميه هشام والوليد،   فإنه أخذ سليمان بن هشام فضربه مائة سوط وحلق رأسه ولحيته وغربه إلى عمان من أرض الشام فحبسه بها، فلم يزل محبوساً حتى قتل الوليد . ) . إنضم سليمان بن هشام الى يزيد بن الوليد ( ولقبه يزيد الناقص ، لأنه أنقص عطاء الناس ، بأن خصم الزيادة التى زادها الوليد الماجن ) وقتلوا الوليد (الماجن) وحبسوا ولديه ( الحكم وعثمان ) ، وبعد الموت المفاجىء ليزيد الناقص وتولى أخيه ابراهيم الخلافة كان سليمان بن هشام هو القائد الحربى لابراهيم ، الذى واجه الثائر مروان بن محمد حين جاء بجيشه من أرمينيا والجزيرة مدافعا عن حق ابنى الوليد ابن يزيد الماجن المقتول ( الحكم وعثمان ). وانتهى الأمر بسليمان بن هشام هذا وقد وبايع  الضحاك الخارجى الذى استولى على الكوفة. ثم قتله الخليفة العباسى السفاح  .

3 ـ أبطال الانتصار هم العباسيون فى قيادتهم السياسية ، ( ابراهيم الامام ، ثم السفاح أول خليفة عباسى )، والأبطال العسكريون:( أبو مسلم الخراسانى ) وقحطبة بن شبيب ، وابنه الحسن ، وعلى بن عبد الله العباسى وصالح العباسى ،الذين هزموا مروان بن محمد ، ثم قتلوه وأسقطوا الدولة الأموية .

ونعطى موجز الأنباء لمسلسل الدماء  ( الداخلى ) من عام 127 : 132 .

عام 127

1 ـ مروان بن محمد حاكم أرمينية القوى ثار على ( يزيد ) الناقص ، وجاء بجنه مطالبا بحق ابنى الوليد بن يزيد المقتول ، وهما ( الحكم وعثمان ) ، وحاصر مروان قنسرين  فنزلوا على طاعته، ثم حاصر حمص  فبايعوه وساروا معه قاصدين دمشق، ومعهم جند الجزيرة وجند قنسرين‏... فتوجه مروان إلى دمشق في ثمانين ألفاً، وتقاتل مع جيش إبراهيم بن الوليد بن هشام بن عبد الملك الذى يقوده سليمان بن هشام بن عبد الملك بلغ مائة وعشرين ألفاً،  فانهزم سليمان بن هشام ، وقتل  من  عسكره نحو ثمانية عشر ألفاً وأسر منهم مثلهم ..وأما سليمان بن هشام وبقية أصحابه فإنهزمزا ولحقوا بدمشق ، وقرروا قتل ابنى الوليد بن يزيد ( الحكم وعثمان ) خوفا من ان يغلب مروان  فينتقما ممن قتل أباهما . وتولى قتلهما فى السجن يزيد بن خالد بن عبد الله القسري، فقتلهما وقتل معهما يوسف بن عمر - وكان مسجوناً معهما - وكان يوسف بن عمر هذا هو والى العراق من قبل ، وهو الذى قام من قبل بتعذيب وقتل خالد القسرى . وبمقتل ابنى الوليد الماجن أُتيح لمروان أن يطلب الخلافة لنفسه .

2 ـ  واقترب مروان بجيشه من دمشق فهرب الخليفة ابراهيم بن الوليد ، بينما استحوذ سليمان بن هشام على بيت المال فى دمشق ففرّق منه على الجنود وهرب من دمشق . وبويع مروان بالخلافة بعد دخوله دمشق . وعيّن ولاة من قبله . وسار موالى الوليد بن يزيد ( الماجن المقتول ) الى قبر ( يزيد الناقص ) فنبشوه وصلبوا جثته على باب الجابية إنتقاما لقتله ( الوليد الماجن ) . 

وطلب ابراهيم الخليفة السابق وسليمان بن هشام قائده العسكرى الأمان من مروان  فأمّنهما وأكرمهما ، وجعلهما الى جانبه . ثم ثار أهل الشام على مروان بعد أن بايعوه 

3  ـ  ثارت حمص فحاصرها مروان وهزمها . ( وقتل مروان جماعةً من أسرائهم، وصلب خمسمائة من القتلى حول المدينة . ).

4 ـ   ثارت دمشق والغوطة بقيادة يزيد بن خالد القسرى ، وهزمهم جيش مروان وقتل يزيد القسرى : ( واستباح أهل مروان عسكرهم وأحرقوا المزة وقرى من اليمانية، وأخذ يزيد بن خالد فقتل، وبعث زامل برأسه إلى مروان بحمص.

5 ـ وخرج ثابت بن نعيم في أهل فلسطين على الخليفة وأتوا طبرية فحاصروها، فبعث الخليفة إليهم جيشاً فأجلوهم عنها واستباحوا عسكرهم، وفر ثابت بن نعيم هارباً إلى فلسطين فاتبعه الأمير أبو الورد فهزمه ثانية وتفرق عنه أصحابه، وأسر أبو الورد ثلاثة من أولاده فبعث بهم إلى الخليفة ‏.‏ وتم أسر ثابت بن نعيم ، فقطع مروان يديه ورجليه، وكذلك جماعة كانوا معه، ثم صلبهم على ابواب دمشق:( فأمر به وبأولاده الثلاثة فقطعت أيديهم وأرجلهم وحُملوا إلى دمشق فألقوا على باب المسجد، ثم صلبهم على أبواب دمشق.)

6 ــ   إستأذن سليمان بن هشام من الخليفة مروان أن يستريح فى الرصافة ، فأذن له. وأقام سليمان بالرصافة ،  وانضم الى سليمان عشرة آلاف من فرسان مروان وثار بهم على مروان معلنا خلعه ، وسار بهم سليمان الى  قنسرين، وإنضم اليه كثيرون من أهل الشام ‏، كما إنضم اليه  حوالى 70 ألفا من جيش ابن هبيرة الذى كان مروان قد أرسله لقتال الضحاك الخارجى فى الكوفة. وقاتل مروان جيش سليمان بن هشام فهزمه ، وهرب سليمان بن هشام الى حمص ، ولجأ اليه من بقى من جيشه . تقول الرواية : ( واجتمع إلى سليمان نحوا من سبعين ألفاً من أهل الشام والذكوانية وغيرهم، وعسكر بقرية خساف من أرض قنسرين، وأتاه مروان فواقعه عند وصوله، فاشتد بينهم القتال، وانهزم سليمان ومن معه، واتبتعهم خيل مروان تقتل وتأسر، واستباحوا معسكرهم، ووقف مروان موقفاً ووقف ابناه موقفين، ووقف كوثر صاحب شرطته موقفاً، وأمرهم أن لا يؤتوا بأسير إلا قتلوه إلا عبداً مملوكاً. فأحصي من قتلاهم يومئذ نيف على ثلاثين ألف قتيل، وقتل إبراهيم بن سليمان وأكثر ولده، وخالد بن هشام المخزومي خال هشام ابن عبد الملك، وادعى كثير من الأسراء للجند أنهم عبيد، فكف عن قتلهم وأمر ببيعهم فيمن يزيد ( أى فى المزاد ) مع من أصيب من عسكرهم.   وهرب سليمان إلى حمص، وانضم إليه من أفلت ممن كان معه، فعسكر بها ) وسار اليه مروان بن محمد ( وانهزم أصحاب سليمان، وقتل منهم نحو من ستة آلاف ) ( فلما بلغ سليمان هزيمتهم خلف أخاه سعيداً بحمص .. ونزل مروان على حمص فحصر أهلها عشرة أشهر ونصب عليهم نيفاً وثمانين منجنيقاً يرمى بها الليل والنهار، وهم يخرجون إليه كل يوم فيقاتلونه، وربما بيتوا نواحي عسكره. فلما تتابع عليهم البلاء طلبوا الأمان.. )

7 ــ   وثار بالكوفة عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبى طالب . انتهز الشيعة فى الكوفة ضعف الوالى عبد الله بن عمر بن عبد العزيز  فدعوا الى خلافة (عبد الله بن معاوية )   وانهزم عبد الله بن معاوية ، وأعطاه عبد الله بن عمر أمانا فغادر الى المدائن، فأتاه قوم من أهل الكوفة، فخرج بهم فغلب على حلوان والجبال وهمذان وأصبهان والري، وخرج إليه عبيد أهل الكوفة.  

8 ـ وبعودة الحارث بن سريج الى ( مرو ) فى وقت الصراع بين نصر بن سيار والكرمانى بدأ يُعدُّ للثورة مرة أخرى بحجة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر . 

 9 ـ وكان الضحاك الخارجى قد استولى على الكوفة وهزم واليها عبد الله بن عمر بن عبد العزيز ، وبايع ابن عمر بن عبد العزيز الضحاك الخارجى بالخلافة ، وقدم الى الكوفة أيضا   سليمان بن هشام بن عبد الملك هاربا بعد هزيمته من مروان ، فبايع الضحاك الخارجى . فقال الشاعر ساخرا : ألم تر الله أظهر دينه ** وصلّت قريش خلف بكر بن وائل.   

 عام 128

1 ـ   قتل الحارث سريج وسط صراع الكرمانى ونصر بن سيار .

2 ـ وألقى ابراهيم الامام ( صاحب الدعوة العباسية ) أوامره لأبى مسلم الخراسانى : (  احفظ وصيتي، انظر هذا الحي من اليمن فالزمهم واسكن بين أظهرهم، فإن الله لا يتم هذا الأمر إلا بهم، فاتهم ربيعة في أمرهم، وأما مضر فإنهم العدو القريب الدار، واقتل من شككت فيه، وإن استطعت أن لا تدع بخراسان من يتكلم بلعربية فافعل، وأيما غلام بلغ خمسة أشبار تتهمه فاقتله. ) .كانت قبائل اليمن منحرفة عن الأمويين وقتها ، بينما لم تكن قبائل ربيعة ( النزارية ) مخلصة للدعوة ، وكانت قبائل مضر النزارية فى معظمها مع الأمويين .

3 ـ مع الخوارج :  وارسل مروان فرقة قتلت الضحاك وستة آلاف كانوا معه . وبايع الخوارج بعده الخيبرى ، وكان معه سليمان بن هشام الأموى فى  أكثر من ثلاثة آلاف من أهل بيته ومواليه . وانهزم مروان أمام الخبيرى .ثم لم يلبث  الخيبرى أن قُتل

وظهر أبو حمزة الخارجى ، واسمه ( المختار بن عوف الأزدي السلمي البصري، وكان أول مرة أنه كان من الخوارج الإباضية، يوافي كل سنة مكة يدعو الناس إلى خلاف مروان بن محمد، فلم يزل كذلك حتى وافى عبد الله بن يحيى المعروف بطالب الحق في آخر سنة ثمان وعشرين، فقال له: يا رجل أسمع كلاماً حسناً وأراك تدعوا إلى حق، فانطلق معي فإني رجل مطاع في قومه.فخرج حتى ورد حضرموت، فبايعه أو حمزة على الخلافة ودعا إلى خلاف مروان وآل مروان.  ) 

عام 129

.1 ـ بعد قتل الخيبرى فى العراق بايع الخوارج شيبان بن عبد العزيز أبو الدلف اليشكري، وبنصيحة سليمان بن هشام انسحب الخوارج من الكوفة الى الموصل ، وانضم اليهم أهل الموصل  ضد مروان بن محمد . ( فأقام مروان ستة أشهر يقاتلهم، وقيل تسعة أشهر.
وأتي مروان بابن أخ لسليمان بن هشام يقال له أمية بن معاوية بن هشام، وكان مع عمه سليمان في عسكر شيبان أسيراً، فقطع يديه وضرب عنقه، وعمه ينظر إليه.) وتتابعت فصول المعارك بين مروان الأموى وشيبان الخارجى الى أن هزمه مروان فهرب شيبان الى إلى سجستان   .

2 ـ   مقتل الكرماني بعد أن قتل الحارث بن سريج ، وذلك فى إطار الصراع المسلح بينه وبين نصر بن سيار .

3 ـ وفوجىء العرب فى خراسان بظهور أبى مسلم وكثرة أتباعه وظهور دعوته فتعاقدوا على حربه . وانتصر أبو مسلم على من حاربه منهم ، وظهر عبد الله بن معاوية بن جعفر وغلب  فى ارض فارس ، فحاربه وغلبه ابو مسلم وقتله .

4 ـ واستولى ابو حمزة الخارجى على المدينة ومكة .

   عام 130

1 ـ  دخول أبي مسلم مرو والبيعة بها ، وقد بايعه على بن الكرمانى زعيم قبائل اليمن بعد مقتل ابيه ، ورفض نصر بن سيار  البيعة وهرب من مرو الى سرخس . ورفض شيبان الخارجى البعة فقاتله ابو مسلم وهزمه وقتله . ولم يلبث أبو مسلم أن قتل عليا بن الكرمانى وكبار أتباعه ،  وغلب أبو مسلم على خراسان، وبعث العمال على البلاد،  وبعث  قحطبة بن أبى شبيب إلى طوس فهزمهم، وكان من مات منهم في الزحام أكثر ممن قتل، فبلغ عدة القتلى بضعة عشر ألفاً.وبعث جيشا الى نيسابور وقاتل  تميم بن نصر بن سيار وهزمه  وقتله ، وقتل من أصحابه مقتلة عظيمة واستبيح عسكرهم، وكان عدة من معه ثلاثين ألفاً،   وبلغ الخبر نصر بن سيار بنيسابور بقتل ابنه.ولما استولى قحطبة على عسكرهم  سار هو إلى نيسابور، وبلغ ذلك نصر بن سيار فهرب منها فيمن معه فنزل قومس، وتفرق عنه أصحابه فسار إلى نباتة بن حنظلة بجرجان، وقدم قحطبة نيسابور بجنوده فأقام بها رمضان وشوال.ثم قاتل وقتل نباته بن حنظلة والى جرجان 

2 ــ أبو حمزة الخارجى يهزم أهل المدينة عندما عصوا اوامره . وكان عدة القتلى سبعمائة.وأقام أبو حمزة بالمدينة ثلاثة أشهر.وخرج أبو حمزة لقتال مروان فهزمه مروان وقتله . ثم قُتل عبد الله بن يحيى ( طالب الحق ) :( وحمل رأسه إلى مروان بالشام )

3 ــ واوقع قحطبة بن شبيب بأهل جرجان:

 عام 131

1 ـ  فى معارك متصلة : دخول قحطبة الرى ثم اصفهان  ثم نهاوند  وفتح شهرزور:ومسير قحطبة إلى ابن هبيرة بالعراق وهروب ابن هبيرة  إلى الكوفة لقحطبة،  وقطع قحطبة الفرات ، ثم سار  يريد الكوفة حتى أنتهى إلى الموضع الذي فيه ابن هبيرة .

2 ـ   الوليد بن عروة السعدي،  دخل ( المدينة ) وانتقم من خصومه ( فقتل منهم مقتلةً عظيمةً وبقر بطون نسائهم وقتل الصبيان وحرق من قدر عليه منهم.)

عام  132  :

1 ـ  هلك قحطبة بن شبيب بعد أن هزم ابن هبيرة ، وتولى الحسن مكان أبيه قحطبة

2 ـ وفى الكوفة انضم محمد بن خالد القسرى للدعوة الجديدة ، ودخلت الكوفة فى الدعوة ، وفيها كان إعلان الدولة العباسية ، ومبايعة أول خليفة ، وهو أبو العباس عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، وأصبح لقبه ( السفاح ) بسبب المجازر فى عهده  . 

3 ـ هزيمة مروان بن محمد فى موقعة الزاب ، وكانت عصبيته ضد قبائل اليمن من أسباب تخليهم عنه فى المعركة ، تقول الرواية ( واشتد بينهم القتال. فقال مروان لقضاعة: انزلوا. فقالوا: قل لبني سليم فلينزلوا. فأرسل إلى السكاسك أن احملوا. فقالوا: قل لبني عامر فليحملوا. فأرسل إلى السكون أن احملوا، فالوا: قل لغطفان فليحملوا. فقال لصاحب شرطته: انزل. فقال: والله ما كنت لأحعل نفسي غرضاً. قال: أما والله لأسؤنك! فقال: وددت والله أنك قدرت على ذلك.) ولجأ مروان الى حيلة المال : (.. فأمر بالأموال فأخرجت، وقال للناس: اصبروا وقاتلوا فهذه الأموال لكم. فجعل ناس من الناس يصيبون من ذلك، فقيل له: إن الناس قد مالوا على هذا المال ولا نأمنهم أن يذهبوا به. فأرسل إلى ابنه عبد الله: أن سر في أصحابك إلى قوم عسكرك فاقتل من أخذ من المال وامنعهم.) .

4 ـ كان مروان قد علم أن ابراهيم بن محمد بن على بن عبد الله بن عباس هو إمام الدعوة ، فحبسه ، ثم قتل فى السجن  .

5 ـ قتل مروان بن محمد بن الحكم فى أخر معركة له فى ابوصير بمصر ، وكان مروان قد واصل الهرب وخلفه جيوش العباسيين ، من الموصل:( وسبّه أهل الموصل، وقالوا: ياجعدي ! يا معطل.. الحمد لله الذي أزال سلطانكم وذهب بدولتكم! الحمد لله الذي أتانا بأهل بيت نبينا! )   ( ومضى مروان إلى حمص، فلقيه أهلها بالسمع والطاعة، فأقام بها يومين أو ثلاثة ثم سار منها. فلما رأوا قلة ممن معه طمعوا فيه وقالوا: مرعوب منهزم؛ فاتبعوه بعدما رحل عنهم فلحقوه على أميال. فلما رأى غبرة الخيل كمن لهم، فلما جاوزوا الكمين صافهم مروان فيمن معه وناشدهم، فأبوا إلا قتاله، فقاتلهم وأتاهم الكمين من خلفهم، فانهزم أهل حمص وقتلوا حتى انتهوا إلى قريب المدينة.) ( وأتى مروان دمشق وعليها الوليد بن معاوية بن مروان، فخلفه بها وقال: قاتلهم حتى يجتمع أهل الشام. )  وطارده جيش العباسيين  الى مصر،  ( وحملوا على أصحاب مروان فانهزموا، وحمل رجل من أهل الكوفة كان يبيع الرمان فاحتز رأسه، فأخذه عامر فبعث به إلى أبي عون، وبعثه أبو عون إلى صالح.فلما وصل إليه أمر أن يقص لسانه، فانقطع لسانه، فأخذه هر، فقال صالح: ماذا ترينا الأيام من العجائب والعبر! هذا لسان مروان قد أخذه هر " .! . وسيره صالح إلى أبي العباس السفاح.وكان قتله لليلتين بقيتا من ذي الحجة، ورجع صالح إلى الشام وخلف أبا عون بمصر وسلم إليه السلاح والأموال والرقيق.ولما وصل الرأس إلى السفاح كان بالكوفة، فلما رآه سجد ثم رفع رأسه فقال: الحمد الله الذي أظهرني عليك وأظفرني بك ولم يبق ثأري قبلك وقبل رهطك أعداء الدين!  )

6 ـ قتل  العباسيين لبني أمية:

دخل سديف على السفاح وعنده سليمان بن هشام بن عبد الملك وقد أكرمه، فقال سديف شعرا فى التحريض على بنى أمية ، فقتل السفاح ( سليمان بن هشام ).  ودخل شبل بن عبد الله   على ( عبد الله بن علي ) وعنده من بني أمية نحو تسعين رجلاً على الطعام، فأقبل عليه شبل فقال شعرا يثير الحقد على بنى أمية وما فعلوه مع الحسين وبنى هاشم ، فأمر عبد الله العباسى بقتل ضيوفه الأمويين  ( فضُربوا بالعُمد حتى قتلوا، وبسط عليهم الأنطاع فأكل الطعام عليها وهو يسمع أنين بعهم حتى ماتوا جيمعاً. ) ، ( وأمر عبد الله ابن علي بنبش قبور بني أمية بدمشق، فنبش قبر معاوية بن أبي سفيان، فلم يجدوا فيه إلا خيطاً مثل الهباء، ونبش قبر يزيد بن معاوية بن أبي سفيان فوجدوا فيه حطاماً كأنه الرماد، ونبش قبر عبد الملك فإنه وجد صحيحاً لم يبل منه إلا أرنبة أنفه، فضربه بالسياط وصلبه وحرقه وذراه في الريح.وتتبع بني امية من أولاد الخلفاء وغيرهم فأخذهم، ولم يفلت منهم إلا رضيع أو من هرب إلى الأندلس .. واستصفى كل شيء لهم من مال وغير ذلك .) (  وقتل سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس بالبصرة أيضاً جماعةً من بني أمية عليهم الثياب الموشية المرتفعة وأمر بهم فجروا بأرجلهم فألقوا على الطريق فأكلتهم الكلاب.فلما رأى بنو أمية ذلك اشتد خوفهم وتشتت شملهم واختفى من قدر على الاختفاء. )

7 ـ ما سبق نقلناه موجزا من تاريخ الكامل لابن الأثير . وننقل بعض ما أورده ( ابن كثير )  فى حصار العباسيين لدمشق . فقائد الجيش العباسى ( عبد الله بن على ) حين إفتتحها ( فقتل من أهلها خلقاً كثيراً وأباحها ثلاث ساعات، وهدم سورها‏. ويقال‏:‏ إن أهل دمشق لما حاصرهم عبد الله اختلفوا فيما بينهم، ما بين عباسي وأموي، فاقتتلوا فقتل بعضهم بعضاً، وقتلوا نائبهم ثم سلموا البلد .. ثم أبيحت دمشق ثلاث ساعات حتى قيل‏:‏ إنه قتل بها في هذه المدة نحواً من خمسين ألفاً‏.  ) ( وأن البلد كان قد حصنه نائب مروان تحصيناً عظيماً، ولكن اختلف أهلها فيما بينهم بسبب اليمانية والمضرية، وكان ذلك بسبب الفتح، حتى إنهم جعلوا في كل مسجد محرابين للقبلتين حتى في المسجد الجامع منبرين، وإمامين يخطبان يوم الجمعة على المنبرين ..)، ( وذكر في ترجمة محمد بن سليمان بن عبد الله النوفلي قال‏:‏ كنت مع عبد الله بن علي أول ما دخل دمشق، دخلها بالسيف، وأباح القتل فيها ثلاث ساعات، وجعل جامعها سبعين يوماً إسطبلاً لدوابه وجماله..ثم تتبع عبد الله بن علي بني أمية من أولاد الخلفاء وغيرهم، فقتل منهم في يوم واحد اثنين وتسعين ألفاً عند نهر بالرملة، وبسط عليهم الأنطاع ومد عليهم سماطاً فأكل وهم يختلجون تحته ..وأرسل امرأة هشام بن عبد الملك وهي‏:‏ عبدة بنت عبد الله بن يزيد بن معاوية صاحبة الخال، مع نفر من الخراسانية إلى البرية ماشية حافية حاسرة على وجهها وجسدها وثيابها ثم قتلوها‏. ثم أحرق ما وجد من عظم ميت منهم‏.  ) 

 

 أخيرا : حتى لايضيع منا طرف الخيط :

 نذكركم بعنوان الكتاب : ( مسلسل الدماء فى تاريخ الخلفاء ـ الأصل التاريخى لتقسيم العالم فى عصر الخلفاء الى :" دار السلام ودار الحرب ")

الأصل التاريخى لتقسيم العالم الى ( دار السلام ودار الحرب ).

ونذكركم :

1 ـ بأن الله جل وعلا لم يخلق البشر ليكونا معسكرين متحاربين ، بل خلق البشر جميعا  أخوة من أب واحد وأم واحدة ، وجعلهم شعوبا وقبائل كى يتعارفوا سلميا ، لا لكى يتقاتلوا ، يقول جل وعلا يخاطب البشر جميعا : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13) الحجرات )

2 ـ إن الله جل وعلا أرسل رسوله بالقرآن الكريم رحمة للعالمين وليس لقتال العالمين ، يقول جل وعلا : ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (107) الأنبياء )

3 ـ إن الله جل وعلا أمر المؤمنين بالدخول فى السلام كافة ، فقال جل وعلا : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (208) البقرة ). وتشريعات القتال الدفاعية هى إستثناء يخدم السلام .  ولكن الصحابة إتبعوا خطوات الشيطان بالفتوحات ، وجعلوها دينا ، نتج عنه تقسيم العالم الى معسكرين متحاربين ـ حربا مستمرة ، لا يزال الوهابيون يواصلونها حتى اليوم

4 ـ القتال فى الاسلام هو لرد العدوان فقط ، وهذا معنى أن يكون فى سبيل الله جل وعلا . أما القتال المعتدى الذى فعله الصحابة فهو فى سبيل الشيطان ، وليس هناك توسط : إما قتال دفاعى فى سبيل الله جل وعلا ، وإما قتال باغ معتد ظالم يريد الثروة والسلطة ، أى فى سبيل الشيطان . يقول جل وعلا عن نوعى القتال : (الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ  )(76) النساء  )

5 ـ  فى حمامات الدم هذه كانوا يحرصون على تأدية صلاة شكلية ، كانت صلاة شيطانية لأنها لم تكن تنهاهم عن الفحشاء والمنكر بل كانت تأمرهم بالفحشاء والمنكر وتسوّغ لهم سفك الدماء والسلب والنهب والاسترقاق باسم الاسلام العظيم. كانت صلاتهم الشيطانية حربا لرب العزة جل وعلا.!

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الفصل الثانى : مسلسل الدماء فى الخلافة العباسية

مسلسل الدماء فى خلافة السفاح العباسى (  132 ـ   136 )

1 ـ فى معسكر :( دار السلام / الخلافة القرشية ) دمر العباسيون دولة ابناء عمومتهم الأمويين . وكان السفاح هو لقب أول خليفة عباسى ، وخلال السنوات الأربع  ــ التى حكمها هذا السفاح ـ بلغ عدد القتلى رقما مهولا يمكن تصوره من التمعن فى هذا المقال . وتوزع القتلى بين معسكر ( دار السلام ) ومعسكر ( دار الحرب ) . هذا مع قيام الدولة العباسية على دعوة دينية ، صنعوا من أجلها أحاديث ( نبوبة ) تبشّر مقدما بخلفائهم واستمرار الخلافة العباسية الى قيام الساعة . ولم يتورع ابن الجوزى ( فى المنتظم ) وابن كثير ( فى البداية والنهاية ) والسيوطى ( فى تاريخ الخلفاء ) من ترديد تلك الأحاديث . 

2 ــ انتهى موضوع حصار القسطنطسنية من الأجندة العباسية ، وتحول الصراع الى معارك مستمرة على التخوم بين ( دار السلام ) و ( دار الحرب ) . وفى العصر العباسى الأول كانت الغلبة للعباسيين ، ثم تحول الى صالح البيزنطيين فى العصر العباسى الثانى .

3 ـ تحول مركز الخلافة العباسية الى العراق ، وإسهام الفُرس فى تأسيسها جعل العباسيين يولون وجوههم أكثر شطر آسيا حتى ضاعت منهم الأندلس ثم المغرب ، ثم تونس .. وجعلهم يتشبهون بالأكاسرة ويتأثرون أكثر بالثقافة الفارسية . ومن الطبيعى أن يظهر هذا أكثر بعد مرحلة التأسيس والتوطيد ، أى بعد انقضاء خلافة السفاح وأبى جعفر المنصور .

4 ـ فى مرحلة التأسيس والتوطيد تفوق العباسيون على بنى عمومتهم الأمويين فى القسوة والوحشية فى تعاملهم مع الثائرين عليهم ، حتى لو كان من العلويين الهاشميين . وتفوقوا عليهم فى نكث العهود والتخلص من أقرب اتباعهم لينفرد الخليفة  بالسلطة . ووصل الصراع مبكرا الى داخل البيت العباسى ـ فى خلافة ابى جعفر المنصور . 

5 ـ  كان شعار العباسيين السواد ، جعلوا أعلامهم سوداء حُزنا على من قتلهم الأمويون من الهاشميين ، لذا كان يطلق عليهم وعلى جيوشهم ( المسودة ). وفى المقابل كان من يثور عليهم يرفع راية بيضاء ، ويقال عنه إنه (بيّض ) أى رفع البياض ثائرا على ( المسودة ).

ونعطى بعض التفاصيل  فى خلافة السفاح العباسى ، حسب تتابع السنين :

  132 عام سقوط الدولة الأموية  :

1 ـ فى هذا العام تقلبت الأحوال بقواد مروان بن محمد بعد هزيمته ومقتله ، منهم من رفع البياض ( بيّض ) متحديا العباسيين ، فانهزم ، ومنهم من انضم للعباسيين ، ثم عاد وثار عليهم ، ونفس الحال مع بعض المدن فى الشام وهى مركز الأمويين وشيعتهم .

 خاف حبيب بن مرة المرى من انتقام العباسيين ـ وكان من قواد مروان  ــ فثار عليهم واتبعته بعض من قبائل قيس وغيرهم ، فحاربه القائد عبد الله بن على العباسى ، ثم صالحه ليتفرغ لقتال ابى الورد الكلابى واهل دمشق .

أبو الورد الكلابى كان من قواد مروان ، وقد بايع للعباسيين ، ثم إنقلب عليهم ورفع الشعار الأبيض  وانضمت اليه مدينة قنسرين ، ثم مدينة دمشق وقام أهلها بقتال الوالى العباسى (وقتلوا من أصحابه مقتلةً عظيمة )  ، وانضم الى أبى الورد أهالى حمص وتدمر ، وقادهم حفيد لمعاوية بن أبى سفيان جعلوه ( السفيانى المنتظر ).!. وهزموا القائد العباسى عبد الصمد بن على وقتلوا ألوفا من جيشه ، فهرب الى أخيه عبد الله بن على . وتولى قتالهم عبد الله بن على بنفسه ، فهزمهم وبايعوه ، ثم تحرك نحو دمشق فهرب معظم أهلها ، فدخلها بلا قتال ، وبايعه من فيها. 

وخلع أهل الجزية الخليفة السفاح ورفعوا الراية البيضاء ( راية الثورة ) وتمكن ابو جعفر ( الذى تولى الخلافة باسم المنصور ) من إخضاعهم بعد عدة معارك .

2 ـ كان يزيد بن هبيرة والى العراق لمروان ـ وقبل هزيمة مروان فى موقعة الزاب ــ انهزم ابن هبيرة  أمام قحطبة بن شبيب القائد العباسى فانسحب الى واسط وتحصن بها ومعه خزائن الأموال .  ثم بعث الداعية العباسى أبو سلمة الخلال بجيش يقوده الحسن بن قحطبة فلقى جيش ابن هبيرة وهزمه ، فرجع ابن هبيرة الى واسط ، فحاصره فيها العباسيون . وطال عليهم الحصار وعلموا بمقتل مروان وحدث نزاع بين اليمانية والنزارية من جنود يزيد بن هبيرة فطلب الصلح مع عقد الأمان من أبى جعفر ( المنصور ) . وكتب له أبو جعفر عهد أمان ،  : ( وكتب به كتاباً ، مكث ابن هبيرة يشاور فيه العلماء أربعين يوماً حتى رضيه ، فأنفذه إلى أبي جعفر، فأنفذه أبو جعفر إلى أخيه السفاح فأمره بأمضائه...) ووفد ابن هبيرة على أبى جعفر بألف وثلثمائة من أتباعه يحيطون به . ثم صار أبو جعفر يخفّض عدد حراس ابن هبيرة حتى أصبحوا ثلاثة ، ثم جاء أمر السفاح لأخيه أبى جعفر بقتل ابن هبيرة ، استخلاص أمواله . وخرّ ابن هبيرة ساجدا حين دخلوا ليقتلوه ، فقتلوه ساجدا . وضاع الأمان المكتوب هباءا منثورا .!

3 ـ ـ وتخلص السفاح من إثنين من دعاته ، وهما أبو سلمة الخلال وسليمان بن كثير ، أمر السفاح قائده  أبا مسلم بإغتيالهما . وقتلهما ابو مسلم . وفيما بعد قتل ابو جعفر المنصور أبا مسلم الخراسانى. وأمر أبو مسلم بقتل ولاة فارس الذين عينهم أبو سلمة الخلال . وقام بذلك محمد بن الأشعث الوالى الجديد الذى عينه أبو مسلم . والعادة السيئة للمستبد انه عندما يصل الى الحكم يبادر بقتل أعوانه الذين ساعدوه على الوصول للحكم حتى لا يشاركه احد فى سلطانه. هى عادة سيئة فى الشرق وفى الغرب ، ولكن من العار أن تأتى ممّن يزعم الخلافة والهداية .

4 ــ مذبحة الموصل : كره أهل الموصل الوالى العباسى محمد بن صول لأنه من الموالى وليس عربيا ، فأخرجوه عنهم . وهم لم يخلعوا الطاعة. ولكن السفاح أرسل اليهم أخاه يحيى بجيش من 12 الفا . ودخل يحيى العباسى الموصل  بلا مقاومة من أهلها .  ثم إرتكب فيها مذبحة مروعة شملت الأطفال والنساء . تقول الرواية عن دخوله الموصل سلميا : (   فنزل قصر الإمارة بجانب مسجد الجامع، ولم يظهر لأهل الموصل شيئاً ينكرونه ولم يعترض فيما يفعلونه، ثم دعاهم فقتل منهم أثني عشر رجلاً، فنفر أهل البلد وحملوا السلاح، فأعطاهم الأمان، وأمر فنودي: من دخل الجامع فهو آمن؛ فأتاه الناس يهرعون إليه، فأقام يحيى الرجال على أبواب الجمع، فقتلوا الناس قتلاً ذريعاً أسرفوا فيه، فقيل: إنه قتل فيه أحد عشر ألفاً ممن له خاتم وممن ليس له خاتم خلقاً كثيراً.فلما كان الليل سمع يحيى صراخ النساء اللاتي قتل رجالهن، فسأل عن ذلك الصوت فأخبر به، فقال: إذا كان الغد فاقتلوا النساء والصبيان. ففعلوا ذلك، وقتل منهم ثلاثة أيام، وكان في عسكره قائد معه أربعة آلاف زنجي، فأخذوا النساء قهراً ( أى إغتصبوهن ) . فلما فرغ يحيى من قتل أهل الموصل في اليوم الثالث ركب اليوم الرابع وبين يديه الحراب والسيوف المسلولة، فاعترضته امرأة وأخذت بعنان دابته، فأراد أصحابه قتلها فنهاهم عن ذلك، فقالت له: ألست من بني هشام؟ ألست ابن عم رسول الله، صلى الله عليه وسلم؟ أما تأنف للعربيات المسلمات أن ينكحهن الزنج؟ فأمسك عن جوابها وسيّر معها من يبلغها مأمنها، وقد عمل كلامها فيه. فلما كان الغد جمع الزنج للعطاء، فاجتمعوا، فأمر بهم فقتلوا عن آخرهم.) . نترك للقارىء التأمل بحسرة فى هذه المصيبة العباسية .!!

عام 133

1 ـ  ( قتل داود بن علي من ظفر به من بني أمية بمكة والمدينة، ولما أراد قتلهم قال له عبد الله بن الحسن بن الحسن: "يا أخي إذا قتلت هؤلاء فمن تباهي بملكه؟ أما يكفيك أن يروك غادياً ورائحاً فيما يذلهم ويسؤهم؟ " . فلم يقبل منه وقتلهم.)

2 ـ  إعادة فتح شمال أفريقيا :( توجه محمد بن الأشعث إلى إفريقية فقاتل أهلها قتالاً شديداً حتى فتحها. )

3 ـ ثورة على الظلم العباسى : ( خرج شريك بن شيخ المهري ببخارى على أبي مسلم ونقم عليه، وقال: " ما على هذا اتبعنا آل محمد، أن نسفك الدماء وأن يعمل بغير الحق! " . وتبعه على رأيه أكثر من ثلاثين ألفاً، فوجه إليه أبو مسلم زياد بن صالح الخزاعي فقاتله، وقتله زياد.). هذا خبر آخر يستحق التأمل .!

4 ـ قتل بعد إعطاء الأمان : ( قتل عبد الرحمن بن يزيد بن المهلب بالموصل، قتله سليمان الذي يقال له الأسود بأمان كتبه له.). كتب له أمانا ، ثم نكث بالعهد و قتله .!

5 ـ غزو وحروب مع دار الحرب ( بيزنطة ) : توجه ( صالح بن علي سعيد بن عبد الله ليغزو الصائفة وراء الدروب. ) وحاصر  قسطنطين البيزنطى ( ملطية ) بعد أن هزم جيشا عباسيا ، وطلب من أهل ملطية الجلاء عنها والعودة الى ( بلاد المسلمين ) فرفضوا ثم أذعنوا :  (  .. فأرسل قسطنطين إلى أهل ملطية: إني لم أحصركم إلا على علم من المسلمين واختلافهم، فلكم الأمان وعودون إلى بلاد المسلمين حتى أحترث ملطية. فلم يجيبوه إلى ذلك، فنصب المجانيق، فأذعنوا ، وسلموا البلاد على الأمان وانتقلوا إلى بلاد الإسلام وحملوا ما أمكنهم حمله، وما لم يقدروا على حمله ألقوه في الآبار والمجاري.فلما ساروا عنها أخربها الروم ورحلوا عنها عائدين، وتفرق أهلها في بلاد الجزيرة. ). هذا ما يذكره ابن الأثير فى تاريخه الكامل .  ويقول ابن الجوزى فى تاريخ المنتظم   :(  أقبل طاغية الروم فنزل على ملطية فقاتلوه قتالًا شديدًا ثم نزلوا على أمان ، فهدم المدينة والمسجد الجامع ودار الإمارة ، ووجه مع المسلمين خيلًا حتى بلغتهم مأمنهم‏.‏ ) . لم يغدر بهم .!    
6 ـ حرب أخرى مع ( دار الحرب ) فى أقصى الشرق : القائد العباسى يحاصر عاصمة ( الختل ) ويرحل عنها صاحبها الى فرغانة ،  ( ..حتى انتهوا إلى أرض فرغانة، ثم دخلوا بلد الترك وانتهوا إلى ملك الصين، وأخذ أبو داود من ظفر به منهم فبعث بهم إلى أبي مسلم.)

 7 ــ زياد بن صالح  يهزم جيشا لملك الشاش وملك الصين (   فالتقوا على نهر طراز فظفر بهم المسلمون وقتلوا منهم زهاء خمسين ألفاً وأسروا نحو عشرين ألفاً وهرب الباقون إلى الصين . )

 عام 134 :

1 ـ إنشقّ بسام بن ابراهيم عن السفاح ومعه جماعة فأرسل اليهم السفاح خازم بن خزيمة فقتله وأصحابه ، وفى الطريق لقى خازم جماعة من بنى الحارث أخوال السفاح ، فتشاتم معهم ، فقتلهم ونهب أموالهم ، وكاد السفاح أن يقتله ، ثم إختار أن يبعثه لقتال الخوارج فى عُمان وجزيرة بركاوان . ورسى خازم بسفنه على جزيرة بركوان وهاجم قائد الخوارج شيبان وهزمه فهرب الى عُمان ، وفيها خوارج من الصُفرية يتزعمهم الجلندى ، فهزمهم خازم (فحمل عليهم خازم وأصحابه فوضعوا فيهم السيف فقتلوهم وقتلوا الجلندى فيمن قتل، وبلغ عدة القتلى عشرة آلاف، وبعث برؤوسهم إلى البصرة، فأرسلها سليمان إلى السفاح  )

2 ـ   غزو ( كش ) : كان ملكها الأخريد على الطاعة ، ولكن طمع العباسيون فى ثروته ، فأرسلوا اليه حملة يقودها خالد بن ابراهيم ، فقتلوا الملك ( الاخريد ) :  ( فقتل الاخريد ملكها، وهو سامع مطيع، وقتل أصحابه ، وأخذ منهم من الأواني الصينية المنقوشة المذهبة ما لم ير مثلها، ومن السروج ومتاع الصين كله من الديباج والطرف شيئاً كثيراً فحمله إلى أبي مسلم وهو بسمرقند، وقتل عدة من دهاقينهم، واستخلف ( طاران  ) أخا الأخريد وملّكه على كش؛ وانصرف أبو مسلم إلى مرو بعد أن قتل في أهل الصغد وبخارى . ) 

3 ـ كان  منصور بن جمهور مستوليا على ( السند ) فأرسل السفاح حملة هزمته وقتلته.   

عام 135

 1 ـ إنشقّ عن السفاح القائد زياد بن صالح ، وراء النهر، فسار أبو مسلم من مرو مستعداً للقائه، وتخلى عن زياد بعض قواده وانضموا الى أبى مسلم ، فهرب زياد الى دهقان هناك ، فقتله الدهقان ، وبعث برأسه الى أبى مسلم .

2 ـ غزا عبد الله بن حبيب جزيرة صقلية وغنم بها وسبى وظفر بها ما لم يظفره أحد قبله بعد أن غزا تلمسان.  ووقعت الفتنة بين العباسيين والبربر فاستعاد الروم صقلية ( وعمروها افيها الحصون والمعاقل وصاروا يخرجون كل عام مراكب تطوف بالجزيرة وتذب عنها، وربما طارقوا تجاراً من المسلمين فيأخذونهم.)
  عام 136 :

موت السفاح  : (وكان له يوم مات ثلاث وثلاثون سنة، وقيل: ست وثلاثون، وقيل: ثمان وعشرون سنة. وكانت ولايته من لدن قتل مروان إلى أن توفي أربع سنين   ). هل هى موتة طبيعية ؟

 الغريب أنه بموت السفاح كان العهد لأخيه أبى جعفر المنصور ثم من بعده لموسى  بن عيسى مكتوبا وفى يد موسى بن عيسى ، فتمت البيعة لهما سريعا ، يقول ابن الجوزى : (   عقد أبو العباس لأخيه أبي جعفر بالخلافة من بعده وجعله ولي عهده ومن بعد أخيه جعفر عيسى بن موسى بن محمد بن علي ، وكتب العهد بذلك وصيره في ثوب وختم عليه بخاتمه وخواتيم أهل بيته ، ودفعه إلى عيسى بن موسى‏.‏)

كان ابو جعفر هو الأخ الأكبر للسفاح ، وتقدمه السفاح لأن أمه كانت عربية بينما كانت أم أبى جعفر جارية ، وأبو جعفر ( المنصور ) أشد خلفاء بنى العباس دهاءا ومكرا وأعرقهم وأعرفهم بالتآمر ونكث العهود . لذا لا نستبعد أن يكون قد قنل أخاه الأصغر سريعا ، وساعده فى التآمر عيسى بن موسى ، الذى كوفىء ( مؤقتا  ) بولاية العهد بعد أبى جعفر ، ثم قهره أبو جعفر و خلعه من ولاية العهد .

ونلتقى بأبى جعفر المنصور ومسلسل الدماء .

 

 أخيرا : حتى لايضيع منا طرف الخيط :

 نذكركم بعنوان الكتاب : ( مسلسل الدماء فى تاريخ الخلفاء ـ الأصل التاريخى لتقسيم العالم فى عصر الخلفاء الى :" دار السلام ودار الحرب ")

الأصل التاريخى لتقسيم العالم الى ( دار السلام ودار الحرب ).

ونذكركم :

1 ـ بأن الله جل وعلا لم يخلق البشر ليكونا معسكرين متحاربين ، بل خلق البشر جميعا  أخوة من أب واحد وأم واحدة ، وجعلهم شعوبا وقبائل كى يتعارفوا سلميا ، لا لكى يتقاتلوا ، يقول جل وعلا يخاطب البشر جميعا : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13) الحجرات )

2 ـ إن الله جل وعلا أرسل رسوله بالقرآن الكريم رحمة للعالمين وليس لقتال العالمين ، يقول جل وعلا : ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (107) الأنبياء )

3 ـ إن الله جل وعلا أمر المؤمنين بالدخول فى السلام كافة ، فقال جل وعلا : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (208) البقرة ). وتشريعات القتال الدفاعية هى إستثناء يخدم السلام .  ولكن الصحابة إتبعوا خطوات الشيطان بالفتوحات ، وجعلوها دينا ، نتج عنه تقسيم العالم الى معسكرين متحاربين ـ حربا مستمرة ، لا يزال الوهابيون يواصلونها حتى اليوم

4 ـ القتال فى الاسلام هو لرد العدوان فقط ، وهذا معنى أن يكون فى سبيل الله جل وعلا . أما القتال المعتدى الذى فعله الصحابة فهو فى سبيل الشيطان ، وليس هناك توسط : إما قتال دفاعى فى سبيل الله جل وعلا ، وإما قتال باغ معتد ظالم يريد الثروة والسلطة ، أى فى سبيل الشيطان . يقول جل وعلا عن نوعى القتال : (الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ  )(76) النساء  )

5 ـ  فى حمامات الدم هذه كانوا يحرصون على تأدية صلاة شكلية ، كانت صلاة شيطانية لأنها لم تكن تنهاهم عن الفحشاء والمنكر بل كانت تأمرهم بالفحشاء والمنكر وتسوّغ لهم سفك الدماء والسلب والنهب والاسترقاق باسم الاسلام العظيم. كانت صلاتهم الشيطانية حربا لرب العزة جل وعلا.!

 

مسلسل الدماء فى عشر سنوات من خلافة أبى جعفر المنصور ( 136 : 145 )

 عام 156

1 ـ حين بويع بالخلافة عام 136 ، أظهر ابوجعفر المنصور لأبى مسلم الخراسانى تخوّفه من عمه ( عبد الله بن على ) فقال له ابو مسلم : ( لا تخفه فأنا أكفيكه إن شاء الله، وإنما عامة جنده ومن معه أهل خراسان وهم لا يعصونني. ). عبد الله بن على هو الأحق بالخلافة لأنه مع أبى مسلم الخراسانى أسسا مُلك بنى العباس ، ولأن أبا جعفر المنصور ـ فى تصورنا ـ هو الذى تخلص من اخيه السفاح بالسم وبالتعاون مع عيسى بن موسى ابن أخيه ـ فالمنتظر ان يخشى من عمه القوى عبد الله بن على ولذا اراد ان يستعين عليه مقدما بقائد يوازيه فى المقدرة الحربية وهو ابو مسلم الخراسانى .

وكان عبد الله بن على يقود جيشا ليغزو الروم ، فلما بلغه موت السفاح والبيعة لأبى جعفر رجع بالجيش وبايع لنفسه . كان عبد الله بن على هو والى الشام ، بينما كان عيسى بن موسى هو والى الكوفة عاصمة العباسيين وقتها ، لذا سلّم عيسى بن موسى  كل خزائن الأموال والدواوين لرفيقه فى المؤامرة أبى جعفر المنصور .

عام 137 :

1 ـ خطب عبد الله بن على فى جيشه معلنا أن السفاح وعد بأن يكون ولى عهده هو من يهزم مروان بن محمد ، وأنه صاحب الحق فى الخلافة ، ووافقه جيشه .وسار بجيشه فحاصر والى حران الذى عينه أبو جعفر المنصور ، فأرسل أبو جعفر المنصور أبا مسلم الخراسانى . وعندما علم عبد الله بن على بقدوم أبى مسلم لحربه خشى من الجنود الخراسانيين فى جيشه أن ينضموا لسيدهم أبى مسلم الخراسانى فاقام لهم مذبحة وقتل منهم 17 ألفا . وانسحب عبد الله الى نصيبين وحاصرها ، وأرسل ابو جعفر المنصور بالحسن بن قحطبة بجيش يساعد أبا مسلم الخراسانى . وكى يخدع عبد الله بن على، فقد بعث ابن قحطبة الى عبد الله يقول له : (  إني لم أومر بقتالك ولكن أمير المؤمنين ولاني الشام فأنا أريدها. فقال من كان مع عبد الله من أهل الشام لعبد الله: كيف نقيم معك وهذا يأتي بلادنا فيقتل من قدر عليه من رجالنا ويسبي ذرارينا؟ ولكن نخرج إلى بلادنا فمنعه ونقاتله. فقال لهم عبد الله: إنه والله ما يريد الشام وما توجه إلا لقتالكم، وإن أقمتم ليأتينكم. فأبوا إلا المسير  إلى الشام، وأبو مسلم قريب منهم، فارتحل عبد الله نحو الشام، وتحول أبو مسلم فنزل في معسكر عبد الله بن علي في موضعه وغوّر ما حوله من المياه وألقى فيها الجيف.وبلغ عبد الله ذلك فقال لأصحابه: ألم أقل لكم؟.! ..فاقتتلوا خمسة أشهر ) . وفى النهاية انهزم جيش عبد الله وهرب ، ولحق بأخيه سليمان بن على والى البصرة فتوارى عنده. ثم  فى عام 138 أخذوا له الأمان من المنصور ، وبايع المنصور .

3 ـ بقى أن يتخلص ابو جعفر المنصور من أبى مسلم الخراسانى ، وكان أبو جعفر يستثقل نفوذ أبى مسلم ويخشاه ، وينقم عليه أنه ( أبو مسلم  ) لا يعطى أبا جعفر حقه من التعظيم . وكان أبو مسلم كريما بينما كان ابو جعفر حريصا ، فإكتسب أبو مسلم الكثير من الأنصار على حساب أبى جعفر . وخطط ابو جعفر للإيقاع به بأن ولاه مصر والشام بما يعنى عزله من خراسان وهى موطنه واساس قوته ، فرفض أبو مسلم وغضب ، وسار الى خراسان مُغاضبا ، فكتب اليه ابو جفر يأمره بالمجىء اليه فرفض . وتوالت الرسل بين ابى جعفر وابى مسلم ، وقيل لأبى مسلم من واحد من أتباعه إنه هو الذى أمرهم بطاعة بنى العباس ، وادرك ابو مسلم تصميم المنصور على تسليمه ،  وكان أبو مسلم قد ترك نائبا عنه يحكم خراسان ، فجعله المنصور ذلك النائب واليا على خراسان مكان أبى مسلم ، وكتب الوالى الجديد لأبى مسلم : (  إنا لم نخرج لمعصية خلفاء الله وأهل بيت نبيه، صلى الله عليه وسلم، فلا تخالفن إمامك ولا ترجعن إلا بإذنه.) فرضى ابو مسلم بالرجوع لأبى جعفر ، ووفد الى المدائن فى ثلاثة آلاف من أتباعه. وأمر ابو جعفر أن يتلقاه الهاشميون وكبار القوم بالترحيب ليشعر بالأمن  . ودخل أبو مسلم على الخليفة ، وكان قد أعدّ رجالا لقتله فقتلوه. تقول الرواية:( وكان أبو مسلم قد قتل في دولته ستمائة ألف صبراً.) .

4 ـ ثورة سنباذ بخراسان يطلب بدم أبي مسلم : كان مجوسيا من أتباع أبى مسلم ، وكثر أتباعه ( وغلب على نيسابور وقومس والري، وتسمى فيوز أصبهبذ،. فلما صار بالري أخذ خزائن أبي مسلم،..، وسبى الحرم، ونهب الأموال ولم يعرض للتجار، وكان يظهر أنه يقصد الكعبة ويهدمها.فوجه إليه المنصور جمهور بن مرار العجلي في عشرة آلاف فارس، فالتقوا بين همذان والري على طرف المفازة، وعزم جمهور على مطاولته، فلما التقوا قدم سنباذ السبايا من النساء المسلمات على الجمال، فلما رأين عسكر المسلمين قمن في المحامل ونادين: وامحمداه! ذهب الإسلام! ووقعت الريح في أثوابهن فنفرت الإبل وعادت على عسكر سنباذ، فتفرق العسكر وكان ذلك سبب الهزيمة، وتبع المسلمون الإبل ووضعوا السيوف في المجوس ومن معهم فقتلوهم كيف شاؤوا، وكان عدد القتلى نحواً من ستين ألفاً، وسبى ذراريهم ونساءهم، ثم قتل سنباذ بين طبرستان وقومس.)
5 ـ ثورة الخارجى : ملبد بن حرملة الشيبانى فى الجزيرة ، وقد هزم عدة جيوش للمنصور ، ثم أعطوه  مائة ألف درهم على أن يكف عنهم . ثم هزمه العباسيون فى العام التالى 138 .

6 ـ ويقول ابن الأثير : ( ولم يكن للناس هذه السنة صائفة لشغل السلطان بحرب سنباذ.) أى إنشغل المنصور عن ارسال حملة صيفية للروم هذا العام . أى اصبحت الحملات (عادة ) سنوية ضد ( دار الحرب ) ، فى الصيف وربما فى الشتاء ، مثل رحلتى الشتاء والصيف. لا يتركونها إلا عند إنشغالهم بالقتال الداخلى داخل ( دار السلام ).

عام 138 :

1 ـ ثورة جمهور بن مرار العجلي فى منطقى الرى الفارسية :استولى جمهور على خزائن أبى مسلم ولم يبعث بها الى المنصور ، فأرسل المنصور جيشا يقوده محمد بن الأشعث قام بمطاردة جمهور من الرى الى أصبهان ، والتقى الجيشان فانهزم جمهور وهرب الى أذربيجان ، ثم قتله جنوده وبعثوا برأسه الى المنصور .

2 ـ قاد ثلاثة من أمراء البيت العباسى ( الصائفة ) فدخلوا ملطية التى كان قد أخربها الروم ، فأصلحوا سورها .

عام 139

1 ـ بعد فراغهم من عمارة ملطية دخل العباسيون غزاة فى أرض الروم ، يقول ابن الأثير : (  ثم غزوا الصائفة من درب الحدث فوغلا في أرض الروم، وغزا مع صالح أختاه أم عيسى ولبابة بنتا علي، وكانتا نذرتا إن زال ملك بني أمية أن تجاهدا في سبيل الله. وغزا من درب ملطية جعفر بن حنظلة المرهاني.) وحدث تبادل للأسرى بين الروم والعباسيين ، ويقول ابن الأثير (  ولم يكن بعد ذلك صائفة فيما قيل إلا سنة ست وأربعين، لاشتغال المنصور بابني عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي. )  أى إن الحروب داخل ( دار السلام ) تعيق إستمرار الحروب ضد ( دار الحرب ) .
2 ـ  دخول عبد الرحمن بن معاوية ( عبد الرحمن الداخل : صقر قريش ) إلى الأندلس:هرب من مذابح العباسيين لأمويين ، واستمر فى الهرب الى أن دخل الأندلس وأقام بها دولته الأموية ، وعجز المنصور عن ملاحقته فكفّ عنه .

2 ـ  أمر المنصور بحبس عمه عبد الله بعد أن أعطاه الأمان. 

عام 140

1 ـ تعمير ملطية بالجنود والسلاح والذخائر ، وتعمير المصيصة. 

عام 141

1 ـ خروج الرواندية ( من أتباع أبى مسلم )على المنصور وكادوا أن يقتلوه ، لولا أن أنقذه معن بن زائدة ، وكان من قواد الأمويين وهاربا من المنصور ، ورضى عنه المنصور وولاه اليمن .

2 ـ ثورة عبد الجبار بخراسان : وقد قتل بعض القواد فى جيشه ، فأراد المنصور إخراجه من خراسان بأن يرسل اليه جيشا من عنده لحرب الروم فرفض متعللا  بالخوف من ضياع خراسان ، ورفض أيضا أن يرسل اليه المنصور جيشا ، فعلم المنصور أنه عازم على ( الخلاف ) ، فأرسل اليه جيشا يقوده ابنه المهدى. وإنضم أهل مرو الى المهدى وحاربوا عبد الجبار ووقع فى الأسر  (.. فاخذه أسيراً، فلما قدم خازم أتاه به فألبسه جبة صوف وحمله على بعير وجعل وجهه مما يلي عجز البعير وحمله إلى المنصور ومعه ولده وأصحابه، فبسط عليهم العذاب حتى استخرج منهم الأموال، ثم أمر فقطعت يدا عبد الجبار ورجلاه وضرب عنقه، وأمر بتسيير ولده إلى دهلك ، وهي جزيرة باليمن، فلم يزالوا بها حتى أغار عليهم الهند فسبوهم فيمن سبوا ثم فودوا بعد ذلك.). وفتح العباسيون بعدها طبرستان .

عام 142

 1 ـ ثورة عيينة بن موسى فى السند ، وعزله وتولية العتكى مكانه

2 ـ نكث الاصبهذ عهده مع العباسيين، وقتل المسلمين فى بلاده ،فأرسل اليه المنصور جيشا يقوده ابو الخصيب الذى إحتال على الأصبهذ ، ودخل الجيش حصن الأصبهذ : ( فقتلوا من في الحصن من المقاتلة وسبوا الذرية ... وكان مع الأصبهببذ سم فشربه فمات .)

عام 143

 ثورة الديلم فى الشرق الفارسى : ( ثار الديلم بالمسلمين فقتلوا منهم مقتلةً عظيمة، فبلغ ذلك المنصور فندب الناس إلى قتال الديلم وجهادهم.) وسار هذا الجيش فى العام التالى يقوده ابن السفاح.
 عام 144 :

 بدء ثورة ( محمد النفس الزكية : محمد بن عبد الله بن الحسن بن على بن أبى طالب )

1 ـ حين إضطرب أمر مروان بن محمد الأموى تشاور الهاشميون فى مكة فيمن يولونه الخلافة ، واتفقوا على البيعة لمحمد النفس الزكية. إشترك العباسيون فى هذا اللقاء السرى وبايعوا محمدا النفس الزكية ، دون أن يقولوا لبنى عمومتهم العلويين أن هناك دعوة لهم تتحرك فى خراسان . بعد تولى السفاح قام ابو جعفر بالحج الى مكة عام 136 وأقلقه أن بعض بنى هاشم قد تخلف عن استقباله ولم يبايعه ، ومنهم محمد النفس الزكية وأخوه ابراهيم  ، وسأل عنهما فلم يجد إجابة ترضيه . كان مهما عنده بعد أن تولى الخلافة أن يأتى اليه محمد النفس الزكية ويبايعه هو وأخوه ابراهيم . ودارت مراسلات وحروب تجسس خفية متبادلة بين المنصور وآل محمد النفس الزكية وأتباعه للعثور على محمد والاتيان به آمنا ليبايع المنصور ، وبلا جدوى .وبذل المنصور أموالا فرقها فى العلويين وقتل وحبس وشتم وسبّ ، وايضا بلا جدوى ، ونجح محمد النفس الزكية من الافلات من المطاردة .

2 ـ  وفى النهاية أمر المنصور بحبس آل محمد النفس الزكية: (  وكانوا: عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي، والحسن وإبراهيم ابني الحسن بن الحسن، وجعفر بن الحسن بن الحسن، وسليمان وعبد الله ابني داود بن الحسن بن الحسن، ومحمد وإسماعيل وإسحاق بني إبراهيم بن الحسن بن الحسن، وعباس بن الحسن بن الحسن بن علي، وموسى ابن عبد الله بن الحسن بن الحسن.فلما حبسهم لم يكن فيهم علي بن الحسن بن الحسن بن علي العابد. فلما كان الغد بعد الصبح إذ قد أقبل رجل متلفف، فقال له رياح: مرحباً بك، ما حاجتك؟ قال: جئتك لتحبسني مع قومي، فإذا هو علي بن الحسن بن الحسن، فحبسه معهم) وحُملوا الى العراق : (وجعلت القيود والسلاسل في أرجلهم وأعناقهم، وجعلهم في محامل بغير وطاء  ) (  ثم إن المنصور أودعهم بقصر ابن هبيرة شرقي الكوفة، وأحضر المنصور محمد بن إبراهيم بن الحسن، وكان أحسن الناس صورةً، فقال له: أنت الديباج الأصغر؟ قال: نعم. قال: لأقتلنك قتلةً لم أقتلها أحداً! ثم أمر به فبني عليه أسطوانة وهو حي فمات فيها.وكان إبراهيم بن الحسن أول من مات منهم، ثم عبد الله بن الحسن ..) (وقيل: إن المنصور أمر بهم فقتلوا ) .

عام 145 : الحرب بين النفس الزكية والعباسيين

1 ـ إستعمل ابو جعفر المنصور الخداع ، فجعل قواده العسكرييين يرسلون الى محمد النفس الزكية للظهور والثورة ويعدونه بالانضمام اليه ، وإغتر محمد النفس الزكية بهذا فدخل المدينة وغلب عليها وأسر عملاء العباسيين فيه ، وأفتى مالك بن أنس لأهل المدينة أنهم بايعوا العباسيين مُكرهين فلا عليهم إن رجعوا عن بيعتهم وبايعوا النفس الزكية .

2 ـ وشاور ابو جعفر المنصور عمه عبد الله بن على ــ وهو محبوس ـ وشاور آخرين ، وكان موجز نصائحهم أن النفس الزكية مهزوم طالما بقى فى الحجاز ، وأرسل المنصور رسالة الى النفس الزكية يعرض عليه الأموال والأمان إن بايع : (ولك عهد الله وميثاقه وذمة رسوله أن أؤمنك وجميع ولدك وإخوتك وأهل بيتك ومن اتبعكم على دمائكم وأموالكم، وأسوغك ما أصبت من دم أو مال، وأعطيك ألف ألف درهم وما سألت من الحوائج، وأنزلك من البلاد حيث شئت، وأن أطلق من في حبسي من أهل بيتك، وأن أؤمن كل من جاءك وبايعك واتبعك أو دخل في شيء من أمرك ثم لا أتبع أحداً منهم بشيء كان منه أبداً، فإن أردت أن تتوثق لنفسك فوجه إلي من أحببت يأخذ لك من الأمان والعهد والميثاق ما تتوثق به، والسلام.) وردّ عليه برسالة ، يقول في بعضها : (  وأنا أعرض عليك من الأمان مثل ما عرضت علي ..  وأنا أولى بالأمر منك وأوفى بالعهد، لأنك أعطيتني من الأمان والعهد ما أعطيته رجالاً قبلي، فأي الأمانات تعطيني؟ أمان ابن هبيرة أم أمان عمك عبد الله بن علي أم أمان أبي مسلم؟ ) .

3 ـ أرسل المنصور أبن أخيه وولى عهده عيسى بن موسى فى حملة الى المدينة لقتال محمد النفس الزكية ، (  وقال المنصور لما سار عيسى: " لا أبالي أيهما قتل صاحبه".). وحين إقترب الجيش العباسى إستشار محمد النفس الزكية أصحابه فى خطة الحرب فإختلفوا ، وقبيل المعركة أذن لمن يشاء من أهل المدينة أن يخرج عنها ، فخرج معظم الناس ، وظل هو فى شرذمة قليلة . وأرسل عيسى بن موسى قائد الجيش العباسى لمحمد يقول له : أن المنصور قد آمنه وأهله ، فرفض ، فقال عيسى ( ليس بيننا وبينه إلا القتال ). وصمد محمد النفس الزكية وأصحابه فى القتال ، وحاقت بهم الهزيمة ، وقُتل محمد وجىء برأسه الى عيسى بن موسى ، فأرسل رأسه الى أبى جعفر المنصور  ( فأمر المنصور فطيف برأس محمد في الكوفة وسيره إلى الآفاق. ) . ( وكان قتل محمد وأصحابه يوم الاثنين بعد العصر لأربع عشرة خلت من شهر رمضان. ) . وصلب عيسى بن موسى من بقى من أصحاب محمد : (. وأخذ أصحاب محمد فصلبهم ما بين ثنية الوداع إلى دار عمر بن عبد العزيز صفين  ) وصادر عيسى بن موسى أموال بنى الحسن .

 هزيمة ومقتل  ابراهيم أخ محمد النفس الزكية :

1 ـ تواعد الأخوان على الثورة فى وقت واحد ، أحدهما فى المدينة والآخر فى العراق . وهرب ابراهيم  متنقلا بين البلاد تطارده عيون أبى جعفر المنصور ، ثم دخل البصرة وغلب عليها ، (  فصفت له البصرة، ووجد في بيت مالها ألفي ألف درهم، فقوي بذلك وفرض لأصحابه لكل رجل خمسين خمسين.) وجاءه نبأ هزيمة أخيه محمد ومقتله فسار على رأس جيش لمقاتلة المنصور ، وكان ( وكان المنصور بظاهر الكوفة..في قلةٍ من العساكر . ) واستنجد المنصور بعساكره فأتوه ، وولى عليهم عيسى بن موسى وابن قحطبة ، واصطدم الجيشان ، وانتصر جيش ابراهيم فى البداية ، وهرب ابن قحطبة وثبت عيسى بن موسى ، وانتهت الحرب بهزيمة ابراهيم وقتله . ( وحمل رأس إبراهيم إلى المنصور فوضع بين يديه، فلما رآه بكى حتى خرجت دموعه على خد إبراهيم ثم قال: أما والله إني كنت لهذا كارهاً! ولكنك ابتليت بي وابتليت بك! ).

4 ــ (  خرجت الترك والخزر بباب الأبواب فقتلوا من المسلمين بأرمينية جماعة كثيرة.)

 

 أخيرا : حتى لايضيع منا طرف الخيط :

 نذكركم بعنوان الكتاب : ( مسلسل الدماء فى تاريخ الخلفاء ـ الأصل التاريخى لتقسيم العالم فى عصر الخلفاء الى :" دار السلام ودار الحرب ")

الأصل التاريخى لتقسيم العالم الى ( دار السلام ودار الحرب ).

ونذكركم :

1 ـ بأن الله جل وعلا لم يخلق البشر ليكونا معسكرين متحاربين ، بل خلق البشر جميعا  أخوة من أب واحد وأم واحدة ، وجعلهم شعوبا وقبائل كى يتعارفوا سلميا ، لا لكى يتقاتلوا ، يقول جل وعلا يخاطب البشر جميعا : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13) الحجرات )

2 ـ إن الله جل وعلا أرسل رسوله بالقرآن الكريم رحمة للعالمين وليس لقتال العالمين ، يقول جل وعلا : ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (107) الأنبياء )

3 ـ إن الله جل وعلا أمر المؤمنين بالدخول فى السلام كافة ، فقال جل وعلا : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (208) البقرة ). وتشريعات القتال الدفاعية هى إستثناء يخدم السلام .  ولكن الصحابة إتبعوا خطوات الشيطان بالفتوحات ، وجعلوها دينا ، نتج عنه تقسيم العالم الى معسكرين متحاربين ـ حربا مستمرة ، لا يزال الوهابيون يواصلونها حتى اليوم

4 ـ القتال فى الاسلام هو لرد العدوان فقط ، وهذا معنى أن يكون فى سبيل الله جل وعلا . أما القتال المعتدى الذى فعله الصحابة فهو فى سبيل الشيطان ، وليس هناك توسط : إما قتال دفاعى فى سبيل الله جل وعلا ، وإما قتال باغ معتد ظالم يريد الثروة والسلطة ، أى فى سبيل الشيطان . يقول جل وعلا عن نوعى القتال : (الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ  )(76) النساء  )

5 ـ  فى حمامات الدم هذه كانوا يحرصون على تأدية صلاة شكلية ، كانت صلاة شيطانية لأنها لم تكن تنهاهم عن الفحشاء والمنكر بل كانت تأمرهم بالفحشاء والمنكر وتسوّغ لهم سفك الدماء والسلب والنهب والاسترقاق باسم الاسلام العظيم. كانت صلاتهم الشيطانية حربا لرب العزة جل وعلا.!

 

 

مسلسل الدماء فى خلافة ابى جعفر المنصور من عام 146 الى وفاته فى 158

مقدمة :

1 ـ إشتهر أبوجعفر المنصور بنقض عهوده ، يعطى الأمان ثم ينفضه . وليس هذا من صفات المؤمنين بل هى من سمات الكافرين ( المؤمنون 8، الأنعام 152 الاسراء 34،  النحل 91 ، التوبة 8 : 10 ، الرعد  20 / 25  ). وقد عرضنا لنماذج من غدره بمن أعطاهم الأمان .

ودفع عبد الله بن المقفع حياته ثمنا لغدر المنصور ، قتلوه بعد تعذيب هائل عام 144 ، لأنه كتب صيغة مشددة فى كتاب الأمان الذى كان لعبد الله بن على العباسى . تقول الرواية : (وكان ابن المقفع قد كتب كتاب أمير المؤمنين لعبد الله بن علي ، وكتب فيه‏:‏  " ومتى غدر أمير المؤمنين بعمّه عبد الله فنساؤه طوالق ودوابه حبس وعبيده أحرار والمسلمون في حلّ من بيعته "‏.‏ فاشتد ذلك على المنصور فكتب إلى سفيان بن معاوية وهو أمير البصرة فقتله‏. ) وفى روايات أخرى أكثر تفصيلا : (‏ لما قرأ المنصور الأيمان الذي كتبه ابن المقفع قال‏:‏ " من كتب هذا "  ؟  فقيل‏:‏ " رجل يقال له عبد الله بن المقفع يكتب لعميك سليمان وعيسى ابني علي بالبصرة " . فكتب إلى عامله بالبصرة‏:‏ " لا يفلتنك ابن المقفع حتى تقتله "‏.‏ فاستأذن يومًا عليه مع وجوه أهل البصرة فأخر سفيان إذنه وأذن لمن كان معه قبله ثم أذن له فلما صار بالدهلز عدل به إلى حجرة فقتل فيها وخرج القوم فرأوا غلمانه فسألوهم عنه فقيل‏:‏ دخل بعدكم فخاصم سليمان وعيسى ابنا علي سفيان بن معاوية المهلبي وأشخصاه إلى المنصور وقامت البينة العادلة بأن ابن المقفع دخل دار سفيان سليمًا ولم يخرج منها‏.‏ فقال المنصور‏:‏ أنا أنظر في هذا وأقيده به‏.‏ ووعدهم الغد فجاء سليمان ليلًا فقال‏:‏ يا أمير المؤمنين اتق الله في صنيعك ومتبع أمرك أن تجري قتله علي‏.‏ قال‏:‏ لا ترع واحضر‏.‏ فحضر وقامت البينة‏.‏ فقال المنصور‏:‏ " أرأيتم إن قتلت سفيان بن معاوية بابن المقفع ثم خرج ابن المقفع عليكم من هذا الباب وأومأ إلى باب خلفه من ينصب لي نفسه حتى أقتله مكان سفيان."؟ فرجعوا كلهم عن الشهادة واندفع الأمر‏.‏ ) وعن كيفية قتله يروى المدائنى أنه كانت هناك خصومة بين ابن المقفع وسفيان المهلبى والى الكوفة ، فانتهزها فرصة ليقتل ابن المقفع بعد تعذيب هائل بقطع أعضائه حيّا وحرقها بالنار  ، تقول الرواية : (  فأمر بتنور فسجر حتى إذا حمي أمر أن تقطع أعضاؤه، فكلما قطعوا عضوًا قال‏:‏ ألقوه في النار‏.‏فيلقونه وهو ينظر إليه حتى أتى على جميع جسده . ثم أطبق التنور. ..)   وكان ابن المقفع آية فى الذكاء والفصاحة والحكمة .! وهو من ترجم أو كتب ( كليلة ودمنة ) ملأه حكمة بصورة رمزية .

2 ـ واشتهر المنصور بحرصه على المال ، حتى أطلقوا عليه لقب ( أبو الدوانيق ) والدانق هو أصغر جزء من الدرهم ، وهذا لأنه كان يحاسب ولاته ويدقق معهم على كل درهم . وبسبب حرصه يمكن تفسير معظم حركات التمرد فى عصره ، وقد سبق أن علاقته ساءت بأبى مسلم الخراسانى ، ومن أسبابها طمع المنصور فى ثروة أبى مسلم . وهذا الأبو مسلم جمع كنوزا هائلة خلال إستيلائه على أقاليم الشرق من تخوم الصين الى خراسان ، واحتفظ بها لنفسه . وعندما هزم أبو مسلم ( عبد الله بن على ) واستولى على معسكره ، وجد فيه كما تقول الرواية ( متاعًا كثيرًا وجوهرًا كثيرًا ) ، ومعروف أن عبد الله بن على استولى عليها من معسكر مروان بن محمد بعد أن هزمه فى موقعة الزاب ، واستولى أيضا على كنوز بنى امية فى دمشق وغيرها. كل هذا وقع فى يد أبى مسلم الخراسانى بعد أن هزم عبد الله . وقبل أن يهنأ أبو مسلم بهذه الغنائم ، اسرع أبو جعفر المنصور فأرسل ملاه أبا الخصيب ليحصى تلك الأموال ، فغضب أبو مسلم وشتم أبا جعفر ، وهمّ بقتل أبى الخصيب . 

وبمقتل أبى مسلم الخراسانى أرسل المنصور الى نائب أبي مسلم على أمواله وحواصله بكتاب على لسان أبي مسلم أن يقدم بجميع ما عنده من الحواصل والذخائر والأموال والجواهر، وختم الكتاب بخاتم أبي مسلم، بكماله مطبوعاً بكل فص الخاتم، فلما رآه الخازن استراب في الأمر، وقد كان أبي مسلم قبيل قدومه على المنصور قد قال لخازنه‏:‏ " إذا جاءك كتابي فإن رأيته مختوماً بنصف الفص فامض لما فيه .. وإذا جاءك الكتاب مختوماً عليه بكماله، فلا تقبل ولا تمض ما فيه‏. " فامتنع عند ذلك خازنه أن يقبل ما بعث به المنصور، فأرسل المنصور بعد ذلك إليه من أخذ جميع ذلك وقتل ذلك الرجل الخازن.

وظلت بقية تركة أبى مسلم فى خراسان سببا من أسباب الفتنة . فهذا السنباذ فى خراسان استولى على خزائن أبى مسلم الموجودة فى الرى ، فبعث له المنصور بجيش يقوده جمهور بن مرار العجلى فهزم سنباذ . ثم استولى جمهور بن مرار العجلى على  هذه الخزائن  فى الرى وطمع فيها فخرج على سيده أبى جعفر المنصور ، وانتهى الأمر بقتله . وعبد الجبار طمع فى ثراء خراسان وما تركه أبو مسلم فيها ، وهمّ بالثورة ، وانتهى الأمر بأسره وارساله الى المنصور : (فبسط عليهم العذاب حتى استخرج منهم الأموال  ) .

وكان يكفى إتهام أحدهم بالثراء وجمع المال وتخبئته ليقع بين براثن المنصور ، وهذا كان مصير خالد أخى أبي أيوب بالأهواز ، أخبروا المنصور أنه قد (  جمع مالًا عظيمًا فغضب عليه المنصور فحبسه وحبس أخاه خالدًا وبني خيه وقطع أيدي بني أخيه وقتلهم . ) .

وقبيل شهور من موته عام 158 ، فرض المنصور على ( خالد بن برمك ) 3 مليون درهم ، بلا ذنب إقترفه ابن برمك . تقول الرواية عن المنصور إنه : (ألزم خالد بن برمك ثلاثة آلاف ألف درهم، وأجله ثلاثة أيام، فإن أحضر المال وإلا قتله ) فاستدان ابنه يحيى الاموال لينقذ أباه . فجمع معظم المال ،( قال: فجمعنا في يومين ألفي ألف وسبعمائة ألف، وبقي ثلاثمائة ألف تبطل الجميع بتعذرها ..).ثم ثار أهل الموصل والجزيرة فاضطر المنصور  أن يعفو عن بقية المال ( 300 الف ) وأن يعين خالد البرمكى على الموصل وابنه يحيى على آذربيجان .

فى موضوع الأموال كان ابو جعفر المنصور لا تأخذه لومة لائم . لأن المال كان معبوده الأعظم ، وفى المال كان جهاده الأكبر .

 ونعطى تفاصيل أخرى عن جهاد أبى جعفر المنصور فى السنوات الباقية من خلافته ومن حياته .

  عام 146 

1:  انتقال المنصور إلى بغداد  

2 ـ غزا الصائفة هذه السنة جعفر بن حنظلة البهراني.
 3 ـ  ( غزا مالك بن عبد الله الخثعمي، الذي يقال له مالك الصوائف، وهو من أهل فلسطين، بلاد الروم فغنم غنائم كثيرة ثم قفل، فلما كان من درب الحدث على خمسة عشر ميلاً بموضع يدعى الرهوة نزل بها ثلاثاً وباع الغنائم وقسم سهام الغنيمة، فسميت تلك الرهوة رهوة مالك.)، أى غزوة سلب ونهب كالعادة .

عام 147 : 

1 ـ (  أغار أسترخان الخوارزمي في جمع من الترك على المسلمين بناحية أرمينية وسبى من المسلمين وأهل الذمة خلقاً ودخلوا تفليس، وكان حرب مقيماً بالموصل في ألفين من الجند لمكان الخوارج الذين بالجزية، وسير المنصور إلى محاربة الترك جبرائيل بن يحيى وحرب بن عبد الله، فقاتلوهم، فهزم جبرائيل وقتل حرب، وقتل من أصحاب جبرائيل خلقٌ كثير.)
2 ـ بعد أن أبلى ولى العهد عيسى بن موسى بلاءا حسنا عزله عمُّه  ابو جعفر المنصور وولى ابنه المهدى مكانه وليا للعهد . فى البداية طلب منه المنصور التنازل عن ولاية العهد فقال : ( يا أمير المؤمنين كيف بالأيمان علي وعلى المسلمين من العتق والطلاق وغير ذلك؟ ليس إلى الخلع سبيل!) . فتعرض عيسى الى سلسلة من الاهانات والتهديد بالموت ومحاولات القتل ، ثم إستسلم فى النهاية وتنازل مقابل مال ( قدره أحد عشر ألف ألف درهم له ولأولاده وأشهد على نفسه بالخلع.) . المال هو معبودهم الأعظم .!!
 3 ـ إغتيال عبد الله بن على بعد إعطائه الأمان : كان المنصور قد أمر عيسى بن موسى أن يقتل عمه عبد الله بن على ، وسافر المنصور الى مكة . وكتب وهو فى الطريق يستعلم من عيسى هل قتل عبد الله أم لا ، فكتب اليه أنه قد قتله. ولكن عيسى لم يقتله ،أخفاه عنده خوفا من مكر عمه أبى جعفر. ورجع المنصور فأوعز الى أعمامه أُخوة عبد الله بن على أن يشفعوا فى عبد الله بن على ، فى مجلس عام ، تقول الرواية : (  فلما قدم المنصور وضع على أعمامه من يحرّكهم على الشفاعة في أخيهم عبد الله، ففعلوا وشفعوا، فشفعهم ) أى إستجاب لهم وعفا عن عبد الله (  وقال لعيسى: إني كنت دفعت إليك عمي وعمك عبد الله ليكون في منزلك، وقد كلمني عمومتك فيه، وقد صفحت عنه فأتنا به.قال: يا أمير المؤمنين ألم تأمرني بقتله؟ فقتلته! قال: ما أمرتك! قال: بلى أمرتني. قال: ما أمرتك إلا بحبسه وقد كذبت! ثم قال المنصور لعمومته: إن هذا قد أقر لكم بقتل أخيكم، قالوا: فادفعه إلينا نقيده به. فسلمه إليهم،) أى أعطاهم عيسى بن موسى ليقتلوه قصاصا ، وفعلا كادوا يقتلونه ، تقول الرواية : ( وخرجوا به إلى الرحبة، واجتمع الناس وشهر الأمر، وقام أحدهم ليقتله، فقال له عيسى: أفاعل أنت؟ قال: إي والله! قال: ردوني إلى أمير المؤمنين. فردوه إليه. فقال له: إنما أردت بقتله أن تقتلني. هذا عمك حي سوي. قال: ائتنا به. فأتاه به. قال: يدخل حتى أرى رأيي؛ ثم انصرفوا،) ونجا عيسى بن موسى . وعاد عبد الله بن على الى سجن خاص فقتله ابو جعفر المنصور بطريقة عجيبة ، بنى له بيتا اساسه من ملح ، وأجرى عليه الماء فاغرقه ، تقول الرواية : (  ثم أمر به فجعل في بيت أساسه ملح وأجرى الماء في أساسه فسقط عليه، فمات. )

عام 148 :

1 ـ ثورة الخارجى ابن مجالد الهمدانى ، واهل الموصل ، (  فخرج إليه عسكر الموصل، وعليها الصقر بن نجدة، وكان قد وليها بعد حرب بن عبد الله، فالتقوا واقتتلوا وانهزم عسكر الموصل على الجسر، وأحرق الخوارج أصحاب حسان السوق هناك ونهبوه.) . وانضم أهل الموصل الى الثورة ، ولم ينسوا ما فعله بهم العباسيون ، واستشار المنصور الفقهاء ـ ومعهم أبو حنيفة ، وقد وافق ( فقهاء السلطة ) أبا جعفر المنصور على قتل أهل الموصل ، ولم يوافقه أبوحنيفة . كانت حجة المنصور أن أهل الموصل سلّموا للمنصور أنهم غذا ثاروا عليه تكون دماؤهم وأموالهم حلالا له . ورفض ابو حنيفة هذه الحُجة ، لأنهم لا يملكون التفريط فى حياتهم ولا فى أموالهم ، بدليل أن المرأة لا تملك  جسدها ــ  فى الشرع ــ حتى تتصرف فيه بالزنا. وأُفحم المنصور . تقول الرواية : ( وعزم المنصور على إنفاذ الجيوش إلى الموصل والفتك بأهلها، فأحضر أبا حنيفة، وابن أبي ليلى، وابن شبرمة، وقال لهم: إن أهل الموصل شرطوا إلي أنهم لا يخرجون عليّ، فإن فعلوا حلت دماؤهم وأموالهم، وقد خرجوا. فسكت أبو حنيفة وتكلم الرجلان وقالا: رعيتك، فإن عفوت فأهل ذلك أنت، وإن عاقبت فبما يستحقون. فقال لأبي حنيفة: أراك سكت يا شيخ؟ فقال: يا أمير المؤمنين أباحوك ما لا يملكون.! أرأيت لو أن امرأة أباحت فرجها بغير عقد نكاح وملك يمين أكان يجوز أن توطأ؟ قال: لا!. وكف عن أهل الموصل . وأمر أبا حنيفة وصاحبيه بالعود إلى الكوفة.) . ونقم المنصور على أبى حنيفة ، وقتله بالسم عام 150 .
 2ـ  ولّى أبو جعفر المنصور ( الأغلب بن سالم ) قائدا على الجيش وولاه ( أفريقيا ) ، وخرج الحسن بن حرب فى تونس ، فحاربه الأغلب ، وانتهى الأمر بقتل الأغلب وقتل الحسن بن حرب .!!

عام 149 :

1 ـ ( غزا العباس بن محمد الصائفة أرض الروم ومعه الحسن بن قحطبة ومحمد بن الأشعث، فمات محمد في الطريق.)
 عام 150

1 ـ ثورة أستاذ سيس فى  ( هراة وباذغيس وسجستان وغيرها من خراسان، وكان فيما قيل في ثلاثمائة ألف مقاتل، فغلبوا على عامة خراسان، وساروا حتى التقوا هم وأهل مرو الروذ، فخرج إليهم الأجشم المروروذي في أهل مرو الروذ فقاتلوه قتالاً شديداً، فقتل الأجشم وكثر القتل في أصحابه وهزم عدة من القواد )  وأرسل اليهم المنصور ابنه ولى عهده المهدى ومعه القائد خازم بن خزيمة ، وفى النهاية انهزم استاذسيس ، يقول ابن الأثير : ( فهزموهم ووضعوا فيهم السيوف، فقتلهم المسلمون فأكثروا، وكان عدد من قتل سبعين ألفاً، وأسروا أربعة عشر ألفاً، ونجا أستاذ سيس إلى جبل في نفر يسير، فحصرهم خازم وقتل الأسرى، ووافاه أبو عون وعمرو ابن سلم ومن معهما، فنزل أستاذ سيس على حكم أبي عون، فحكم أن يوثق أستاذ سيس وبنوه وأهل بيته بالحديد، وأن يعتق الباقون وهم ثلاثون ألفاً . )    

2 ـ (ولم يكن للناس في هذه السنة صائفة )
 عام 151 :

1 ـ سار عقبة بن سلم من البصرة- واستخلف عليها نافع بن عقبة- إلى البحرين، فقتل سليمان بن حكيم وسبى أهل البحرين وأنفذ بعض السبي والأسارى إلى المنصور، فقتل بعضهم ووهب الباقين للمهدي.) السبى كان مشروعا فى الاقتتال داخل ( دار السلام ) وليس فقط ( دار الحرب ) ، وكذلك قتل الأسرى .!

.2 ـ  وكان المنصور قد استعمل معن بن زائدة على اليمن، لما بلغه من الاختلاف هناك، فسار إليه وأصلحه. وقصده الناس من أقطار الأرض لاشتهار جوده، ففرق فيهم الأموال، فسخط عليه المنصور،ثم  ولاه سجستان . وفتح معن زابلستان ( وأصاب سبياً كثيراً . ) وقتل بعض الخوارج معن بن زائدة.

3 ـ  غزا الصائفة عبد الوهاب بن إبراهيم العباسى

4 ـ  إضطرابات فى شمال أفريقيا استمرت من هذا العام 151 حتى عام  156 

 تعددت فيها المعارك من طرابلس الغرب الى طنجة والقيروان ، وشارك فيها فرقاء متشاكسون من العباسيين والعرب وقبائل  الأمازيغ (البربر )، والخوارج  الاباضية والخوارج الصفرية وتعددت أسماء القادة من كل طرف فى صراع معقد مركب ، تقول الرواية ( كان بين الخوارج والجنود ( العباسيين ) من لدن عمر بن حفص إلى انقضاء أمرهم ثلاثمائة وخمس وسبعون وقعة.) هذا بين العباسيين والخوارج فقط .  ونستدل علي عُنف المعارك ووحشيتها ببعض السطور ، مثل : (فلما سمع أبو قرة بمسير عمر بن حفص سار هو إلى طبنة فحصرها، فخرج إليه من بها من العساكر وقاتلوه، فانهزم منهم وقتل من عسكره خلق كثير )( وأما أبو حاتم فإنه لما حصر القيروان كثر جمعه ولازم حصارها .. فدام الحصار ثمانية أشهر، وكان الجند يخرجون فيقاتلون الخوارج طرفي النهار حتى جهدهم الجوع وأكلوا دوابهم وكلابهم ولحق كثير من أهلها بالبربر ولم يبق غير دخول الخوارج إليها، فأتاهم الخبر بوصول عمر بن حف من طبنة، فنزل الهريش، وهو في سبعمائة فارس، فزحف الخوارج  إليه بأجمعهم وتركوا القيروان، فلما فارقوها سار عمر إلى تونس، فتبعه البربر، فعاد إلى القيروان مجدادً وأدخل إليها ما يحتاج من طعام ودواب وحطب وغير ذلك، ووصل أبو حاتم والبربر إليه فحصروه، فطال الحصار حتى أكلوا دوابهم، وفي كل يوم يكون بينهم قتال وحرب، فلما ضاق الأمر بعمر وبمن معه قال لهم: الرأي أن أخرج من الحصار وأغير على بلاد البربر وأحمل إليكم الميرة. ) (وفتحت له القيروان، وخرج أكثر الجند إلى طبنة، وأحرق أبو حاتم أبواب القيروان وثلم سورها ) (لما بلغ المنصور ما حل بعمر بن حفص من الخوارج جهز يزيد بن حاتم ابن قبيصة بن أي صفرة في ستين ألف فارس وسيره إلى إفريقية، فوصلها سنة أربع وخمسين ومائة ... فالتقوا في ربيع الأول سنة خمس وخمسين، فاقتتلوا أشد قتال، فانهزمت البربر وقتل أبو حاتم وأهل نجدته، وطلبهم يزيد في كل سهل وجبل فقتلهم قتلاً ذريعاً، وكان عدة من قتل في المعركة ثلاثين ألفاً.. وجعل آل المهلب يقتلون الخوارج ويقولون: يا لثارات عمر بن حفص! وأقام شهراً يقتل الخوارج، ثم رحل إلى القيروان  )  ( .. فسير إليهم يزيد بن حاتم جيشاً فحصروا البربر وظفروا بهم وقتلوا منهم خلقاً كثيراً، وهرب عبد الرحمن وقتل جميع من كان معه . )  (..انتقضت ورفجومة سنة أربع وستين ومائة بأرض الزاب وعليها أيوب الهواري، فسير إليهم عسكراً كثيراً، واستعمل عليهم يزيد بن مجزاء المهلبي، فالتقوا واقتتلوا، فانهزم يزيد وقتل كثير من أصحابه، وقتل المخارق بن غفار صاحب الزاب، فولي مكانه المهلب بن يزيد المهلبي وأمدهم يزيد بن حاتم بجمع كثير، واستخمل عليهم العلاء بن سعيد المهلبي، وانضم إليهم المنهزمون ولقوا ورفجومة واقتتلوا، واشتد القتال، فانهزمت البربر وأيوب وقتلوا بكل مكان حتى أتي على آخرهم. ) (ثم ثار ..أبو يحيى بن فانوس الهواري بناحية طرابلس، فاجتمع عليه كثر من البربر، وكان عسكر ليزيد بن حاتم مع عامل البلد، فخرج العامل والجيش معه، فالتقوا على شاطئ البحر من أرض هوارة، فاقتتلوا قتالاً شديداً، فانهزم أبو يحيى بن فانوس وقتل عامة أصحابه ..) (أنكرت الخوارج الصفرية المجتمعة بمدينة سجلماسة على أميرهم عيسى بن جرير أشياء، فشدوه وثاقاً، وجعلوه على رأس الجبل، فلم يزل كذلك حتى مات، وقدموا على أنفسهم أبا القاسم سمكو بن واسول المكناسي جد مدرار  )

  عام 152

 1 ـ  غزا حميد بن قحطبة  (كابل ). ، وكان قد استعمله المنصور على خراسان سنة إحدى وخمسين.
2 ـ غزا الصائفة عبد الوهاب بن إبراهيم العباسى .  

 

عام 153 :

  غزا الصائفة معيوف بن يحيى الحجوري فوصل إلى حصن من حصون الروم ليلاً وأهله نيام، فسبى وأسر من كان فيه، ثم قصد اللاذقية الخراب فسبى منها ستة آلاف رأس سوى الرجال البالغين.

 

عام 155

1 ـ خدع المنصور أهل البصرة وأهل الكوفة. أراد أن يعرف عددهم ، فأمر بتفريق خمسة دراهم على كل فرد ، وتسجيل أسمائهم ، فجاءوا وتسلموا المال ولم يتخلف منهم أحد ، فلما عرف أسماءهم وعددهم أمر بأن يدفع كل منهم جباية أربعين درهما الفرد ،  فقال الشاعر:

يا لقومي ما لقينا ** من أمير المؤمنينا


قسّم الخمسة فينا ** وجبانا الأربعينا

2 ـ طلب ملك الروم الصلح إلى المنصور على أن يؤدي إليه الجزية.
3 ــ غزا الصائفة يزيد بن أسيد السلمي.  

4 ـ بتهمة الزندقة قتل والى الكوفة  محمد بن سليمان العباسى الداعية العباسى عبد الكريم بن ابى العوجاء ( عميل أبى جعفر المنصور ) وشهرته ( عبد الكريم الوضّاع )  ، تقول الرواية : ( وكان ابن أبي العوجاء قد أرسل إلى محمد بن سليمان يسأله أن يؤخره ثلاثة أيام، ويعطيه مائة ألف، ) أى الى أن يصل موضوعه الى ابى جعفر المنصور. ورفض محمد بن سليمان ، وبادر بقتله . تقول الرواية عن عبد الكريم الوضّاع  : ( فلما أيقن أنه مقتول قال: والله لقد وضعت فيكم أربعة آلاف حديث حللت فيها الحرام، وحرمت فيها الحلال، والله لقد فطرتكم يوم صومكم، وصومتكم يوم فطركم؛ فقتل. ) ( وورد كتاب المنصور إلى محمد يأمره بالكف عنه، فوصل وقد قتله، فلما بلغ قتله المنصور غضب، وقال: والله لقد هممت أن أقيده به! ) أى كان المنصور على وشك أن يقتل ابن عمه قصاصا لأنه قتل هذا الوضّاع ، والوالى الشاب العباسى محمد بن سليمان لم يكن يعلم بالصلة الوثيقة بين ابن أبى العوجاء والخليفة أبى جعفر المنصور . فقد كان للمنصور مجموعة من الفقهاء وصانعى الأحاديث يعملون فى الدعاية للدولة العباسية، وهم الذين وضعوا أحاديث فى عبقرية عبد الله بن عباس ، وفى غيبيات يزعمون فيها أن النبى بشّر ببنى العباس وخلافتهم التى تستمر الى قيام الساعة ، وفيها الحديث عن أسماء خلفاء بنى العباس . ولقد عزل المنصور ابن عمه محمد بن سليمان عن الكوفة عقابا له على قتله ابن أبى العوجاء.

 عام 156
( غزا الصائفة زفر بن عاصم الهلالي.)

عام 157

1 ـ  ( غزا الصائفة يزيد بن أسيد السلمي، فوجه سناناً مولى البطال إلى حصن، فسبى وغنم . )

عام 158

2 ـ  موت المنصور وتولى ابنه المهدى.

 

 أخيرا : حتى لايضيع منا طرف الخيط :

 نذكركم بعنوان الكتاب : ( مسلسل الدماء فى تاريخ الخلفاء ـ الأصل التاريخى لتقسيم العالم فى عصر الخلفاء الى :" دار السلام ودار الحرب ")

الأصل التاريخى لتقسيم العالم الى ( دار السلام ودار الحرب ).

ونذكركم :

1 ـ بأن الله جل وعلا لم يخلق البشر ليكونا معسكرين متحاربين ، بل خلق البشر جميعا  أخوة من أب واحد وأم واحدة ، وجعلهم شعوبا وقبائل كى يتعارفوا سلميا ، لا لكى يتقاتلوا ، يقول جل وعلا يخاطب البشر جميعا : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13) الحجرات )

2 ـ إن الله جل وعلا أرسل رسوله بالقرآن الكريم رحمة للعالمين وليس لقتال العالمين ، يقول جل وعلا : ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (107) الأنبياء )

3 ـ إن الله جل وعلا أمر المؤمنين بالدخول فى السلام كافة ، فقال جل وعلا : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (208) البقرة ). وتشريعات القتال الدفاعية هى إستثناء يخدم السلام .  ولكن الصحابة إتبعوا خطوات الشيطان بالفتوحات ، وجعلوها دينا ، نتج عنه تقسيم العالم الى معسكرين متحاربين ـ حربا مستمرة ، لا يزال الوهابيون يواصلونها حتى اليوم

4 ـ القتال فى الاسلام هو لرد العدوان فقط ، وهذا معنى أن يكون فى سبيل الله جل وعلا . أما القتال المعتدى الذى فعله الصحابة فهو فى سبيل الشيطان ، وليس هناك توسط : إما قتال دفاعى فى سبيل الله جل وعلا ، وإما قتال باغ معتد ظالم يريد الثروة والسلطة ، أى فى سبيل الشيطان . يقول جل وعلا عن نوعى القتال : (الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ  )(76) النساء  )

5 ـ  فى حمامات الدم هذه كانوا يحرصون على تأدية صلاة شكلية ، كانت صلاة شيطانية لأنها لم تكن تنهاهم عن الفحشاء والمنكر بل كانت تأمرهم بالفحشاء والمنكر وتسوّغ لهم سفك الدماء والسلب والنهب والاسترقاق باسم الاسلام العظيم. كانت صلاتهم الشيطانية حربا لرب العزة جل وعلا.!

 

 

مسلسل الدماء فى خلافة المهدى العباسى ( 158 : 169   )

مقدمة عن مستجدات الخليفة المهدى :

1 ــ بعد أبيه الطاغية الذى وطّد الدولة العباسية جاء دور ابنه المهدى ليُريح الناس بعد وحشية أبيه المنصور . خلف له ابوه ثروة بمئات الملايين فقام بتوزيعها بكرم غير مسبوق ، تقول الرواية عنه عام 160 : (  مات المنصور وفي بيت المال شيء لم يجمعه خليقة قط مائة ألف ألف درهم وستون ألف ألف درهم فلما صارت الخلافة إلى المهدي قسم ذلك وأنفقه ) (  وقسم مالاً عظيماً، وكان معه من العراق ثلاثون ألف ألف درهم، ووصل إليه من مصر ثلاثمائة ألف دينار، ومن اليمن مائتا ألف دينار، ففرق ذلك كله، وفرق مائة ألف ثوب وخمسين ألف ثوب ) (  وقسم المهدي في أهل مكة والمدينة مالًا كثيرًا فذكر أنه قسم في تلك السفرة ثلاثين ألف ألف درهم حملت معه ووصل يه من مصر ثلاثة مائة ألف دينار ومن اليمن مائتا ألف دينار قسم كل ذلك كله وفرق من الثياب مائة ألف ثوب وخمسين ألف ثوب .   ورد المهدي على أهل بيته وغيرهم قطائعهم التي كانت مقبوضة عنهم . ) .

وعفا عن كثيرين من ضحايا ابيه ، تقول الرواية عنه عام  : 159:( وفيها أطلق المهدي من كان في حبوس المنصور، إلا من كان عنده تبعة من دم أو مال، أو من يسعى في الأرض بالفساد.). كما قام بإصلاحات الطرق وفى مكة والمدينة والمسجد الحرام ورعاية المساجين .

2 ـ هو بهذا يقترب مما عمله الخليفة الوليد بن عبد الملك ـ والذى جاء أيضا بعد طغيان ووحشية ابيه عبد الملك بن مروان . ولكن يختلف الحال بين الدولتين الأموية والعباسية . الدولة الأموية كانت عسكرية عربية قبلية ( نسبة للقبيلة ) ، وإستغلال الدين فيها كان بسيطا لا يتعدى الجبرية التى عرفتها قريش والتى كانت تبرر معاصيها بأنها إرادة الله .

 أما الدولة العباسية فقد أسّس فيها أبو جعفر المنصور ملامح الدولة الدينية ، ليس فقط بإعلانه أنه خليفة الله وأنه يحكم باسم الله وأنه سلطان الله فى أرضه ، ولكن أيضا فى إعتماده على فقهاء تابعين له يسبكون له الأحاديث ، وهو نفسه كان فقيها من أصحاب الحديث ، وخالط هذا الصنف من البشر ، وكوّن منهم ( ميليشيات ) مدنية تخترع الأحاديث فى دولة بنى العباس ، وأذاعوا أحاديث عن إبنه ( المهدى ) باسمه وصفته . وبدأ بهذا تلقيب الخليفة العباسى بلقب كهنوتى ( المهدى ) ( الهادى ) ( الرشيد ) ثم :( المعتصم بالله ) ( الواثق بالله ) ( المتوكل على الله )..الخ . ولم يكن هذا معروفا فى الدولة الأموية .

وبلقبه الكهنوتى والأحاديث التى صيغت من أجله بدأ الخليفة ( المهدى ) يخفى إدمانه للخمر والنساء بوظيفة جديدة أعطاها لنفسه بإعتباره حامى الدين ، وهى قتل ( الزنادقة ).

مسلسل الدماء فى قتل الزنادقة

1 ـ كان قتل الزنادقة عملا سياسيا . بعد أن قتل المنصور ( أبا مسلم الخراسانى ) ثار أتباعه فى خراسان فى عهد المنصور والمهدى ومن جاء بعدهما ، وكان لأبى مسلم أتباعه داخل البلاط العباسى ، عملوا جواسيس للثوار الخراسانيين . ولهذا إقترن فى الدولة العباسية فى هذه الفترة إرسال جيوش لمحاربة الثائرين الفرس ، بملاحقة أنصارهم وجواسيسهم فى بغداد وما حولها ، وبدلا من قتلهم قتلا مجردا كما كان يفعل السابقون من الأمويين وحتى أبى جعفر المنصور ، إخترع ( المهدى ) بلقبه الكهنوتى أن يقتلهم بسيف الشرع السّنّى ، ومن ثم كان إختراع ما عُرف فيما بعد ب ( حد الردة ) .

2 ـ والغريب أن البلاط العباسى عاش فيه ملحدون حقيقيون كانوا يفخرون بإلحادهم يعتبرونه نوعا من التمدن والتحضر ، وتمتعوا برعاية المهدى لأن ولاءهم كان لدولته بلا أدنى شك ، ومن هؤلاء كان  مطيع بن إياس وحماد عجرد ويحيى بن زياد. زذكر ابن قتيبة في ‏"‏ طبقات الشعراء ‏"‏ قال‏:‏ كان بالكوفة ثلاثة يقال لهم الحمادون‏:‏ حماد عجرد وحماد الراوية وحماد بن الزبرقان النحوي وكانوا يتعاشرون وكانوا كلهم يرمون بالزندقة . ) لم يتعرضوا للقتل ، بينما تعرض آخرون لمسلسل سفد الدماء .

3 ـ وفى عام  161 ، وعندما ساءت علاقة المهدى بوزيره أبى عبد الله أمر بقتل ابن الوزير بتهمة الزندقة .وكان هذا بتدبير الربيع حاجب المهدى والمنافس للوزير أبى عبد الله ، فأقنع المهدى بأن ابن الوزير له علاقة بحريم المهدى ، تقول الرواية إن المهدى إمتحن محمدا ابن الوزير فى حفظ القرآن فلم يجده يحفظ القرآن المهدى : (  فقال لأبيه: ألم تعلمني أن ابنك يحفظ القرآن؟ قال: بلى ولكنه فارقني منذ سنين، وقد نسي. قال: فقم فتقرب إلى الله بدمه، فقام ليقتل ولده، فعثر فوقع، فقال العباس بن محمد: إن رأيت أن يعفي الشيخ، فافعل. فأمر بابنه فضربت عنقه.! )  .

4 ـ فى عام 163 ، وفى جهيزه لغزو الروم ومصاحبته لابنه هارون ( الرشيد ) وحين وصل (حلب ) أمر المهدى بجمع الزنادقة وقتلهم . 

5 ـ وفى عام 166 ( اضطربت خراسان على المسيب بن زهير، فولاها الفضل بن سليمان الطوسي أبا العباس، وأضاف إليه سجستان، فاستخلف على سجستان تميم بن سعيد بن دعلج.) هذا الاضطراب جاء نقمة على كثيرين فى العراق ، إتهموهم بالزندقة ، ومنهم :
( داود بن روح بن حاتم، وإسماعيل بن مجالد، ومحمد بن أبي أيوب المكي، ومحمد بن طيفور) 

6 ـ وفى هذه السنة قتل المهدى الشاعر المشهور بشار بن برد ، وكان بشار وقتها فى أرذل العمر . كان بشار متمتعا بالحظوة ، ولكن لسانه إنطلق فى هجاء المهدى. عن سطوة الوزير يعقوب بن داود  فى خلافة المهدى ومجون المهدى قال بشار بن برد:

بني أميّةً هبّوا طال نومكم **          إنّ الخليفة يعقوب ابن داود

ضاعت خلافتكم يا قوم فالتمسوا **   خليفة الله بين النّاي والعود

وقال فى مجون المهدى :

خليفة يزني بعماته ** يلعب بالدبوق والصولجان

أبدلنا الله به غيره ** ودس موسى في حر الخيزران

( الحر ) هو العضو الجنسى للمرأة . والحيزران هى زوجة المهدى .

7 ـ فى عام 167  . تقول الرواية : ( جدّ المهدي في طلب الزنادقة، فأخذ يزيد بن الفيض، فأقر، فحبس، فهرب، فلم يقدر عليه. وكان المتولي لأمر الزنادقة الكلوذاني.)

8 ـ وفى عام 168  : ( مات عمر الكلوذاني، صاحب الزنادقة، وولي مكانه محمد بن عيسى بن حمدوية، فقتل من الزنادقة خلقاً كثيرا ) وارتبط هذا بحملة أرسلها المهدى الى طبرستان (   وفيها سير المهدي سعيداً الحرشي في أربعين ألفاً إلى طبرستانً.)، أى حارب المهدى عسكريا فى طبرستان ، وتتبع عملاء العدو بالزندقة . وظلت حروب المهدى مع الفرس حتى سنة وفاته عام 169 حين : ( خروج المهدي في المحرم إلى ما سبذان ‏) .

 

مسلسل الدماء بين الداخل ( دار السلام ) والخارج ( دار الحرب )

  عام 158

 مات المنصور فى طريقه الى مكة وبويع المهدى .

وغزا الصائفة معيوف بن يحيى من درب الحدث، فلقي العدو، فاقتتلوا، ثم تحاجزوا. .
 عام 159  : ثورة المقنع الخراسانى

  ظهر المقنع بخراسان، وكان رجلاً أعور، قصيراً، من أهل مرو، ويسمى حكيماً، وكان اتخذ وجهاً من ذهب فجعله على وجهه لئلا يُرى، فسمي المقنع وادعى الألوهية..وكان يقول: إن الله خلق آدم، فتحول في صورته، ثم في صورة نوح،وهكذا إلى أبي مسلم الخراساني ، ثم تحول إلى هاشم، وهاشم، في دعواه، هو المقنع، ويقول بالتناسخ؛ وتابعه خلق من ضلال الناس وكانوا يسجدون له من أي النواحي كانوا، وكانوا يقولون في الحرب: يا هاشم أعنا.واجتمع إليه خلق كثير، وتحصنوا في قلعة بسنام، وسنجردة، وهي من رساتيق كش، وظهرت المبيظة ببخارى والصغد معاونين له، وأعانه كفار الأتراك، وأغاروا على أموال المسلمين.وكان يعتقد أن أبا مسلم أفضل من النبي، صلى الله عليه وسلم....واجتمعوا بكش، وغلبوا على بعض قصورها، وعلى قلعة نواكث، وحاربهم أبو النعمان، والجنيد.. وقتلوا حسان بن تميم بن نصر بن سيار، ومحمد بن نصر وغيرهما.وأنفذ إليهم جبرائيل بن يحيى وأخاه يزيد ..) .   

 عام 160

 خرج يوسف بن إبراهيم، المعروف بالبرم، بخراسان، منكراً هو ومن معه على المهدي سيرته التي يسر بها، واجتمع معه بشر كثير، فتوجه إليه يزيد بن مزيد الشيباني، وهو ابن أخي معن بن زائدة، فلقه، فاقتتلا، حتى صارا إلى المعانقة، فأسره يزيد بن مزبد وبعث به إلى المهدي، وبعث معه وجوه أصحابه، .. وقطعت يدا يوسف ورجلاه، وقتل هو وأصحابه، وصلبوا على الجسر.

  فتح مدينة باربد بالهند :عام 160

1 ـ كان المهدي قد سير، سنة 159، جيشاً في البحر، وعليهم عبد الملك بن شهاب المسمعي إلى بلاد الهند في جمع كثير من الجند والمتطوعة، وفيهم الربيع بن صبيح، فساروا حتى نزلوا على باربد، فلما نازلوها حصروها من نواحيها، وحرص الناس بعضهم بعضاً على الجهاد، وضايقوا أهلها، ففتحها الله عليهم هذه السنة عنوةً واحتمى أهلها بالبلد الذي لهم، فأحرقه المسلمون عليهم، فاحترق بعضهم، وقتل الباقون، واستشهد من المسلمين بضعةٌ وعشرون رجلاً، وأفاءها الله عليهم، فهاج عليهم البحر، فأقاموا إلى أن يطيب، فأصابهم مرض في أفواههم، فمات منهم نحو من ألف رجل فيهمالربيع بن صبيح، ثم رجعوا.
فلما بلغوا ساحلاً من فارس يقال له بحر حمران عصفت بهم الريح ليلاً، فانكسر عامة مراكبهم، فغرق البعض، ونجا البعض.( من الممكن تفسيره بالانتقام الالهى )

2 ـ غزا ثمامة بن العبس الصائفة، وغزا الغمر بن العباس الخثعمي بحر الشام.

3 ـ  وفيها خرج عبد السلام الخارجي بنواحي الموصل.

 عام 161 :  

1 ـ هلاك المقنع:

  سار معاذ بن مسلم وجماعة من القواد والعساكر إلى المقنع، وعلى مقدمته سعيد الحرشي، .. وأوقعوا بأصحاب المقنع، فهزموهم، فقصد المنهزمون إلى المقنع بسنام فعمل خندقها وحصنها، وأتاهم معاذ فحاربهم .... وطال الحصار على المقنع، فطلب أصحابه الأمان سراً منه، فأجابهم الحرشي إلى ذلك، فخرج نحو ثلاثين ألفاً، وبقي معه زهاء ألفين من أرباب البصائر. وتحول رجاء بن معاذ وغيره فنزلوا خندق المقنع في أصل القلعة، وضايقوه.
فلما أيقن بالهلاك جمع نساءه وأهله، وسقاهم السم، فأتى عليهم، وأمر أن يحرق هو بالنار لئلا يقدر على جثته؛ وقيل: بل أحرق كل ما في قلعته من دابة وثوب وغير ذلك، ثم قال: من أحب أن يرتفع معي إلى السماء فليلق نفسه معي في هذه النار! وألقى بنفسه مع أهله، ونسائه، وخواصه، فاحترقوا، ودخل العسكر القلعة، فوجدوها خالية خاوية.وكان ذلك مما زاد في افتتان من بقي من أصحابه، والذين يسمون المبيضة بما وراء النهر من أصحابه، إلا أنهم يسرون اعتقادهم . 

2 ـ المهدى يحاول غزو الاندلس ويفشل :

أرسل المهدى ( عبد الرحمن بن حبيب الفهري) ( ولقبه الصقلبى) من إفريقية فنزل  الأندلس محارباً لهم، ليدخلوا في الطاعة للدولة العباسية، وكان عبوره في ساحل تدمير، وكاتب سليمان بن يقظان بالدخول في أمره، ومحاربة عبد الرحمن الأموي، والدعاء إلى طاعة المهدي.وكان سليمان ببرشلونة، فلم يجبه، فاغتاظ عليه، وقصد بلده فيمن معه من البربر، فهزمه سليمان،  وسار عبد الرحمن الأموي نحوه في العدد والعدة، وأحرق السفن تضييقاً على الصقلبي في الهرب، فقصد الصقلبي جبلاً منيعاً بناحية بلنسية، فبذل الأموي ألف دينار لمن أتاه برأسه، فاغتاله رجل من البربر ، وحمل رأسه إلى عبد الرحمن، فأعطاه ألف دينار.

3 ـ غزا الصائفة ثمامة بن الوليد، فنزل بدابق، وجاشت الروم مع ميخائيل في ثمانين ألفاً، فأتى عمق مرعش، فقتل، وسبى، وغنم، وأتى مرعش فحاصرها، فقاتلهم، فقتل من المسلمين عدة كثيرة.  

4 ـ  وفيها غزا الغمر بن العباس في البحر.

عام 162

1 ـ  قتل الخارجى (عبد السلام بن هاشم اليشكري ) بقنسرين، وكان قد خرج بالجزيرة، فاشتدت شوكته، وكثر أتباعه، وهزم قادة للمهدى  ، فأرسل المهدى جيشا هزم عبد السلام، فهرب ، وقتلوه فى قنسرين .

 2 ـ خرجت الروم إلى الحدث، فهدموا سورها.

3 ــ غزا الصائفة السحن بن قحطبة في ثمانين ألف مرتزق سوى المتطوعة، فبلغ حمة أذرولية، وأكثر التحريق والتخريب في بلاد الروم، ولم يفتح حصناً، ولا لقي جمعاً، وسمته الروم التنين.

4 ـ غزا يزيد بن أسيد السلمي من ناحية قاليقلا، فغنم، وافتتح ثلاثة حصون، وسبى.( واضح أن السبى كان هدفا اساسا لدى أهل ( دار السلام ) لأن نساء الروم مشهورات بالجمال . لهذا إتجهت الغزوات الى حيث توجد الشقراروات الجميلات فى آسيا وفى أوربا . لم تتجه الى شرق أفريقيا ، وهى الأقرب الى العرب .

5 ـ خرجت الخوارج المحمرة بجرجان، عليهم رجل اسمه عبد القهار، فغلب عليها، وقتل بشراً كثيراً، فغزاه عمر بن العلاء من طبرستان، فقتله عمر وأصحابه،  

عام 163

    تجهز المهدي لغزو الروم، فأرسل جيشا يقوده ابنه هارون ( الرشيد ) وشيعه المهدى ، ثم  سار هارون، ومعه كبار القواد  ، فنزلوا على حصن سمالوا، فحصره هارون ثمانية وثلاثين يوماً ونصب عليه المجانيق، ( ففتحه الله عليهم بالأمان، ووفى لهم، وفتحوا فتوحاً كثيرة.  )

عام 164

  غزا عبد الكبير بن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب من درب الحدث، فأتاه ميخائيل البطريق، وطاراذ الأرمني البطريق في تسعين ألفاً، فخاف عبد الكبير، ومنع الناس من القتال، ورجع بهم، فأراد المهدي قتله، فشفع فيه فحبسه.

عام 165 

تقول الرواية : (  سير المهدي ابنه الرشيد لغزو الروم صائفة، في جمادى الآخرة، في خمسة وتسعين ألفاً وتسعمائة وثلاثة وتسعين رجلاً، ومعه الربيع، فوغل هارون في بلاد الروم، ولقيه عسكر لقيظاً قومس القوامسة، فبارزه يزيد بن مزيد الشيباني فأثخنه يزيد وانهزمت الروم، وغلب يزيد على عسكرهم.وساروا إلى الدمستق، وهو صاحب المسالح، فحمل لهم مائة ألف دينار وثلاثة وتسعين ألفاً وأربعمائة وخمسين ديناراً، ومن الورق أحداً وعشرين ألف ألف درهم وأربعة عشر ألفاً وثمانمائة درهم.وسار الرشيد حتى بلغ خليج القسطنطينية، وصاحب الروم يومئذٍ عطسة امرأة أليون، وذلك أن ابنها كان صغيراً قد هلك أبوه وهو في حجرها، فجرى الصلح بينها وبين الرشيد على الفدية، وأن تقيم له الأدلاء والأسواق في الطريق، وذلك أنه دخل مدخلاً ضيقاً مخوفاً، فأجابته إلى ذلك، ومقدار الفدية سبعون ألف دينار كل سنة، ورجع عنها.وكانت الهدنة ثلاث سنين، وكان مقدار ما غنم المسلمون إلى أن اصطلحوا خمسة آلاف رأس سبي رأس وستمائة وثلاثة وأربعين رأساً؛ ومن الدواب الذلل بأدواتها عشرين ألف رأس، وذبح من البقر مائة ألف رأس، وقتل من الروم، في الوقائع، أربعة وخمسون ألفاً، وقتل من الأسارى صبراً ألفان وتسعون أسيراً.) لاحظ تعداد رءوس السبى مثل رءوس الأنعام . ولاحظ قتل الأسرى صبرا ، أى تركهم يموتون جوعا وعطشا وبردا .!!

عام 166

ولم يكن في هذه السنة صائفة، للهدنة التي كانت فيها.

عام 167
1 ـ سار موسى الهادي إلى جرجان في جمع كثير وجهاز لم يتجهز أحد بمثله لمحاربة ونداد هرمز، وشروين، صاحبي طبرستان .

2 ـ  أفسد العرب في بادية البصرة بين اليمامة والبحرين،( أى منطقة نجد الآن ) ، وقطعوا الطريق، وانتهكوا المحارم، وتركوا الصلاة، فأرسل المهدي إليهم جيشاً، فقاتلهم، واشتد القتال، وصبر العرب، فظفروا، وقتلوا عامة العسكر المنفذ إليهم، فقويت شوكتهم وزاد شرهم.  

عام 168

1 ـ في رمضان، نقض الروم الصلح الذي كان بينهم وبين المسلمين، وكان من أوله إلى أن نقضوه اثنان وثلاثون شهراً، فوجه علي بن سليمان، وهو على الجزيرة وقنسرين، يزيد بن البدر بن البطال في خيل، فغنموا وظفروا.

2 ـ  خرج بأرض الموصل خارجي اسمه ياسين من بني تميم، فخرج إليه عسكر الموصل، فهزمهم، وغلب على أكثر ديار ربيعة والجزيرة، وكان يميل إلى مقالة صالح بن مسرح الخارجي، فوجه إليه المهدي أبا هريرة محمد بن فروخ القائد وهرثمة بن أعين مولى بني ضبة، فحارباه، فصبر لهما، حتى قتل وعدة من أصحابه، وانهزم الباقون.

 

 

 أخيرا : حتى لايضيع منا طرف الخيط :

 نذكركم بعنوان الكتاب : ( مسلسل الدماء فى تاريخ الخلفاء ـ الأصل التاريخى لتقسيم العالم فى عصر الخلفاء الى :" دار السلام ودار الحرب ")

الأصل التاريخى لتقسيم العالم الى ( دار السلام ودار الحرب ).

ونذكركم :

1 ـ بأن الله جل وعلا لم يخلق البشر ليكونا معسكرين متحاربين ، بل خلق البشر جميعا  أخوة من أب واحد وأم واحدة ، وجعلهم شعوبا وقبائل كى يتعارفوا سلميا ، لا لكى يتقاتلوا ، يقول جل وعلا يخاطب البشر جميعا : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13) الحجرات )

2 ـ إن الله جل وعلا أرسل رسوله بالقرآن الكريم رحمة للعالمين وليس لقتال العالمين ، يقول جل وعلا : ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (107) الأنبياء )

3 ـ إن الله جل وعلا أمر المؤمنين بالدخول فى السلام كافة ، فقال جل وعلا : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (208) البقرة ). وتشريعات القتال الدفاعية هى إستثناء يخدم السلام .  ولكن الصحابة إتبعوا خطوات الشيطان بالفتوحات ، وجعلوها دينا ، نتج عنه تقسيم العالم الى معسكرين متحاربين ـ حربا مستمرة ، لا يزال الوهابيون يواصلونها حتى اليوم

4 ـ القتال فى الاسلام هو لرد العدوان فقط ، وهذا معنى أن يكون فى سبيل الله جل وعلا . أما القتال المعتدى الذى فعله الصحابة فهو فى سبيل الشيطان ، وليس هناك توسط : إما قتال دفاعى فى سبيل الله جل وعلا ، وإما قتال باغ معتد ظالم يريد الثروة والسلطة ، أى فى سبيل الشيطان . يقول جل وعلا عن نوعى القتال : (الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ  )(76) النساء  )

5 ـ  فى حمامات الدم هذه كانوا يحرصون على تأدية صلاة شكلية ، كانت صلاة شيطانية لأنها لم تكن تنهاهم عن الفحشاء والمنكر بل كانت تأمرهم بالفحشاء والمنكر وتسوّغ لهم سفك الدماء والسلب والنهب والاسترقاق باسم الاسلام العظيم. كانت صلاتهم الشيطانية حربا لرب العزة جل وعلا.!

 

 

 

مسلسل الدماء فى خلافة الهادى العباسى (  169  : 170 )

حكم الهادى حوالى عام وثلاثة أشهر، ولكن مسلسل الدماء لم ينقطع خلال هذه الأشهر ، بسبب الاتهام بالزندقة داخل ( دار السلام ) مع استمرار الحرب فى الداخل والخارج .   

عام 169 فى  خلافة الهادى ( الثورة والانتقام بتهمة الزندقة )

 1 ـ ثورة (الحسين بن علي الحسين بن علي بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب )   وعقوبة أقاربه فى بغداد بالقتل بتهمة الزندقة  .

وكان السبب  أن الوالى على المدينة عمر العمرى ( من نسل عمر بن الخطاب ) عاقب  ( أبا الزفت الحسن بن محمد بن عبد الله بن الحسن) واصحابه بسبب شرب الخمر ( فضربوا جميعأن وجعل في أعناقهم حبال، وطيف بهم في المدينة. ) ولم يقبل شفاعة الحسين بن على ابن الحسن . وتفاقم الأمر الى ثورة العلويين بالمدينة تعصبا للفاسقين منهم ، وتزعم الثورة   الحسين بن على الحسنى .( وخرجوا آخر الليل، وجاء يحيى حتى ضرب على العمري باب داره، فلم يجده، ( وجاءوا فاقتحموا المسجد وقت الصبح. فلما صلى الحسين الصبح أتاه الناس، فبايعوه على كتاب الله وسنة نبيه للمرتضى من آل محمد .) .

واحتلوا مسجد المدينة ( وجعلوه مسجد ضرار ) يأكلون فيه ويشربون ويبولون ويتغوطون ، وجعلوه مركزا حربيا ، حيث دارت الحرب بينهم وبين الوالى العباسى ، وقد هزموه ونهبوا بيت المال ، وقاتلهم شيعة بنى العباس فى المدينة ، واستمر القتال بينهم شديدا ومتقطعا ، وعاداهم أهل المدينة فارتحلوا عنها الى مكة تشيعهم لعنات أهل المدينة.  تقول الرواية عن زعيم الثورة الحسين بن علي بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب: ( ولما فارق المدينة قال: يا أهل المدينة! لا خلف الله عليكم بخير. فقالوا: بل أنت لا خلف الله عليك ولا ردك علينا! ) ( وكان أصحابه يحدثون ( أى يبولون ويتغوطون ) في المسجد، فغسله أهل المدينة.).

وانتقل الحسين بن على الحسنى بمن معه الى مكة وقت موسم الحج  لينتهك حرمتها بالقتال وفى الشهر الحرام .  وكان وقتها قد أتى الحجاج الى مكة ومنهم أمراء من البيت العباسى . وبسبب قلة من معه فقد أحدث فتنة إضافية ، هى دعوة العبيد للخروج على أسيادهم واللحاق به ، ووعدهم بالحرية ، تقول الرواية : ( ولما أتى الحسين مكة أمر فنودي: " أيما عبد أتانا فهو حُرُّ. " ، فأتاه العبيد. ) . ( فانتهى الخبر إلى الهادي، وكان قد حج تلك السنة رجال من أهل بيته، منهم: سليمان بن المنصور، ومحمد بن سليمان بن علي، والعباس بن محمد بن علي، وموسى وإسماعيل ابنا عيسى بن موسى، فكتب الهادي إلى محمد بن سليمان بتوليته على الحرب. ) ولحق بالعباسيين الفرقة المسلحة التى تصحب الحجاج لحمايتهم من غارات الأعراب ، وانضم اليهم شيعتهم العباسيون فى مكة. ودار القال فى مكة وقت شعائر الجج ، تقول الرواية  : ( ثم إنهم اقتتلوا يوم التروية، فانهزم أصحاب الحسين. ) وقُتل الحسين الحسنى .  ( وأفلت من المنهزمين إدريس بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي، فأتى مصر ) ومنها الى المغرب ، وأقام له البربر دولة الأدارسة ، وارسل اليه الرشيد من إغتاله  ( ولما مات إدريس بن عبد الله خلف مكانه إبنه إدريس . ) .

القتل بالزندقة :

1 ـ وكالعادة فإن أى ثورة يتبعها وقتها ملاحقة أنصار تلك الثورة فى بغداد بتهمة الزندقة ، مع دعاية تشويه لسمعتهم ، أى إغتيال مادى بالقتل ، مع إغتيال معنوى للشخصية والسُّمعة . وبسبب ثورة العلويين فى الحجاز ( مكة والمدينة ) فقد تعرض أقاربهم المتعاطفون معهم فى بغداد للإتهام بالزندقة ، وما يعنى ذلك من قتل وتشويه للسُّمعة . ومات أولئك الضحايا قتلا ، وظلت التهم لاصقة بهم كما أذاعها الجهاز الدعائى للدولة العباسية ، والذى أسّسه من قبل ابوجعفر المنصور ( جد الخليفة الهادى ) .

2 ـ وتقول الرواية إن المهدى أوصى ابنه الهادى بتتبع الزنادقة  : (وكان المهدي قد قال للهادي يومأن وقد قدم إليه زنديق، فقتله، وأمر بصلبه: يا بني، إذا صار الأمر إليك فتجرد لهذه العصابة، يعني أصحاب ماني، فإنها تدعوالناس إلى ظاهر حسن كاجتناب الفواحش، والزهد في الدنيأن والعمل للآخرة، ثم تخرجها من هذا إلى تحريم اللحوم، ومس الماء الطهور، وترك قتل الهوام تحرجأن ثم تخرجها إلى عبادة اثنين: أحدهما النور، والآخر الظلمة، ثم تبيح بعد هذا نكاح الأخوات والبنات، والاغتسال بالبول، وسرقة الأطفال من الطرق، لتنقذهم من ضلال الظلمة إلى هداية النور، فارفع فيها الخشب وجرد السيف فيهأن وتقرب بأمرها إلى الله، فإني رأيت جدي العباس، رضي الله عنه، في المنام قلدني سيفين لقتل أصحاب الاثنين.). وما بين السطور نفهم طبيعة التربص وتلفيق الاتهام لمن تريد السلطة العباسية قتله بتهمة الزندقة ، فمن يدعو لاجتناب الفواحش والزهد فى الدنيا والعمل للآخرة متهم بالدخول فى أول باب من أبواب الزندقة.

وحيث لا يوجد نظام قضائى سياسى من الأصل وحيث يكون من حق ( الخليفة المتأله ) أن يقتل من يشاء بسيف الشرع فإن تطبيق قتل الزنديق يمكن تطبيقها على الجميع ، ويكون سهلا تشويه سُمعته ، كما يكون هذا نيشانا على صدر الخليفة المتأله ( حانى الشرع المدافع عن الاسلام ) . لم يكن الحجاج بن يوسف محتاجا لتبرير دينى وهو يقتل من يشاء وبمجرد الشبهة . فى هذا العصر أصبح القتل بسيف الشرع (السُّنى ) حفل تكريم للخليفة يمارس فيها سلطته الدينية والزمنية السياسية .

3 ــ وتضاف للضحايا تُهم أخلاقية . وهذا ما حدث مع المتهمين من الطالبيين بالتعاطف مع الثورة المشار اليها فى هذا العام . ففى أعقابها حدث قتل لأسرتين من بنى هاشم ،  بتهمة الزندقة مع اتهامات جنسية بذيئة . لا سند  لها سوى اقوال العباسيين . تقول الرواية :  ( وفي هذه السنة‏:‏ خرج الحسين بن علي بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم ‏. وقتل من بني هاشم يعقوب بن الفضل بن عبد الرحمن بن عباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب . وكان المهدي أتي به وبابن لداود بن علي ، فحبسهما لما أقرا له بالزندقة . وقال ليعقوب‏:‏" لولا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم من كنت‏!‏ أما والله لولا إني كنت جعلت على الله عهدًا إن ولاني أن لا أقتل هاشميًا لما ناظرتك . " ثم التفت إلى الهادي فقال‏:‏ " يا موسى أقسمت عليك بحقي إن وليت هذا الأمر من بعدي أن لا تناظرهما ساعة واحدة " ‏.‏ فمات ابن داود بن علي في الحبس قبل وفاة المهدي ، فلما قدم الهادي من جرجان ذكر وصية المهدي فأرسل إلى يعقوب فألقى عليه فراشًا وأقعدت عليه الرجال حتى مات ، ولها عنه ، وكان الحر شديدًا فقيل له‏:‏ " قد انتفخ  " فقال‏:‏ "ابعثوا به إلى أخيه إسحاق بن الفضل فأخبروه أنه مات في الحبس. " فبعث إليه فإذا ليس فيه موضع للغسل فدفن من ساعته ‏.‏ وكان ليعقوب ابنة تسمى فاطمة فوجدت حبلى منه ، وأقرت بذلك فأدخلت وامرأة يعقوب بن داود يقال لها خديجة على الهادي أم على المهدي ، فأقرتا بالزندقة ، وأقرت فاطمة أنها حبلى من أبيها ، فأرسل بهما إلى ريطة بنت أبي العباس فرأتهما مكحلتين مخضوبتين فعذلتهما خصوصًا البنت فقالت‏:‏ " أكرهني . " فقالت لها‏:‏ " فما بال الخضاب والكحل ؟ " . ولعنتهما ، ففزعتا ، فماتتا ‏.‏ ). وفى الرواية إضطراب ، فتزعم أن الثورة حدثت فى خلافة المهدى ، وقد حدثت بعد موته وفى خلافة الهادى . وفيها أتهام بزنا المحارم .

وتقول رواية أخرى : ( اشتد طلب المهدي للزنادقة، فقتل منهم جماعة علي بن يقطين، وقتل أيضاً يعقوب بن الفضل بن عبد الرحمن بن عباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب؛ وكان سبب قتله أنه أتى به إلى المهدي، فأقر بالزندقة، فقال: " لوكان ما تقول حقاً لكنت حقيقاً أن تتعصب لمحمد، ولولا محمد من كنت! أما والله لولا أني جعلت على نفسي أن لا أقتل هاشمياً لقتلتك." ثم قال للهادي: " أقسمت عليك إن وليت هذا الأمر لتقتلنه! " ثم حبسه، فلما مات المهدي قتله الهادي؛ وكذلك أيضاً كان عهده إليه بقتل ولد لداود بن علي بن عبد الله بن عباس كان زنديقأ ،  فمات في الحبس قبل المهدي.ولما قتل يعقوب أدخل أولاده على الهادي، فأقرت ابنته فاطمة أنها حبلى من أبيهأ ، فخُوفت، فماتت من الفزع.). هنا قتل وتشويه للسُّمعة .

4 ـ وكان الزعم بأن فلانا شتم قريش يعنى القتل بالزندقة ، تقول الرواية : ( قدمنا على أبي محمد الهادي شهوداً على رجل منا أنه شتم قريشاً ، وتخطى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجلس لنا مجلساً أحضر فيه فقهاء أهل زمانه ومن كان بالحضرة على بابه، وأحضر الرجل وأحضرنا فشهدنا عليه بما سمعنا منه‏.‏ فتغير وجه الهادي ثم نكس رأسه ثم رفعه ثم قال‏:‏ إني سمعت أبي المهدي يحدث عن أبيه المنصور، عن أبيه علي بن عبد الله بن عباس، قال‏:‏ من أهان قريشاً أهانه الله، وأنت يا عدو الله لم ترض بأن آذيت قريشاً حتى تخطيت إلى ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏؟‏. اضربوا عنقه، فما برحنا حتى قتل‏. ) .

المتهم غير مسموح له بالكلام . والمدعون الشهود والخليفة الهادى ( الذى كان وقتها شابا غريرا (23 عاما ) هو القاضى ، وهو المدعى ، ودليله قول لجده ابن عباس ( فقط ) أن من أهان قريشا فقد (أهانه الله ) جل وعلا ، وهو حديث إفك وطاغوت يسىء لرب العزة جل وعلا . وبه أمر بقتل المتهم المظلوم المسكين. كان ممكنا أن يقتله المهدى بدون هذه التمثيلية الفجّة ، ولكنه إستعراض لسلطة الخليفة الذى يملك الدين ( الأرضى ) ويملك الأرض وما عليها ومن عليها ، ويبيح له دينه الأرضى أن يجعل رب العزة جل وعلا منحازا لقريش .!

5 ـ ووصل القتل بالزندقة الى جوارى القصر ، تقول الرواية : ( ذكر عيسى بن دأب قال‏:‏ كنت يوماً عند الهادي إذ جيء بطست فيه رأس جاريتين قد ذبحا وقطعا، لم أر أحسن صوراً منهما، ولا مثل شعورهما، وفي شعورهما اللآلئ والجواهر منضدة، ولا رأيت مثل طيب ريحهما‏.‏ فقال لنا الخليفة‏:‏ أتدرون ما شأن هاتين ‏؟ ‏قلت‏:‏ لا‏.‏ فقال‏:‏ إنه ذكر أنه تركب إحداهما الأخرى يفعلان الفاحشة، فأمرت الخادم فرصدهما ثم جاءني فقال‏:‏ إنهما مجتمعتان، فجئت فوجدتهما في لحاف واحد وهما على الفاحشة، فأمرت بحز رقابهما‏.‏ثم أمر برفع رؤوسهما من بين يديه ورجع إلى حديثه الأول كأنه لم يصنع شيئاً‏. ) . ..ولا داعى للتعليق .!!

6 ـ وخلال حكمه القصير كان المهدى مصمما على قتل المزيد والمزيد ، وكان ممن قتل بتهمة الزندقة ( كاتب يقطين ) وابنه (على ) بتهمة أن الابن عليا وصف إزدحام الحجاج بالبقر ، وهى تهمة قالها شاعر يحض على قتل المتهم ، فقتل الهادى الابن وقتل الأب أيضا . تقول الرواية : ( اشتد طلب موسى ( الهادى ) للزنادقة ، فقتل منهم جماعة ،  فكان فيمن قتل منهم كاتب يقطين وابنه علي بن يقطين . وكان (علي ) قد حجّ فنظر إلى الناس في الطواف يهرولون فقال‏:‏ ما أشبههم ببقر يدوس في البيدر ‏.فقال شاعر‏:‏ قل لأمين الله في خلقه    ووارث الكعبة والمنبر

ماذا ترى في رجل كافر            يشبه الكعبة بالبيدر

ويجعل الناس إذا ما سعوا    حمرًا يدوس البر والدوسر

فقتله موسى ثم صلبه فسقطت خشبته على رجل من الحاج فقتلته وقتلت حماره .)

وصمم الهادى على قتل وصلب المزيد ، ومات قبل أن يحقق ما يريد ، تقول الرواية : (

فلما ولي الهادي قال: لأقتلن هذه الفرقة. وأمر أن يهيأ له ألف جذع. فمات بعد هذا القول بشهرين .)

الغزو الخارجى وثورة الخوارج

1 ـ  وغزا الصائفة هذه السنة معيوف بن يحيى من درب الراهب، وقد كانت الروم قبل ذلك جاؤوا مع بطريقهم إلى الحدث، فهرب الوالي وأهل السوق، فدخلها الروم، فقصدهم معيوف فبلغ مدينة أشنة، فغنم وسبى.( المقصد هو : غنم وسبى ) أى المال والشقراوات ، هذا جهادهم فى سبيل الشيطان

 2 ـ   فى منطقة الجزيرة ثار الخارجى   حمزة بن مالك الخزاعي، وعلى خراجها منصور بن زياد، فسير جيشاً إلى الخارجي، فالتقوا بباعربايأن من بلد الموصل، فهزمهم الخارجي وغنم أموالهم، وقوي أمره، وصحبه رجلان، ثم اغتالاه.( الصراع حول المال ) .

 عام 170 موت الخليفة الهادى : ( كانت وفاته ليلة الجمعة للنصف من ربيع الأول..وكانت خلافته سنة وثلاثة أشهر؛ .. وكان عمره ثلاثاً وعشرين سنة . )

مات قتيلا . وقبله مات أبوه المهدى قتيلا .. ولهذا قصة فى مسلسل الدماء  .

 

 

 أخيرا : حتى لايضيع منا طرف الخيط :

 نذكركم بعنوان الكتاب : ( مسلسل الدماء فى تاريخ الخلفاء ـ الأصل التاريخى لتقسيم العالم فى عصر الخلفاء الى :" دار السلام ودار الحرب ")

الأصل التاريخى لتقسيم العالم الى ( دار السلام ودار الحرب ).

ونذكركم :

1 ـ بأن الله جل وعلا لم يخلق البشر ليكونا معسكرين متحاربين ، بل خلق البشر جميعا  أخوة من أب واحد وأم واحدة ، وجعلهم شعوبا وقبائل كى يتعارفوا سلميا ، لا لكى يتقاتلوا ، يقول جل وعلا يخاطب البشر جميعا : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13) الحجرات )

2 ـ إن الله جل وعلا أرسل رسوله بالقرآن الكريم رحمة للعالمين وليس لقتال العالمين ، يقول جل وعلا : ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (107) الأنبياء )

3 ـ إن الله جل وعلا أمر المؤمنين بالدخول فى السلام كافة ، فقال جل وعلا : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (208) البقرة ). وتشريعات القتال الدفاعية هى إستثناء يخدم السلام .  ولكن الصحابة إتبعوا خطوات الشيطان بالفتوحات ، وجعلوها دينا ، نتج عنه تقسيم العالم الى معسكرين متحاربين ـ حربا مستمرة ، لا يزال الوهابيون يواصلونها حتى اليوم

4 ـ القتال فى الاسلام هو لرد العدوان فقط ، وهذا معنى أن يكون فى سبيل الله جل وعلا . أما القتال المعتدى الذى فعله الصحابة فهو فى سبيل الشيطان ، وليس هناك توسط : إما قتال دفاعى فى سبيل الله جل وعلا ، وإما قتال باغ معتد ظالم يريد الثروة والسلطة ، أى فى سبيل الشيطان . يقول جل وعلا عن نوعى القتال : (الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ  )(76) النساء  )

5 ـ  فى حمامات الدم هذه كانوا يحرصون على تأدية صلاة شكلية ، كانت صلاة شيطانية لأنها لم تكن تنهاهم عن الفحشاء والمنكر بل كانت تأمرهم بالفحشاء والمنكر وتسوّغ لهم سفك الدماء والسلب والنهب والاسترقاق باسم الاسلام العظيم. كانت صلاتهم الشيطانية حربا لرب العزة جل وعلا.!

 

 

مسلسل الدماء :الخيزران تقتل زوجها الخليفة المهدى ثم تقتل ابنها الخليفة الهادى

 

مقدمة

1 ـ فى ( دار السلام ) لا يقتصر الأمر على قتال المعارضين ، بل يصل الأمر الى قتل الخليفة نفسه ، قد يكون قتلا تآمرا بالسُّم (، أبو بكر ، يزيد بن معاوية وابنه معاوية بن يزيد ، سليمان بن عبد الملك وعمر بن عبد العزيز ، والسفاح العباسى ) وقد يكون قتلا عنيفا علنيا ( عمر بن الخطاب و عثمان وعلى و الوليد بن يزيد الأموى ) . وانتهت حياة المهدى العباسى وابنه الهادى قتلا بمؤامرة سرية ، نكشف عنها النقاب هنا .

2 ـ فى تصورنا  ـ من تحليل الروايات ـ أن الخيزران هى التى خططت لمقتل زوجها . أما قتل الخيزران لابنها الهادى فقد ذكرته الروايات صريحا . ودعونا نتعجب فى صمت من بحور الدماء التى تتفجر فى ( دار السلام ) بالاضافة الى تفجيرهم بحوردماء أخرى فى اوربا وآسيا ، بما يجعلنا نلعن هذه الخلافة الشيطانية وجهادها الشيطانى الذى يحمل إسم الاسلام زورا وبهتانا . ونعطى بعض التفصيلات عن مكائد القصر العباسى فى داخل ( دار السلام ).

 

أولا : مناقشة الروايات فى موت الخليفة المهدى 

1 ـ كان موت المهدى فى شهر المحرم عام 169 ، بعد خلافة إستمرت عشر سنين تقريبا .   وتوفي شابا وهو ابن ثلاث وأربعين سنة، ( ودفن تحت جوزة كان يجلس تحتهأ ، وصلى عليه ابنه الرشيد . ). مات بعيدا عن بغداد ، وبعيدا عن أهله وأعمامه وابناء عمومته العباسيين ـ مات ــ فجأة ـ فى آسيا فى منطقة اسمها ( ماسبذان ) .

2 ــ ما الذى أخرجه من بغداد الى تلك المنطقة التى لقلى فيها ختفه ؟ . تقول الرواية : ( مات المهدي أبوعبد الله محمد بن عبد الله المنصور بماسبذان، وسبب خروجه إليها أنه قد عزم على خلع ابنه موسى الهادي والبيعة للرشيد بولاية العهد وتقديمه على الهادي، فبعث إليه، وهوبجرجان، في المعنى، فلم يفعل. فبعث إليه في القدوم عليه، فضرب الرسول، وامتنع من القدوم عليه، فسار المهدي يريده، فلما بلغ ماسبذان أكل طعامأ ..فبقي بعد ذلك عشرة أيام ومات ) .

هنا رائحة مؤامرة . فالمهدى أراد عزل ابنه الهادى من ولاية العهد والعهد لابنه الرشيد مكانه ثم يكون الهادى بعد الرشيد . فرفض الهادى وكان فى جرجان ( جورجيا اليوم ) ، فبعث له المهدى ليأتيه فرفض الهادى الحضور فسار اليه أبوه ، وتوقف فى منطقة ماسبذان حيث أكل طعاما مسموما فمات منه . وبالتالى فقد بطل عمل المهدى فى تولية الرشيد العهد من بعده . وفاز الهادى ، ويكون قتل المهدى بالسم مؤامرة قام بها أتباع الهادى لمصلحة الهادى .

3 ـ وعن كيفية قتله تقول الرواية : ( وقد اختلف في سبب موته . فقيل إنه كان يتصيد، فطردت الكلاب ظبيأن وتبعته، فدخل باب خربة، ودخلت الكلاب خلفه، ثم تبعها فرس المهدي، فدخلها فدق الباب ظهره، فمات من ساعته . وقيل: بل بعثت جارية من جواريه إلى ضُرّة لها بإناء فيه سم، فدعا به المهدي فأكل منه، فخافت الجارية أن تقول إنه مسموم، فمات من ساعته . وقيل: بل عمدت (حسنة ) جارية له إلى كمثرى فأهدته إلى جارية أخرى كان المهدي يتحظّاها ، وسمّت منه كمثراة هي أحسن الكمثرى، فاجتازت بالمهدي، فدعا به وكان يحب الكمثرى، فأخذ تلك الكمثرى المسمومة، فأكلهأ ،  فلما وصلت إلى جوفه صاح: جوفي جوفي! فسمعت صوته، فجاءت تلطم وجهها وتبكي وتقول:" أردت أن أنفرد بك، فقتلتك! " ، فمات من يومه. ) تتفق الروايات هنا على موته السريع ، بسقوطه من على ظهر حصانه ( وغريب هذا الموت المفاجىء بسبب السقوط من على الفرس ) . وليس غريبا الموت السريع من تناول طعام مسموم .

4 ـ هنا تشير أصابع الاتهام الى الهادى ، فهو صاحب مصلحة فى قتل أبيه حتى لا يخلعه من ولاية العهد ويولى مكانه أخيه ( الشقيق ) هارون الرشيد. وفعلا تولى الهادى الخلافة سريعا بعد موت أبيه المهدى. وهذا يعنى وجود تنافس بين الشقيقين الهادى والرشيد ، ولكن الرشيد كان هو الذى يصاحب أباه فى رحلته ، وهو الذى عمل على تولية أخيه الشقيق الهادى الخلافة ، ورجع بالجيش الى بغداد ليؤكد على بيعة شقيقه الهادى ، وقت أن كان الهادى غائبا فى جرجان ( جورجيا ). ولو أراد الكيد للهادى لفعل ، ومعه الجيش وجثة ابيه ، وأخوه الهادى غائب عن المشهد . 

5 ـ الذى نراه أن (المهدى ) كان يريد خلع الهادى ليس ليولى محله الرشيد ولكن ليولى إبنا آخر له ، ليس من أبناء محظيته الخيزران ( أم الهادى والرشيد ) . وكان التخلص من المهدى قبل أن يفعل هذا ، وتم هذا بتخطيط الخيزران والرشيد وخالد برمك .

 كان المهدى قد تزوج أميرتين عباسيتين : ريطة بنت الخليفة السفاح العباسى ، وأنجب منها إثنين ( على وعبد الله ) وتزوج عام 159 أم عبد الله  بنت عمه صالح بن عبد الله العباسى . وهو نفس العام الذى اعتق فيه جاريته الخيزران وتزوجها . وفى العام التالى 160 أخذ العهد لابنه الهادى ، وفى عام 166 جعل الرشيد وليا للعهد بعد الهادى .

ثم بلغ إبنه ( على بن المهدى ) المعروف بابن ريطة شهرة جعلت أباه يقوم بتصعيده ، خصوصا وهو حفيد أول خليفة عباسى ( ريطة بنت السفاح ). فجعله المهدى عام 168 يقوم بإمرة الحج ، وكان تصعيده هذا يمثل خطرا على أخويه لأبيه الهادى والرشيد وهما ابناء جارية ( الخيزران ) بعكس ابن ريطة بنت السفاح . والمنتظر أن يقع المهدى تحت ضغط من كبار أسرته العباسيين ، كى يجعل ولاية العهد لابنه ( على بن المهدى ).

وإذا كان عام 168 هو العام الذى شهد تصعيد على بن المهدى وتأميره على الحج الذى يحضره كبار القوم من البيت العباسى فإن العام التالى 169 هو الذى شهد مقتل المهدى بالسم ، فى بلد بعيد عن بغداد ، وبعيدا عن كبار الأسرة العباسية . وهكذا فالذى نراه هو تصحيح الرواية لتكون كالآتى : ( مات المهدي أبوعبد الله محمد بن عبد الله المنصور بماسبذان، وسبب خروجه إليها أنه قد عزم على خلع ابنه موسى الهادي والبيعة لابنه عبد الله ( ابن ريطة بنت السفاح العباسى ) بولاية العهد وتقديمه على الهادي..). البيعة لعبد الله ابن ريطة وتقديمه على الهادى تعنى خلع الرشيد ، لأن الهادى سيكون رقم 2 ، هذا إذا تولى  الهادى أصلا . وبالتالى تضيع أحلام الخيزران فى تولى ولديها الخلافة . ولذا كان لا بد من التضحية بالمهدى .  ونتعرف أكثر على الخيزران :

 

ثانيا : الخيزران :

1 ـ "الخيزران " هي أم هارون الرشيد، ومن نسل هارون الرشيد جاء كل الخلفاء العباسيين ومن ثم فهي أم الخلفاء العباسيين .

2- كانت تجارة الجواري رابحة في العصر العباسي ، كان يؤتى بهن من بلادهن الأصلية ويقوم النخاسون " تجار الرقيق " بتعليم الجارية الحسناء علوم اللغة والأدب والشعر والغناء والألحان مع أساليب المحادثة والبروتوكول .وكانت الجارية يؤتى بها من بلادها ساذجة وسرعان ما تتحول إلى دائرة معارف وقد صقلوا عقلها لتضيف إلى جمال الوجه والجسد حلاوة اللسان وذكاء العقل وحسن الحديث وحضور البديهة ، وحينئذ يعلو ثمنها وتكون مرشحة لقصور الخلافة وقصور الوزراء وعلية القوم . وكانت الخيزران واحدة من هؤلاء ..جاء بها النخاس إلى مجلس المهدي ولى العهد في خلافة أبيه المنصور ، وتأملها المهدي واستعرض جمالها فأعجبته إلا خشونة ساقيها ، وصارحها برأيه فردت عليه بجواب أثار عقله وكوامن شهوته فاشتراها وحظيت عنده . ويقول أحد أحفاد الخيزران وهو هارون بن عبد الله بن المأمون يصف اللقاء الأول بين جدته الخيزران وجده المهدي:( لما عرضت الخيزران على المهدي قال لها: "والله يا جارية انك لعلى غاية التمني ولكنك حمشة الساقين "، فقالت : يا مولانا انك أحوج ما تكون اليهما لا تراهما ..!! فاشتراها وحظيت عنده ) .

3- ومع أن الخيزران حظيت عند المهدي فقد تزوج ثلاثة بعد أن تولى الخلافة ، ومع ذلك فقد كان لها نفوذ فى خلافة المهدى فقد أنجبت له مبكرا ( موسى ) الهادى و( هارون ) الرشيد ، وعملت كل جهدها ليجعل ولاية العهد فى ولديها الهادى ثم الرشيد ، ولتصعيدهما أوكل لهما المهدى قيادة الجيوش ضد ( دار الحرب ) فى الشرق وفى الغرب لتكون بطولاتهما الحربية مما يجبر النقص فى كون أمهما جارية سابقة. وحتى لو كانت الخيزران من الحرائر ولم تعرف الاسترقاق فكيف لها أن تنافس اميرتين من البيت العباسى ، وإحداهما بنت السفاح وقد أنجبت له إبنا ( عبد الله )، تبدو عليه مخايل النجابة بحيث كان امير الحج فى حضور أعمام أبيه كبار الأسرة العباسية . 

هنا نفهم دوافع الخيزران . وأعانها على تحقيق ما تريد مستشارها يحيى بن خالد البرمكى .

 

ثالثا : يحيى بن خالد البرمكى

1 ـ كانت الخيزران صديقة لزوجته ، وحين ولدت زوجة يحيى البرمكى ابنها الفضل بن يحيى عام 148 أرضعت الخيزران الفضل بن يحيى  فكان الفضل بن يحيى أخا الرشيد من الرضاعة، ثم أرضعت ام الفضل الرشيد أيضا .

2 ـ ومن هذه الصلة العائلية توثقت مكانة يحيى البرمكى فى خلافة المهدى ، وجعله المهدى ــ بنفوذ الخيزران ــ قائما بأمر الرشيد . تقول الرواية فى الكامل لابن الأثير عن المهدى عام 161  ( وجعل مع هارون يحيى بن خالد بن برمك ). وفى العام التالى 162 ، كانت الحملة الكبرى لغزو الروم بقيادة هارون ( الرشيد ) ، والتى صُنعت لتلميع وتصعيد هارون ( الرشيد ) ، وكان ممن صحبه يحيى البرمكى، وعنه  تقول الرواية : ( ..ويحيى بن خالد بن برمك، وكان إليه أمر العسكر، والنفقات، والكتابة وغير ذلك. ) . وفي نفس العام تولى الرشيد معظم الولايات ، وكان الذى يديرها عنه يحيى البرمكى  . ونلمح أصابع الخيزران فى تجهيز ابنها الثانى هارون ( الرشيد ) وتدريبه وتعليمه بمستشارها يحيى البرمكى ، الذى كان والد هارون الرشيد ( من الرضاع ).!. وعن صلة يحيى البرمكى بالخيزران تقول الرواية فى الكامل لابن الأثير : (وكان يحيى يصدر عن أمر الخيزران أم الرشيد . ).!

3 ــ لهذا نتصور أن ما بنته الخيزران كان على وشك أن يضيع بظهور عبد الله ابن الخليفة المهدى حفيد الخليفة السفاح ، وتصدره ، وخلفه كبار الأسرة العباسية ، لذا كان لا بد من التخطيط لقتل المهدى ، وأن يتولى ذلك إثنان : هارون ويحيى بن خالد بن برمك .

 

رابعا : البيعة للهادى ( الغائب فى جورجيا ) بتدبير الرشيد ويحيى بن خالد البرمكى :

1 ــ بعد موت المهدى بالسُّم ( فى الغربة )، تقول الرواية : ( وبويع لابنه موسى الهادي في اليوم الذي مات فيه المهدي، وهومقيم بجرجان، يحارب أهل طبرستان؛ ولما توفي المهدي كان الرشيد معه بماسبذان، فأتاه الموالي والقواد، وقالوا له: إن علم الجند بوفاة المهدي لم تأمن الشغب، والرأي أن تنادي فيهم بالرجوع، حتى تواريه ببغداد.فقال هارون: ادعوا إلي أبي يحيى بن خالد، وكان يحيى يتولى ما كان إلى الرشيد من أعمال المغرب، من الأنبار إلى إفريقية، فاستدعي يحيى إلى الرشيد، فقال: ما تقول فيما رأى هؤلاء؟ وأخيره الخبر. قال: لا أرى ذلك، لأن هذا لا يخفي، ولا آمن، إذا علم الجند، أن يتعلقوا بمحمله، ويقولوا: لا نخلي حتى نعطى لثلاث سنين وأكثر، ويتحكموا ويشتطوأ ، ولكني أرى أن يوارى، رحمه الله، هاهنأ،  وتوجه " نصيراً " إلى أمير المؤمنين الهادي الخاتم والقضيب، والتعزية، والتهنئة، فإن الناس لا ينكرون خروجه، إذ هوعلى بريد الناحية، وأن تأمر لمن تبعك من الجند بجوائز مائتين مائتين، وتنادي فيهم بالرجوع فلا تكون لهم همة سوى أهلهم.ففعل ذلك، فلما قبض الجند الدراهم تنادوا: بغداد بغداد! . )

2 ـ وتولى الهادى الخلافة بلا تعب ، وشكر الخليفة الجديد يحيى البرمكى، وجعله مستشارا لهارون الرشيد ، وهذا بإشارة أمه الخيزران . وكان ( الربيع ) حاجب المهدى هو المسيطر على عقل المهدى ، وكان متآمرا خبيثا وخطرا على الوضع الجديد ، فكان لا بد من قتله ليحل يحيى البرمكى محله فى الخلافة الجديدة ، وفعلا ـ وكما تقول الرواية فقد (كتب الهادي إلى الربيع كتاباً يتهدده بالقتل؛ وكتب إلى يحيى يشكره، ويأمره بأن يقوم بأمر الرشيد.) ، وتقول الرواية عنه (وفي هذه السنة أيضاً هلك الربيع.).

 

خامسا : الخليفة الشاب ( الهادى ) يسارع بمحاولة عزل أخيه الرشيد من ولاية العهد

1 ـ بوصول الهادى للخلافة ــ بتدبير أمه ويحيى البرمكى وهارون ــ وقع فى نفس الخطأ ، وهو أن يعزل أخاه الرشيد ليعهد لابنه الطفل ( جعفر ). وكالعادة أمر بتحقير الرشيد ، وكالعادة أيضا تقرب القواد للخليفة بتأييده فيما يفعل . ولكن صمد يحيى بن خالد مدافعا عن حق الرشيد .

2 ـ وفى هذه الرواية نرى دهاء يحيى بن خالد وحُمق الخليفة الشاب ( الهادى ) والصراع بين القادة من ناحية ويحيى البرمكى من الناحية الأخرى . تقول الرواية : (  وكان يحيى بن خالد بن برمك يتولى أمور الرشيد بأمر الهادي، فقيل للهادي: " ليس عليك من أخيك خلاف إنما  يحيى يفسده "؛ فبعث إليه، وتهدده، ورماه بالكفر، ثم إنه استدعاه ليلة، فخاف، وأوصى، وتحنط، ( أى إستعد للموت ) وحضر عنده، فقال له: " يا يحيى! مالي وما لك؟ " قال: " ما يكون من العبد إلى مولاه إلا طاعته؟!. " . قال: " لم تدخل بيني وبين أخي وتفسده علي؟ " قال: " من أنا حتى أدخل بينكما؟ إنما  صيرني المهدي معه، ثم أمرتني أنت بالقيام بأمره، فانتهيت إلى أمرك. " . فسكن غضبه . وقد كان هارون طاب نفساً بالخلع، فمنعه يحيى عنه. فلما أحضره الهادي، وقال له في ذلك، قال يحيى: " يا أمير المؤمنين! إنك إن حملت الناس على نكث الأيمان هانت عليهم أيمانهم، وإن تركتهم على بيعة أخيك ثم بايعت لجعفر بعده، كان ذلك أوكد للبيعة " . قال: "صدقت. "، وسكت عنه . فعاد أولئك الذين بايعوه من القواد والشيعة، فحملوه على معاودة الرشيد بالخلع، فاحضر يحيى وحبسه، فكتب إليه: " إن عندي نصيحة. " ؛ فأحضره، فقال له: " يا أمير المؤمنين! أرأيت إن كان الأمر الذي لا يبلغه، ونسأل الله أن يقدمنا قبله، (يعني موت الهادي )، أتظن الناس يسلمون الخلافة لجعفر، وهولم يبلغ الحنث، أويرضون به لصلاتهم، وحجهم، وغزوهم؟"  قال: " ما أظن ذلك! " . قال: " يا أمير المؤمنين! أفنأمن أن يسمو إليها أكابر أهلك، مثل فلان، ويطمع فيها غيرهم، فتخرج من ولد أبيك؟ والله لوأن هذا الأمر لم يعقده المهدي لأخيك، لقد كان ينبغي أن تعقده أنت له، فكيف بأن تحله عنه وقد عقده المهدي له! ولكني أرى أن تقر الأمر على أخيك، فإذا بلغ جعفر أتيته بالرشيد، فخلع نفسه له وبايعه." فقبل قوله، وقال: نبهتني على أمر لم أنتبه له. وأطلقه . ثم إن أولئك القواد عاودوا القول فيه، فأرسل الهادي إلى الرشيد في ذلك، وضيق عليه؛ فقال له يحيى: استأذنه في الصيد، فإذا خرجت فأبعد، ودافع الأيام! ففعل ذلك وأذن له، فمضى إلى قصر بني مقاتل، فأقام أربعين يومأ .. )

3 ـ وخلال هذه المدة قتلت الخيزران ابنها الهادى . 

 

سادسا : الخيزران تقتل ابنها الهادى

1 ـ كان الهادى شابا قوى البنية رشيق الحركة بحيث كان يقفز على الدابة وعليه درعان ثقيلان ، وكان شجاعا مقداما مندفعا جسورا غيورا . لذا كان من المنتظر أن تفقد الخيزران في خلافته نفوذها الذي تعودت عليه . إلا أن الطبري يذكر أن الهادي سمح باستمرار نفوذ أمه أربعة اشهر وقال : وكانت الخيزران في أول خلافة ابنها موسى الهادي تفتات عليه في أموره وتسلك به مسلك أبيه من قبله في الاستبداد بالأمر والنهى .إلا أن الهادي ما لبث أن ثار على ذلك الوضع ولم يحتمله فقال لها : انه ليس من قدر النساء الاعتراض في أمر الملك ، وعليك بصلاتك وتسبيحك . إلا أن المواكب التي اعتادت الوقوف بباب الخيزران استمرت في التوافد عليها ، واستمر أصحاب الحاجات يطرقون بابها لتتوسط لهم بنفوذها ، فلجأت الخيزران لابنها تكلمه في قضاء بعض الأمور فرفض ، ( فقالت له : أنى ضمنت هذه الحاجة لعبد الله بن مالك ، فغضب الهادي وقال : ويل له .. والله لا اقضيها له ، فقالت : إذن والله لا أسألك حاجة أبدا . فقال : إذن والله لا أبالى ، فقامت عنه غاضبة ولكنه استوقفها وصرخ فيها : والله لئن بلغني أنه وقف أحد ببابك لأضربن عنقه ولأقبضن ماله ، فمن شاء فليلزم ذلك ، ما هذه المواكب التي تغدو وتروح إلى بابك في كل يوم ؟ أما لك مغزل يشغلك ؟ أو مصحف يذكّرك أو بيت يصونك ؟ ثم إياك وإياك أن فتحت بابك لمسلم أو ذمي .. " فانصرفت عنه وما تعلم كيف تسير .. وقاطعته بعدها فلم تكلمه. ثم إنه قال لأصحابه: أيما خير أنا أم أنتم، وأمي أم أمهاتكم؟ قالوا: بل أنت وأمك خير. قال: فأيكم يحب أن يتحدث الرجال بخبر أمه، فيقال: فعلت أم فلان، وصنعت؟ قالوا: لا نحب ذلك. قال: فما بالكم تأتون أمي فتتحدثون بحديثها؟ فلما سمعوا ذلك انقطعوا عنها...)

2-  ثم تطور الأمر بينهما بمحاولة الهادى خلع أخيه هارون (الرشيد )، وهو المطيع لأمه الرفيق بها . وقفت ضد الهادى فى هذا ، ورد الهادى بحبس يحيى بن خالد ، مما يُعدُّ تحديا للخيزران .

3 ـ وحتى هذا الأمر ، فليس من المنتظر أن تقدم الخيزران على اغتيال ابنها لذلك السبب وحده ، لذلك تأتى القاصمة ، وهى من جانب الهادي لتجعل الخيزران تقتنع بأنها إذا لم تقتل الهادي فان الهادي سيقتلها وربما يقتل ابنها الرشيد أيضا . فقد بعث لها الهادي بطعام مسموم مع رسالة منه إليها تقول : "انه استطاب ذلك الطعام فأحب أن تأكل أمه منه "، وكانت على وشك أن تأكل ، لولا أن جاريتها ( خالصة ) حذرتها ، وجاءوا بكلب أكل من ذلك الطعام فتساقط لحمه ومات . ميتة بشعة بلا شك .!  لذلك تحركت الخيزران فدست بعض الجواري فقتلن ابنها الهادي خنقا وهو نائم. وبعثت الخيزران إلى يحيى بن خالد ليتولى عقد الخلافة للرشيد في نفس الليلة، ( لما مات الهادي جاء يحيى بن خالد إلى الرشيد، وهونائم في فراشه، فقال له: قم يا أمير المؤمنين! فقال: كم تروعني إعجاباً منك بخلافتي، فكيف يكون حالي مع الهادي إن بلغه هذا؟ فأعلمه بموته، وأعطاه خاتمه ). ومارست الخيزران نفوذها فى خلافته كما تريد الى أن ماتت .

4 ـ ومات الهادي شابا سنة 170 هجريا . مات بعد خلافة قصيرة بلغت سنة واحدة وبضعة أشهر . مات شابا فى الثالثة والعشرين من العمر .

5 ـ وفى عام  178 ( فوّض الرشيد أمور دولته كلها إلى يحيى بن خالد البرمكي )،.

 

 

 أخيرا : حتى لايضيع منا طرف الخيط :

 نذكركم بعنوان الكتاب : ( مسلسل الدماء فى تاريخ الخلفاء ـ الأصل التاريخى لتقسيم العالم فى عصر الخلفاء الى :" دار السلام ودار الحرب ")

الأصل التاريخى لتقسيم العالم الى ( دار السلام ودار الحرب ).

ونذكركم :

1 ـ بأن الله جل وعلا لم يخلق البشر ليكونا معسكرين متحاربين ، بل خلق البشر جميعا  أخوة من أب واحد وأم واحدة ، وجعلهم شعوبا وقبائل كى يتعارفوا سلميا ، لا لكى يتقاتلوا ، يقول جل وعلا يخاطب البشر جميعا : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13) الحجرات )

2 ـ إن الله جل وعلا أرسل رسوله بالقرآن الكريم رحمة للعالمين وليس لقتال العالمين ، يقول جل وعلا : ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (107) الأنبياء )

3 ـ إن الله جل وعلا أمر المؤمنين بالدخول فى السلام كافة ، فقال جل وعلا : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (208) البقرة ). وتشريعات القتال الدفاعية هى إستثناء يخدم السلام .  ولكن الصحابة إتبعوا خطوات الشيطان بالفتوحات ، وجعلوها دينا ، نتج عنه تقسيم العالم الى معسكرين متحاربين ـ حربا مستمرة ، لا يزال الوهابيون يواصلونها حتى اليوم

4 ـ القتال فى الاسلام هو لرد العدوان فقط ، وهذا معنى أن يكون فى سبيل الله جل وعلا . أما القتال المعتدى الذى فعله الصحابة فهو فى سبيل الشيطان ، وليس هناك توسط : إما قتال دفاعى فى سبيل الله جل وعلا ، وإما قتال باغ معتد ظالم يريد الثروة والسلطة ، أى فى سبيل الشيطان . يقول جل وعلا عن نوعى القتال : (الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ  )(76) النساء  )

5 ـ  فى حمامات الدم هذه كانوا يحرصون على تأدية صلاة شكلية ، كانت صلاة شيطانية لأنها لم تكن تنهاهم عن الفحشاء والمنكر بل كانت تأمرهم بالفحشاء والمنكر وتسوّغ لهم سفك الدماء والسلب والنهب والاسترقاق باسم الاسلام العظيم. كانت صلاتهم الشيطانية حربا لرب العزة جل وعلا.!

 مسلسل الدماء فى خلافة الرشيد : الرشيد بين الاسراف فى النساء والاسراف فى الدماء

مقدمة : 

هارون الرشيد أشهر خليفة عباسى  فى كتب التاريخ وكتب الأدب وحتى (ألف ليلة وليلة ). وكانت خلافته حوالى 23 عاما  ، وعاش حوالى 47 عاما ، ومات بطوس يوم السبت 3 جمادى الآخرة، سنة 193‏.‏ كان واسطة العقد فى تاريخ الدولة العباسية ، وصلت فى عهده الى أوج فخامتها وإنتصاراتها وإزدهارها .   كان يعكس ملامح الدين الٍسٌّنّى فى التدين السطحى وإستغلال دينه الأرضى فى تسويغ مطامحه ومطامعه الدينية. وبين تدينه السطحى وتقواه التى يُرائى بها الناس وبين إسرافه فى الدماء وجمع المال وقع فى التناقض ، مع الحدة فى الغضب ، والانقلاب الأهوج من الحب الجارف الى القسوة فى الانتقام . هذا بالاضافة الى ما عُرف عن الخلفاء من عبادة المال والاسراف فى سفك الدماء. يمكن تلخيص هارون الرشيد فى كلمة ( النهم أو الإسراف ) . كان منهوما فى تناول المُتع الجنسية وفى جمع الأموال ومسرفا فى سفك الدماء . ونعطى بعض التفصيلات :

 أولا : دينه الأرضى ‏:‏

1 ـ فى مرحلة الدعوة العباسية فى دولة الأمويين ، نشر الدعاة أحاديث تبشر بقرب ظهور المهدى من آل محمد ، وكان من أساطين العباسيين من إختلط بالفقهاء ، مثل (أبى جعفر المنصور )، وهو الذى قام بتجنيد مجموعة من صُنّاع الأحاديث يتزعمهم ( الأعمش ت 148 ) وهو ( سليمان بن مهران ، شيخ أصحاب الحديث فى الكوفة ،وكان كارها لبنى أمية. وهو متهم بالتدليس،ومات فى خلافة المنصور. ). وفى خلافة المنصور انتشرت أحاديث كثيرة تنسب للنبى مدحا فى خلفاء بنى العباس، وبعضها كان من رواية الخلفاء العباسيين  . وسمى المنصور ولى عهده بالمهدى لتنطبق عليه أحاديث المهدى . وبوصفه هذا كان المهدى يقتل خصومه بتهمة الزندقة . وجاء إبنه الرشيد يرث مُلكا وطيدا تم تأسيسه على دين أرضى ، فجعل نفسه مالكا لهذا الدين الأرضى ، ومعه قاضى القضاة يُفتى له بما يريد فى هذا الدين ( الملاكى ). 

2 ـ ولأنه كان المالك لهذا الدين الأرضى فقد كان لا يقبل من يزاحمه فى هذه الملكية ، ولأن هذا الدين أرضى قد أقيم على أحاديث منسوبة للنبى فلا مجال للعلويين أن يزاحموا الرشيد فى ملكيته لتلك الشخصية التى صنعوها للنبى ، والتى قام ابن إسحاق من قبل فى تصويرها فى (السيرة ) لتتشابه مع شخصية أبى جعفر المنصور . وبالتالى كان الرشيد يؤمن بملكيته للقبر المنسوب للنبى فى المدينة والذى قام بتوسيعه أبوه المهدى . وحدث أن ( حج هارون الرشيد ، فأتى قبر النبي صلى الله عليه وسلم زائرًا له وحوله قريش وأفياء القبائل ومعه موسى بن جعفر ، فلما انتهيا إلى القبر قال‏ ( الرشيد ) :‏ " السلام عليك يا رسول الله يا ابن عم ‏.‏" افتخارًا على مَنْ حوله فدنا موسى بن جعفر فقال‏:‏" السلام عليك يا أبت "، فتغير وجه هارون ) ولم يغفرها الرشيد لموسى بن جعفر العلوى ، تقول الرواية : ( ثم اعتمر الرشيد في رمضان سنة تسع وسبعين فحمل موسى معه إلى بغداد فحبسه بها فتوفي في حبسه. ). سجنه الرشيد لأنه ( زايد ) على الرشيد ( دينيا ) بما يُتيح له ان ( يُزايد ) على الرشيد سياسيا ، لذا حبسه وتركه يموت فى الحبس، حتى لا ينازعه أحد فى ملكيته للدين السُّنّى وملكيته للدولة الدينية المؤسسة على هذا الدين السُّنّى.

3 ـ  ولأنه كان المالك لهذا الدين الأرضى المؤسس على الأحاديث فقد كان لا يقبل أى نقد لأى حديث مهما بلغت مخالفة هذا الحديث للمنطق . تقول الرواية : ( وحدثه أبو معاوية يوماً، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، بحديث احتجاج آدم وموسى، فقال عمُّ الرشيد‏:‏ أين التقيا يا أبا معاوية ‏؟ فغضب الرشيد من ذلك غضباً شديداً، وقال‏:‏ أتعترض على الحديث ‏؟‏عليَّ بالنطع والسيف، فأحضر ذلك، فقام الناس إليه يشفعون فيه، فقال الرشيد‏:‏ هذه زندقة‏.‏ ثم أمر بسجنه وأقسم أن لا يخرج حتى يخبرني من ألقى إليه هذا، فأقسم عمُّه بالأيمان المغلظة ما قال هذا له أحد، وإنما كانت هذه الكلمة بادرة مني وأنا أستغفر الله وأتوب إليه منها‏.‏ فأطلقه‏. ) . تساءل عم الخليفة سؤالا بريئا : متى تقابل آدم وموسى ؟ فكاد أن يقتله الرشيد ، وإعتذر الرجل وأقسم أنه ما قال له أحد هذا السؤال ( الكافر ) . الاعتراض على أى حديث هو زندقة . والزندقة عقابها القتل بلا تردد .

4 ـ ولهذا كان ( زنديقا ) من يخرج ثائرا على الرشيد ، أى يكون خارجا عن الدين ( الأرضى السًنى ) وخارجا على طاعة الرشيد الذى يملك الدولة ويملك دينها السُنّى أيضا . وأصبح وصف الزندقة مرادفا للخروج على الرشيد .  فى أحداث عام 170 تقول الرواية ( ظهر من كان مستخفيأ  منهم طباطبا العلوي، وهوإبراهيم بن إسماعيل، وعلي بن الحسين بن إبراهيم بن عبد الله بن الحسن، وبقي نفر من الزنادقة لم يظهروا ، منهم: يونس بن فروة، ويزيد بن الفيض. )، وفى أحداث عام  171 ، تقول الرواية ( تتبع الرشيد خلقاً من الزنادقة فقتل منهم طائفة كثيرة‏.‏ ) وفى عام   180 (  خرجت المحمرة بجرحان وكتب طي بن موسى بن هامان: أن الذي يهيج ذلك عليه عمرو بن محمد العمركي وأنَه زنديق ، فأمر الرشيد بقتله فقُتل بمَرْو ‏.  ) ( ظهرت طائفة بجرجان يقال لها‏:‏ المحمرة لبسوا الحمرة واتبعوا رجلاً، يقال له‏:‏ عمرو بن محمد العمركي، وكان ينسب إلى الزندقة، فبعث الرشيد يأمر بقتله فقتل وأطفأ الله نارهم في ذلك الوقت‏.‏ ).

5 ـ وبسبب هذا الدين الأرضى الذى يستند عليه سلطانه كان للرشيد ( ندماء ) من رواة الحديث ( كما كان له ندماء للمجون أيضا لإضحاكه ولتسليته بالشعر ..وبالخمر ، هذا عدا آلاف الحسناوات ) . كان من رواة الأحاديث لديه  أبو معاوية الضرير ، تقول الرواية : ( وقد استدعى إليه أبا معاوية الضرير محمد بن حازم ليسمع منه الحديث . قال أبو معاوية‏:‏ ما ذكرت عنده حديثاً إلا قال‏:‏ " صلى الله عليه وسلم على سيدي " ، وإذا سمع فيه موعظة بكى حتى يبل الثرى‏. وأكلت عنده يوماً ثم قمت لأغسل يدي فصب الماء عليَّ وأنا لا أراه، ثم قال‏:‏ يا أبا معاوية أتدري من يصب عليك الماء ‏؟‏ قلت‏:‏ لا‏. قال‏:‏ يصب عليك أمير المؤمنين‏. قال أبو معاوية‏:‏ فدعوت له‏.فقال‏:‏ إنما أردت تعظيم العلم‏.). وتكاثرت الروايات عن وعظهم للرشيد وبكاء الرشيد عند الوعظ ، ولم نر لهذا الوعظ أثرا فى حياة الرشيد ، فلم يتوقف عن سفك الدماء وسلب الأموال و الفسق بالنساء .! يبكى أمام الفقهاء ، ثم يمارس عمله العادى فى الفسق والطغيان ..

6 ـ وروايات الفقهاء عن الرشيد منها ما يتعارض مع سيرته التاريخية ، فلا نقبل قولهم فيه : ‏( كان يحج سنة ويغزو سنة .) فهذا ما لم تسجله الحوليات التاريخية التى رصدت غزواته وسنوات حجه . ولا نصدق قولهم فيه : (  كان الرشيد يصلي كل يوم مائة ركعة تطوعا إلى أن فارق الدنيأ !. ) فلا يمكن لمن ينشغل بآلاف الحسناوات أن يتسع وقته لهذا . ولايمكن أن نصدق هذه الراوية : ( وقال بعضهم‏:‏ دخلت على الرشيد وبين يديه رجل مضروب العنق والسياف يمسح سيفه في قفا الرجل المقتول، فقال الرشيد‏:‏ قتلته لأنه قال القرآن مخلوق، فقتله على ذلك قربة إلى الله عز وجل‏. ) ذلك أن (فتنة خلق القرآن ) لم تكن قد ظهرت بعد . ظهرت فى آخر عام من حكم المأمون . ولكن لا مانع من تصديق أنه ( أول من كتب في صدر كتبه الصلاة على رسول الله، صلى الله عليه وسلم.) وأنه ( كان إذا حجّ حجّ معه مائة من الفقهاء وأبنائهم، فإذا لم يحج أحج ثلاثمائة رجل بالنفقة السابغة، والكسوة الطاهرة.).  وأنه ( كان الرشيد يكثر الحج والغزو واتخذ قلنسوة مكتوب عليها‏:‏ غازٍ حاجٍ ‏.‏ ).  فكل هذا من لوازم دينه الأرضى .

7 ـ ومن لوازم دينه الأرضى أيضا تناقضه بين البكاء عند الوعظ و القسوة المفرطة عند الغضب . وحكايته مع البرامكة هى أبرز ذلك التناقض . لا يهمنا هنا الأسباب . يهمنا التناقض بين التطرف فى المحبة ثم الانقلاب المفاجىء الى تطرف فى الانتقام .

يحيى البرمكى هو الذى جعل الرشيد خليفة بالتخطيط مع الخيزران . لذا قيل عن السنوات الأولى فى حكم الرشيد : ( وكانت الخيزران هي الناظرة في الأمور ، فكان يحيى يعرض عليها ويصدر عن رأيها . وكان الرشيد يقول ليحيى‏:‏ يا أبي ‏..) ( استوزر الرشيد يحيى بن خالد، وقال له: قد قلدتك أمر الرعية، فاحكم فيها بما ترى، واعزل من رأيت، واستعمل من رأيت، ودفع إليه خاتمه. ) أى يتصرف فى كل شىء باسمه دون أن يشاوره. وفى عام 178  ( فوض الرشيد أمور دولته كلها إلى يحيى بن خالد البرمكي.).

ثم كانت نكبة البرامكة فى عام 187 . سجن ( أباه ) يحيى البرمكى فى شيخوخته،وسجن أخاه من الرضاع الفضل بن يحيى، وظلا فى السجن حتى ماتا فيه . وقتل جعفر بن يحيى، ( وصُلب بباب الجسر رأسه، وفي الجانب الغربي جسده ). وفى عام 189 أمر الرشيد  ( بإحراق جثة جعفر بن يحيى.). بل قتل الرشيد فى عام 187  إبراهيم بن عثمان بن نهيك،( وسبب قتله أنه كان كثيراً ما يذكر جعفر بن يحيى والبرامكة، ويبكي عليهم إلى أن خرج من البكاء إلى حد طالبي الثأر، فكان إذا شرب النبيذ مع جواريه أخذ سيفه ، ويقول: واجعفراه! واسيداه! والله لأقتلن قاتلك ولأثأرن بدمك .) ، وخاف إبنه أن يصل الخبر الى الرشيد فيقتلهم جميعا فأخبر الرشيد بما يقوله أبوه ، فقتل الرشيد أباه .!. ولم يكتف الرشيد بالقتل بل صادر أموال البرامكة ، وألجأ نساءهم الى التسول . يقول أحدهم : ( دخلت على أمي في يوم أضحى وعندها امرأة بَرْزة في أثواب دنسة رثة . فقالت لي‏:‏ أتعرف هذه ؟‏!‏ قلت‏:‏ لا ‏.قالت‏:‏ هذه عبادة أم جعفر بن يحيى بن خالد ‏.فسلمت عليها ورحبت بها وقلت لها‏:‏ يا فلانة حدثيني ببعض أمركم ‏.قالت‏:‏ أذكر لك جملة كافية فيها اعتبار لمن اعتبر وموعظة لمن فكر. لقد هجم عليَ مثل هذا العيد وعلى رأسي أربعمائة وصيفة وأنا أزعم أن جعفرًا ابني عاق بي ، وقد أتيتكم في هذا اليوم أسألكم جلد شاتين أجعل أحدهما شعارًا والآخر دثارًا‏.). 

ثانيا : نهمه للمال وإسرافه في إنفاقه .

1 ـ كان الرشيد مغرما بمصادرة الأموال حتى من أقرب الناس اليه . فى عام ‏173 :  توفي والى البصرة والكوفة (محمد بن سليمان العباسى ):( فأمر الرشيد بالاحتياط على حواصله التي تصلح للخلفاء، فوجدوا من ذلك شيئاً كثيراً من الذهب والفضة والأمتعة وغير ذلك،‏  كان دخله في كل يوم مائة ألف‏.وكان له خاتم من ياقوت أحمر لم ير مثله‏.وقد أرسل الرشيد من اصطفى من ماله الصامت فوجد له من الذهب ثلاثة آلاف ألف دينار، ومن الدراهم ستة آلاف ألف، خارجاً عن الأملاك‏.‏  )، وفى رواية أخرى:( وكانت عظيمة من المال والمتاع، والدواب، فحملوا منه ما يصلح للخلافة، وتركوا مال لا يصلح ، وكان من جملة ما أخذوا ستون ألف ألف،) وأسرف الرشيد فى توزيع هذا المال لمن لا يستحق ، تقول الرواية : ( فلما قدموا بذلك عليه أطلق منه للندماء والمغنين شيئاً كبيرأ، ورفع الباقي إلى خزانته ).هذا المال من عرق الغلابة فى البلاد المفتوحة .!

2 ـ ويذكر أن الخيزران ماتت فى نفس العام ، وتقول الروايةعن ( محمد بن سليمان نائب البصرة ) أنه ( أهدى للخيزران  فى اليوم الذى ماتت فيه : مائة وصيفة، مع كل وصيفة جام من فضة مملوء مسكاً‏.‏ ) وعن تركة الخيزران تقول نفس الرواية ( وكان مغل  ( أى دخل ) ضياعها في كل سنة ألف ألف وستين ألفاً ). ورثها الرشيد . 

3 ـ وفى عام 189   سافر الرشيد إلى الري خصيصا بسبب شائعات عن الوالى علي بن عيسى والى خراسان، بأنه ( ظلم أهلهأ ، وأساء السيرة فيهم، فكتب كبراء أهلها وأشرافها إلى الرشيد يشكون سوء سيرته وظلمه، واستخفافه بهم، وأخذ أموالهم. وقيل للرشيد: إن علي بن عيسى قد أجمع على الخلاف، ). وقدم هذا الوالى هدايا هائلة للرشيد ومن معه ، فنجا من العزل والعقوبة . تقول الرواية: ( وأقام الرشيد بالري أربعة أشهر حتى أتاه علي بن عيسى من خراسان، فلما قدم عليه أهدى له الهدايا الكثيرة، والأموال العظيمة، وأهدى لجميع من معه من أهل بيته، وولده، وكتابه، وقواده من الطرف والجواهر، وغير ذلك، ورأى الرشيد خلاف ما كان يظن فرده إلى خراسان.) . وفى عام 191  مات قتلا أبن هذا الوالى وظهرت أموال له قد دفنها فى بستان ، ونهبها بعض الخدم ، ووصلت الأنباء الى الرشيد فأرسل قائده هرثمة ليأتيه بها ، تقول الرواية:( وكان ابنه عيسى قد دفن في بستان، في داره ببلخ، أموالاً عظيمةً قيل كانت ثلاثين ألف ألف، ولم يعلم بها أبوه ولم يطلع عليها إلا جارية له، فلما سار علي بن عيسى إلى مروأطلعت الجارية على ذلك بعض الخدم، وتحدث به الناس، واجتمعوأ،  ودخلوا البستان، ونهبوا المال، وبلغ الرشيد الخبر، فقال: خرج عن بلخ عن غير أمري، وخلف مثل هذا المال، وهويزعم أنه قد باع حلي نسائه.. فعزله، واستعمل هرثمة بن أعين.فسار هرثمة ولا يعلم بأمره أحد، حتى ورد نيسابور، فلما وردها استعمل أصحابه على كورهأن وسار مجداً يسبق الخبر، فأتى مرو والتقاه علي بن عيسى، فاحترمه هرثمة، وعظمه، حتى دخل البلد، ثم قبض عليه وعلى أهله وأصحابه وأتباعه وأخذ أمواله فبلغت ثمانين ألف ألف؛ وكانت خزائنه وأثاثه على ألف وخمسمائة بعير، فأخذ الرشيد ذلك كله. ).

4 ـ لذا كانت تركة الرشيد هائلة : قال ابن الجوزي‏:‏( وقد خلف الرشيد من الميراث ما لم يخلفه أحد من الخلفاء، وخلف من الجواهر والأثاث والأمتعة سوى الضياع والدور ما قيمته مائة ألف ألف دينار، وخمسة وثلاثون ألف دينار‏.‏ وقال الطبرى : (  وكان في بيت المال سبعمائة ألف ألف ونيف‏.‏  وكان في بيت المال لما توفي تسعمائة ألف ألف. ) .هذا عدا ما أسرف فى إنفاقه فى حياته على الشعراء والنساء . كل هذه الأموال جاءت سُحتا من عرق أهل البلاد المفتوحة . يذكر أحدهم قول الرشيد له وقد خرج من عند زوجته زبيدة : (‏ دخلت اليوم إلى هذه المرأة - يعني‏:‏ زبيدة – فأقلت ( من القيلولة ) عندها وبتُّ، فما استيقظت إلا على صوت ذهب يصب‏. قالوا‏:‏ هذه ثلثمائة ألف دينار قدمت من مصر‏. فقالت زبيدة‏:‏ هبها لي يا ابن عم‏.فقلت‏:‏ هي لك‏.‏ثم ما خرجت حتى عربدت علي وقالت‏:‏ أي خير رأيته منك ‏؟. ).!

ثالثا : نهمه الجنسى :

1 ـ ذكر الطبرى وابن عساكر أنه  ( كان في دار الرشيد من الجواري والحظايا وخدمهن وخدم زوجته وأخواته أربعة آلاف جارية، وأنهن حضرن يوماً بين يديه فغنته المطربات منهن فطرب جداً، وأمر بمال فنثر عليهن‏.  وكان مبلغ ما حصل لكل واحدة منهن ثلاثة آلاف درهم في ذلك اليوم .‏)  بالاضافة الى آلاف المحظيات فقد تزوج الرشيد زبيدة بنت عمه، وأمة العزيز، وأم محمد بنت صالح المسكين، والعباسة بنت عمه سليمان بن أبي جعفر، فزفتا إليه في ليلة واحدة ، وعزيزة بنت الغطريف ، حفيدة عثمان بن عفان.) تقول الرواية : ( وأما الحظايا من الجوارى فكثير جداً . حتى قال بعضهم‏:‏ إنه كان في داره أربعة آلاف جارية سراري حسان‏.). وتقول رواية  أنه دخل  الرشيد دار خالد البرمكي فرأى فيه جارية أعجبته وقد استوقفته الجارية وقالت له : أما لنا فيك من نصيب ؟ فقال لها : وكيف ؟ استوهبني من هذا الشيخ ، فأعطاها له  خالد البرمكي ، وكانت اسمها هيلانة . ) .

2 ـ ومع هذا العدد من النساء فقد كان يحلو للرشيد أن يأخذ المزيد مهما كلفه الأمر . وحين تولى أخوه الهادي الخلافة استولت على قلبه إحدى جواريه واسمها غادر ، وقد خطر للخليفة الهادى  أنه سيموت ويتركها ويأخذها من بعده أخوه  هارون الرشيد حين يتولى الخلافة ، وقوى هذا الخاطر في نفسه إلى درجة أنه استحلف أخاه هارون بالأيمان المغلظة من الطلاق والعتاق  والحج ماشياً حافياً ألا يأخذها بعده ، ثم استحلف الجارية نفس الأيمان المغلظة، وبعد موت الهادي طلبها الرشيد لنفسه فقالت له : كيف وقد حلفنا تلك الأيمان المغلظة ؟ فقال لها الرشيد : أنا أُكفّر عن تلك الأيمان ، وصارت له.وتقول رواية فى تاريخ ( المنتظم ) : ( دخل هارون الرشيد على عمه (سليمان بن أبي جعفر المنصور) ( ت 199 )  وكان عليلًا فرأى عنده جارية تسمى ضعيفة في غاية الحسن والجمال والشكل فوقعت بقلبه فقال هارون‏:‏ هبها لي فقال‏:‏ هي لك يا أمير المؤمنين ‏. فلما أخذها مرض سليمان من شدة حبه لها فقال‏:‏( أشكو إلى ذي العرش ما لاقيت من أمر الخليفة يسع البرية عدله ويريد ظلمي في ضعيفة ) فبلغ ذلك هارون الرشيد فردّها عليه ‏.) طبعا بعد أن قضى أربه منها وملّ منها .

3 ـ ومع هذا العدد من النساء فقد كان يحلو للرشيد أن يفسق بنساء أخريات ، ويستعمل فى تسويغ هذا الفسق دينه السّنى الملاكى . وقد هوى جارية لأبيه فامتنعت عليه وقالت له : (إن أباك قد طاف بى ) أى نام معها وبالتالى تحرم على أولاده ومنهم الرشيد . فاشتدت رغبة الرشيد فيها وبحث عن حيلة شرعية ، فأفتى له بالفقيه أبو يوسف باستحلالها، قال ابو يوسف للخليفة هارون الرشيد : كيف نأخذ بشهادة جارية ؟ !، ولم يأخذ بصدق شهادتها  فيما تحكيه عن نفسها أن والد الرشيد ـ قد نالها من قبل.

ويحكي أبو يوسف أنه جئ به من بيته ليلاً إلى الخليفة الرشيد فوجد عنده عيسى بن جعفر، فقال الرشيد لأبي يوسف يستفتيه أنه طلب جارية مغنية من عيسى ابن جعفر وأنه رفض أن يعطيها له ، وأنه إن لم يفعل سيقتله،  وقال عيسى أنه كان قد أقسم بالطلاق و العتاق  أنه لن يبيع هذه الجارية ولن يهبها لأحد  وأنه لا يعرف كيف يخرج من هذا القسم ، فأفتى له أبو يوسف أن يبيع للرشيد نصفها وأن يهبه النصف الآخر ، ففعل وصارت الجارية ملكاً للرشيد  . وأحضروها له في المجلس فلما رآها قال لأبي يوسف: هل من سبيل إليها الليلة ؟ فقال أبو يوسف إنها مملوكة ولابد من استبرائها فلابد أن تعتقها وتتزوجها فإن الحرة لا تستبرأ  فأعتقها وتزوجها  وأعطى أبا يوسف مائتي ألف درهم  وعشرين ثمناً عن الثياب ، وأرسلت له الجارية عشرة آلاف درهم . وقد أخطأ أبو يوسف في إفتائه للرشيد بأن ينال الجارية بعد زواجها بلا استبراء ، لأن العدة بالنسبة للمرأة لا تختلف إن كانت المرأة جارية أو حرة ، ففى كل الأحوال لا بد من مراعاة العدة حتى تتيقن من خلوها من الحمل ،  ولكن كان العباسيون يملكون فقهاء الشرع  يحكمون لهم بغير ما أنزل الله تعالى .

4 ـ  فى قصر جعفر البرمكى كانت توجد إحدى الجواري الصغيرات من القادمات الجدد ،تعلقت به,وعزمت بكل ما لديها من عزم أن تجذب انتباهه . وعرفت غرامه بالطرب والغناء فتعلمت وأجادت . وشيئا فشيئا بدأ يصغى إليها ويهتم بها وأحست أنها على وشك أن تفوز به خاصة بعد أن أطلق عليها لقب"فتينة".   ورأت فتينة أن اهتمام مولاها بها مقترن باهتمام ندمائه بغنائها فكانت تبذل كل ما تستطيع لتجيد الغناء في حضرة أصحابه،فازدادت شهرتها ،وازداد جعفر بها  إعجابا وإهتماما. ووصلت شهرة فتينة إلى الرشيد فطلبها من جعفر ولكن جعفر رفض طلب الخليفة.بعد مقتل جعفر صادر الرشيد أمواله وأموال أسرته، وضم الرشيد إلى قصره كل جواري جعفر, ومنهن فتينة.وعقد الرشيد مجلسا استعرض فيه جواري جعفر وأمر كل واحدة منهن أن تعرض فنّها عليه.. إلى أن جاء دور فتينة. وكانت المفاجأة .. أمرها الرشيد أن تغنى ، وكان متشوقا لسماع غنائها، ولكنها نكست رأسها للأرض وسكتت. وتكهرب الجو، وتصاعدت أنفاس الجواري، وهن يعلمن أن غضب الرشيد ساحق ماحق, وأنه يتطرف في عقوبته. ارتفعت أصوات الجواري لفتينة وهن يرتعدن ( ويحك..غن!!).وانهمرت دموع فتينة ونظرت للرشيد تتحداه وتقول :( أما بعد السادة فلا..).! أي بعد السادة  جعفر البرمكى وآله لن تغنى لأحد حتى لو كان الرشيد نفسه..وسقطت قلوب الجواري في أقدامهن، وانقطعت أنفاسهن، وانتظرن تحول فتينة إلى جثة هامدة مختلطة الملامح. ونظر الرشيد إلى أقبح خادم في القصر واسمه الحارث بن بسيحر،وقال له : (خذها..قد وهبتها لك..) فأخذها بيده ومضت معه. فلما ولت دعا الرشيد الحارث بن بسيحر وأمره أن لا يقربها, وأنه إنما أراد إذلالها ولم يعطها له على الحقيقة.. وبعدها بأيام استدعى الجميع، وسأل عن الحارث بن بسيحر وأمره باستدعاء فتينة، فحضرت وجلست ، وأخذت الجواري في الغناء والألحان, ثم قال الرشيد لفتينة : (هيه .. غنى ..)،  فانهمرت دموعها وقالت نفس مقالتها الأولى: ( أما بعد السادة .. فلا..)!! وهنا ثار الرشيد. وصرخ:سيف ونطع..(والنطع هو قماش غليظ يوضع تحت المحكوم عليه بالإعدام حتى لا يلوث دمه المكان)..ووقف السياف فوق رأسها. وأجلسوها على النطع ..وقال لها الرشيد: غنى .. فبكت وقالت :(  أما بعد السادة.. فلا..)،  وذهبت عقول الحاضرين من الخوف.وصاح الرشيد بالسياف: أنظر إلى يدي.. فإذا عقدت لك بالخنصر إلى اثنين فلا تضربها.. فإذا عقدت لك بالوسطى ثلاثا فاضرب عنقها..ورفع السياف سيفه فوق رأسها.. وقال لها الرشيد: غنى.. فقالت: أما بعد السادة فلا.. وعلا بكاؤها.. وقال لها للمرة الثانية.. غنى .. فقالت:أما بعد السادة ..فلا.. وقال لها للمرة الثالثة والأخيرة: غنى .. فأقبلت عليها الجواري يستعطفنها ويناشدنها الله في نفسها.. فاندفعت تغنى باكية على حبيبها جعفر وتندبه قائلة:

لما رأيت الديار قد درست                   أيقنت أن النعيم لم يعد

آي غنت.. ولكن لكي تغيظ الرشيد!! فوثب إليها الرشيد فأخذ العود من يدها وأخذ يضرب به وجهها ورأسها حتى تفتت العود وغطى الدم وجهها وجسدها ، وحملوها من بين يديه مقيدة تنزف دما فماتت بعد ثلاثة أيام .

رابعا : مجرد أمثلة عن إسرافه فى الدماء :

1 ـ بمجرد أن فرغ من جنازة أخيه الهادى كان أول أمر يصدره الرشيد هو ضرب عنق أبي عصمة القائد،لأنه كان يطيع أوامر الخليفة الهادى وابنه ولى العهد يومئذ ، تقول الرواية عن سبب قتل هذا القائد  ( لأنه كان مع جعفر بن الهادي، فزاحموا الرشيد على جسر فقال أبو عصمة‏:‏ اصبر وقف حتى يجوز ولي العهد‏. فقال الرشيد‏:‏ السمع والطاعة للأمير‏. فجاز جعفر وأبو عصمة ووقف الرشيد مكسوراً ذليلاً‏. فلما ولي أمر بضرب عنق أبي عصمة، ثم سار إلى بغداد‏.‏).

2 ـ وفى عام 171 :  قتل الرشيد أبا هريرة محمد بن فروخ نائب الجزيرة صبراً في قصر الخلد بين يديه‏.‏والسبب أن أباهريرة هذا إنهزم أمام الخارجى الصحصح . قتله صبرا ) أى تركه يموت جوعا وعطشا .!

3 ـ وقبل دقائق من موته ، جىء للرشيد ببشير بن الليث أخ الثائر فى خراسان ( رافع بن الليث ) وكان الرشيد ـ فى مرضه ـ قد قاد الجيش للقضاء على هذا الثائر . تقول الرواية عن بشير بن الليث مع الرشيد ( فلما وقف بين يديه شرع يترقق له فلم يقبل منه، بل قال‏:‏ والله لو لم يبق من عمري إلا أن أحرك شفتي بقتلك لقتلتك‏. ثم دعا بقصاب فجزأه بين يديه أربعة عشر عضواً، ثم رفع الرشيد يديه إلى السماء يدعو الله أن يمكنه من أخيه رافع كما مكنه من أخيه بشير‏.‏) . أى أمر جزارا أن يقطّع بشيرا قطعة قطعة . كان هذا آخر ما فعله الرشيد قبيل موته بدقائق .

4 ـ تفاصيل مسلسل الدماء فى خلافة الرشيد نتوقف معها فى المقال التالى بعون رب العزة جل وعلا.

 

 أخيرا : حتى لايضيع منا طرف الخيط :

 نذكركم بعنوان الكتاب : ( مسلسل الدماء فى تاريخ الخلفاء ـ الأصل التاريخى لتقسيم العالم فى عصر الخلفاء الى :" دار السلام ودار الحرب ")

الأصل التاريخى لتقسيم العالم الى ( دار السلام ودار الحرب ).

ونذكركم :

1 ـ بأن الله جل وعلا لم يخلق البشر ليكونا معسكرين متحاربين ، بل خلق البشر جميعا  أخوة من أب واحد وأم واحدة ، وجعلهم شعوبا وقبائل كى يتعارفوا سلميا ، لا لكى يتقاتلوا ، يقول جل وعلا يخاطب البشر جميعا : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13) الحجرات )

2 ـ إن الله جل وعلا أرسل رسوله بالقرآن الكريم رحمة للعالمين وليس لقتال العالمين ، يقول جل وعلا : ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (107) الأنبياء )

3 ـ إن الله جل وعلا أمر المؤمنين بالدخول فى السلام كافة ، فقال جل وعلا : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (208) البقرة ). وتشريعات القتال الدفاعية هى إستثناء يخدم السلام .  ولكن الصحابة إتبعوا خطوات الشيطان بالفتوحات ، وجعلوها دينا ، نتج عنه تقسيم العالم الى معسكرين متحاربين ـ حربا مستمرة ، لا يزال الوهابيون يواصلونها حتى اليوم

4 ـ القتال فى الاسلام هو لرد العدوان فقط ، وهذا معنى أن يكون فى سبيل الله جل وعلا . أما القتال المعتدى الذى فعله الصحابة فهو فى سبيل الشيطان ، وليس هناك توسط : إما قتال دفاعى فى سبيل الله جل وعلا ، وإما قتال باغ معتد ظالم يريد الثروة والسلطة ، أى فى سبيل الشيطان . يقول جل وعلا عن نوعى القتال : (الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ  )(76) النساء  )

5 ـ  فى حمامات الدم هذه كانوا يحرصون على تأدية صلاة شكلية ، كانت صلاة شيطانية لأنها لم تكن تنهاهم عن الفحشاء والمنكر بل كانت تأمرهم بالفحشاء والمنكر وتسوّغ لهم سفك الدماء والسلب والنهب والاسترقاق باسم الاسلام العظيم. كانت صلاتهم الشيطانية حربا لرب العزة جل وعلا.!

 موجز أنباء مسلسل الدماء فى خلافة الرشيد (170 : 193) 

الملاحظ هنا إستمرار الغارات الصيفية على البيزنطيين . وكان الصيف هو الملائم للغزو بعكس الشتاء ، ولكن كانت هناك بعض الغارات الشتوية فى البحر المتوسط  . واستهدفت هذه الغارات التدمير والقتل والأسر والسبى والسلب . وبالاضافة الى الغارات كانت هناك معارك هامة قادها الرشيد فإفتتح هرقلة . وبالاضافة الى الهجوم على ( دار الحرب ) ففى داخل ( دار السلام ) لم تنقطع حمامات الدماء ، بثورات  الخوارج وغيرهم . والتنازع بين الخليفة وخصومه هو حول المال . وكانت المساجد ـ كالعادة ـ مراكز حربية عدوانية ـ أى مساجد ضرار . ونعطى بعض التفصيلات :

عام 170 العام الذى تولى فيه الرشيد الخلافة

1 ـ  توفي يزيد بن حاتم المهلبي، والي إفريقية، واستخلف عليها ابنه داود، وانتقضت جبال باجة، وخرج فيها الإباضية، فسير إليهم داود جيشأ، فهزمهم الإباضية، فجهز إليهم جيشاً آخرهزم الإباضية، فتبعهم الجيش، ( فقتلوا منهم فأكثروا ).  
2 ( عزل الرشيد الثغور كلها عن الجزيرة وقنسرين، وجعلها حيزاً واحدأ، وسميت العواصم، وأمر بعمارة طرسوس على يدي فرج الخادم التركي ونزلها الناس.). أى إنه جعل التخوم جبهة عسكرية ، واستوطنها الناس .   

3 ـ الرشيد غزا الصائفة بنفسه، وقيل : غزا الصائفة سليمان بن عبد الله البكائي.

4 ـ (ثار ) أو ( خرج ) الفضل بن سعيد الحروري فقتل‏. 

عام 171  

1 ـ (خرج ) أو (ثار ) الصحصح الخارجي بالجزيرة، وكان عليها أبوهريرة، فوجه عسكراً إلى الصحصح، فلقوه، فهزمهم الخارجى .  وسار الصحصح إلى الموصل فلقيه عسكرها بباجرمى، فقتل منهم كثيرأ، ورجع إلى الجزيرة، فغلب على ديار ربيعة، فسير الرشيد إليه جيشاً فلقوه بدورين، فقتلوه، وعزل الرشيد أبا هريرة عن الجزيرة.ثم قتله فيما بعد .
2 ـ  استعمل الرشيد على صدقات بني تغلب روح بن صالح الهمداني، وهو من قواد الموصل، فجرى بينه وبين تغلب خلاف، فجمع جمعأ،  وقصدهم، فبلغهم الخبر، فاجتمعوأن وساروا إلى روح، فهزموه وقتلوه  هو وجماعة من أصحابه، فسمع حاتم بن صالح، وهوبالسكير، فجمع جمعاً كثيرأن وسار إلى تغلب، فبيتهم، وقتل منهم خلقاً كثيرأ ، وأسر مثلهم.
3 ـ  ولى الرشيد علي خراسان جعفر بن محمد بن الأشعث، فلما قدم خراسان سير ابنه العباس إلى كابل، فقاتل أهلها حتى افتتحهأ، ثم افتتح سانهار، وغنم ما كان بها.
4 ـ ثار بعض أهل البيت فطرد الرشيد بنى عمه ( الطالبيين  ) أى ذرية أبى طالب ، من بغداد إلى المدينة   خلا العباس بن الحسن بن عبد الله بن علي بن أبي طالب.
5 ـ   خرج الفضل بن سعيد الحروري فقتله أبوخالد المروروذي . ‏

6 ـ  كمل بناء مدينة طرسوس على يدي فرج الخادم التركي ونزلها الناس‏.‏ أى تم تحصينها وتجهيزها عسكريا ، وسكن فيها المقاتلون .

7 ـ غزا الصائفة   سليمان بن عبد الله البكائي .

عام 172

1 ـ غزا الصائفة إسحاق بن سليمان بن علي

 عام 175

1 ـ   غزا الصائفة عبد الرحمن بن عبد الملك بن صالح فبلغ أقريطية؛ فأصابهم برد شديد سقط منه كثير من أيدي الجند وأرجلهم.
2 ـ  سار يحيى بن عبد الله بن حسن بن حسن ين علي إلى الديلم، وثار هناك؛  واستمرت ثورته فى العام التالى 176 ، ( واشتدت شوكته، وكثر جموعه، وأتاه الناس من الأمصار، فاغتم الرشيد لذلك، فندب إليه الفضل بن يحيى ( البرمكى ) في خمسين ألفأ، وولاه جرجان ( جورجيا الآن ) وطبرستان والري وغيرهمأ ، وحمل معه الأموال، فكاتب يحيى بن عبد الله، ولطف به، وحذره، وأشار عليه، وبسط أمله... فأجاب يحيى إلى الصلح، على أن يكتب له الرشيد أماناً بخطه يشهد عليه فيه القضاة، والفقهاء، ومعظم الهاشمييين ، فأجابه الرشيد إلى ذلك، وسير الأمان مع هدايا وتحف الى يحيى ، فقدم يحيى مع الفضل بغداد، فلقيه الرشيد بترحيب ،وأمر له بمال كثير.ثم نكث الرشيد  بعهده ، ووافقه الفقيه أبوالبختري على نقض الأمان ، وقال للرشيد : (هذا أمان منتقض من وجه كذا؛ فمزقه الرشيد.) فحبسه، فمات في الحبس.

3 ــ  خرج بخراسان حصين الخارجي، وهومن الموالي ، من أهل أوق، وكان على سجستان عثمان بن عمارة، فأرسل جيشأ ، فلقيهم حصين، فهزمهم، ثم أتى خراسان وقصد باذغيس، وبوشنج، وهراة.  وكتب الرشيد إلى الغطريف في طلبه، فسير إليه الغطريف داود بن يزيد في اثني عشر ألفأ،  فلقيهم حصين في ستمائة فقط فهزمهم، وقتل منهم خلقاً كثيراً.وظلت ثورته في خراسان إلى أن قتل سنة 177.

 عام 176

1 ـ  حرب بين قبائل (مُضر ) و ( اليمانية ) فى دمشق . .
2 ـ  خرج الفضل الخارجي بنواحي نصيبين،( فأخذ من أهلها مالأ،  وسار إلى دارا وآمد وارزن، فأخذ منهم مالأ،  وكذلك فعل بخلاط، ثم رجع إلى نصيبين، وأتى الموصل، فخرج إليه عسكرهأ،  فهزمهم على الزاب، ثم عادوا لقتاله. ).وانتهى الأمر بقتله وأصحابه . 

عام  177:

1 ـ ثورة اهل  شمال أفريقية على واليهم ، ونشوب حروب  ، فولى الرشيد ( هرثمة بن أعين  ) وبعد عدة معارك طلب هرثمة من الرشيد إعفاءه ، فأعفاه في رمضان سنة 181، فكانت ولايته سنتين ونصفاً.

2 ـ ثورة بالموصل تزعمها (العطاف بن سفيان الأزدي) ( وكان من فرسان أهل الموصل، واجتمع عليه أربعة آلاف رجل، وجبي الخراج، وأقام على هذا سنتين) ،وفى عام 180 هدم الرشيد سورالموصل ، وقد سار إليها بنفسه، ( وأقسم ليقتلن من لقي من أهلهأ، فأفتاه القاضي أبويوسف، ومنعه من ذلك . ) ( وكان الخارجى العطاف ( قد سار عنها نحوأرمينية فلم يظفر به الرشيد، ومضى إلى الرقة فاتخذها وطناً.)
 3 ـ  غزا الصائفة عبد الرزاق بن عبد الحميد التغلبي

عام 178

1 ـ ثورة أعراب الحوف الشرقى بمصر ( محافظة الشرقية الآن ) بسبب الخراج، وهزمهم العباسيون . 

2 ـ   خرج ( الوليد بن طريف التغلبي )( بالجزيرة، ففتك بإبراهيم بن خازم ابن خزيمة بنصيبين، ثم قويت شوكة الوليد، فدخل إلى أرمينية، وحصر خلاط عشرين يومأ،  فافتدوا منه أنفسهم بثلاثين ألفاً.ثم سار إلى أذربيجان، ثم إلى حلوان وأرض السواد، ثم عبر إلى غرب دجلة، وقصد مدينة "بلد"، فافتدوا منه بمائة ألف، وعاث في أرض الجزيرة ، فسير إليه الرشيد  (يزيد بن مزيد بن زائدة الشيباني )،  وبعد معارك هزمه يزيد وقتله (فاحتز رأسه ) . وقادت الجيش بعد ( الوليد بن طريف) أخته ( ليلى ) فهزمها يزيد . 

3 ـ غزا الصائفة معاوية بن زفر بن عاصم، وغزا (الشاتية ) أى ( فى الشتاء) سليمان بن راشد، ومعه البند بطريق صقلية.أى كانت غزوة بحرية فى البحر المتوسط .

4 ـ فى الشرق الآسيوى :غزا الفضل بن يحيى البرمكى ما وراء النهر من بخارى، فاستسلم له صاحب أشروسنة، وبنى الفضل بخراسان المساجد والرباطات ( أى حصون الجهاد ، أى إرتبطت مساجد الضرار بالقواعد العسكرية التى هى للإعتداء على من لم يعتد على العباسيين ).

 عام  179 : 184

1 ـ  إنتشر فى خراسان الأعراب ، وشجعهم بُعد خراسان عن بغداد وفساد ولاتها على إعتناق مبدأ الخوارج . وقد ثار فى خراسان حمزة بن أترك السجستانى ، واستمرت ثورته حتى عام 184 ، فى ولاية على بن عيسى بن ماهان على خراسان ، وقد هزم ( حمزة ) جيوش العباسيين ، ثم هزموه فهرب الى ( قهستان ) ، فسار الوالى العباسى وقتل الخوارج فى (أوق وجوين،) وأحرق القرى التي كان أهلها يعينون ( حمزة ) وقتل من فيهأ، حتى وصل إلى ( زرنج )، فقتل ثلاثين ألفاً ورجع، وترك جيشا فى ( بزرنج ) يقوده (عبد الله بن العباس النسفي ) ، فجبى الأموال وقاتل ( حمزة ) فى (  بهأن )  وهزم حمزة بعد قتال شديد  ( وقتل كثير من أصحابه، وجرح في وجهه، واختفى هو ومن سلم من أصحابه في الكروم، ثم خرج وسار في القرى يقتل، ولا يبقي على أحد.) ( وكان علي بن عيسى قد استعمل ( طاهر بن الحسين ) على ( بوشنج )،وسار الخارجى ( حمزة ) الى ( بوشنج ) فقتل ثلاثين غلاما فى مكتب تحفيظ للقرآن  وقتل معلمهم، فانتقم ( طاهر )من الخوارج شر إنتقام :  ( فأتى قرية فيها قعد الخوارج، وهم الذين لا يقاتلون، ولا ديوان لهم، فقتلهم طاهر،وأخذ أموالهم؛ وكان يشد الرجل منهم في شجرتين، ثم يجمعهمأ ثم يرسلهمأ، فتأخذ كل شجرة نصفه. ) ، فكتب القاعدون من الخوارج  إلى حمزة بالكف، فكف وواعدهم، وأمن الناس مدة، وكانت بينه وبين أصحاب علي بن عيسى حروب كثيرة.. وفى عام 184 عاد (  حمزة الخارجي  ) للثورة فى (باذغيس) ، فقتل الجيش العباسى من أصحابه عشرة آلاف، ودخل الجيش العباسى عيسى كابل وزابلستان.
 عام 180  

1 ـ    خرج حراشة الشيباني بالجزيرة، فقتله مسلم بن بكار العقيلي.  

2 ـ  خرجت ( الخوارج ) المحمرة بجرجان.ثم غلبت على خراسان فى العام التالى : 181
 3 ـ غزا الصائفة محمد بن معاوية بن زفر بن عاصم.
 4 ـ  أمر الرشيد ببناء مدينة عين زربة وحصنها. وسير إليها جنداً من أهل خراسان وغيرهم، فأقطعهم بها المنازل ليتفرغوا ( للجهاد )

عام 181

1 ـ ( فى أفريقية : 181 : 196 )

ولّى الرشيد  على أفريقيا أخاه من الرضاع محمد بن مقاتل العكي، و ( لم يكن بالمحمود السيرة، فاختلف الجند عليه واتفقوا على تقديم مخلد بن مرة الأزدي، واجتمع معه  كثير من الجند والبربر.) فارسل الوالى  جيشأ هزم مخلد ، واختفى مخلد في مسجد، فأخذوه  وذبحوه .

 وخرج بتونس (تمام بن تميم التميمي ) في جمع كثير، وساروا إلى القيروان في رمضان سنة 183،  وخرج إليه الوالى ابن مقاتل العكي ، فاقتتلوا بمنية الخيل، فانهزم ابن العكي إلى القيروان ، وسار تمام فدخل القيروان وآمن ابن العكي، على أن يخرج عن إفريقية، فسار في رمضان إلى طرابلس.فجمع إبراهيم بن الأغلب التميمي جمعاً كثيرأ، وسار إلى القيروان منكراً لما فعله تمام..) ، وفى النهاية إنهزم تمام ( .. وقتل جماعة من أصحابه، ولحق بمدينة تونس، فسار إبراهيم ابن الأغلب إليه ليحصره، فطلب منه الأمان فأمنه.).

وطلب أهل البلاد من الرشيد تولية  إبراهيم بن الأغلب إفريقية ، وتنازل ابراهيم بن الأغلب عن مساعدة سنوية قدرها  مائة ألف دينار ، كانت تأتى الى أفريقية من مصر، وأن يحمل للرشيد كل سنة أربعين ألف دينار، فولاه الرشيد في المحرم سنة 184، (فانقمع الشر، وضبط الأمر،) وأرسل المشاغبين الى الرشيد، (فسكنت البلاد، وابتنى مدينة سماها العباسية بقرب القيروان، وانتقل إليها بأهله وعبيده.).

وخرج عليه، سنة 186 ، رجل من أبناء العرب بمدينة تونس، اسمه حمديس، فارسل اليه ابن الأغلب جيشا يقوده (عمران بن مخلد  ) ( فانهزم حمديس ومن معه، وأخذهم السيف، فقتل منهم عشرة آلاف رجل. )، ودخل (عمران بن مخلد ) تونس.
 ثم ثار ( عمران بن مخلد ) على ( إبراهيم بن الأغلب) وتبعه جمع كثير (فنزل بين القيروان والعباسية، وصارت القيروان وأكثر بلاد إفريقية معه.) ( ودامت الحرب بينهما سنة كاملة، فسمع الرشيد الخبر، فأنفذ إلى إبراهيم خزانة مال، فلما صارت إليه الأموال أمر منادياً ينادي: من كان من جند أمير المؤمنين فليحضر لأخذ العطاء. ففارق عمران أصحابه وتفرقوا عنه،) ، وهرب عمران،  وانتهى أمره بالقتل  بعد  أن توفي إبراهيم في شوال سنة 196.

2 ـ غزا الرشيد أرض الروم، فافتتح حصن الصفصاف

3 ـ  غزا عبد الملك بن صالح أرض الروم، فبلغ أنقرة، وافتتح مطمورة

4 ـ  كان الفداء بين الروم والمسلمين، وهوأول فداء كان أيام بني العباس، وكان القاسم بن الرشيد هوالمتولي له، وكان الملك نقفور، ففرح بذلك الناس، ففودي بكل أسير في بلاد الروم، وكان الفداء باللامس، على جانب البحر، بينه وبين طرسوس اثنا عشر فرسخأن وحضر ثلاثون ألفاً من المرتزقة مع أبي سليمان، فخرج الخادم، متولي طرسوس، وخلق كثيراً من أهل الثغور، وغيرهم من العلماء والأعيان، وكان عدة الأسرى ثلاثة آلاف وسبعمائة  .

عام 182

1 ـ وغزا الصائفة عبد الرحمن بن عبد الملك بن صالح، فبلغ أفسوس .
 2 ـ جىء بابنة خاقان ملك الخزر إلى الفضل بن يحيى، فماتت  فى الطريق ، ورجع من معها إلى أبيها فأخبروه أنها قتلت غيلة، ( فتجهز إلى بلاد الإسلام.)
عام 183 :

1 ـ بسبب ما حدث لابنته هاجم خاقان الخزر بجيوشه، تقول الرواية  : ( فأوقعوا بالمسلمين وأهل الذمة، وسبوا أكثر من مائة ألف رأس، وانتهكوا أمراً عظيماً لم يسمع بمثله في الأرض . ) وانتهى الأمر بإخراج الخزر .

2 ـ ثار أبوالخصيب وهيب بن عبد الله النسائي فى بلدة ( نسا ) من خراسان ، وأمر الرشيد أن يحاربه 

 علي بن عيسى من خراسان، وفى عام 184 طلب أبوالخصيب الأمان فأمنه علي بن عيسى بن ماهان. وفى عام  185 غدر أبوالخصيب ثانية، وغلب على أبيورد، وطوس، ونيسابور، وحصر مرو، ثم انهزم عنها وعاد إلى سرخس، وعاد أمره قويا . وفى عام 186   سار اليه علي بن عيسى بن ماهان من ( مرو ) إلى ( نسا ) فحاربه فقتله وسبى نساءه وذراريه.

 عام  184

1 ـ (  خرج أبوعمروالشاري) فى شهرزور ، فحاربه وهزمه زهيرً القصاب . عام 185

1 ـ ( قتل أهل طبرستان مهرويه الرازي، وهو واليها، فولى الرشيد مكانه عبد الله بن سعيد الحرشي)

2 ـ ثورة الخارجى أبان بن قحطبة بمرج القلعة ، وقتله عبد الرحمن الأنباري.

عام  187 

1 ـ دخل القاسم بن الرشيد أرض الروم في شعبان، فأناخ على قرة، وحصرها، ووجه العباس بن جعفر بن محمد بن الأشعث، فحصر حصن سنان، حتى جهد أهلهأ،  فبعث إليه الروم ثلاثمائة وعشرين أسيراً من المسلمين على أن يرحل عنهم، فأجابهم ورحل عنهم صلحاً.
2 ـ بين الرشيد ونقفور مك الروم :   

(وكان يملك الروم حينئذ امرأة اسمها ريني، فخلعتها الروم وملكت نقفور ، وماتت ريني بعد خمسة أشهر من خلعها.فلما استوثقت الروم لنقفور كتب إلى الرشيد: ( من نقفور ملك الروم إلى هارون ملك العرب، أما بعد فإن الملكة التي كانت قبلي أقامتك مقام الرخ، وأقامت نفسها مكان البيدق، فحملت إليك من أموالها ما كنت حقيقاً بحمل أضعافها إليهأ،  لكن ذلك ضعف النساء، وحمقهن، فإذا قرأت كتابي هذا فاردد ما حصل لك من أموالهأ، وافتد نفسك بما تقع به المصادرة لك، وإلا فالسيف بيننا وبينك.). فلما قرأ الرشيد الكتاب استفزه الغضب، حتى لم يقدر أحد أن ينظر إليه ..وتفرق جلساؤه، فدعا بدواة، وكتب على ظهر الكتاب: ( بسم الله الرحمن الرحيم، من هارون أمير المؤمنين إلى نقفور كلب الروم؛ قد قرأت كتابك يا ابن الكافرة، والجواب ما تراه دون ما تسمعه، والسلام.) . ثم سار من يومه حتى نزل على هرقلة ، ففتح وغنم وأحرق وخرّب، فسأله نقفور المصالحة على خراج يحمله كل سنة، فأجابه في ذلك.فلما رجع من غزوته وصار بالرقة نقض نقفور العهد، وكان البرد شديدأ،  فأمن ( نقفور ) رجعة الرشيد إليه، فلما جاء الخبر بنقضه ما جسر أحد على إخبار الرشيد، خوفاً ... فاحتيل له بشاعر من أهل جنده، وهوأبومحمد عبد الله بن يوسف... فلما سمع الرشيد ذلك قال: أوقد فعل ذلك نقفور؟ وعلم أن الوزراء قد احتالوا له في ذلك، فرجع إلى بلاد الروم في أشد زمان وأعظم كلفة، حتى بلغ بلادهم، فأقام بها حتى شفي واشتفى وبلغ ما أراد.  )

3 ـ  (خرج عبد السلام بآمد، .. فقتله يحيى بن سعيد العقيلي.)
4 ـ ( أغزى الرشيد ابنه القاسم الصائفة، فوهبه لله، وجعله قرباناً له وولاه العواصم. ) أى إن القتال عندهم عبادة كبرى ..  

عام 188

1 ـ غزا إبراهيم بن جبرئيل الصائفة، فدخل أرض الروم من درب الصفصاف، فخرج إليه نقفور ملك الروم، ..( وقُتل من الروم أربعون ألفاً وسبعمائة.).!!
2 ـ وفيها رابط القاسم بن الرشيد بدابق.

عام  189

1 ـ   ( كثر شغب أهل طرابلس الغرب على ولاتهم، وكان إبراهيم بن الأغلب، أمير إفريقية، قد استعمل عليهم عدة ولاة، فكانوا يشكون من ولاتهم، فيعزلهم، ويولي غيرهم، فاستعمل عليهم هذه السنة سفيان ابن المضاء، وهي ولايته الرابعة، فاتفق أهل البلد على إخراجه عنهم، وإعادته إلى القيروان، فزحفوا إليه، فأخذ سلاحه، وقاتلهم هو وجماعة ممن معه، فأخرجوه من داره، فدخل المسجد الجامع، فقاتلهم فيه، فقتلوا أصحابه، ثم أمنوه، فخرج عنهم في شعبان من هذه السنة، فكانت ولايته سبعاً وعشرين يوماً ) .   (ثم وقع بين الأبناء بطرابلس أيضاً وبين قوم يعرفون ببني أبي كنانة وبني يوسف حروب كثيرة، وقتال، حتى فسدت طرابلس، فبلغ ذلك إبراهيم بن الأغلب، فأرسل جمعاً من الجند، وأمرهم أن يحضروا الأبناء وبني أبي كنانة، وبني يوسف، فأحضروهم عنده بالقيروان في ذي الحجة، فلما قدموا عليه سألوه العفوعنهم في الذي فعلوه، فعفا عنهم، فعادوا إلى بلدهم.)
2 ـ : ( الفداء بين المسلمين والروم، فلم يبق بأرض الروم مسلم إلا فودي به ).

عام  190

1 ـ ثورة ( رافع بن الليث بن نصر بما وراء النهر مخالفاً للرشيد بسمرقند ). وهو ابن نصر بن سيار الوالى الأموى السابق على خراسان .

2 ـ  ( فتح الرشيد هرقلة، وأخربها؛ بسبب (غدر نقفور)..وكان حصرها ثلاثين يومأ، وسبى أهلهأ ، وكان قد دخل البلاد في مائة ألف وخمسة وثلاثين ألفاً من المرتزقة، سوى الأتباع والمتطوعة، ومن لا ديوان له، وأناخ عبد الله بن مالك على ذي الكلاع، ووجه داود بن عيسى بن موسى سائراً في أرض الروم في سبعين ألفاً يخرب وينهب، ففتح الله عليه، وفتح شراحيل بن معن بن زائدة حصن الصقالبة ودلسة، وافتتح يزيد بن مخلد الصفصاف وملقونية، واستعمل حميد بن معيوف على سواحل الشام ومصر، فبلغ قبرس، فهدم واحرق وسبى من أهلها سبعة عشر ألفاً فأقدمهم الرافقة، فبيعوا بهأ،  وبلغ فداء أسقف قبرس ألفي دينار.وبعث نقفور بالخراج والجزية عن رأسه أربعة دنانير، وعن رأس ولده دينارين، وعن بطارقته كذلك، وكتب نقفور إلى الرشيد في جارية من سبي هرقلة كان خطبها لولده، فأرسلها إليه.).

ونتأمل هذه العبارات : (وسبى أهلهأ ، )، أى سبى اهل هرقلة كلهم .! . ، (  سائراً في أرض الروم في سبعين ألفاً يخرب وينهب، ففتح الله عليه،  ) فى دينهم الأرضى تجد السلب والنهب والتخريب عبادة .! (، فبلغ قبرس، فهدم واحرق وسبى من أهلها سبعة عشر ألفاً فأقدمهم الرافقة، فبيعوا بهأ .!! ). ماذنب هؤلاء الأبرياء ؟ هل هاجموا العباسيين ؟ 

3 ـ ( خرج في هذه السنة خارجي من ناحية عبد القيس، يقال له سيف بن بكير، فوجه إليه الرشيد محمد بن يزيد ين مزيد، فقتله بعين النورة.)

4 ـ ( نقض أهل قبرس العهد، فعزاهم معيوف بن يحيى، فسبى أهلها. ) من تانى .!؟

5 ـ  غزا الرشيد الصائفة.

6 ـ خرجت الروم إلى عين زربي، والكنيسة السوداء وأغاروأ،  فاستنقذ أهل المصيصة ما كان معهم من الغنيمة

عام 191  

1 ـ خرج خارجي يقال له ثروان بن سيف بناحية حولايأ ، وتنقل في السواد، فوجه إليه طوق بن مالك، فهزمه طوق، وجرحه وقتل عامة أصحابه.
2 ـ  خرج أبوالنداء بالشام، فسير الرشيد في طلبه يحيى بن معاذ، وعقد له على الشام.
3 ـ   ظفر حماد البربري بهيصم اليماني.
4 ـ   أرسل أهل نسف إلى رافع بن الليث يسألونه أن يوجه إليهم من يعينهم على قتل عيسى ابن والى خراسان (علي بن عيسى )،  فأرسل إليهم جمعأ، فقتلوا عيسى وحده في ذي القعدة.
 5 ـ  غزا يزيد بن مخلد الهبيري أرض الروم في عشرة آلاف، فأخذت الروم عليه المضيق، فقتلوه وخمسين رجلأ، وسلم الباقون، وكان ذلك بالقرب من طرسوس.
6 ـ   استعمل الرشيد على الصائفة هرثمة بن أعين قبل أن يوليه خراسان، وضم إليه ثلاثين ألفاً من أهل خراسان، ورتب الرشيد بدرب الحدث عبد الله بن مالك، وبمرعش سعيد بن سلم بن قتيبة، فأغارت الروم عليهأ، فأصابوا من المسلمين، وانصرفوأ، ولم يتحرك سعيد من موضعه؛ وبعث محمد بن يزيد بن مزيد إلى طرسوس.
وأقام الرشيد بدرب الحدث ثلاثة أيام من رمضان، وعاد إلى الرقة، وأمر الرشيد بهدم الكنائس بالثغور، وعاقب الرشيد (أهل الذمة) فألزمهم لباس معين يخالف المسلمين في لباسهم، وركوبهم، وأمر هرثمة ببناء طرسوس وتمصيرهأ، ففعل، وتولى ذلك فرج الخادم بأمر الرشيد، وسير إليها جنداً من أهل خراسان ثلاثة آلاف، ثم أشخص إليهم ألفاً من أهل المصيصة، وألفاً من أهل أنطاكية، وتم بناؤها سنة  192   وبنى مسجدها.) .

عام 192

1 ـ   سار الرشيد الى خراسان لحرب ( رافع بن الليث)،وكان الرشيد مريضاً .وكانت آخر حرب له .

2 ـ أول ظهور لطائفة (الخرمية ) الفارسية العسكرية فى أذربيجان، فأرسل إليهم الرشيد (عبد الله بن مالك) في عشرة آلاف،( فقتل وسبى وأسر،) وأمره الرشيد ( بقتل الأسرى، وبيع السبي.)
3 ـ وثار أبو النداء ، فهزمه يحيى بن معاذ ، وأحضره الى الرشيد ، فقتله.

4 ـ  استعمل الرشيد على الثغور ثابت بن نصر بن مالك، فافتتح مطمورة.

5 ـ الفداء للأسرى بالبذندون.

6 ـ  خرج ثروان الحروري بطف البصرة، فقاتل عامل السلطان بها.
7 ـ  قتل الرشيد  الثائر : الهيصم الكناني.

8 ـ إنشغل القائدان العباسيان (هرثمة ) و ( طاهر بن الحسين ) بمحاربة الثائر فى سمرقند ( رافع بن الليث )، وانتهز الفرصة حمزة الخارجى ، فدخل خراسان  ( وصار يقتل، ويجمع الأموال، ويحملها إليه عمال هراة وسجستان، فخرج إليه عبد الرحمن النيسابوري، فاجتمع إليه نحوعشرين ألفأ،  فسار إلى حمزة فقاتله قتالاً شديداً فقتل من أصحاب حمزة خلقأ، واستمرت المعارك بعد موت الرشيد ، وحتى عام 194  حيث إقتحموا سمرقند ، وفى العام التالى قتلوا رافع بن الليث  .
9 ـ  وفيها كان الفداء الثاني بين المسلمين والروم، وكان القيم به ثابت بن نصر بن مالك الخزاعي، وكان عدة الأسرى من المسلمين ألفين وخمسمائة أسير.

عام 193.
 هزم القائد العباسى (هرثمة ) الثائر ( رافع بن الليث ) ، وهرب رافع ، ووقع أخوه بشير فى الأسر ، فجىء به الى الرشيد فى طوس ، حيث كان الرشيد يجود بأنفاسه الأخيرة، فأمر الرشيد جزارا بتقطيع بشير قطعة قطعة ، وهو حىُّ . ومات الرشيد بعدها.

 

 أخيرا : حتى لايضيع منا طرف الخيط :

 نذكركم بعنوان الكتاب : ( مسلسل الدماء فى تاريخ الخلفاء ـ الأصل التاريخى لتقسيم العالم فى عصر الخلفاء الى :" دار السلام ودار الحرب ")

الأصل التاريخى لتقسيم العالم الى ( دار السلام ودار الحرب ).

ونذكركم :

1 ـ بأن الله جل وعلا لم يخلق البشر ليكونا معسكرين متحاربين ، بل خلق البشر جميعا  أخوة من أب واحد وأم واحدة ، وجعلهم شعوبا وقبائل كى يتعارفوا سلميا ، لا لكى يتقاتلوا ، يقول جل وعلا يخاطب البشر جميعا : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13) الحجرات )

2 ـ إن الله جل وعلا أرسل رسوله بالقرآن الكريم رحمة للعالمين وليس لقتال العالمين ، يقول جل وعلا : ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (107) الأنبياء )

3 ـ إن الله جل وعلا أمر المؤمنين بالدخول فى السلام كافة ، فقال جل وعلا : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (208) البقرة ). وتشريعات القتال الدفاعية هى إستثناء يخدم السلام .  ولكن الصحابة إتبعوا خطوات الشيطان بالفتوحات ، وجعلوها دينا ، نتج عنه تقسيم العالم الى معسكرين متحاربين ـ حربا مستمرة ، لا يزال الوهابيون يواصلونها حتى اليوم

4 ـ القتال فى الاسلام هو لرد العدوان فقط ، وهذا معنى أن يكون فى سبيل الله جل وعلا . أما القتال المعتدى الذى فعله الصحابة فهو فى سبيل الشيطان ، وليس هناك توسط : إما قتال دفاعى فى سبيل الله جل وعلا ، وإما قتال باغ معتد ظالم يريد الثروة والسلطة ، أى فى سبيل الشيطان . يقول جل وعلا عن نوعى القتال : (الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ  )(76) النساء  )

5 ـ  فى حمامات الدم هذه كانوا يحرصون على تأدية صلاة شكلية ، كانت صلاة شيطانية لأنها لم تكن تنهاهم عن الفحشاء والمنكر بل كانت تأمرهم بالفحشاء والمنكر وتسوّغ لهم سفك الدماء والسلب والنهب والاسترقاق باسم الاسلام العظيم. كانت صلاتهم الشيطانية حربا لرب العزة جل وعلا.!

 

 

  مسلسل الدماء فى خلافة ( الأمين ) العباسى  (الخليفة الشاذ التافه ) 

أولا  : شخصية الخليفة محمد الأمين

1 ـ ( محمد الأمين ) مولود فى السنة التى تولى فيها ابوه الخلافة 170 ، وعقد له أبوه بالبيعة واليا لعهده عام 175 ، وحكم خمس سنوات ، وقُتل عام 198 . أشعل حربا كان منتظرا أن يتفرغ لها ، ولكنه أشعلها وإنشغل عنها بمجونه وإستهتاره الذى تفوق فيه على السابقين ، وسبق بشذوذه الجنسى الخلفاء العباسيين المنحلّين الذين أتوا بعده وساروا على نهجه .

2 ـ قالوا فيه : ( وأما الأمين فإنه تشاغل باللهو واللعب ، وبنى ميدانًا حول قصر المنصور للصوالجة وعمل خمس حراقات في دجلة على خلقة‏‏ الأسد والفيل والعقاب والفرس والحيّة ‏.‏ وأمر لبعض من أنشده بثلثمائة ألف دينار وأوقر لشاعر أنشده ثلاثة أبغل دراهم .)  

( ثم وجه إلأمين الى جمع البلدان في طلب الملهين، وضمهم إليه، وأجرى عليهم الأرزاق، واحتجب عن أخويه وأهل بيته، واستخف بهم وبقواده، وقسم ما في بيوت الأموال، وما بحضرته من الجواهر في خصيانه، وجلسائه، ومحدثيه، وأمر ببناء مجالس لمنزهاته، ومواضع خلواته ولهوه ولعبه، وعمل خمس حراقات في دجلة على صورة الأسد، والفيل، والعقاب، والحية، والفرس، وأنفق في عملها مالاً عظيمأ ).

 ( أمر الأمين أن يفرش له على دكان في (قصر ) الخلد يومأ ، ففرش عليها بساط زرعي، ونمارق ، وفرش مثله، وهيئ من آنية الذهب والفضة والجواهر أمر عظيم، وأمر قيّمة جواريه أن تهيئ له مائة جارية صانعة، فتصعد إليه عشراً عشراً بأيديهن العيدان، يغنين بصوت واحد، فأصعدت إليه عشراً فاندفعن يغنين.. ) .

وعن شذوذه الجنسى قالوا : ،( طلب الخصيان وأباعهم ( أى إشتراهم ) ، وغالى فيهم، ( أى تطرف فى حبهم ) ، فصيرهم لخلوته ليله ونهاره،وقوام طعامه وشرابه، وأمره ونهيه، وفرض لهم فرضاً ( أى عيّن لهم جنودا ) سماهم الجرادية، وفرضاً من الحبشان سماهم الغرابية، ورفض النساء الحرائر والإماء... )

وبعد قتله قيل فى إستحلال قتله :( كيف لا يستحل قتل محمد وشاعره ( ابو نواس ) يقول في مجلسه:  ألا فاسقني خمراً وقل لي هي الخمر ** ولا تسقني سراً فقد أمكن الجهر ).

ولم يجد المؤرخ ابن الأثير فيه ما يستحق الاشادة، فقال عنه : ( ولم نجد في سيرته ما يستحسن ذكره من حلم، أومعدله، أوتجربة، حتى نذكرهأن وهذا القدر كاف.)

3 ـ  وهجاه الشعراء إنكارا على فجوره ومجونه وشذوذه وسوء تدبيره .

فعن شذوذه الجنسى قالوا عنه :

 لهم من عمره شطر وشطر ** يعاقر فيه شرب الخندريس

وما للغانيات لديه حظ ** سوى التقطيب بالوجه العبوس

إذا كان الرئيس كذا سقيماً ** فكيف صلاحنا بعد الرئيس

ولما بايع الأمين لابنه ( الطفل )..قال الشاعر البغدادى :

أضاع الخلافة غش الوزير      وفسق الإمام وجهل المشير

ففضل وزير وبكر مشير         يريدان ما فيه حتف الأمير

وما ذاك إلا طريق غرور       وشر المسالك طرق الغرور )

ثم يقول عن شذوذ الخليفة الأمين الايجابى وشذوذ الوزير السلبى :

( لواط الخليفة أعجوبة           وأعجب منه خلاق الوزير

فهذا يدوس وهذا يداس       كذاك لعمري اختلاف الأمور

 فلو يستعينان هذا بذاك            لكانا بعرضة أمر ستير)

 ويقول عن عشق الخليفة بغلامه كوثر 

( ولكن ذا لج في كوثر       ولم يشف هذا دعاس الحمير

 فشنع فعلاهما منهما           وصار خلافا كبول البعير ).

وقال عن البيعة لابن الخليفة وهو لا يزال رضيعا يحتاج لمن ينظفه : 

( وأعجب من ذا وذا أننا           نبايع للطفل فينا الصغير

ومن ليس يحسن غسل استه    ولم يخل من بوله حجر ظير )

ومما قيل في هجائه بعد قتله تذكيرا : بمجونه وتركه الصلوات وشربه الخمر وشذوذه مع غلامه كوثر وحمقه وتعريضه بغداد لتكون ميدانا للحرب بينه وبين اخيه المأمون  :

( لم نبكيك، لماذا؟ للطرب **     يا أبا موسى، وترويج اللعب

ولترك الخمس في أوقاتها **    حرصاً منك على ماء العنب

وشنيف أنا لا أبكي له **        وعلى كوثر لا أخشى العطب

لم تكن تعرف ما حد الرضى **  لا ولا تعرف ما حد الغضب

لم تكن تصلح للملك ولم **      تعطك الطاعة بالملك العرب

لم نبكيك؟ لما عرضتنا **           للمجانيق وطوراً للسلب

 كان والله علينا فتنة **           غضب الله عليه وكتب

 

ثانيا : مسلسل الدماء ( داخل  "دار السلام " ) فى الخلاف بين الأمين والمأمون

1 ـ قوة الخليفة المنصور المؤسس الحقيقى للدولة العباسية لم تسمح بوجود مراكز قوة الى جانبه ، قتل أبا مسلم الخراسانى ، وارعب وزراءه . وخفّ الحال فى خلافة المهدى ، فكان فيه نفوذ للحاجب  (الربيع بن يونس) ( ت 170 )، وحلّ محله نفوذ البرمكة فى عهد الرشيد . وكان هذا برضى الرشيد الذى كان يرتعب منه الجميع، وفى لحظة غضب أطاح بالبرامكة ، ولم يسمح الرشيد بعدها بنفوذ لأى أحد . 

2 ـ تفاهة (الأمين ) شجعت على تكوين مركز قوة تمثل فى (الفضل) ابن (الربيع ابن يونس ) الذى كان يخشى إنتقام المأمون منه فعمل على ألا يصل المأمون للخلافة بأن يزيحه الأمين من ولاية العهد ، بتقديم إبن الأمين الطفل فى ولاية العهد على (المأمون ). 

2 ـ ( محمد الأمين ) قدمه أبوه الرشيد على أخيه الأكبر (عبد الله المأمون ) لأن المأمون أمه جارية بينما أم الأمين ( زبيدة ) هى بنت عم الرشيد. وبنفوذها قام الرشيد بتقديم الأمين فى ولاية العهد على أخيه الأكبر المأمون. وقد عاشت حتى شهدت هزيمة ابنها وقتله نتيجة لتدليلها له وسوء تربيته . وكان الرشيد يتحسّر على إضطراره لهذا حين يقارن بين الأمين المدلل والمأمون المهذب. ثم بايع الرشيد لعبد الله المأمون بولاية العهد بعد الأمين عام 182 . أى وقع الرشيد فى نفس الخطأ القاتل وهو البيعة لاثنين ، وهو نفس الخطأ الذى تكرر يوقع الخلاف بين الأخوة ، حيث يعزل الأخ أخاه ويولى العهد ابنه أو إبنين. ولم يتعظ الرشيد بما حدث له من أخيه الهادى . ويقول ابن الأثير معلقا : (وهذا من العجائب، فإن الرشيد قد رأى ما صنع أبوه وجده المنصور بعيسى ابن موسى، حتى خلع نفسه من ولاية العهد، وما صنع أخوه الهادي ليخلع نفسه من العهد، فلولم يعاجله الموت لخلعه، ثم هويبايع للمأمون بعد الأمين، وحُبُّك الشيء يعمي ويصم .!!). وحاول الرشيد إصلاح الأمر مقدما بإلزام إبنيه الأمين والمأمون بالوفاء ، فكتب عقدا علقه فى الكعبة ، فى عام 186 ، تقول الرواية : ( ولما وصل الرشيد إلى مكة، ومعه أولاده، والفقهاء والقضاة والقواد، كتب كتاباً أشهد فيه على محمد الأمين، وأشهد فيه من حضر بالوفاء للمأمون، وكتب كتاباً للمأمون أشهدهم عليه فيه بالوفاء للأمين، وعلق الكتابين في الكعبة، وجدد العهود عليهما في الكعبة. ). 

3 ـ فى البداية سارت الأمور بين الأخوين بسلاسة : تسلم الأمين خزائن الرشيد من أمه زبيدة في شعبان عام 194،( وأقر الأمين أخاه المأمون على ما تحت يده من بلاد خراسان والري وغير ذلك) وإعترف المأمون بخلافة الأمين ( وكتب إليه وعظّمه ).

4 ـ بدأ الفساد فى نفس العام 194 ، بتدخل الفضل بن الربيع الذى زيّن للأمين خلع المأمون ، وأيده فى هذا علي بن عيسى بن ماهان، والسندي ، فأمر الأمين بالدعاء على المنابر لابنه موسى ( بما يعنى العهد له بولاية العهد وخلع المأمون ). 

5 ـ فلما بلغ ذلك المأمون وهو فى خراسان أسقط اسم الأمين من الطراز، وقطع البريد عنه .   وإنضم للمأمون القائد هرثمة وطاهر بن الحسين .

6 ـ وبعث الأمين الى المأمون بعض كبار العباسيين (العباس بن موسى ، وعيسى بن جعفر بن المنصور ) وبعض قواده:  (صالح صاحب المصلى، ومحمد بن عيسى بن نهيك. )،   برسالة بأن يتنازل عن ولاية العهد للطفل موسى ابن الأمين ، فرفض المأمون ، ورجع أولئك الرسل الى الأمين يخبرونه أن أهل خراسان مع المأمون . واستمال المأمون ( العباس بن موسى العباسى  ) وجعله جاسوسا على الأمين مقابل وعود . وحصّن المأمون خراسان بأعوانه فلا يدخل اليها أحد من العراق إلا بجواز سفر وبعد تفتيش .  ولما علم الأمين بموقف المأمون إستحضر كتاب الرشيد المعلق على الكعبة ومزقه ، ومنع  ذكر المأمون  لى المنابر. وتعددت الرسل بين الأمين والمأمون وانتهت الى قرار الحرب .

7 ـ أرسل الأمين جيشا من 40 ألف فارس يقوده علي بن عيسى بن ماهان لحرب المأمون وإشتبك مع جيش المأمون الذى يقوده طاهر بن الحسين ، وانهزم جيش الأمين ، ولقى قائده ابن ماهان مصرعه ..‏( وانتهى الخبر إلى الأمين وهو يصيد السمك من دجله فقال‏:‏ ويحك ‏!‏ دعني من هذا فإن كوثراً قد صاد سمكتين، ولم أصد بعد شيئاً‏.‏ ). كان الأمين يصطاد مع ( معشوقه كوثر ) فلم يؤرقه إلا إن كوثر فاز عليه بأن إصطاد سمكتين.

8 ـ أرسل الأمين جيشا آخر يقوده عبد الرحمن بن جبلة الأنباري في عشرين ألف رجل نحو همذان، وأتاه طاهر إلى همذان، فاقتتلوا قتالاً شديدأ،  وصبر الفريقان، وكثر القتل والجراح فيهم، ثم انهزم عبد الرحمن، ودخل همذان،  وانتهى الأمر بعد قتال شديد الى هزيمة جيش الأمين ( ووضع فيهم أصحاب طاهر السيوف يقتلونهم، حتى انتهوا إلى المدينة، وأقام طاهر على بابها محاصراً لهأن فاشتد بهم الحصار، وضجر أهل المدينة، فخاف عبد الرحمن أن يثب به أهل المدينة مع ما فيه من أصحابه من الجهد، فأرسل إلى طاهر يطلب الأمان لنفسه ولمن معه، فأمنه، فخرج عن همذان.).

9 ـ استولى طاهر بن الحسين على قزوبن ، ونقض عبد الرحمن بن جبلة الأمان وحارب طاهر فهزمه طاهر وقتله .  وكان الأمين قد أرسل جيشا آخر يقوده ( الحرشى ) وعندما علم بهزيمة عبد الرحمن بن جبلة هرب عائدا الى بغداد . وتوسع طاهر يأخذ البلاد بلدا بلدا الى أن وصل الى قرية من قرى حلوان فى العراق وعسكر بها .

10 ـ وفى عام  196 ، بعث الأمين جيشا آخر يقوده أسد بن يزيد بن مزيد، فى عشرين ألف فارس، وسار معه عبد الله بن حميد بن قحطبة في عشرين ألفاً، وسار بهم إلى حلوان . ودسّ طاهر الجواسيس داخل هذا الجيش ، مما جعلهم يقتتلون فيما بينهم ، ورجعوا الى بغداد . وأحتل طاهر (حلوان ) ثم حلّ محله فى قيادة الجيش هرثمة ، وتوجه طاهر الى الأهواز . وتمت الخطبة للمأمون بأمير المؤمنين، وارتفعت منزلة وزيره ( الفضل بن سهل).وغنى عن الذكر أن الذى كان يرسل الجنود ويدبر الأمور باسم ( الأمين ) كان ( الفضل بن الربيع ) . اما الأمين فقد كان مشغولا بمجونه .

11 ـ واقترح عبد الملك بن صالح ـ عم الأمين ـ عليه أن يجعله قائدا لجيش من الشام يحارب به المأمون ، وسار عبد الملك الى  ( الرقة )، وتجمع له فيها جيش هائل ، كان فيه كثيرون من أهل خراسان ، ووقع شقاق بين الخراسانيين والعرب من بقية الجيش فاقتتلوا مقتلة هائلة ، بينما مرض القائد عبد الملك بن صالح ، وانتهى الأمر بفشل الحملة .

12 ـ ومن تبقى من الجيش رجع الى بغداد ومعهم الحسين بن علي بن عيسى بن ماهان الذى أعلن خلع الأمين والانقياد الى خلافة المأمون ، واقتتل مع أتباع الأمين وهزمهم . ووثب العباس بن موسى بن عيسى العباسى بالأمين، فحبسه مع أمه زبيدة بقصر المنصور،  وانتشرت الفوضى بين الجند ، وقُتلوا الحسين ابن ماهان ، وأعيدت البيعة للأمين ، وهرب    الفضل بن الربيع .

12 ـ  سار محمد بن يزيد المهلبى لقتال طاهر بالأهواز ، وكان واليا من قبل للأمين على الأهواز ، قتقاتل مع طاهر ، وانهزم ، وقُتل . وسيطر طاهر بن الحسين على الأهواز كاملة ، وتحرك منها الى واسط ، فهرب عنها قادة الأمين ( السندى وابن شعبة ) ، وأرسل طاهر جيشا الى الكوفة فأسرع واليها بمبايعة المأمون . وبايع للمأمون ولاة البصرة والموصل ومكة والمدينة ، ثم أهل مكة والمدينة  . وأرسل الأمين جيشا لاستعادة الكوفة فانهزم الجيش . وانهزم جيش آخر للأمين حاول إستعادة الكوفة . واستولى طاهر على المدائن وهرب عنها جيش الأمين . وانهزمت جيوش أخرى للأمين فى النهروان .

13 ــ واستعمل الأمين سلاح المال ، واستمال به جزءا من جيش طاهر فخرج على طاهر ، فحاربهم وهزمهم . وانفق الأمين أموالا فى الناس ليحملوا السلاح ، فاستعمل طاهر سلاح المال أيضا مع مهارته فى بث الفت فى صفوف أعدائه ، فأوقع الفوضى فى صفوفهم ، وعمت الفوضى بدخول اللصوص وهروب المجرمين من السجون.

14 ـ ثم كان حصار بغداد عام  197 ، وحاصرها طاهر وهرثمة وزهير بن المسيب ، وضربوها بالمجانيق والعرادات ، فتخربت بغداد ، وأنفق الأمين كل أمواله فاضطر الى بيع أمتعته ، وضرب أوانى الذهب والفضة دراهم ودنانير ، وضعف جنود الأمين عن القتال ، فأخذ فى الدفاع عن بغداد العوام فيها ، وكان معظمهم عُراة ، فأتعبوا جيش طاهر بفدائيتهم ومكرهم مع قلة سلاحهم . وبايع للمأمون بعض كبار قادة الأمين  الذى إنهمك فى الشراب ، وأوكل القتال الى قائد من العوام يسمى بالهرش ، وكانوا خبراء فى السلب والنهب .وأمر طاهر بنهب وإحراق وتدمير قصور وبيوت من لا يدخل فى طاعته ، واستمر القتال داخل بغداد بين جيش طاهر و ( المقاومة الشعبية ) ، وتكاثر القتلى من الجانبين ، ووصلت الأنباء الى الأمين ، فقال : (  وددت أن الله قتل الفريقين جميعاً فأراح الناس منهم، فما منهم إلا عدوُّ لي، أما هؤلاء فيريدون مالي، وأما أولئك فيريدون نفسي.! ). وانتهى الأمر باستيلاء طاهر على بغداد عام 198 . وهرب الأمين ، ثم لحقوا به فقتلوه وإحتزوا رأسه .

 

 ثالثا : مسلسل آخر للدم فى خلافة الأمين

 توقفت غارات العباسيين على البيزنطيين ، وكان ممكنا أن ينتهزها البيزنطيون فرصة للإنتقام . ولكن لم يفعلوا . توقف هجوم ( دار السلام ؟!) على ( دار الحرب ؟! ) بسبب إنهماك ( دار السلام ) بقتال بعضهم . ووقتها لم تهاجمهم ( دار الحرب ). فمن الأولى بوصف السلام ومن الأولى بوصف الحرب ؟ ..ومتى نتوقف عن الكيل بمكيالين ، ومتى نتوقف عن تزكية أنفسنا بالباطل وإنتقاص الخصم أيضا بالباطل ؟

نتابع مسلسل الدماء فى خلافة الأمين :

1 ـ عام 194  ـ  خالف أهل حمص على الأمين، وعلى عامهم إسحاق بن سليمان، فانتقل عنهم إلى سلمية، فعزله الأمين واستعمل مكانه عبد الله بن سعيد الحرشي، فقتل عدة من وجوههم، وحبس عدة، وألقى النار في نواحيهأ،  فسألوا الأمان فأجابهم، ثم هاجوا بعد ذلك فقتل عدة منهم.

2 ـ  خلاف أهل تونس على ابن الأغلب:حاصروه وقتلوا جماعة من رجاله ، واستمرت الحروب هناك . واستمرت القلاقل بعدها عدة سنوات .

عام 195

  1 ـ في هذه السنة خرج السفياني، من ذرية يزيد بن معاوية، وأمه من ذرية علي بن أبي طالب، وكان يلقب بأبي المعيطر ، ودعا لنفسه بالخلافة ، واستولى على دمشق وانضمت اليه  صيدا؛ وحوصر فى دمشق وهرب منها متنكرا فى ثياب إمرأة .

 

 

 أخيرا : حتى لايضيع منا طرف الخيط :

 نذكركم بعنوان الكتاب : ( مسلسل الدماء فى تاريخ الخلفاء ـ الأصل التاريخى لتقسيم العالم فى عصر الخلفاء الى :" دار السلام ودار الحرب ")

الأصل التاريخى لتقسيم العالم الى ( دار السلام ودار الحرب ).

ونذكركم :

1 ـ بأن الله جل وعلا لم يخلق البشر ليكونا معسكرين متحاربين ، بل خلق البشر جميعا  أخوة من أب واحد وأم واحدة ، وجعلهم شعوبا وقبائل كى يتعارفوا سلميا ، لا لكى يتقاتلوا ، يقول جل وعلا يخاطب البشر جميعا : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13) الحجرات )

2 ـ إن الله جل وعلا أرسل رسوله بالقرآن الكريم رحمة للعالمين وليس لقتال العالمين ، يقول جل وعلا : ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (107) الأنبياء )

3 ـ إن الله جل وعلا أمر المؤمنين بالدخول فى السلام كافة ، فقال جل وعلا : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (208) البقرة ). وتشريعات القتال الدفاعية هى إستثناء يخدم السلام .  ولكن الصحابة إتبعوا خطوات الشيطان بالفتوحات ، وجعلوها دينا ، نتج عنه تقسيم العالم الى معسكرين متحاربين ـ حربا مستمرة ، لا يزال الوهابيون يواصلونها حتى اليوم

4 ـ القتال فى الاسلام هو لرد العدوان فقط ، وهذا معنى أن يكون فى سبيل الله جل وعلا . أما القتال المعتدى الذى فعله الصحابة فهو فى سبيل الشيطان ، وليس هناك توسط : إما قتال دفاعى فى سبيل الله جل وعلا ، وإما قتال باغ معتد ظالم يريد الثروة والسلطة ، أى فى سبيل الشيطان . يقول جل وعلا عن نوعى القتال : (الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ  )(76) النساء  )

5 ـ  فى حمامات الدم هذه كانوا يحرصون على تأدية صلاة شكلية ، كانت صلاة شيطانية لأنها لم تكن تنهاهم عن الفحشاء والمنكر بل كانت تأمرهم بالفحشاء والمنكر وتسوّغ لهم سفك الدماء والسلب والنهب والاسترقاق باسم الاسلام العظيم. كانت صلاتهم الشيطانية حربا لرب العزة جل وعلا.!

 

مسلسل الدماء فى خلافة المأمون  (198:  218 ) أولا :  شخصية المأمون :

مقدمة

1 ـ خلافا لأخيه ( الأمين ) الأحمق التافه كان المأمون داهية ، أقرب الى معاوية فى سياسته ، فالظرف السياسية تتشابه فى عصريهما . كان أغلب عصر معاوية يستكثر عليه الخلافة فى وجود من هو أقدم منه من الصحابة ، وكان أغلبية العرب لا تستريح للمأمون بسبب ميله للفُرس وكراهيته للعرب ، وهم الذين ساندوا أخاه الأمين وحرضوه على إشعال تلك الفتنة ، بينما وقف الى جانبه القواد الفرس. وقد قيل للمأمون:( يا أمير المؤمنين! انظر لعرب الشام كما نظرت لعجم خراسان! فقال له: أكثرت عليّ؛ والله ما أنزلتُ قيساً من ظهور خيولها إلا وأنا أرى أنه لم يبق في بيت مالي درهم واحد، يعني فتنة ابن شبث العامري؛ وأما اليمن فوالله ما أحببتها ولا أحبتني قط؛ وأما قضاعة فساداتها تنتظر السفياني، حتى تكون من أشياعه، وأما ربيعة فساخطة على ربها مذ بعث الله نبيه من مضر، ولم يخرج اثنان إلا وخرج أحدهما شارياً، ( أى خارجيا ) أعزب فعل الله بك .!) أى إن قبائل قيس أرهقته بحروبها ، وكانت اليمن ضده ،اما قبائل قضاعة اليمنية فهى تهوى الأمويين ، وأما قبائل ربيعة فنصفها ـ فى رأى المامون ـ مع الخوارج .

2 ــ واستعمل المأمون ذكاءه فى الحفاظ على سلطانه ، كان يغتال من يرى أنه خطر عليه حتى لو كان أقرب الناس اليه . والعادة أن من يساعد السلطان فى الوصول الى الحكم ويكون له نوع من السلطة ـ لا يلبث أن يتخلص منه السلطان لينفرد بالاستبداد بالسلطة ، ثم يُنشى السلطان حاشية جديدة يصنعها بنفسه تدين له بالولاء . لم يكن المأمون فى نفس سطوة أبيه الرشيد ، خصوصا وأن جهود القادة والجنود الفرس هى التى قتلت أخاه الأمين وجعلته الخليفة بعده ، وهم الذين واجهوا كل الثورات التالية ووطدوا حكم المأمون . لذا لم يتصرف المأمون كأبيه الرشيد الذى عصف بالبرامكة بكلمة ، ولكن وضع المأمون الحرج فى بداية حكمه وهو بعيد عن بغداد لم يدخلها بعد ألجأه الى أن يستغل قواده فى قتال الثائرين عليه ، وبعد مسلسل الدماء هذا يتخلص ممّن يشكّ فيه منهم بالاغتيال.  ونعطى أمثلة تصور شخصية المأمون :

1 ـ  فى عام 198 : كان المستشار الأكبر للمأمون هو الفضل بن سهل الذى سماه المأمون ( ذو الرياستين ) ، وهو صاحب التخطيط الذى أطاح بمحمد الأمين  . وتولى المأمون الخلافة بعد مقتل الأمين وإشتعلت الثورات فكان أول قرارته : تقسيم مشاكل الامبراطورية على أكبر قواده : ، تولى (الحسن بن سهل  ) نيابة العراق وفارس والأهواز والكوفة والبصرة والحجاز واليمن، وبعث نوابه إلى هذه الأقاليم، وتولى (  طاهر بن الحسين ) نيابة الجزيرة والشام  والجزيرة والشام والمغرب والموصل والمغرب‏. وأمره بالزحف بجيش الى الرقة لحرب نصر بن شبث، وولاه . وتولى ( هرثمة بن أعين ) نيابة خراسان‏. ونجح القواد الثلاثة فى مهامهم فاصبح نجاحهم خطرا عليه ، فتخلص منهم بالاغتيال .

2 ـ وكان أول من قتله من كبار القادة هرثمة بن أعين عام 200 ، وهو الذى قضى شبابه فى خدمة الرشيد ، وإنضم الى المأمون وسانده فى الصراع مع الأمين ، وتولى خراسان للمأمون ، وقاد حروبا من أجله ، ووقع فى الخطأ الأكبر الذى لا يغتفره السلطان ، وهو الدلال على السلطان بما قدمه من اجله . كان هناك صراع خفى بين قطبين كبيرين من حاشية المأمون : هرثمة والفضل بن سهل . وكلاهما يكيد للآخر عند المأمون ، وكلاهما إغتاله المأمون . وكان التخلص من هرثمة أولا ـ عام 200 ، ثم كان التخلص من الفضل بن سهل عام 202 . بعد أن ولّى المأمون ( هرثمة ) خراسان ، بذل الفضل بن سهل (الفارسى ) جهده ليخلع هرثمة من خراسان ، فأخذ يتهم هرثمة عند المأمون بأنه الذى أثار اهل خراسان عليه وأنه تواطأ أو تآمر مع أبى السرايا قائد ثورة ابن طباطبا العلوى . وإختبر المأمون بدهائه مدى ولاء هرثمة فعزله عن خراسان وولاه الشام والحجاز ، فابى هرثمة ، وجاء بجنده للقاء المأمون ، وعندما إقترب دق الطبول لإعلام المأمون بقدومه ، فتحققت فيه إتهامات خصومه ، وقيل للمأمون عندما إنزعج من دق الطبول : (هرثمة قد أقبل يبرق ويرعد ). تقول الرواية : ( وظن هرثمة أن قوله المقبول فلما دخل قال له المأمون‏:‏ " مالأت أهل الكوفة والعلويين وداهنت ودسست إلى أبي السرايا حتى خرج وعمل ما عمل وقد كان رجلًا من أصحابك ولو أردت أن تأخذه لأخذته "  فذهب هرثمة ليعتذر فلم يسمع منه ، وأمر به فوجئ على أنفه وديس في بطنه وسحب على وجهه من بين يديه . وقد تقدم الفضل بن سهل إلى الأعوان بالغلظة عليه والتشديد حتى حبس ، فمكث في الحبس أيامًا ، ثم دس إليه مَنْ قتله وقالوا مات ‏.‏)

3 ـ ثم جاء دور مستشاره (  الفضل بن سهل بن عبد الله ). وكان ذلك عام 202 . قالوا عن الفضل بن سهل (وغلب على المأمون لخلاله الجميلة من الكرم والوفاء والبلاغة والكتابة ، فلما استخلف المأمون فوَض إليه أموره كلها وسماه ذا الرئاستين لتدبيره أمر السيف والقلم ‏.‏) وتقول الروايات عن قتل الفضل بن سهل : ( قتل ذو الرئاستين الفضل بن سهل يوم الخميس لليلتين خلتا من شعبان بسرخس في الحمام، اغتاله نفر فدخلوا عليه فقتلوه، فقتل به المأمون عبد العزيز بن عمران الطائي ومؤنس بن عمران البصري وخلف بن عمرو البصري وعلي بن أبي سعيد وسراجًا الخادم ‏.‏ وفي رواية أخرى‏:‏ أنه لما رحل المأمون من مرو ووصل إلى سرْخس شد أربع نفر من خواص المأمون وهم غالب المسعودي وقسطنطين الرومي وفرج الديلمي وموفق الصقلي على الفضل بن سهل وهو فيِ الحمام فقتلوه وهربوا ، وذلك في يوم الجمعة لليلتيِن خلتا من شعبان هذه السنه ، فجعل المأمون لمن جاء بهم عشرة آلاف دينار ، فجاء بهم العباس بن القاسم فقالوا للمأمون‏:‏ أنت أمرتنا بقتله فأمر بهم فضربت أعناقهم ‏.‏) . أى قتل المأمون القتلة.

والعجيب إن المأمون يقتل الضحية ويستميل ذويه . ولهذا ظل الحسن بن سهل ( شقيق الفضل ) فى خدمة المأمون الى أن تخلص منه المأمون .

4 ـ تمتع الحسن بن سهل بنفوذ هائل فى السنوات الأولى من خلافة المأمون ، وقد تزوج المأمون ابنته بوران عام 202 ، وإغتال عمها الفضل بن سهل فى نفس العام ، ثم فى العام التالى 203 تعرض أبوها الحسن بن سهل الى مرض غامض فتم التخلص منه بالقيد والحبس والعزل .  

5 ـ وفى عام 199 قامت ثورة من عوام بغداد يتزعمها ( الهِرْش )، تقول الرواية : ( يدعو بزعمه إلى الرضى من آل محمد ومعه جماعة من سفلة الناس وجمع كثيرًا من الأعراب ..فجبى الأموال وأغار على التجار وانتهب القرى وساق المواشي  ) ، وفى نفس العام 199 ثار العلويون فى الكوفة بزعامة ابن طباطبا  ، وكان قائد جيشه أبا السرايا الشيبانى . بالاضافة الى مسلسل الدماء الذى قضى به المأمون على ثورة ( الهرش ) وابن طباطبا فقد لجأ المأمون الى حيلة عجيبة لكى يهدىء الشيعة ويوقع الفرقة بين العلويين ، فقد جعل أحد العلويين ولى عهده ، ففى أحداث عام 201 ‏:‏(  بايع المأمون لعلي الرضى بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد بن الحسين الشهيد بن علي بن أبي طالب أن يكون ولي العهد من بعده، وسماه‏:‏ الرضى من آل محمد، وطرح لبس السواد وأمر بلبس الخضرة، فلبسها هو وجنده، وكتب بذلك إلى الآفاق والأقاليم، وكانت مبايعته له يوم الثلاثاء لليلتين خلتا من شهر رمضان سنة إحدى ومائتين‏.وذلك أن المأمون رأى أن علياً الرضى خير أهل البيت وليس في بني العباس مثله في عمله ودينه، فجعله ولي عهده من بعده‏.‏ ).

وفى عام 202  أصهر المأمون الى ولى عهده وزوجه إبنته ، تقول الرواية : ( زوج المأمون علي بن موسى الرضي ابنته أم حبيب ) بل فى نفس الوقت زوج إبن ولى العهد من إبنته الثانية : ( وزوّج محمد بن علي بن موسى ابنته أم الفضل ‏.‏).

ونجحت الخطة فى تهدئة بعض الشيعة وإيقاع الفرقة بين العلويين ولكن أثارت العباسيين فثار بعضهم عليه كما سيأتى لذا كان لا بد من التخلص من ولى العهد . وكان المأمون فى مرو ثم أخذ فى الرحلة عنها الى مقر الخلافة فى بغداد عام 203 . وفى طريقه الى العراق كان معه ولى عهده . ووصلا الى طوس ، وتوقف فيها المأمون بحجة زيارة قبر ابيه الرشيد ، وحدث وقتها إغتيال ولى العهد المسكين . وتم (إخراج ) الموضوع بصورة درامية ، تقول الرواية فى أحداث عام  203 : ( .. فلما كان في آخر الشهر أكل علي بن موسى الرضى عنباً فمات فجأة .! ) وتتجلى الدراما فى أن المأمون صلّى عليه ، تقول الرواية : (  فصلى عليه المأمون ودفنه إلى جانب أبيه الرشيد، وأسف عليه أسفاً كثيراً فيما ظهر، وكتب إلى الحسن بن سهل يعزيه فيه ويخبره بما حصل له من الحزن عليه‏. )، ثم :  ( ‏وكتب إلى بني العباس يقول لهم‏:‏" إنكم إنما نقمتم عليَّ بسبب توليتي العهد من بعدي لعلي بن موسى الرضى، وهاهو قد مات فارجعوا إلى السمع والطاعة‏ .".‏ فأجابوه بأغلظ جواب كتب به إلى أحد‏. ) . يعنى لم تنطل عليهم الخدعة فقد طمعوا فى السلطان ، وضاع دم العلوى المسكين هدرا.! 

6 ـ  وكان طاهر بن الحسين أعظم قائد حربى للمأمون ، وهو الذى أخضع العراق ، وهو الذى هزم جيوش الأمين ، ثم قتل الأمين . يقال فيه : (‏.‏بعثه المأمون إلى بغداد لمحاربة الأمين وظفر به طاهر وقتله ولقبه المأمون ذا اليمين ). ولقد أهان طاهر بن الحسين أم الخليفة الأمين ( زبيدة ) فاشتكت الى المأمون فبكى من أجلها ( وهى عمته ) . ولم يكن المأمون لينسى هذا لطاهر بن الحسين ، ولم يكن ينسى له أنه قتل أخاه الأمين . ليس هذا حبا فى الأمين وأو حبا فى أمه زبيدة ، ولكن حفظأ لمقام الخلافة ومكانة الأسرة العباسية الحاكمة، فالذى يجرؤ على قتل خليفة عباسى سيستهين بأخيه . وكان طاهر بن الحسين داهية ، وقد شهد ما فعله المأمون بالقادة هرثمة والفضل والحسن أبنى سهل وولى العهد العلوى المسكين ، وخاف طاهر بن الحسين أن يكون الضحية القادمة فتحسّب للأمر . تقول الرواية : (  أن المأمون كان إذا ذكر أخاه الأمين وما فعل به طاهر جرت دموعه، وأن طاهرًا أعلم بذلك وطلب البُعد عن الخليفة واحتال لذلك ، فولاه خراسان ، فخرج فلما كان بعد مدة من مقدمه خراسان قطع الدعاء للمأمون على المنبر يوم الجمعة . ) وعلم المأمون ..وانتهى الأمر بوفاة طاهر ، تقول الرواية : ( ‏وكان قد أخذته حمى وحرارة فوجدوه في فراشه ميتًا. ). أى ولاه المأمون خراسان عام 205 ، ثم قتله عام 207 . ، وكالعادة كان المأمون يكتسب ولاء أقارب الضحية ، وقد ولى المأمون مكانه إبنه ( طلحة بن طاهر ) ( فأقام واليًا على خراسان سبع سنين بعد موت أبيه ثم توفي فولي عبد الله بن طاهر خراسان مع الشام . )

7 ـ وعيّن المأمون ( عبد الله بن طاهر ) واليا على مصر والشام والجزيرة عام 211 . وحقد عليه المعتصم  أخ المأمون فقال للمأمون إن (عبد الله بن طاهر ) يميل إلى ولد علي بن أبي طالب. وأرسل المأمون جاسوسا الى مصر يتظاهر بالدعوة الى  ( القاسم بن إبراهيم بن طباطبأ ) العلوى . ونجح هذا الداعية المزيف فى إستمالة جماعة من الأعيان ، وقابل الوالى ( عبد الله بن طاهر ) وعرض عليه دعوته فى خلوة ، فرفض ( عبد الله بن طاهر ) وطرده . تقول الرواية إن الحاسوس عاد الى المأمون واخبره : ( فاستبشر، وقال: ذلك غرس يدي، وألف أدبي، وترب تلقيحي. ). وبهذا نجا من الاغتيال .

8 ـ   بالاضافة الى سفك الدماء بعنف وبنعومة إشتهر المأمون وقادته بالبذخ . وتجلى هذا فى زفافه الأسطورى ببوران بنت الحسن بن سهل . تقول الروايات (  وزفت إليه بوران، فلما دخل إليه المأمون كان عندها حمدونة بنت الرشيد وأم جعفر زبيدة أم الأمين، وجدتها أم الفضل، والحسن بن سهل ، فلما دخل نثرت عليه جدتها ألف لؤلؤة من أنفس ما يكون، فأمر المأمون بجمعه، فجمع فأعطاه بوران... وألبستها أم جعفر البدلة اللؤلؤية الأموية، وابتنى بها في ليلته وأوقد في تلك الليلة شمعة عنبر فيها أربعون منّا . وأقام المأمون عند الحسن سبعة عشر يوماً، يعد له كل يوم ولجميع من معه ما يحتاج إليه، وخلع الحسن على القواد على مراتبهم، وحملهم، ووصلهم، وكان مبلغ ما لزمه خمسين ألف ألف درهم، وكتب الحسن أسماء ضياعه في رقاع، ونثرها على القواد فمن وقعت بيده رقعة منها فيها اسم ضيعة بعث فتسلمها . ) ( ‏ لما بنى المأمون ببوران بنت الحسن فرش له يوم البناء حصير من ذهب مشفوف ونثر عليه جوهر كثير فجعل بياض الجوهر يشرف على صفرة الذهب وما مسه أحد. فوجَّه الحسن إلى المأمون : "هذا النثار نحب أن نلتقطه " ، فقال المأمون لمَنْ حوله من بنات الخلفاء‏:‏ " شرِّفْنَ أبا محمد " ، فمدت كل واحدة منهن يدها فأخذت درة ، وبقي باقي الدر يلوح على الحصير. ) ‏. 

هذه الثروات من عرق الغلابة المعذبين فى الأرض .!!

ونعايش مسلسل الدماء فى خلافة المأمون .. الداهية ..

 

 أخيرا : حتى لايضيع منا طرف الخيط :

 نذكركم بعنوان الكتاب : ( مسلسل الدماء فى تاريخ الخلفاء ـ الأصل التاريخى لتقسيم العالم فى عصر الخلفاء الى :" دار السلام ودار الحرب ")

الأصل التاريخى لتقسيم العالم الى ( دار السلام ودار الحرب ).

ونذكركم :

1 ـ بأن الله جل وعلا لم يخلق البشر ليكونا معسكرين متحاربين ، بل خلق البشر جميعا  أخوة من أب واحد وأم واحدة ، وجعلهم شعوبا وقبائل كى يتعارفوا سلميا ، لا لكى يتقاتلوا ، يقول جل وعلا يخاطب البشر جميعا : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13) الحجرات )

2 ـ إن الله جل وعلا أرسل رسوله بالقرآن الكريم رحمة للعالمين وليس لقتال العالمين ، يقول جل وعلا : ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (107) الأنبياء )

3 ـ إن الله جل وعلا أمر المؤمنين بالدخول فى السلام كافة ، فقال جل وعلا : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (208) البقرة ). وتشريعات القتال الدفاعية هى إستثناء يخدم السلام .  ولكن الصحابة إتبعوا خطوات الشيطان بالفتوحات ، وجعلوها دينا ، نتج عنه تقسيم العالم الى معسكرين متحاربين ـ حربا مستمرة ، لا يزال الوهابيون يواصلونها حتى اليوم

4 ـ القتال فى الاسلام هو لرد العدوان فقط ، وهذا معنى أن يكون فى سبيل الله جل وعلا . أما القتال المعتدى الذى فعله الصحابة فهو فى سبيل الشيطان ، وليس هناك توسط : إما قتال دفاعى فى سبيل الله جل وعلا ، وإما قتال باغ معتد ظالم يريد الثروة والسلطة ، أى فى سبيل الشيطان . يقول جل وعلا عن نوعى القتال : (الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ  )(76) النساء  )

5 ـ  فى حمامات الدم هذه كانوا يحرصون على تأدية صلاة شكلية ، كانت صلاة شيطانية لأنها لم تكن تنهاهم عن الفحشاء والمنكر بل كانت تأمرهم بالفحشاء والمنكر وتسوّغ لهم سفك الدماء والسلب والنهب والاسترقاق باسم الاسلام العظيم. كانت صلاتهم الشيطانية حربا لرب العزة جل وعلا.!

 

 

مسلسل الدماء بين المأمون وأهله العباسيين والبغداديين

مقدمة :

1 ـ  دارت الحرب بين المأمون المقيم فى ( مرو ) بفارس والأمين المقيم فى بغداد ، أى كانت الحرب بين فارس وبغداد . وانتصر المامون ودخل جيشه بغداد ، ودافع عن بغداد العوام فيها ، وأظهروا بطولات بأسلحتهم الخشبية والبدلئية . وبعد قتل الأمين ، ظل المامون فى فارس ، ثم سافر فى رحلة طويلة حتى وصل بغداد عام 204 .

2 ــ أهل بغداد لم ينسوا ثأرهم ، خصوصا وقد شاع خضوع المأمون للفضل بن سهل ،وصار لأخيه الحسن بن سهل نفوذ كبير ، بما أغضب الأسرة العباسية فى بغداد ، وثار العلويون وتزعم جيشهم أبو السرايا وانضم اليه العرب ، وامتدت ثورته من الكوفة الى البصرة والمدائن ومكة والمدينة واليمن ، وعالج المأمون هزائم جيشه أمام العلويين بتعيين علوى وليا لعهده وسمّاه الرضى (على الرضى ) ، فزاد غضب العباسيين ولم يفلح فى كسر شوكة العلويين بهذا التعيين ، فتخلص بالسم من ولى عهده العلوى ، ولكن لم تنته مشاكل المأمون فى بغداد ، فتوالت ثوراتهم بأشكال مختلفة ، منها قطاع الطرق ، ومنها ثورة ( ابراهيم بن المهدى ) عم المأمون وبعض العباسيين ، ومنهم فقهاء رفعوا شعار الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر طريقا للتحكم فى الشارع . وجاء المأمون الى بغداد ، وأنهى كل هذه القلاقل بعد مسلسل من الدماء فى عاصمة ما يعرف بدار السلام . ونعطى بعض التفصيلات :

 ثورة الرعاع والعوام من اهل بغداد

عام 199 : ( خرج الحسن الهرش في جماعة من سفلة الناس معه خلق كثير من الأعراب ودعا إلى الرضى من آل محمد، وأتى النيل( منطقة زراعية بالعراق ) ، فجبى الأموال ونهب القرى وانتهب الأنعام وعاث في البلاد فساداً  ) ، فهزمه جيش للمأمون يقوده أزهر بن زهير بن المسيب ، فقتلوه في المحرم من هذه السنة‏.‏ 

عام 203 مع تفاقم الأوضاع حيث تداعت سلطة ابراهيم بن المهدى الذى بويع خليفة بعد أن خلع البغداديون المأمون ـ ( ظهرت الفتن والشطار والفساق ببغداد وتفاقم الحال، وصلوا يوم الجمعة ظهراً، أمَّهم المؤذنون فيها من غير خطبة، صلوا أربع ركعات، واشتد الأمر واختلف الناس فيما بينهم في إبراهيم والمأمون، ثم غلبت المأمونية عليهم‏.‏، وخلع أهل بغداد إبراهيم بن المهدي.. ) وسنعرض لابراهيم بن المهدى فيما بعد .

 ثورات الفقهاء

عام 201  فى بغداد وأجوارها : ( عمّ البلاء بالعيَّارين ( قطاع الطرق ) والشطار ( اللصوص )والفُسّاق ببغداد وما حولها من القرى، كانوا يأتون الرجل يسألونه مالاً يقرضهم أو يصلهم به فيمتنع عليهم فيأخذون جميع ما في منزله، وربما تعرضوا للغلمان والنسوان، ويأتون أهل القرية فيستاقون من الأنعام والمواشي، ويأخذون ما شاؤوا من الغلمان والنسوان، ونهبوا أهل (قطربل) ولم يدعوا لهم شيئاً أصلاً‏. فانتدب لهم رجل يقال له‏:‏ خالد الدريوش، وآخر يقال له‏:‏ سهل بن سلامة..من اهل خراسان‏.والتف عليهم جماعة من العامة فكفوا شرهم وقاتلوهم، ومنعوهم من الفساد في الأرض. ) .

 وفى رواية أخرى اكثر تفصيلا : ( ‏ تجرَّدت المطوّعة للإنكار على الفساق ببغداد، وكان رئيسهم خالد المريوش وسهل بن سلامة ‏.وكان السبب في ذلك‏:‏ أن فساق الجند والشطار أذوا الناس أذىً شديدًا وأظهروا الفسق وقطع الطريق وأخذوا النساء والغلمان علانية من الطرق ، وكانوا يجتمعون فيأتون الرجل فيأخذون ابنه فيذهبون به فلا يقدر على المنع منهم ، وكانوا يجتمعون فيأتون القرى فيأخذون ما قدروا عليه ولا سلطان يمنعهم .. وخرجوا في آخر أمرهم إلى ( قطربل ) فانتهبوها علانية ، وجاءوا بما أخذوه يبيعونه علانية ، وجاء أهلها فاستعدَوا السلطان فلم يعدِهم، وكان ذلك في آخر شعبان. فلما رأى الناس ذلك قام صُلحاء كل رَبَض ودرْب ومشى بعضهم إلى بعض وقالوا‏:‏ إنما يكون في الحرب الواحد الفاسق والفاسقان إلى العشرة فأنتم أكثر منهم وقد غلبوكم فلو اجتمعتم لمنعتم هؤلاء الفساق ‏.‏فقام رجل من ناحية طريق الأنبار يقال له‏:‏ خالد الدريوش فدعا جيرانه وأهل محلته إلى معاونته على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فأجابوه ، فشد على مَنْ يليه من الفساق والشطار فمنعهم وحبسهم ورفعهم إلى السلطان، لأنه كان لا يرى أن يُغَيِّر على السلطان شيئًا. ) . أى لم يقم بالثورة على السلطة . وهذا عكس ما فعله الفقيه الآخر . تقول الرواية : ( ثم قام من بعده بيومين أو ثلاثة رجل يقال له‏:‏ سهل بن سلامة الأنصاري من أهل خُراسان ويكنى‏:‏ أبا حاتم ،  فدعا الناس إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والعمل بكتاب الله وسُنَّة نبيه صلى الله عليه وسلم ، وعلّق مصحفًا في عنقه ، ثم بدأ بأهل محلته وجيرانه ، فأمرهم ونهاهم ، فقبلوا منه ، ثم دعا الناس جميعًا إلى ذلك ، وجعل لنفسه ديوانًا يثبتَ فيه اسم من أتاه يبايعه على ذلك لقتال من خالفه.  فأتاه خلق كثير فبايعوه . إلا أن خالد الدريوش خالفه فقال‏:‏ أنا لا أغير على السلطان شيئًا ولا أقاتله ‏.قال سهل‏:‏ " أنا أقاتل كل من خالف الكتاب والسنة كائنًا مَنْ كان، سلطانًا أو غير سلطان فمن بايعني على ذلك قبلته ومن خالفني قاتلته "‏. وقام سهل بذلك يوم الخميس لأربع خلون من رمضان ، وقوتل من قبل السلطان قاتله عيسى بن محمد بن أبي خالد ، فقاتل ، فضرب ضربة بالسيف ، فرجع إلى منزله . ثم اعتذر إليه عيسى . )

ثورات العباسيين على المأمون

   المنصور بن المهدى

1 ـ بسبب كراهيتهم فى الحسن بن سهل حارب اهل بغداد نائب الحسن بن سهل على بغداد ، وأخرجوه ، ‏ وراودا ( منصور بن المهدي ) على الخلافة فأبى فطلبوا منه الإمرة عليهم على أن يدعو للمأمون بالخلافة ‏.وقالوا‏:‏( لا نرضى بالمجوسي ابن المجوسي  )يعنون الحسن بن سهل - فأجابهم المنصور لذلك‏.‏ وكان هذا عام 201 . وسالت دماء كثيرة فى معارك ،

2 ـ وننقل فقرات ( دموية ) من بعض الروايات : ( وقدم عيسى بن محمد بن أبي خالد من ألرقة من عند طاهر، في هذه الأيام، فوافق أباه على قتال الحسن بن سهل، فمضيا ومن معهما إلى قرية أبي قريش قريب واسط، ولقيهما في طريقهما عساكر الحسن، في غير موضع، فهزماهم.) (  ثم تقدم محمد إلى واسط، ووجه محمد ابنه هارون من دير العاقول إلى النيل، وبها نائب للحسن، فهزمه هارون، وتبعه إلى الكوفة.) (  وكان الفضل بن الربيع مختفياً كما تقدم إلى الآن، فلما رأى أن محمداً قد بلغ واسطاً طلب منه الأمان فأمنه، وظهر، وسار محمد إلى الحسن على تعبئة فوجه إليه الحسن قواده وجنده، فاقتتلوا قتالاً شديدأ ، فانهزم أصحاب محمد بعد العصر، وثبت محمد حتى جرح جراحات شديدة، وانهزموا هزيمة قبيحة، وقتل منهم خلق كثير، وغمنوا مالهم،  ونزل محمد بفم الصلح، وأتاهم الحسن، فاقتتلوأ، فلما جنهم الليل رحل محمد وأصحابه، فنزلوا المنازل، فأتاهم الحسن، فاقتتلوأ، فلما جنهم الليل ارتحلوأ. ) ( وقتل أبوزنبيل زهير بن المسيب من ليلته، ذبحه ذبحأ، وعلق رأسه في عسكر أبيه.) ( وبلغ الحسن بن سهل موت محمد، فسار إلى المبارك، فأقام به، وبعث في جمادى الآخرة جيشاً له، فالتقوا بأبي زنبيل بفم الصراط، فهزموه، وانحاز إلى أخيه هارون بالنيل، فتقدم جيش الحسن إليهم، فلقوهم، فاقتتلوا ساعة، وانهزم هارون وأصحابه، فأتوا المدائن، ونهب أصحاب الحسن النيل، ثلاثة أيام، وما حولها من القرى.) (   وعسكر منصور بكلواذي، بعث غسان بن عباد بن أبي الفرج إلى ناحية الكوفة، فنزل بقصر ابن هبيرة، فلم يشعر غسان إلا وقد أحاط به حميد الطوسي، فأخذه أسيرأ وقتل من أصحابه، وذلك لأربع خلون من رجب.) ( وسير منصور بن المهدي محمد بن يقطين في عسكر إلى حميد، فسار حتى أتى كوثى، فلم يشعر بشيء حتى هجم عليه حميد، وكان بالنيل، فقاتله قتالاً شديداً وانهزم ابن يقطين، وقتل من أصحابه، وأسر، وغرق بشر كثير، ونهب حميد ما حول كوثى من القرى. )

 3 ـ مسلسل الدماء هذا حدث خلال عام واحد من الاضطرابات

ابراهيم بن المهدى

1 ـ وفى عام 201  جاء الخبر أن المأمون بايع لعلي الرضى بالولاية من بعده، فاختلف أهل بغداد بين مجيب مبايع وممانع، مع امتناع العباسيين بزعامة ابنا الخليفة المهدي ( إبراهيم ومنصور ) ، ثم بايعوا  فى آخر ثلاثاء من ذي الحجة (إبراهيم بن المهدي) خليفة بدلا من المأمون ، ولقبوه‏:‏ المبارك ، ومن بعده لابن أخيه إسحاق بن موسى بن المهدي.  فلما كان يوم الجمعة التالى أراد بعضهم أن يدعو فى صلاة الجمعة للمأمون ثم من بعده لإبراهيم بن المهدى فرفض عوام بغداد ، وقالوا ‏:‏ لا تدعوا إلا إلى إبراهيم فقط، تقول الرواية : ( واختلفوا واضطربوا فيما بينهم، ولم يصلوا الجمعة، وصلى الناس فرادى أربع ركعات‏.‏)

2 ـ واستقبل ابراهيم بن المهدى خلافته مع العام الجديد 202 باسترضاء الجند ، تقول الرواية (فأعطى كل رجل منهم مائتي درهم وكتب لبعضهم إلى السواد  ( الأرض الزراعية فى العراق ) بقيمة ما لهم من الحنطة،  فخرجوا في قَبْضها فلم يمرّوا بشيء إلا نهبوه وأخذوا النصيبين جميعًا‏:‏ نصيب أهل البلاد ونصيب السلطان. ) وبمساعدة أهل بغداد سيطر ابراهيم بن المهدى على الكوفة والسواد كله ( وعسكر بالمدائن ، وولّى الجانب الشرقيّ من بغداد العباس والجانب الغربيّ إسحاق بن موسى الهادي . )

3 ـ كل هذا بينما ظل ( الحسن بن سهل ) والى العراق من طرف المأمون  في حدود واسط ، والمأمون ببلاد خُراسان . فلم يزل إبراهيم خليفة على بغداد وما غلب عليه من السواد والكوفة ، الى أن رحل المأمون من خراسان وأشرف  على العراق وقرب من بغداد، فضعف أمر إبراهيم بن المهدي وقصرت يده وتفرَّق الناس عنه ، وهرب ، ثم قبض عليه أعوان المأمون ، وجىء به للمأمون فعفى عنه . 

4 ـ وفى عام 202 هزم جيش لابراهيم بن المهدى جيشا لأبلى السرايا يقوده أخو أبى السرايا بالكوفة ، وانتهى أمره بالقتل ( وثب أخو أبي السرايا بالكوفة فبيض واجتمعت إليه جماعه فلقيه غَسّان بن الفرج في رجب فقتله وبعث برأسه إلى إبراهيم بن المهدي ‏.‏)

5 ـ ودخل ابراهيم بن المهدى فى حروب فى الوقت القصير الذى كان فيه خليفة ( أقل من سنتين ) . ونقتطف بعض السطور الدامية من تلك المعارك : ( ...فلما كان الليل خرج حميد إلى الحسن، وكان الحسن قد وجه حكيماً الحارثي إلى النيل، فسار إليه عيسى بن محمد، فاقتتلوأ، فانهزم حكيم، فدخل عيسى النيل، ووجه إبراهيم إلى الكوفة سعيدأن وأبا البط، لقتال العباس بن موسى ) ،  ( فلما أتاه سعيد وأبوالبط ونزلوا قرية شاهي بعث إليهم العباس ابن عمه علي بن محمد بن جعفر، وهوابن الذي بويع له بمكة، وبعث معهم جماعة منهم أخوأبي السرايأ ، فاقتتلوا ساعة، فانهزم علي بن محمد العلوي وأهل الكوفة، ونزل سعيد وأصحابه الحيرة، وكان ذلك ثاني جمادى الأولى؛ ثم تقدموأ فقاتلوا أهل الكوفة، وخرج إلى شيعة بني العباس ومواليهم، فاقتتلوا إلى الليل، وكان شعارهم: يا أبا إبراهيم، يا منصور، لا طاعة للمأمون، وعليهم السواد، وعلى أهل الكوفة الخضرة.فلما كان الغد اقتتلوأ، وكان كل فريق منهم إذا غلب على شيء أحرقه ونهبه؛ فلما رأى ذلك رؤساء أهل الكوفة خرجوا إلى سعيد فسألوه الأمان للعباس وأصحابه، فأمنهم على أ ن يخرجوا من الكوفة، فأجابوه إلى ذلك، ثم أتوا العباس فأعلموه ذلك، فقبل منهم، وتحول عن داره، فشغب أصحاب العباس بن موسى على من بقي من أصحاب سعيد، وقاتلوهم، فانهزم أصحاب سعيد إلى الخندق، ونهب أصحاب العباس دور عيسى بن موسى، وأحرقوأ، وقتلوا من ظفروا به.فأرسل العباسيون إلى سعيد، وهو بالحيرة، يخبرونه أن العباس بن موسى قد رجع عن الأمان، فركب سعيد وأصحابه، وأتوا الكوفة عتمة، فقتلوا من ظفروا به ...)
 ( وأمر إبراهيم بن المهدي عيسى بن محمد أن يسير إلى ناحية واسط على طريق النيل، وأمر ابن عائشة الهاشمي، ونعيم بن حازم أن يسرا جميعأ ، ولحق بهما سعيد، وأبوالبط، والإفريقي، وعسكروا جميعاً بالصيادة، قرب واسط، عليهم جميعاً عيسى بن محمد، فكانوا يركبون، ويأتون عسكر الحسن بواسط، فلا يخرج إليهم منهم أحد، وهم متحصنون بالمدينة.ثم إن الحسن أمر أصحابه بالخروج إليهم، فخرجوا إليهم لأربع بقين من رجب، فاقتتلوا قتالاً شديداً إلى الظهر، وانهزم عيسى وأصحابه، حتى بلغوا طرنايا والنيل، وغمنوا عسكر عيسى وما فيه.)

وفى عام  203  ضرب إبراهيم بن المهدي قائده (عيسى بن محمد بن أبي خالد ) وحبسه ، واتهمه بالخيانة ، فقام أهل عيسى وأعوانه بتحريض أهل بغداد على خليفتهم ( ابراهيم بن المهدى )  فثاروا عليه وخلعوه وقاتلوه ، بينما انهزم جيشه الذى يحارب الحسن بن سهل ، فاختفى ابن المهدى . تقول الرواية  ( لما حضر الأضحى من سنة ثلاث ومائتين‏:‏ ركب إبراهيم في زي الخلافة فصلّى بالناس صلاة الأضحى ومضى من يومه إلى داره المعروفة فلم يزل فيها إلى آخر النهار ثم خرج منها بالليل فاستتر وانقضى أمره وكانت مدته منذ بويع له بمدينة السلام إلى أن استتر سنة وأحد عشر شهرًا وخمسة أيام ثم ظفر به المأمون فعفى عنه. )

وفى عام 210  ، قبضوا على ابرهيم بن المهدى (وهو في زي امرأة، ) وقد عرض رشوة على الحارس     (فأعطاه إبراهيم خاتم ياقوت كان في يده ، له قدر عظيم ) ، وجىء به الى المأمون ، وبعد حديث بينهما عفا عنه المأمون .  

ابن عائشة

قبلها بعام اى 209 ، بايع جماعة من القادة العسكريين سرا لابن عائشة ، وهو ( إبراهيم بن محمد بن عبد الوهاب بن إبراهيم الإمام بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس )  ومن هؤلاء القواد ‏:‏ محمد بن إبراهيم الأفريقي ومالك بن شاهك . ووصل أمرهم للمأمون .‏فحبسهم،  ثم أخرجهم فى العام التالى 210 وضرب أعناقهم وأمر بصلبهم.( وكان ابن عائشة أول عباسي صُلب في الإسلام. ). ( ووجد لابن عائشة صناديق فيها كتب القواد وغيرهم إليه، فجلس ( المأمون ) في المسجد ، وأحضر الصناديق ، وقال للناس‏:‏ " أنا أعلم أن فيكم البريء الذي لا اسم له في هذه الصناديق ومنكم الغائب والمستزيد ، وإن نظرت فيها لم أصف لكم ولم تصفوا إليً . فتوبوا إلى الله".!  ثم أمر بإحراق الصناديق ‏.‏)

 أخيرا : حتى لايضيع منا طرف الخيط :

 نذكركم بعنوان الكتاب : ( مسلسل الدماء فى تاريخ الخلفاء ـ الأصل التاريخى لتقسيم العالم فى عصر الخلفاء الى :" دار السلام ودار الحرب ")

الأصل التاريخى لتقسيم العالم الى ( دار السلام ودار الحرب ).

ونذكركم :

1 ـ بأن الله جل وعلا لم يخلق البشر ليكونا معسكرين متحاربين ، بل خلق البشر جميعا  أخوة من أب واحد وأم واحدة ، وجعلهم شعوبا وقبائل كى يتعارفوا سلميا ، لا لكى يتقاتلوا ، يقول جل وعلا يخاطب البشر جميعا : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13) الحجرات )

2 ـ إن الله جل وعلا أرسل رسوله بالقرآن الكريم رحمة للعالمين وليس لقتال العالمين ، يقول جل وعلا : ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (107) الأنبياء )

3 ـ إن الله جل وعلا أمر المؤمنين بالدخول فى السلام كافة ، فقال جل وعلا : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (208) البقرة ). وتشريعات القتال الدفاعية هى إستثناء يخدم السلام .  ولكن الصحابة إتبعوا خطوات الشيطان بالفتوحات ، وجعلوها دينا ، نتج عنه تقسيم العالم الى معسكرين متحاربين ـ حربا مستمرة ، لا يزال الوهابيون يواصلونها حتى اليوم

4 ـ القتال فى الاسلام هو لرد العدوان فقط ، وهذا معنى أن يكون فى سبيل الله جل وعلا . أما القتال المعتدى الذى فعله الصحابة فهو فى سبيل الشيطان ، وليس هناك توسط : إما قتال دفاعى فى سبيل الله جل وعلا ، وإما قتال باغ معتد ظالم يريد الثروة والسلطة ، أى فى سبيل الشيطان . يقول جل وعلا عن نوعى القتال : (الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ  )(76) النساء  )

5 ـ  فى حمامات الدم هذه كانوا يحرصون على تأدية صلاة شكلية ، كانت صلاة شيطانية لأنها لم تكن تنهاهم عن الفحشاء والمنكر بل كانت تأمرهم بالفحشاء والمنكر وتسوّغ لهم سفك الدماء والسلب والنهب والاسترقاق باسم الاسلام العظيم. كانت صلاتهم الشيطانية حربا لرب العزة جل وعلا.!

 

مسلسل الدماء فى خلافة المأمون  (198:  218 ) : بين المأمون والعرب  

مقدمة :

1 ـ  مسلسل الدماء الذى تسبب فيه الخليفة الأمين إستمر هادرا فى خلافة أخيه المأمون.  تفجرت الصراعات داخل ما يسمى ب ( دار السلام ) من كل الاتجاهات تقريبا ، تحمل شعارات مختلفة.  وعرفنا سياسة المأمون فى الاغتيال لمن يخشى نفوذهم مع إستمالته لذويهم ، ونضيف الى هنا فى تعامله مع الثورات الدامية أنه كان أحيانا يعفو ويصفح عن الثوار بعد أن يتمكن منهم . ولكن لم تكن له سياسة محددة فى العفو ، فتراه يقتل يحيى بن عامر بن إسماعيل فى حضرته عام 200 ، لأنه قال له ( يأمير الكافرين ) ، بينما يعفو عن ثائر عربى ( نصر بن شبث العقيلى ) أرهق المأمون بثورته وتسبب فى قتل الآلاف ، ثم هو  يقتل بعض أقاربه العباسيين الثائرين عليه ويصلبهم ( إبن عائشة وصحبه ) عام 210 ، بينما يعفو عن عمه الثائر عليه  ( ابراهيم بن المهدى )  بعد أن ظفر به .  . وثار المصريون ( الأقباط البشموريون ) بسبب الظلم الذى أوقعه بهم ولاة المأمون ، ومع أن المأمون قد إعترف بهذا الظلم وأصلحه بعض الشىء، ولكن عاقب الثوار المصريين بقتلهم ونفى من بقى من ذويهم عبيدا ليعملوا سُخرة فى إستصلاح الأراضى البور فى العراق .

2 ـ ولقد تنوعت الثورات فى خلافة المهدى فإشتعل ما يسمى ب ( دار السلام ) فى كل أرجائه ، ومع ذلك فقد فلم يغفل المأمون عن غزو ( دار الحرب ) . حارب المأمون البيزنطيين فى آسيا الصغرى ، وإستولى الأغالبة فى تونس على جزيرة سردينيا . أى إنه فى عهد هذا الخليفة المأمون  ــ المثقف منشىء دار الحكمة ـ ظل الظلم سائدا ، وظل مسلسل الدماء سائرا ، وظل سلب الرعية فاشيا واستمر السفه فى الانفاق مستحكما . ويكفى أن هذا الخليفة المثقف كان قبيل وفاته يغزو الروم ( دار الحرب ) وكان آخر قرارته إقامة محكمة تفتيش للفقهاء اهل الحديث الذين خالفوا رأيه فى موضوع ( خلق القرآن )، لم ينجح فى إقناعهم برأيه فاستخدم سلطته ليرغمهم على رأيه .

3 ـ ونتوقف مع مسلسل الدماء داخل ( دار السلام ) بزعمهم ، ونبدأ بمسلسل الدماء داخل ( دار السلام ) فى ثورات العرب والخوارج .

أولا : ثورات العرب : ثورة نصر بن شبث العقيلي:

1 ـ فى الصراع بين الأمين والمأمون كان معظم أنصار الأمين من العرب بسبب أن أمه عربية هاشمية عباسية ، بينما كان معظم أنصار المأمون من الفرس ( الموالى سابقا فى العصر الأموى ) . كانت لا تزال هناك ملامح إستعلاء لدى العرب مترسبة من العصر الأموى الذى ساد فيه إحتقار الشعوب غير العربية خصوصا ( الموالى ) أى الفرس ، وقابلها الفرس فى العصر العباسى بالشعوبية ( أى التغنى بالقومية الفارسية والحضارة الفارسية )، وهذه المواجهة الثقافية هى التى مكنت الفرس من الاحتفاظ بلسانهم الفارسى حتى الآن بينما اندثرت ألسنة المصرييين والأنباط  والسريان . وهذه المواجهة الثقافية بين العرب والفرس كانت العامل المساعد فى سخط بعض العرب على المأمون وكراهيتهم لانتصاره على أخيه الأمين . لم يهتموا بتفاهة الأمين وعدم صلاحيته للخلافة ، ولكن الذى أهمهم هو أن إنتصار المأمون أصبح إنتصارا للفرس على العرب . ويمثل وجهة النظر هذه ( نصر بن شبث العقيلى ).

2 ـ بمجرد إنتصار المأمون وقتل الأمين فى عام  198 ـ أعلن نصر بن سيار بن شبث العقيلي الخلاف على المأمون؛ ( وكان نصر من بني عقيل يسكن كيسوم، شمالي حلب، وكان في عنقه بيعة للأمين، وله فيه هوى؛ فلما قتل الأمين أظهر نصر الغضب لذلك، وتغلب على ما جاوره من البلاد، وملك سميساط، واجتمع عليه خلق كثير من الأعراب، وأهل الطمع، وقويت نفسه، وعبر الفرات إلى الجانب الشرقي. ).طمع  نصر هذا فى التغلب على المنطقة وقت أن كان المأمون فى الشرق لم يأت الى بغداد بعدُ . وكثرت جموع نصر العقيلى ، وأصبح خطرا حقيقيا على سُلطة المأمون .

3 ـ لذا بادر المأمون عام 198 بتعيين أفضل قواده العسكريين ( طاهر بن الحسين ) وأمره أن يسير إلى  ( الرقة ) لمحاربة نصر بن شبث العقيلي، وولاه الموصل والجزيرة والشام والمغرب، فسار طاهر إلى قتال نصر بن شبث، وأرسل إليه يدعوه إلى الطاعة، وترك الخلاف، فلم يجبه إلى ذلك، فتقدم إليه طاهر، والتقوا بنواحي كيسوم، واقتتلوا قتالاً شديداً أبلى فيه نصر بلاءً عظيمأ وإنتصر على طاهر بن الحسين الذى تراجع الى الرقة مهزوما، . وإقتصر على الحفاظ على ما تحت سيطرته .
 4 ـ واستفحلت ثورة نصر بن شبث العقيلى مع إستمرار غياب المأمون فى الشرق بعيدا عن العراق ، وفى عام  199  تكاثرت جموعه ، وحاصر مدينة (حران ).

5 ـ وبسبب إنتصاراته المتتابعة جاءه بعضهم يطلبون منه أن يبايع لخليفة يحارب  باسمه . قالوا له: ( قد وترت بني العباس، وقتلت رجالهم..  فلوبايعت لخليفة كان أقوى لأمرك.) ، فقال: ( من أي الناس؟)  فقالوا: ( نبايع لبعض آل علي بن أبي طالب؛) فقال مستنكرا : ( أبايع بعض أولاد السوداوات فيقول إنه خلقني ورزقني؟)  قالوا: ( فنبايع لبعض بني أمية؛ ) فقال: ( أولئك قد أدبر أمرهم، والمدبر لا يقبل أبدأ ، ولوسلكت علي رجل مدبر لأعداني إدباره. ) ثم قال لهم يعبر عن رأيه : ( ، وإنما هواي في بني العباس، ولكن حاربتهم محاماة على العرب لأنهم يقدمون عليهم العجم . ). هواه مع بنى العباس ، ولكنه ليس مع المأمون الذى إنحاز للفرس على حساب العرب.

6 ـ ثم رحل المأمون من الشرق وإستقر فى بغداد عام 204 ، وفى عام 206 مات يحيى بن معاذ والى المأمون على الجزيرة ، والذى كان يواجه نصر بن شبث العقيلى،  وقد عهد يحيى قبل موته لابنه أحمد بن يحيى بن معاذ . ولم يرض المأمون بهذا ، ولم ير المأمون الوالى الجديد أحمد كفئا لمواجهة نصر العقيلى ، فاستدعى المأمون عبد الله بن طاهر من مصر ، وولاه الرقة مركز الجزيرة ، وأمره بحرب نصر بن شبث  .  وكان عبد الله بن طاهر بن الحسين ينقم على ( نصر العقيلى ) أنه هزم من قبل أباه ( طاهر بن الحسين ) ، ولقد كتب طاهر لابنه عبد الله كتابا يعظه وينصحه ، ذكره الطبرى بالكامل ، إعتبره المأمون وحاشيته آية فى الأدب السياسى  .

7 ـ ودارت الحرب بين عبد الله بن طاهر ونصر بن شبث العقيلى حتى عام 209 . ودحر ابن طاهر غريمه العقيلى ، وحاصره عام 209 فى معقله كيسوم . وصمد نصر فى الحصار قليلا ثم طلب الأمان ، ودارت مفاوضات إشترط فيها المأمون أن يأتى نصر خاضعا اليه ،ورفض نصر خوفا من الغدر ، وطمأنه المأمون ـ عن طريق مبعوثه ـ بأنه صفح من قبل عمّن خانه ، كالفضل بن الربيع، وعيسى بن محمد ابن أبي خالد . ورفض نصر ، فضيق ابن طاهر عليه الحصار ، فرضخ فى النهاية نصر ، وتحول من معسكره إلى الرقة وسلّم نفسه الى عبد الله بن طاهر ، بعد حصار وحرب إستمرت خمس سنين، فلما خرج إليه أخرب عبد الله حصن كيسوم، وسير نصراً إلى المأمون . ووصل نصر فى صحبة عبد الله بن طاهر الى المأمون في صفر سنة عشر ومائتين . فأنزله المأمون فى مدينة المنصور وحدد إقامته فى بيت فيها ‏.

 

ثانيا : الصراعات الحربية بين القبائل العربية

أشعل الأمويون التعصب القبلى بين قبائل العرب العدنانية ( بفروعها المختلفة من نزار وربيعة ومُضر وربيعة وقيس ) وقبائل قحطان اليمنية ( كلب وقضاعة والأزد  ..الخ )، واستمرت الصدامات الحربية بين القبائل وفروعها فى العصر العباسى ، وكان منها فى خلافة المأمون :

1 ــ عام 198 حرب قبائل نزار والأزد فى الوقعة المعروفة بالميدان بالموصل ، وكان سببها أن عثمان بن نعيم البجمي صار إلى ديار مضر، فشكا اليهم  الظلم الذى يقع على قومه من قبائل الأزد اليمنية ، واستنصر قبائل مُضر ، فسار معه إلى الموصل ما يقارب عشرين ألفا من قبائل (مُضر ) ، فتفاوض معهم ( علي بن الحسن الهمداني ـ من قبيلة همدان اليمنية )، وهوحينئذ متغلب على الموصل، ، وفشلت المفاوضات بين ( علي بن الحسن الهمداني ) و( عثمان بن نعيم البجمى ) ، فنشبت الحرب بينهم ، تقول الرواية ( فالتقوا واقتتلوا قتالاً شديدأ،  عدة وقائع، فكانت الهزيمة على النزارية، وظفر بهم (علي) وقتل منهم خلقاً كثيراً وعاد إلى البلد ).

2 ــ وفى عام 200  ( وقعت الفتنة بالموصل بين بني سامة وبني ثعلبة، فاستجارت ثعلبة بمحمد بن الحسين الهمداني، وهوأخو (علي بن الحسين )، أمير البلد، فأمرهم بالخروج إلى البرية، ففعلوا ، فتبعهم بنوسامة في ألف رجل إلى العوجاء، وحصروهم فيهأ،  فبلغ الخبر علياً ومحمداً ابني الحسين، فأرسلا الرجال إليهم، واقتتلوا قتالاً شديدأ،  فقتل من بني سامة جماعة، وأسر جماعة منهم، ومن بني تغلب، وكانوا معهم فحبسوا في البلد . )
3 ـ وفى عام 202 كان قتل (علي بن الحسن الهمداني ) وأخوه أحمد وجماعة من أهل بيته. وسبب قتله أن ( على الهمدانى ) ، كان متغلباً على الموصل ، وقد إختلف مع قبائل الأزد فى الموصل ، وطمع فى إخراجهم منها وأمرهم أن يلحقوا بعُمان ، وهم ينتمون مثله الى قبائل قحطان اليمنية ، ( ثم قتل رجلا  من الأزد يقال له عون بن جبلة، فبنى عليه حائطأ، فمات فيه، وظهر خبره، فركبت الأزد، وعليهم السيد بن أنس، فاقتتلوأن واستنصر علي بن الحسين بخارجي يقال له مهدي بن علوان، فأتاه، فدخل البلد، وصلى بالناس، ودعا لنفسه، واشتدت الحرب، وكانت أخيراً على علي بن الحسين وأصحابه، فخرجوا عن البلد إلى الحديثة، فتبعهم الأزد إليهأ،  فقتلوا علياً وأخاه أحمد وجماعة من أهلهمأ،  وسار أخوهما محمد إلى بغداد، فنجا وعادت الأزد إلى الموصل، وغلب السيد عليها وخطب للمأمون وأطاعه. )

 

ثالثا : ‏الخوارج ( الحروية و الشراة ) :

إستمرت ثورات الخوارج فى خلافة المأمون :

1 ـ  تقول الروايات فى أحداث عام 202  ‏:‏ ( خرج مهدي بن عُلوان الحروري فوجه إليه إبراهيم بن المهدي أبا إسحاق بن الرشيد في جماعة من القواد فهزم مهديًا ‏.‏) ( وخرج عليه مهدي بن علوان الحروري، وغلب على طساسيج نهر بوق والراذانين، فوجه إليه إبراهيم أبا إسحاق بن الرشيد، وهوالمعتصم، في جماعة من القواد، فلقوه، فاقتتلوا، فطعن رجل من أصحابه ابن الرشيد، فحامى عنه غلام تركي يقال له: اشناس، وهزم مهدي إلى حولايا.)

2 ـ وتقول الروايات فى أحداث عام 214 : ( خروج بلال الضبابي شاريًا ، فشخص المأمون إلى العَلْث ، ثم رجع إلى بغداد ، ووجه ابنه عباسًا في جماعة من القواد ، فيهم هارون بن أبي خالد فقتله هارون ‏.) 

رابعا :  فى شمال أفريقيا 

عام 218 ، ثار فضل بن ابى العنبر على الوالى زيادة الله بن الأغلب ( صاحب أفريقية / تونس  ) وتعاون هذا الثائر مع ثائر آخر هو عبد السلام بن المفرج الربعى ، وتحارب الاثنان مع جيش الأغلبى ، تقول الرواية : (فالتقوا مع عسكر زيادة الله، وجرى بين الطائفتين قتال شديد عند مدينة اليهود بالجزيرة، فقتل عبد السلام، وحمل رأسه إلى زيادة الله.وسار فضل بن أبي العنبر إلى مدينة تونس، فدخلهأ،  وامتنع بهأ ، فسير زيادة الله إليه جيشأ، فحصروا ( فضلاً ) بهأ،  وضيقوا عليه حتى فتحوها منه، وقتل وقت دخول العسكر كثير من أهلهأ ، وهرب كثير من أهل تونس..  )

 

 أخيرا : حتى لايضيع منا طرف الخيط :

 نذكركم بعنوان الكتاب : ( مسلسل الدماء فى تاريخ الخلفاء ـ الأصل التاريخى لتقسيم العالم فى عصر الخلفاء الى :" دار السلام ودار الحرب ")

الأصل التاريخى لتقسيم العالم الى ( دار السلام ودار الحرب ).

ونذكركم :

1 ـ بأن الله جل وعلا لم يخلق البشر ليكونا معسكرين متحاربين ، بل خلق البشر جميعا  أخوة من أب واحد وأم واحدة ، وجعلهم شعوبا وقبائل كى يتعارفوا سلميا ، لا لكى يتقاتلوا ، يقول جل وعلا يخاطب البشر جميعا : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13) الحجرات )

2 ـ إن الله جل وعلا أرسل رسوله بالقرآن الكريم رحمة للعالمين وليس لقتال العالمين ، يقول جل وعلا : ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (107) الأنبياء )

3 ـ إن الله جل وعلا أمر المؤمنين بالدخول فى السلام كافة ، فقال جل وعلا : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (208) البقرة ). وتشريعات القتال الدفاعية هى إستثناء يخدم السلام .  ولكن الصحابة إتبعوا خطوات الشيطان بالفتوحات ، وجعلوها دينا ، نتج عنه تقسيم العالم الى معسكرين متحاربين ـ حربا مستمرة ، لا يزال الوهابيون يواصلونها حتى اليوم

4 ـ القتال فى الاسلام هو لرد العدوان فقط ، وهذا معنى أن يكون فى سبيل الله جل وعلا . أما القتال المعتدى الذى فعله الصحابة فهو فى سبيل الشيطان ، وليس هناك توسط : إما قتال دفاعى فى سبيل الله جل وعلا ، وإما قتال باغ معتد ظالم يريد الثروة والسلطة ، أى فى سبيل الشيطان . يقول جل وعلا عن نوعى القتال : (الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ  )(76) النساء  )

5 ـ  فى حمامات الدم هذه كانوا يحرصون على تأدية صلاة شكلية ، كانت صلاة شيطانية لأنها لم تكن تنهاهم عن الفحشاء والمنكر بل كانت تأمرهم بالفحشاء والمنكر وتسوّغ لهم سفك الدماء والسلب والنهب والاسترقاق باسم الاسلام العظيم. كانت صلاتهم الشيطانية حربا لرب العزة جل وعلا.!

 مسلسل الدماء فى خلافة المأمون  (198:  218 ) : بين المأمون والعلويين

مقدمة :

1 ـ كانت سياسة المأمون أقرب الى سياسة معاوية فى الدهاء ، ومداهنة الخصوم ، والقضاء عليهم بالاغتيال ، وجعل الحرب هى الخيار الأخير ، وهو القائل : ( أخّر الحرب ما إستطعت ، فإن لم تجد منها بُدّا فإجعلها آخر النهار ) وهو بذلك يطبق شعرة معاوية فى قوله ( لو كان بينى وبين الناس شعرة ما انقطعت .. ) . الطريف أن المامون كان كارها لمعاوية وقد أمر بلعنه على المنابر عام 211 ، ووزع منشورا يقول (  برئت الذمة ممن ذكر معاوية بخير، أوفضله على أحد من أصحاب رسول الله، صلى الله عليه ) . ومع ميل المأمون لعلى بن أبى طالب فقد ثار العلويون عليه فى أضخم حركة إنقلابية تشجعت بالقلاقل التى عصفت بخلافة المأمون ، ووضح فيها أنهم كانوا ( الأسوأ ) من العباسيين والأسوأ من أسلافهم الثوار فى العصر الأموى وفى خلافة المنصورـ جد المأمون .

2 ـ نتتبع مسلسل الدماء بين المامون والعلويين داخل ما يسمى بمعسكر أو ( دار السلام ) . ويتضح فيه كالعادة ـ أن المال هو المعبود الأعظم لديهم ، لا فارق بين خليفة أو أمير أو قاطع طريق ، كما يظهر من سيرة أبى السرايا :

   ثورة ابن طباطبا وأبى السرايا :

  ابو السرايا : من (سائق حمير ) الى ( امير )

1 ـ هو ( أبوالسرايا السري بن منصور، وكان يذكر أنه من ولد هانئ بن قبيصة بن هانئ بن مسعود الشيباني).أى يزعم النسب اليه ، وهو فى بدايته كان يستأجر ( يكري ) الحمير، ( أى حمّار ) ثم أصبح زعيم عصابة وقاطع طريق ، تقول الرواية : ( وقوي حاله، فجمع نفرأ ،  فقتل رجلاً من بني تميم بالجزيرة، وأخذ ما معه، فطُلب، فاختفى، وعبر الفرات إلى الجانب الشامي، فكان يقطع الطريق في تلك النواحي، ثم لحق بيزيد بن مزيد الشيباني بأرمينية، ومعه ثلاثون فارسأ ، فقوده، ( أى جعله قائدا ) فجعل يقاتل معه الخرمية..) .

2 ـ وفى الحرب بين الأمين والمأمون إنضم الى جيش الأمين الذى يحارب هرثمة بن أعين قائد المأمون  ، وإشتهرت شجاعة أبى السرايا ، ( فراسله هرثمة يستميله، فمال إليه، فانتقل إلى عسكره،) وانتقل معه بعض أعراب الحزيرة هناك ، وجعل ابو السرايا لهم مرتبات وأرزاقا ، فصار معه ( نحو ألفي فارس وراجل، فصار يخاطب بالأمير.)

ابو السرايا من أمير الى قاطع طريق

1 ـ بعد قتل الأمين تأزمت العلاقة بين أبى السرايا وهرثمة ، فأنقص هرثمة من عطائه ( أى مرتبه ) ومن عطاء أصحابه ، وتظاهر ابو السرايا بالرغبة فى الحج فأذن له هرثمة بالحج ، وأعطاه ( عشرين ألف درهم، ففرقها في أصحابه ومضى، وقال لهم: اتبعوني متفرقين. ) .

2 ـ ولحقوا به فكوّن منهم عصابة تخصصت فى الهجوم على ولاة المدن تنهبهم ، وكان حريصا على إعطاء رفاقه اللصوص ( حقوقهم ) من السلب والنهب .! . وبسبب ( امانته ) تكاثر أتباعه من اللصوص وقطاع الطرق . تقول الرواية : ( فاجتمع معه منهم نحومن مائتي فارس، فسار بهم إلى عين التمر، وحصر عاملهأ ،  وأخذ ما معه من المال وفرقه في أصحابه.وسار، فلقي عاملاً آخر ومعه مال، على ثلاثة بغال، فأخذها وسار، فلحقه عسكر كان قد سيره هرثمة خلفه، فعاد إليهم، وقاتلهم، فهزمهم ، ودخل البرية، وقسم المال بين أصحابه، وانتشر جنده، فحلق به من تخلف عنه من أصحابه وغيرهم، فكثر جمعه، فسار نحو دقوقأ ،  وعليها أبوضرغامة العجلي، في سبع مائة فارس، فخرج إليه، فلقيه، فاقتتلوأ،  فانهزم أبوضرغامة، ودخل قصر دقوقأ ،  فحصره أبوالسرايأ ،  وأخرجه من القصر بالأمان وأخذ ما عنده من الأموال.وسار إلى الأنبار، وعليها إبراهيم الشروي، مولى المنصور، فقتله أبوالسرايأ ،  وأخذ ما فيها وسار عنها؛ ثم عاد غليها بعد إدراك الغلال، فاحتوى عليهأ. ).

2 ـ ،  ثم ضجر ابو السرايا من التنقل بين البلاد ، فقصد الرقة، وانضم الى قبيلة بنى تغلب فى حربهم لقيس ، وساعدهم فى التغلب على قيس . وفى الرقة قابل ( محمد بن إبراهيم محمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب ) المعروف بابن طباطبأ ، فدخل به أبو السرايا فى دور جديد .

أبو السرايا من قاطع طريق الى زعيم ثورة علوية :

 1 ـ فى هذا الوقت عمّ السخط  فى العراق على المأمون فى مقامه فى الشرق بعيدا عن عاصمة ملكه ، وأن الفضل بن سهل الفارسى قد أصبح المتحكم فى المأمون ، وسارت الاشاعات بان الفضل بن سهل أنزل المأمون فى قصر وحجبه عن الناس وتحكم فى الأمر دونه ، بالاضافة الى نفوذ الحسن بن سهل أخ الفضل بن سهل ، والذى تحكم فى العراق ، وأغضب الهاشميين من عباسيين وعلويين  . كان المناخ مُتاحا لثورة علوية ، وشيوخ العلويين كثيرون ولكن ينقصهم قائد عسكرى . وتمّ هذا عندما إلتقى أبو السرايا بابن طباطبا .

2 ـ بايع أبو السرايا ابن طباطبا ، واتفقا على الهجوم على الكوفة برا ونهرا ، ودخلاها فى نفس التوقيت فجأة ، تقول الرواية (وابتدأ أبوالسرايا بقصر العباس ابن موسى بن عيسى فأخذ ما فيه من الأموال والجواهر، وكان عظيماً لا يحصى، وبايعهم أهل الكوفة.).

مراحل الثورة العلوية ( ابو السرايا / ابن طباطبا )

 1 ـ وتقول الرواية فى أحداث عام  199 ( خرج بالكوفة " محمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب " يوم الخميس لعشر خلون من جمادى الآخرة يدعو إلى الرضى من آل محمد، والعمل بالكتاب والسنة، وهو الذي يقال له‏:‏ ابن طباطبا‏. ) ( وكان القائم بأمره وتدبير الحرب بين يديه أبو السرايا السري بن منصور الشيباني، وقد اتفق أهل الكوفة على موافقته، واجتمعوا عليه من كل فج عميق، ووفدت إليه الأعراب من نواحي الكوفة. ) أى تزعم ابن طباطبا العلوى ثورة إشتعلت فى الكوفة وإنضم اليه الأعراب ، وكان أبو السرايا الشيبانى قائده الحربى . وحاول الوالى العباسى على الكوفة ( الحسن بن سهل ) حفيد أبى جعفر المنصور ترغيب وترهيب ابن طباطبا فارسل له يعظه وبعث بجيش من عشرة آلاف فارس ، فهزم أبو السرايا الجيش العباسى وهرب قائده (زاهر بن زهير بن المسيب ) ،  تقول الرواية (  فتقاتلوا خارج الكوفة فهزموا زاهراً ، واستباحوا جيشه ونهبوا ما كان معه‏، وذلك يوم الأربعاء سلخ جمادى الآخرة. )

2 ـ فى اليوم التالى مات زعيم الثورة ابن طباطبا فجأة ، وإغتاله ابو السرايا بالسُّم ، وولى مكانه صبيا ، تقول الروايات عن موت ابن طباطبا : (سمّه أبوالسرايا؛ وكان سبب ذلك أنه لما غنم ما في عسكر زهير منع عنه أبا السرايأ ، وكان الناس له مطيعين، فعلم أبوالسرايا أنه لا حكم له معه، فسمه فمات، وأخذ مكانه غلاماً أمرد يقال له محمد بن محمد بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، عليه السلام، فكان الحكم إلى أبي السرايا.وكان أبو السرايا هو الذي ينفَذ الأمور ويولي مَنْ يرى ويعزل من يريد ) أى هو المال المعبود الأعظم لديهم .

3 ـ وارسل الوالى العباسى جيشا من أربعة آلاف فارس مددا للمهزوم زاهر الذى إنسحب الى  قصر ابن هبيرة ، وهزمهم ابو السرايا للمرة الثانية هزيمة تامة فلم ينج منهم أحد  . تقول الروايات : (  ووجّه أبو السرايا جيوشًا إلى البصرة وواسط فدخلوها وكان بواسط ونواحيها عبد الله بن سعيد الحَرَشيّ واليًا عليها من قبل الحسن بن سهل فواقعه جيش أبي السرايا قريبًا من واسط فهزموه فانصرف راجعًا إلى بغداد وقد قُتل من أصحابه جماعة وأسر آخرون  ) ( وانتشر الطالبيون ( العلويون ) في تلك البلاد، وضرب أبو السرايا الدراهم والدنانير في الكوفة،  ثم بعث أبو السرايا جيوشه إلى البصرة وواسط والمدائن فهزموا من فيها من النواب ( الولاة العباسيين )  ودخلوها قهراً، وقويت شوكتهم. )

4 ـ إضطر والى الكوفة العباسى ( الحسن بن سهل ) الى طلب مساعدة القائد الحربى ( هرثمة بن أعين )، وجاء هرثمة وهزم أبا السرايا وطرده  حتى رده إلى الكوفة، تقول الرواية : (  فلما قدم هرثمة خرج  إلى المدائن فقاتل بها أصحاب أبي السرايا .. فانكشف أصحاب أبي السرايا  .. رجع أبو السرايا من نهر صَرْصَر إلى قصر ابن هبيرة فنزل به وأصبح هرثمة متوجهًا في طلبه فوجد جماعة كثيرة من أصحاب أبي السرايا فهزمهم وقتلهم ،  وبعث برؤوسهم إلى الحسن بن سهل . فلما صار هرثمة إلى قصر ابن هبيرة كانت بينه وبين أبي السرايا وقعة وقتل فيها خلق كثير ، فلما رأى ذلك أبو السرايا انحاز إلى الكوفة ).

5 ـ وانتقم العلويون بنهب مساكن العباسيين فى الكوفة والبصرة ، عن الكوفة تقول الرواية : ( وثب الطالبيون على دور بني العباس بالكوفة فنهبوها وخربوا ضياعهم، وفعلوا أفعالاً قبيحةً‏.‏) ( فوثب محمد بن محمد ومن معه من الطالبيين على دور بني العباس ودور مواليهم وأتباعهم بالكوفة فانتهبوها وهدموها وأحرقوها وخربوا ضياعهم وأخرجوهم من الكوفة وعملوا في ذلك عملًا قبيحًا واستخرجوا الودائع التي كانت لهم عند الناس فأخذوها ‏. ).

وحدث نفس الشىء فى البصرة ، وتزعّم السلب والنهب فيها ( زيد بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن أبي طالب الذي يقال له‏:‏ زيد النار - وإنما قيل له ذلك لكثرة ما حرق من دور بني العباس وأتباعهم بالبصرة. ) أى كان يحرق البيوت بأصحابها ..!!  وفى رواية أخرى عنه : (  زيد بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسن بن علي، عليه السلام، وهوالذي يسمى زيد النار، وإنما  سمي بها لكثرة ما أحرق بالبصرة من دور العباسيين وأتباعهم، وكان إذا أتى رجل من المسودة ( أى أتباع العباسيين )  أحرقه.!  وأخذ أموالاً كثيرة من أموال التجار سوى أموال بني العباس .) أيضا : فالمال معبودهم الأعظم ..

نهاية ابى السرايا

1 ـ عام 200 : حاصره هرثمة فى الكوفة ، وضيق عليهم فضجروا من القتال ، فهرب أبوالسرايا من الكوفة، ومعه 800 فارس ، ودخل هرثمة الكوفة فأمّن أهلهأ ، ولم يتعرض إليهم.

2 ـ أما أبو السرايا فقد سار من الكوفة وأتى القادسية ( وسار منها إلى السوس بخوزستان ، فلقي مالاً قد حمل من الأهواز، فأخذه، وقسمه بين أصحابه.وأتاه الحسن بن علي المأموني ... فكره قتاله ، فأبى أبوالسرايا إلا قتاله، فقاتله، فهزمه المأموني وجرحه، وتفرق أصحابه. ، وسار أبو السرايا جريحا الى منزله  برأس عين، ومعه بعض أصحابه ، فلما انتهوا إلى جلولاء ظفر بهم حماد الكندغوش، فأخذهم، وأتى بهم الحسن بن سهل، وهو بالنهروان، فقتل أبا السرايأ،  وبعث رأسه إلى المأمون، ونصبت جثته على جسر بغداد. )

العلويون وانتهاك حرمة البيت الحرام

1 ـ فى عام 199 استولى ابو السرايا على مكة والمدينة ، وتأثرت شعيرة الحج بما حدث ، فقد بعث أبو السرايا الى مكة    (  حسين بن حسن بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب وبعث إلى المدينة محمد بن سليمان بن داود بن الحسن بن الحسن ابن علي بن أبي طالب ليأخذها وكان الوالي على مكة والمدينة داود بن عيسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس . فأما المبعوث إلى المدينة فإنه دخلها ولم يمنعه أحد ‏.‏ وأما المبعوث إلى مكة فإنه لما مضى توقف هُنيْهة لمن فيها . وكان ( الوالى عليها ) ( داود بن عيسى ) لما بلغه توجيه أبي السرايا حسين بن حسن جمع موالي بني العباس والعبيد . وكان ( القائد العسكرى التابع للمأمون )  "مسرور الكبير الخادم " قد حجَّ تلك السنة في مائتي فارس من أصحابه،  وتعبأ لحرب من يريد دخول مكة من الطالبيين .  فقال لداود‏:‏ " أقم لي شخصك أو شخص بعض ولدك وأنا أكفيك قتالهم ‏" .فقال له داود‏:‏ " لا استحل القتال في الحرم والله لئن دخلوا من هذا الفجّ لأخرجن من هذا الفجّ " ‏. فانحاز داود من مكة وقال لابنه ‏:‏ " صلّ بأهل الموسم وبتْ بمنىً ثم الحقني ". وخشي مسرور أن يقاتل فيميل عنه أكثر مَنْ جمع ‏.فخرج إلى العراق . ودفع الناس لأنفسهم من عرفة بغير إمام حتى أتى مزدلفة فصلى بهم المغرب والعشاء رجل من عرض الناس من أهل مكة ، وحسين بن حسن ( الأفطس ) واقف يرهب أن يدخل مكة فيدفع عنها فخرج إليه قوم يميلون إلى الطالبيين فأخبروه أن الأماكن قد خلت من السلطان،  فدخل قبيل المغرب ومعه نحو من عشرة ، فطافوا وسعوا ومضوا إلى عرفة بالليل ، ثم رجع إلى مزدلفة ، فصلى بالناس الفجر ودفع بالناس وأقام بمنى أيام الحج فلم يزل مقيمًا بها حتى انقضت سنة تسع وتسعين وأقام محمد بن سليمان الطالبي بالمدينة حتى انقضت سنته أيضًا  .)

2 ـ وتقول رواية أخرى أن أبا السرايا بعث  : (  حسين بن حسن الأفطس ليقيم لهم الموسم فخاف أن يدخلها جهرة، ولما سمع نائب مكة - وهو‏:‏ داود بن عيسى بن موسى بن علي بن عبد الله بن عباس - هرب من مكة طالباً أرض العراق، وبقي الناس بلا إمام فسئل مؤذنها أحمد بن محمد بن الوليد الأزرقي أن يصلي بهم فأبى، فقيل لقاضيها محمد بن عبد الرحمن المخزومي فامتنع، وقال‏:‏ لمن أدعو وقد هرب نواب البلاد،  فقدم الناس رجلاً منهم فصلى بهم الظهر والعصر، وبلغ الخبر إلى حسين الأفطس فدخل مكة في عشرة أنفس قبل الغروب فطاف بالبيت، ثم وقف بعرفة ليلاً وصلى بالناس الفجر بمزدلفة وأقام بقية المناسك في أيام منى، فدفع الناس من عرفة بغير إمام‏.‏) دخل مكة بلا قتال ، فأفسد فيها وانتهك الحرم .!!

3 ـ فلأن المال معبودهم الأعظم فلم تنج الكعبة من سلبهم ، ففى أول يوم من عام 200 (  جلس حسين بن حسن الأفطس على طنفسة مثلثة خلف المقام ، وأمر بتجريد الكعبة مما عليها من كساوي بني العباس، وقال‏:‏ نطهرها من كساويهم‏. وكساها ملاءتين صفراوتين عليهما اسم أبي السرايا، ثم أخذ ما في كنز الكعبة من الأموال، وتتبع ودائع بني العباس فأخذها، حتى أنه أخذ مال ذوي المال ويزعم أنه للمسودة‏ ( أى يسلب أموال الناس بزعم أنها ودائع لبنى العباس عندهم ) . وهرب منه الناس إلى الجبال، وسبك ما على رؤوس الأساطين من الذهب، وكان ينزل مقدار يسير بعد جهد، وقلعوا ما في المسجد الحرام من الشبابيك وباعوها بالبخس، وأساؤوا السيرة جداً‏.‏  ) .

وتقول رواية أخرى فى المنتظم : (في أول المحرم بعدما تفرّق الحاج من مكة جلس حسين بن حسن الأفطس خلف المقام على نُمرقة مثنيَّة وأمر بالكعبة فجردت من الثياب حتى بقيت حجارة مجردة ثم كساها ثوبين من قَز كان أبو السرايا وجههما معه عليهما مكتوب‏:‏  " مما أمر به الأصفر بن الأصفر أبو السرايا داعية آل محمد لكسوة بيت الله الحرام وأن يطرح عنه كُسوة الظلمة من ولد العباس ليطهره من كُسوتهم وكتب في سنة تسع وتسعين ومائة"  ‏.‏ ثم أمر حسين بالكسوة التي كانت على الكعبة فقسمت بين أصحابه العلويين وأتباعهم . وعمد إلى ما في خزانة الكعبة من مال فأخذه،  ولم يسمع بأحد عنده وديعة لأحد من ولد العباس وأتباعهم إلا هجم عليه في داره،  فإن وجد من ذلك شيئًا أخذه ، وإذا لم يجد شيئًا حبسه وعذبه حتى يفتدي نفسه ‏.وهرب كثير من الناس فهدم دورهم . وجعلوا يحكُّون الذهب الرقيق الذي في رؤوس أساطين المسجد الحرام فيخرج من الأسطوانة بعد التعب الشديد قدر مثقال،  وقلعوا شباك زمزم فبيع بالثمن ‏.‏)

4 ــ ثم هرب الأفطس حين أتاه خبر هزيمة أبى السرايا وهربه من الكوفة . تقول الرواية عن هذا الأفطس : (واستمر على سوء السيرة، ثم هرب في سادس عشر المحرم منها، وذلك لما قهر هرثمة أبا السرايا وهزم جيشه وأخرجه ومن معه من الطالبيين من الكوفة،. )

5 ـ  وفى حوادث نفس العام 200 : يعود الى مكة ( حسين بن حسن الأفطس العلوى ) . فبعد مقتل أبى السرايا إجتمع العلويون فى مكة بزعامة الأفطس وأرغموا رجلا من العلويين على أن يبايعوه حليفة فى مكة ، وهو ( محمد بن جعفر بن محمد بن علي بن حسين بن علي بن أبي طالب ) وكان مشهورا بالزهد والعلم ، تقول الرواية : (  بويع لمحمد بن جعفر بن محمد بن علي بن حسين بن علي بن أبي طالب ، وذلك أن حسين بن حسن الذي حكينا عنه ما فعل بمكة عن أمر أبي السرايا ــ لما تغير الناس له لسوء سيرته ، وبلغه أن أبا السرايا قد قتل وأنه قد طرد من كان بالكوفة والبصرة وكور العراق من الطالبيين ورجعت الولاية بها لولد العباس ــ اجتمعوا إلى محمد بن جعفر بن محمد بن علي - وكان شيخًا محببًا في الناس حسن السيرة يروي العلم والناس يكتبون عنه ويظهر زهدًا وسمتًا - فقالوا له‏:‏ " قد نعلم حالك في الناس فأبْرِزْ شخصك نبايع لك بالخلافة فإنك إن فعلت ذلك لم يختلف عليك اثنان " ، فأبى عليهم ، فلم يزل ابنه به وحسين بن حسن الأفطس حتى غلباه على رأيه ، فأجابهم ،  فأقاموه بعد صلاة الجمعة لثلاث خلون من ربيع الآخر فبايعوه بالخلافة ، وحشروا إليه الناس من أهل مكة والمجاورين ، فبايعوه طوعًا وكرهًا. فأقام كذلك أشهرًا ، وليس له من الأمر سوى الاسم . ثم أقبل إسحاق بن موسى بن عيسى العباسي من اليمن فاجتمع العلويون إلى محمد بن جعفر فقالوا له‏:‏ هذا إسحاق بن موسى قد أقبل في الخيل والرحل وقد رأينا أن نخندق على مكة ونحاربه . فقاتلوه أيامًا ، ثم كره إسحاق الفتال فرجع ، ثم ردّ عليهم،  وكانت الهزيمة على محمد بن جعفر وأصحابه فطلب محمد الأمان حتى يخرج من مكة فأمنوه ‏.‏) . إنتهاك معتاد للبيت الحرام ، سبق به عبد الله بن الزبير ثم إعتاده العلويون فى مكة ، والذين حملوا لاحقا لقب الأشراف .

6 ــ وفى تفصيلات أكثر عن مساوىء الأفطس وأهله تقول الرواية عنهم وهم يحكمون مكة بعد أن أكرهوا محمد بن جعفر ليكون خليفة بالاسم فقط : ( ..  فامتنع من ذلك، فلم يزل به ابنه علي والحسين بن الحسن الأفطس، حتى غلباه على رأيه، وأجابهم، وأقاموه في ربيع الأول، فبايعوه بالخلافة، وجمعوا له الناس، فبايعوه طوعاً وكرهأ ،  وسموه أمير المؤمنين، فبقي شهوراً وليس له من الأمر شيء، وابنه علي والحسين بن الحسن وجماعتهم أسوأ ما كانوا سيرة وأقبح فعلاً. فوثب الحسين بن الحسن على امرأة من بني فهر كانت جميلة، وأرادها على نفسهأ ،  فامتنعت منه، فأخاف زوجهأ،  وهومن بني مخزوم، حتى توارى عنه، ثم كسر باب دارهأ،  وأخذها إليه مدة ثم هربت منه.ووثب علي بن محمد بن جعفر على غلام أمرد، وهوابن قاضي مكة، يقال له إسحاق بن محمد، وكان جميلأ،  فأخذه قهرأ،  فلما رأى ذلك من أهل مكة ومن بها من المجاورين اجتمعوا بالحرم، واجتمع معهم جمع كثير، فأتوا محمد بن جعفر، فقالوا له: لنخلعنك، أولنقتلنك، أولتردن غلينا هذا الغلام! فأغلق بابه وكلمهم من شباك، وطلب منهم الأمان ليركب إلى ابنه ويأخذ الغلام، وحلف لهم أنه لم يعلم بذلك، فأمنوه، فركب إلى ابنه وأخذ الغلام منه وسلمه إلى أهله.ولم يلبثوا إلا يسيراً حتى قدم إسحاق بن موسى العباسي من اليمن فنزل المشاش واجتمع الطالبيون إلى محمد بن جعفر، وأعلموه، وحفروا خندقأن وجمعوا الناس من الأعراب وغيرهم، فقاتلهم إسحاق، ثم كره القتال، فسار نحوالعراق، فلقيه الجند الذين أنفذهم هرثمة، إلى مكة، ومعهم الجلودي ورجاء بن جميل، فقالوا لإسحاق: ارجع معنأن ونحن نكفيك القتال، فرجع معهم، فقاتلوا الطالبيين، فهزموهم، فأرسل محمد بن جعفر يطلب الأمان، فأمنوه، ودخل العباسيون مكة في جمادى الآخرة وتفرق الطالبيون من مكة.)

 ثورة ( الجزار ) العلوى باليمن

1 ــ وتقول الرواية في أحداث  عام 200 ‏:‏ ( خرج باليمن إبراهيم بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي، ويقال له‏:‏ الجزار لكثرة من قتل من أهل اليمن، وأخذ من أموالهم‏. وهو الذي كان بمكة وفعل فيها ما فعل كما تقدم، فلما بلغه قتل أبي السرايا هرب إلى اليمن، فلما بلغ نائب اليمن خبره ترك اليمن وسار إلى خراسان واجتاز بمكة وأخذ أمه منها‏. واستحوذ إبراهيم هذا على بلاد اليمن وجرت حروب كثيرة يطول ذكرها، ورجع محمد بن جعفر العلوي عما كان يزعمه، وكان قد ادعى الخلافة بمكة‏. وقال‏:‏ كنت أظن أن المأمون قد مات وقد تحققت حياته، وأنا أستغفر الله وأتوب إليه مما كنت ادعيت من ذلك، وقد رجعت إلى الطاعة وأنا رجل من المسلمين‏.‏ ) أى بعد أن قتل وسلب ونهب تاب خوفا من العقاب . وفى رواية أخرى (خرج إبراهيم بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي باليمن وذلك أنه كان بمكة ، فلما بلغه خبر أبي السرايا والطالبيين بالعراق خرج باليمن في جماعة من أهل بيته .. وكان يقال‏:‏ لإبراهيم بن موسى الجزار لكثرة من قتل باليمن من الناس وسبى وأخذ من الأموال ‏.‏  )

2 ــ وفى عام  200 أرسل ذلك العلوى المتغلب على اليمن ابن عمه من ولد عقيل بن أبى طالب قائدا لبعثة الحاج الى مكة ، ومعه جند كثيف ، فمنعوه من دخول مكة بجيشه وهزموا جيشه ، فعاد ، وهو فى الطريق ( مرت به قافلة من الحاج والتجار وفيها كسوة الكعبة وطيبها ،  فانتهب ذلك. وكان على الموسم أبو إسحاق بن الرشيد فبعث إليه من قتل من أصحابه وهرب الباقون ‏.‏ ) وفى رواية أكثر تفصيلا : ( وجه إبراهيم بن موسى بن جعفر من اليمن رجلاً من ولد عقيل بن أبي طالب في جند ليحج بالناس، فسار العقيلي حتى أتى بستان ابن عامر، فبلغه أن أبا إسحاق المعتصم قد حج في جماعة من القواد، فيهم حمدويه بن علي بن عيسى بن ماهان، وقد استعمله الحسن بن سهل على اليمن، فعلم العقيلي أنه لا يقوى بهم، فأقام ببستان ابن عامر، فاجتاز قافلة من الحاج، ومعهم كسوة الكعبة وطيبهأ،  فأخذ أموال التجار، وكسوة الكعبة وطيبهأ،  وقدم الحجاج مكة عراة منهوبين.فاستشار المعتصم أصحابه، فقال الجلودي: أنا أكفيك ذلك، فانتخب مائة رجل، وسار بهم إلى العقيلي، فصبحهم، فقاتلهم، فانهزموأ، واسر أكثرهم، وأخذ كسوة الكعبة، وأموال التجار، إلا ما كان مع من هرب قبل ذلك، فرده ، وأخذ الأسرى، فضرب كل واحد منهم عشرة أسواط، وأطلقهم، فرجعوا إلى اليمن يستطعمون الناس، فهلك أكثرهم في الطريق . ).

 

 أخيرا : حتى لايضيع منا طرف الخيط :

 نذكركم بعنوان الكتاب : ( مسلسل الدماء فى تاريخ الخلفاء ـ الأصل التاريخى لتقسيم العالم فى عصر الخلفاء الى :" دار السلام ودار الحرب ")

الأصل التاريخى لتقسيم العالم الى ( دار السلام ودار الحرب ).

ونذكركم :

1 ـ بأن الله جل وعلا لم يخلق البشر ليكونا معسكرين متحاربين ، بل خلق البشر جميعا  أخوة من أب واحد وأم واحدة ، وجعلهم شعوبا وقبائل كى يتعارفوا سلميا ، لا لكى يتقاتلوا ، يقول جل وعلا يخاطب البشر جميعا : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13) الحجرات )

2 ـ إن الله جل وعلا أرسل رسوله بالقرآن الكريم رحمة للعالمين وليس لقتال العالمين ، يقول جل وعلا : ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (107) الأنبياء )

3 ـ إن الله جل وعلا أمر المؤمنين بالدخول فى السلام كافة ، فقال جل وعلا : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (208) البقرة ). وتشريعات القتال الدفاعية هى إستثناء يخدم السلام .  ولكن الصحابة إتبعوا خطوات الشيطان بالفتوحات ، وجعلوها دينا ، نتج عنه تقسيم العالم الى معسكرين متحاربين ـ حربا مستمرة ، لا يزال الوهابيون يواصلونها حتى اليوم

4 ـ القتال فى الاسلام هو لرد العدوان فقط ، وهذا معنى أن يكون فى سبيل الله جل وعلا . أما القتال المعتدى الذى فعله الصحابة فهو فى سبيل الشيطان ، وليس هناك توسط : إما قتال دفاعى فى سبيل الله جل وعلا ، وإما قتال باغ معتد ظالم يريد الثروة والسلطة ، أى فى سبيل الشيطان . يقول جل وعلا عن نوعى القتال : (الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ  )(76) النساء  )

5 ـ  فى حمامات الدم هذه كانوا يحرصون على تأدية صلاة شكلية ، كانت صلاة شيطانية لأنها لم تكن تنهاهم عن الفحشاء والمنكر بل كانت تأمرهم بالفحشاء والمنكر وتسوّغ لهم سفك الدماء والسلب والنهب والاسترقاق باسم الاسلام العظيم. كانت صلاتهم الشيطانية حربا لرب العزة جل وعلا.!

 

مسلسل الدماء فى خلافة المأمون(198:  218 )  بين المأمون وبلاد الشرق

مقدمة :

1 ـ نفس السبب فى مصر وخراسان وما حولها ، أى نهم العباسيين فى جمع المال أدى الى ثورات ومسلسل دماء . ومع المشاكل التى واجهت المأمون ففى عام 201 إفتتح واليه على طبرستان  ( عبد الله بن خرداذبة البلاذر، والشيزر، من بلاد الديلم، وافتتح جبال طبرستان، فأنزل شهريار بن شروين عنهأ ، وأشخص مازيار بن قارن إلى المأمون، واسر أبا ليلى ملك الديلم.) وتقول رواية أخرى أكثر تعبيرا عن ثقافة (دار الاسلام / السلام ودار الكفر/ الحرب):   ( إفتتح عبد الله بن خُرْداذْبه والي طبرستان بلادًا من بلاد الديلم وزادها في بلاد الإسلام‏.‏ ). تأمل عبارة ( وزادها فى بلاد الاسلام ). فهل إستفاد الاسلام شيئا من السلب والنهب أم أن الخليفة المأمون هو المستفيد من السلب والنهب ؟ . ثم المسكوت عنه هنا : كم عدد القتلى والأسرى والسبى ؟..وما ذنب أهالى تلك البلاد حتى يتعرضوا للإعتداء ؟ وما ذنب ملك الديلم حتى يُساق أسيرا ؟.

2 ــ وبسبب عبادة المال تفجرت فى الشرق شلالات الدم فى خلافة المأمون ، ونعطى بعض التفصيلات :

أولا : الزُّط :

1 ـ جىء بهم ليسكنوا البطائح . والبطائح هي منخفض بين دجلة والفرات . وكان  عدد الزط سبعة وعشرين ألفًا ومائتين ، ومنهم المقاتلة اثنا عشر ألفًا . فلما استوطنوا البطائح قطعوا الطريق ومنعوا المجتازين ما بين البصرة وواسط . واستغاث الناس بالمأمون فأرسل لحرب الزط  عام 206 داود بن ماسجور، وولاه بلاد البصرة وكور دجلة واليمامة والبحرين، ولم يفلح .. واستمرت إعتداءاتهم وقطعهم الطريق فأرسل المأمون حملة أخرى عام 215 يقودها عيسى بن يزيد الجلوذى  ، تقول الرواية (فجرت بينهم وبينه وقائع ولم يظفر منهم بطائل فاستظهروا عليه وعادوا إلى ما كانوا عليه من الفساد وقطع الطريق فندب المأمون غيره فلم يظفر منهم بشيء ‏.‏ ) . هنا حرب بين قوتين كلتاهما تسلب وتنهب ، الخلافة العباسية وعصابات الزط . الفارق فى أن العصابة العباسية تحمل شعارا دينيا وهى الأكثر قوة وتنظيما ..ورسوخا .

2 ـ وظل خطر الزط قائما حتى قضى عليهم القائد العباسى عجيف بن عنبسة فى خلافة المعتصم عام 219 .

 

ثانيا : ثورة أهل مدينة (قُم )

1 ـ فى عام 209 أو  210  وبسبب الضرائب ( خلع أهل قم المأمون، ومنعوا الخراج؛ فكان سببه أن المأمون لما سار من خراسان إلى العراق أقام بالري عدة أيام واسقط عنهم شيئاً من خراجهم، فطمع أهل قم أن يصنع بهم كذلك، فكتبوا إليه يسألونه الحطيطة، وكان خراجهم ألفي ألف درهم، فلم يجبهم المأمون إلى ما سألوأ ، فامتنعوا من أدائه، فوجه المأمون إليهم علي بن هشام، وعجيف بن عنبسة، فحارباهم فظفرا بهم، وقتل يحيى بن عمران، وهدم سور المدينة، وجباها على سبعة آلاف ألف ردهم، وكانوا يتظلمون من ألفي ألف.).

2 ـ وفى عام 214 أو 216 : عاد الى (قم ) احد الثوار، وهو جعفر بن داود القمي ، وكان منفيا الى مصر فهرب منها عائدا لوطنه وأعلن خلع المأمون ، وكانت نهايته القتل .

 

ثالثا : ثورة بابك الخرمى

 

1 ـ شغلت المأمون فى خلافته ثم أفلح الخليفة المعتصم فى هزيمته وقتله بطريقة بشعة ، كانت من المعتاد فى عصر العباسيين .

2 ـ ولا نعرف عن بابك الخرمى ونحلته او ملته الخرمية إلا من خلال ما أوردته الحوليات التاريخية عند ظهوره أو ل مرة عام 201 . وواضح التحامل عليه ، كما هو واضح أيضا أنه ثائر على محتل أجنبى يمصّ دماء الشعوب التى يحتل أرضها . تقول الروايات عن بداية ثورة بابك الخرمى : (تحرك بابك الخرَّمي واتبعه طوائف من السفلة والجهلة، وكان يقول بالتناسخ‏.‏ ) ، (‏ تحرك بابك الحرمي في الجاويذَانيّة أصحاب جاويذان بن سهل وادعى أن رُوح جاويذان صاحب البذّ دخلت فيه وأخذ في العيْث والفساد  ) (تحرك بابك الخرمي في الجاويدانية، أصحاب جاويدان بن سهل، صاحب البذ، وادعى أن روح جاويدان دخلت فيه، وأخذ في العيث والفساد، وتفسير جاويدان الدائم الباقي، ومعنى " خرم " أى فرج، وهي مقالات المجوس، والرجل منهم ينكح أمه، وأخته، وابنته، ولهذا يسمونه دين الفرج، ويعتقدون مذهب التناسخ، وأن الأرواح تنتقل من حيوان إلى غيره . ) .

3 ـ وانتصر بابك الخرمى إنتصارات سريعة على الجيوش العباسية فى خلافة المامون . ففى عام 201 إنتصر على القائد العباسى  عيسى بن محمد بن أبي خالد. تقول الرواية : ( نكب بابك الخرمي عيسى بن محمد بن أبي خالد ). وفى عام 204 لم يستطع القائد العباسى يحيى بن معاذ هزيمة بابك ؛ تقول الرواية : (واقع يحيى بن معاذ بابك، فلم يظفر واحد منهما بصاحبه. )   ( وواقع يحيى بن معاذ بابك الخرَّمي فلم يظفر به ) . وفى عام  205.  ولى المأمون ( عيسى بن محمد بن أبي خالد ) أرمينية وأذربيجان وكلفه بمحاربة بابك . واستمرت الحرب بمسلسل دم دون القضاء على بابك .وتولى عبد الله بن طاهر والى خراسان حرب بابك فأقام بالدينور وبعث بالجيوش تحارب بابك دون جدوى ، وفى عام 207 : كلف المأمون علي بن هشام حرب بابك . وفشل علي بن هشام . وفى عام 209 ولّى المأمون على أرمينيا وأذربيجان  (زريق بن علي بن صدقة  الأزدى ) وأمره بمحاربة بابك، وأرسل الوالى زريق جيشا يقوده ( أحمد بن الجنيد الإسكافي )، فأسره بابك، فولى المأمون ( إبراهيم بن الليث بن الفضل ) أذربيجان . وعزل ( زريق بن على بن صدقة الأزدى )

  بين الخوارج العرب الثائرين وبابك الخرمى

1 ـ وترتب على هذا ان ( زريق ) هذا عصى المأمون واستولى على المنطقة الجبلية بين الموصل وأذربيجان ، فصار حائلا يحمى بابك من غارات المأمون . وقامت حروب بين زريق ووالى الموصل العباسى وهو (السيد بن أنس الأزدي ) وكلاهما من قبيلة الأزد العربية القحطانية اليمنية. وفى عام 211 ( جمع زريق جيشا من أربعين ألفأ ، وسيرهم إلى الموصل لحرب والى الموصل : ( السيد بن أنس الأزدي ) ، فخرج إليهم الوالى فى جيش قليل ( أربعة آلاف )، تقول الرواية : ( فالتقوا بسوق الأحد، فحين رآهم السيد حمل عليهم وحده، وهذه كانت عادته أن يحمل وحده بنفسه، وحمل عليه رجل من أصحاب زريق، فاقتتلأ ، فقتل كل واحد منهما صاحبه لم يقتل غيرهما.) ( فلما بلغ المأمون قتله غضب لذلك، وولى محمد ابن حميد الطوسي حرب زريق وبابك الخرمي، واستعمله على الموصل.) أى مكان الوالى المقتول .

2 ـ وفى عام  213 ، إشتد نشاط الخوارج فى خراسان متشجعين بالقلاقل والفوضى التى أحدثها بابك الخرمى ، فهجموا على قرية ( الحمراء من نيسابور، فأكثروا فيهم القتل، واتصل ذلك المأمون، فأمر عبد الله بن طاهر بالمسير إلى خراسان، فسار إليهأ . )

 

بابك يهزم ويقتل القائد العباسى محمد بن حميد الطوسى

1 ـ كان لا بد لهذا القائد العباسى أن يحمى ظهره بالقضاء على التمرد العربى فى الموصل ، تقول الرواية فى أحداث عام 212 : ( توجيه المأمون (محمد بن حميد الطوسي)  لمحاربة بابك ،فمضى على طريق الموصل وأخذ جماعة من المتغلبة بأذربيجان فبعث بهم إلى المأمون ‏.) وتوجه ابن حميد الطوسى الى الموصل التى إحتلها ( زريق ) ، وأصطحب الطوسى معه محمدا إبن الوالى السابق للموصل المقتول (السيد بن أنس الأزدي ). والتقى الجيشان فى الزاب (واقتتلوا .. فانهزم زريق وأصحابه، ثم أرسل يطلب الأمان، فأمنه محمد، فنزل إليه، فسيره إلى المأمون.). وبأمر المأمون صادر ابن حميد الطوسى كل ممتلكات  زريق ( من قرى ورستاق، ومال، وغيره. )، ( ثم سار إلى أذربيجان، واستخلف على الموصل محمد بن السيد .. وسار نحو بابك الخرمي لمحاربته. )

2 ـ جرت المعركة الفاصلة بينهما عام 214 .

تجمع مع محمد بن حميد الطوسى ( عالم كثير من المتطوعة من سائر الأمصار، فسلك المضايق إلى بابك، وكان كلما جاوز مضيقاً أوعقبة ترك عليه من يحفظه من أصحابه إلى أن نزل بهشتادسر، وحفر خندقأ ، وشاور في دخول بلد بابك، فأشاروا عليه بدخوله من وجه ذكروه له، فقبل رأيهم، وعبى أصحابه..ووقف محمد بن حميد خلفهم في جماعة ينظر إليهم، ويأمرهم بسد خل إن رآه، فكان بابك يشرف عليهم من الجبل، وقد كمن لهم الرجال تحت كل صخرة.فلما تقدم أصحاب محمد، وصعدوا في الجبل مقدار ثلاثة فراسخ، خرج عليهم الكمناء وانحدر بابك إليهم فيمن معه، وانهزم الناس،.... ومروا على وجوههم، والقتل يأخذهم، وصبر محمد بن حميد مكانه، وفر من كان معه ...فرأى جماعة وقتالأ ، فقصدهم، فرأى الخرمية يقاتلون طائفة من أصحابه، فحين رآه الخرمية قصدوه لما رأوا من حسن هيئته، فقاتلهم، وقاتلوه، وضربوا فرسه بزراق، فسقط إلى الأرض، وأكبوا على محمد بن حميد فقتلوه.... فلما وصل خبر قتله إلى المأمون عظم ذلك عنده، واستعمل عبد الله بن طاهر على قتال بابك فسار نحوه.).

عصيان على بن هشام

1 ـ ولم يشأ عبد الله بن طاهر التوجه الى بابك ، فأعاد المأمون عام 214 تعيين (علي بن هشام ) واليا على الجبل وقم وأصبهان وأذربيجان ، وأمره بمحاربة الخرمية .

2 ـ  وكان ( على بن هشام ) فاسدا غشوما ظلوما ، ووصلت للمأمون أنباء ظلمه ، تقول الرواية فى أحداث عام 217 : (وفيها قتل المأمون علي بن هشام، وكان سبب ذلك أن المأمون كان استعمله على أذربيجان وغيرهأن كما تقدم ذكره، فبلغه ظلمه، وأخذه الأموال، وقتله الرجال، فوجه إليه عجيف بن عنبسة، فثار به علي بن هشام، وأراد قتله وإللحاق ببابك، وظفر به عجيف، وقدم به على المأمون، فقتله، وقتل أخاه حبيباً في جمادى الأولى، وطيف برأس علي في العراق، وخراسان، والشام، ومصر، ثم ألقي في البحر.  ).

إنتشار الخرمية وهزيمة بابك عام 218

1 ـ تقول الرواية ( فى هذا العام دخل كثير من أهل الجبال، وهمذان، وأصبهان، وماسبذان، وغيرهأ،  في دين الخرمية، وتجمعوأ، فعسكروا في عمل همذان، فوجه إليهم المعتصم العساكر، وكان فيهم إسحاق بن إبراهيم بن مصعب، وعقد له على الجبال في شوال، فسار إليهم، فأوقع بهم في أعمال همذان، فقتل منهم ستين ألفأ، وهرب الباقون إلى بلد الروم، وقرئ كتابه بالفتح يوم التروية. )

2 ـ وظل خطر بابك ماثلا حتى قضى عليه الافشين قائد الخليفة المعتصم عام 222 .

 

 

 أخيرا : حتى لايضيع منا طرف الخيط :

 نذكركم بعنوان الكتاب : ( مسلسل الدماء فى تاريخ الخلفاء ـ الأصل التاريخى لتقسيم العالم فى عصر الخلفاء الى :" دار السلام ودار الحرب ")

الأصل التاريخى لتقسيم العالم الى ( دار السلام ودار الحرب ).

ونذكركم :

1 ـ بأن الله جل وعلا لم يخلق البشر ليكونا معسكرين متحاربين ، بل خلق البشر جميعا  أخوة من أب واحد وأم واحدة ، وجعلهم شعوبا وقبائل كى يتعارفوا سلميا ، لا لكى يتقاتلوا ، يقول جل وعلا يخاطب البشر جميعا : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13) الحجرات )

2 ـ إن الله جل وعلا أرسل رسوله بالقرآن الكريم رحمة للعالمين وليس لقتال العالمين ، يقول جل وعلا : ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (107) الأنبياء )

3 ـ إن الله جل وعلا أمر المؤمنين بالدخول فى السلام كافة ، فقال جل وعلا : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (208) البقرة ). وتشريعات القتال الدفاعية هى إستثناء يخدم السلام .  ولكن الصحابة إتبعوا خطوات الشيطان بالفتوحات ، وجعلوها دينا ، نتج عنه تقسيم العالم الى معسكرين متحاربين ـ حربا مستمرة ، لا يزال الوهابيون يواصلونها حتى اليوم

4 ـ القتال فى الاسلام هو لرد العدوان فقط ، وهذا معنى أن يكون فى سبيل الله جل وعلا . أما القتال المعتدى الذى فعله الصحابة فهو فى سبيل الشيطان ، وليس هناك توسط : إما قتال دفاعى فى سبيل الله جل وعلا ، وإما قتال باغ معتد ظالم يريد الثروة والسلطة ، أى فى سبيل الشيطان . يقول جل وعلا عن نوعى القتال : (الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ  )(76) النساء  )

5 ـ  فى حمامات الدم هذه كانوا يحرصون على تأدية صلاة شكلية ، كانت صلاة شيطانية لأنها لم تكن تنهاهم عن الفحشاء والمنكر بل كانت تأمرهم بالفحشاء والمنكر وتسوّغ لهم سفك الدماء والسلب والنهب والاسترقاق باسم الاسلام العظيم. كانت صلاتهم الشيطانية حربا لرب العزة جل وعلا.!

 

 

المأمون ومسلسل الدماء فى مصر

مقدمة :

شهد عصر المأمون آخر ثورة قام بها المصريون ( الأقباط ) ضد الظلم ، بعدها خمدت ثوراتهم وارتضوا الذل ـ ولا يزالون .

نعطى لمحة سريعة :

أولا : النهم فى سلب الأموال هو سبب هذا الظلم .

1 ـ وخلافا للقول بأن عمر بن العاص كان الأرفق بالمصريين فقد كان جشعا فى سلب أموالهم وكنوزهم ، وهو الذى هدد المصريين وقال : ( من كتمنى كنزا قتلته ) ,التفاصيل فى مبحث ( إضطهاد الأقباط فى مصر بعد الفتح الاسلامى ). ومن مجموع هذه المصادرات تضخمت ثروة عمروالشخصية وحين حضرته الوفاة استحضر أمواله فكانت (140) أردباً من الذهب .  وتنافس الولاة فى السرقة والسلب بالجزية والخراج والمصادرات . وفى الدولة العباسية كان الخليفة يريح نفسه بأن يعين الوالى على أن يورّد للخليفة مبلغا معينا كل عام ، ويترك له أن يحصّل أضعاف هذا المبلغ من المصريين كيف شاء . وفى احداث عام 205  تقول الرواية ( ومات نائب مصر السري بن الحكم بها، ونائب السند داود بن يزيد، فولى مكانه بشر بن داود على أن يحمل إليه في كل سنة ألف ألف درهم ) أى تم تعيين الوالى على الهند / السند مقابل دفع مبلغ مليون درهم سنويا ، وليس مهما كيف يجمعها أو المقدار الذى يجمعه .

2 ـ وتم إنفاق هذا المال السُّحت بتبذير هائل . وسبق ما تم إنفاقه من اموال وضياع وجواهر فى زفاف المامون / بوران بنت الحسن بن سهل . ومدحوا المأمون بالكرم الزائد ، دون أن يساءلوا عن مصدر هذه الأموال وكيف جىء بها اليه . ودائما يكون المستفيدون بهذا السخاء الشعراء والمنافقون والقواد . ومدحوا عبد الله بن طاهر قائد المأمون وواليه على مصر بالسخاء . ونعطى أمثلة :

2 / 1 : فى أحداث عام  206‏ ، يقول أحد الرواة (  لما افتتح عبد الله بن طاهر مُضْر ونحن معه سوَّغه المأمون خراجها سنة ) أى منحه خراج مصر عاما بأكمله . تقول الرواية : ( فصعد المنبر فلم ينزل حتى أجاز بها كلها ثلاثة آلاف دينار أو نحوها . ) أى فرق أيراد مصر كله على أصحابه وهو على المنبر

2 / 2 : وفى الحرب عام  210 بين عبد الله بن طاهر و عبيد الله بن السرى المتغلب على مصر إنهزم عبيد الله بن السرى وتحصن بالفسطاط ، تقول الرواية ( ودخل الفسطاط منهزمًا فأغلق على نفسه وأصحابه الباب فحاصره ابن طاهر فبعث إليه ليلًا ألف وصيف وألف وصيفة مع كل وصيف ألف دينار في كيس حرير .. ) . الوصيف والوصيفة ( رقيق من الذكور والاناث ) ومعهم مليون دينار ..!!

 2 / 3 : (  فمن الحوادث فيها‏:‏ موت طلحة بن طاهر بخراسان فولَى المأمون أخاه أبا إسحاق الشام ومصر وولى ابنه العباس بن المأمون الجزيرة والثغور والعواصم وأمر لهما ولعبد الله بن طاهر لكل منهم بخمسمائة ألف دينار . ) أى نصف مليون دينار لكل منهم .!

ثانيا : التطرف فى سلب الأموال من المصريين أدى ثورة المصريين الاقباط ، وانفجار شلالات من الدماء :

1 ـ  وأدى تطرف الولاة الأمويين فى جمع الأموال من المصريين إلى اضطرار المصريين للقيام بثورات متعاقبة، فأخمد الأمويين ثوراتهم بالحديد والنار.. وتطرفوا فى اضطهادهم والعسف بهم..وأدى العسف فى جباية الجزية والخراج إلى ثورة المصريين، وهم أقدر شعوب الدنيا على احتمال الصبر، ولكن العسف الأموى كان فوق طاقة المصريون أنفسهم.!!.

2 ـ ونرجع للمقريزى فى الخطط..: يذكر أن الأقباط صاروا عوناً لعمرو على الروم حتى انتصر عليهم، وإن عمراً كتب أماناً لبطرك القبط سنة عشرين من الهجرة فأتى إلى عمرو وجلس على كرسى البطريركية بعد غياب ثلاثة عشر سنة. واحتمل المصريون جشع عمرو بسبب موقفه من البطرك بنيامين الذى كان له النفوذ الأكبر على قلوب المصريين. وتبدل  الحال بعد تحكم الأمويين من أولاد مروان بن الحكم، ووصل الاضطهاد إلى البطاركة الأقباط والرهبان أنفسهم..ففى ولاية عبد العزيز بن مروان على مصر صودر البطرك مرتين، وأمر عبد العزيز- وهو بالمناسبة والد الخليفة عمر بن عبد العزيز- بإحصاء الرهبان وأخذ منهم الجزية، وهى أول جزية أخذت من الرهبان. وتولى مصر عبد الله ابن الخليفة عبد الملك بن مروان فاشتد على النصارى، واقتدى به الوالى التالى قرة بن شريك فأنزل بالنصارى شدائد لم يبتلوا بمثلها من قبل على حد قول المقريزى. وأقام الأمويون مذبحة للأقباط سنة 107 هجرية حين ثاروا فى شرق الدلتا بسبب جشع الوالى عبد الله بن الحبحاب..وفى خلافة يزيد بن عبد الملك تطرف الوالى أسامة بن زيد التنوخى فى اضطهاد الأقباط، فصادر أموالهم ووشم أيدى الرهبان بحلقة من حديد، وكل من وجده منهم بغير وشم قطع يده، وفرض غرامات على الأقباط، وصادر الأموال من الأديرة، ومن وجده من الرهبان فى تلك الأديرة بلا وشم ضرب عنقه أو عذبه، وهدم الكنائس وكسر الصلبان. وفى خلافة هشام بن عبد الملك تشدد الوالى حنطلة بن صفوان فى زيادة الخراج، وأحصى الأقباط وجعل على كل نصرانى وشماً فيه صورة أسد ومن وجده بلا وشم على يده قطع يده. وثار الأعراب الساكنون فى مصر سنة 117 بسبب قيام الأقباط ببناء كنيسة يوحنا، وكان ذلك فى ولاية الوليد بن رفاعة. وأدت زيادة المظالم إلى قيام الأقباط بثورة عارمة فى الصعيد سنة 121 هجرية، وانتقلت الثورة إلى سمنود سنة 132 وإلى رشيد فى نفس العام وتولى الأمويون إخمادها بالعنف الشديد. وفى هذا العام انهزم مروان بن محمد آخر خليفة أموى أمام العباسيين فهرب إلى مصر فوجدها ثائرة على مظالم الأمويين، ومع ظروفه السيئة إلا أن الخليفة الأموى الهارب استنفذ ما بقى من قوته وعدته فى القضاء على ثورات الأقباط حتى قضى عليها، ثم واصل هروبه فى مصر أمام الجيش العباسى إلى أن لقى حتفه فى أبو صير، وكان يحتجز عنده البطرك القبطى ومجموعة من كبار الرهبان وزعماء الأقباط  فأفرج عنهم الجيش العباسى.

3 ـ ونتتبع الاضطهاد العباسى حتى عصر المأمون : وفى هذه الفترة واصل الأقباط ثوراتهم على ظلم الولاة العباسيين، وكان الاضطهاد فى أغلبه رسمياً من السلطة الحاكمة التى تريد اعتصار الضرائب بالقسوة، والعنف فلا يجد الأقباط طريقة إلا الثورة التى تنتهى بالهزيمة والمذابح.. ونعطى أمثلة سريعة: فى سنة 150 هجرية ثار الأقباط فى سخا وطردوا ولاة الضرائب فأرسل لهم العباسيون جيشاً يقوده يزيد بن حاتم، وهاجم الأقباط الجيش ليلاً وقتلوا بعض أفراده وهزموا بعض فصائله، إلا أن الإمدادات العباسية تلاحقت وحاصرت الأقباط وهزمتهم، وامتد الانتقام إلى حرق الكنائس. واضطر الأقباط إلى دفع غرامة قدرها خمسون ألف دينار للوالى العباسى سليمان بن على كى يكف عن حرق الكنائس إلا أنه أبى.. وتولى بعده الوالى موسى بن عيسى العباسى فاستمع إلى نصيحة الأئمة المستنيرين من الفقهاء المشهورين بمصر مثل الليث بن سعد وعبد الله بن لهيعة، وقد أفتوا له بأن بناء الكنائس من عمارة البلد، فأذن الوالى بإعادة بناء الكنائس، ولكن ظلت المظالم على حالها. وفى سنة 156 هجرية عاد الأقباط للثورة فى بلهيت، فأرسل لهم الوالى موسى بن عيسى جيشاً فهزمهم وحكم بقتل الرجال وسبى النساء والذرية . .!!.

ثالثا :  ثورة المصريين الأقباط الأخيرة ( أو ثروة البشمويين ) فى عصر المأمون :

 1 ـ وفى عصر المأمون كانت ثورة 216 هجرية هى آخر ثورات الأقباط الحربية، وبعدها اتبعوا طريق المقاومة السرية، ونحن ننقل معاناة الأقباط عن المقريزى وهو الذى لا يخفى تعصبه ضد النصارى، يقول فى التعليق على ثورة 216 هجرية وآثارها "ومن حينئذ ذلت القبط فى جميع أرض مصر ولم يقدر أحد منهم على الخروج على السلطان، وغلبهم المسلمون على عامة القرى، فرجعوا من المحاربة إلى المكيدة واستعمال المكر والحيلة ومكايدة المسلمين. )  .! يقول المقريزى : عن عام 216  فى خلافة المأمون : (وفي أيامه انتقض القبط في سنة ست عشرة ومائتين فأوقع بهم الإفشين حتى نزلوا على حكم أمير المؤمنين عبد اللّه المأمون ، فحكم فيهم بقتل الرجال وبيع النساء والذرية ،  فبيعوا وسبى أكثرهم . ومن حينئذ ذُلت القبط في جميع أرض مصر ولم يقدر أحد منهم بعد ذلك على الخروج على السلطان ، وغلبهم المسلمون على عامّة القرى،  فرجعوا من المحاربة إلى المكايدة واستعمال المكر والحيلة ومكايدة المسلمين. ) المأمون الذى إشتهر بالعفو والذى نهب مصر : ( حكم فيهم بقتل الرجال وبيع النساء والذرية ،  فبيعوا وسبى أكثرهم ).

2 ـ وتُطلق المراجع القبطية على هؤلاء الثوار المصريين لقب ( البشموريين ) وتقول انهم كانوا يسكنون شمال الدلتا فى المنطقة الرملية الساحلية بين فرعي دمياط ورشيد ، ويعملون في إنتاج ورق البردي الذي كان العالم كله في ذلك الوقت يستخدمه لتسجيل علومه ومعارفه وفى مختلف أنشطه حياته اليومية..ثاروا ضد الظلم أيام عيسى بن منصور الوالى  العباسى من زياده ظلم جباة الخراج (الضرائب) ومضاعفة الجزية ،وقد قاموا بطرد عمال الدولة ورفضوا دفع  الجزية. ارسل المأمون قائده الافشين بحربهم ، وفشل الافشين بسبب مناعة منطقتهم التى تحيط بها قنوات المياه ، وجهل جنود الافشين بالطرق والمسالك ، فكان البشموريون يتبعون حرب العصابات يختطفون جنود العدو ويقتلونهم على حين غفلة . وبهزيمة الافشين جاء المأمون بنفسه ، وصحب معه إلى مصر البطرك ديونوسيوس بطرك إنطاكية واستعان به وببطرك الأقباط الأنبا يوساب، لإخماد ثورة البشموريين، وساعدوه بفرقة من خبراء الطرق والمسالك حتى تمكن من الانتصار على البشموريين . وأحرق جيش المأمون بيوت البشموريين ، ولما رأى المأمون كثرة القتلى أمر جنوده بأن يتوقفوا عن قتلهم، ثم أرسلهم في طلب رؤسائهم وأمرهم أن يغادروا بلادهم . وسافروا على سفن إلى أنطاكية حيث أرسلوا إلى بغداد ، وكان يبلغ عددهم ثلاثة آلاف، مات معظمهم في الطريق.  أما الذين أسروا في أثناء القتال فقد سيقوا كعبيد  ، وبلغ عدد هؤلاء خمسمائة، فأرسلوا إلى دمشق وبيعوا هناك .  

رابعا : مسلسل الدماء فى صراع العباسيين مع أعراب مصر

1 ـ   في الفتوحات العربية كان انتشار القبائل العربية بمصر وشمال أفريقيا متساويا بين القبائل القحطانية والقبائل العدنانية من مضر وربيعة وكانت قبائل قيس أهم القبائل المضرية العدنانية وكانت تتصارع علي النفوذ مع قبائل كلب اليمنية القحطانية خصوصا في الشام فى الدولة الأموية . وعمل الأمويون علي نقل بعض القبائل القيسية إلي مصر في شرق الدلتا أو ما كان يعرف بالحوف الشرقي وهو المنطقة بين الأرض الزراعية في الدلتا وشبه جزيرة سيناء وتحتلها الآن محافظات الشرقية والدقهلية والقليوبية والسويس والإسماعيلية وبورسعيد . وقبل خلافة هشام بن عبد الملك لم يكن من قبائل  قيس بمصر إلا بعض البيوت من قبيلتي فهم وعدوان ، ثم وفد ابن الحبحاب علي هشام ابن عبد الملك وسأله أن ينقل إلي مصر بعض قبائل أخري من قيس وكان ذلك في ولاية الوليد بن رفاعة الفهمي علي مصر ، فأذن هشام في أن  يهاجر إلي مصر ثلاثة آلاف من قبائل قيس وأن يحول ديوانهم إلي مصر بشرط ألا ينزلوا الفسطاط عاصمة الحكم وقتها .. فأنزلهم الحبحاب في الحوف الشرقي. وهناك رواية أخري تقول إن ابن الحبحاب في ولايته علي مصر كتب إلي هشام بن عبد الملك يعرض عليه أن ينقل بعض قبائل قيس إلي الحوف الشرقي حول بلبيس بالذات حيث لا يضر ذلك بأحد وحيث تخلو المنطقة  من الوجود العربي ، فوافق هشام. ونزلت قيس بالمنطقة ، جاءوا من البادية العربية إلي بلبيس وما حولها وكان منهم مائة بيت من بني نضر ومائة بيت من بني سليم ، واستوطنوا المنطقة الزراعية القريبة من صحراء بلبيس وباشروا زراعتها وقاموا بتحصيل الصدقات والزكاة لصالح الدولة الأموية ، وكانوا يحملونها علي الإبل إلي الدلتا إلي ما يعرف بميناء السويس الآن ، وكان الرجل منهم يتكسب في نقل المحاصيل هذه أكثر من عشرة دنانير في الشهر .  ثم سمحت لهم السلطات بشراء الخيول والاتجار فيها فأثروا من تربية الخيول بسبب جودة المرعي واتساع الصحراء لنشاطها ، وكان أحدهم يشتري المهر فلا يلبث المهر عنده شهرا حتى يصلح  للركوب .  وازداد ثراؤهم ووصلت الأخبار إلي أقاربهم من قيس في الجزيرة العربية فنزح إليهم خمسمائة بيت ، وبعدها بعام واحد جاء خمسمائة بيت آخر فصار في بلبيس وحدها ألف وخمسمائة بيت من قبائل قيس . وفي خلافة مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية كان واليه علي مصر الحوثرة ابن سهيل الباهلي ، وقد مالت إليه قبائل قيس فتوافد علي مصر في عهده عناصر كثيرة ، حتى أصبح عددهم حينئذ أكثر من ثلاثة آلاف بيت . وحينئذ أصبح تركز القيسيين في شرق الدلتا ظاهرة تاريخية وسياسية لأنهم أثاروا القلاقل للدولة العباسية .

2 ـ   فى نهم العباسيين للمال فرضوا زيادة جديدة في الضرائب سنة 178  في ولاية إسحاق بن سليمان بن علي العباسي .وثار أعراب قيس علي تلك الزيادة وجمعوا فرسانهم ومنعوا تحصيل الضرائب ، فبعث إليهم الوالي العباسي جيشا لم يستطع إخماد ثورتهم ، فأرسل إلي هارون الرشيد يطلب المدد فأرسل  له بجيش هائل يقوده هرثمة بن أعين ، ونزل ذلك الجيش الحوف الشرقي فأخاف القيسيين وأذعنوا ودفعوا الخراج كله . ثم أرسل الوالي العباسي رجالا يقيسون الأرض الزراعية ويمسحونها ولم يعجب عملهم عرب قيس في الحوف الشرقي واتهموهم بعدم الأمانة في القياس ، واشتكوا إلي الوالي وهو الليث ابن الفضل البيودي فلم يهتم بهم . فجمعوا فرسانهم وساروا إلي الفسطاط والعسكر حيث يقيم الوالي ، فخرج إليهم الوالي في شعبان سنة 186 في أربعة آلاف جندي ، فالتقي معهم في معركة طاحنة في رمضان ومع أن جنوده انهزموا وتركوه في 12 رمضان إلا أنه  ثبت مع نحو المائتين من جنوده حتى هزم القيسيين وطاردهم إلي غيتة ، وهي قرية بجوار بلبيس . وبعد هذا الانتصار بعث الوالي إلي بغداد بثمانين من رؤوس أكابر القيسيين ، ورجع إلي عاصمته .إلا أن تلك الهزيمة المنكرة لم تخضع القيسيين بل أثارت فيهم نزعة الثأر والانتقام فعادوا إلي منع الخراج ، وخشي الوالي أن يخسر أمامهم الجولة التالية فسافر بنفسه إلي بغداد في محرم سنة 187 وطلب من هارون الرشيد أن يزوده بجيش قوي لأنه لا يستطيع تحصيل الخراج من الحوف الشرقي إلا بقوة الجيش . وكان حاضرا محفوظ بن سليم ذلك المجلس فضمن للرشيد خراج مصر عن آخره بلا سوط ولا عصا ، فولاه الخراج وعزل الوالي ليث بن الفضل .. وظلت الفتن والمعارك دائرة بين القبائل العربية في مصر التي انحازت إلي قبائل قيس ورفضت الزيادات في الضرائب العباسية حتى تولي الخلافة المأمون.

3 ـ وتحالف القيسيون مع البشموريين ، وأعلن الجميع الثورة العامة في الدلتا كلها وفي صعيد مصر وطردوا الموظفين العباسيين ،واستمرت المعارك سجالا منذ بداية الثورة في حمادي الأولي عام 216 إلي 10 محرم عام 217 حتى جاء الخليفة العباسي المأمون بنفسه وأخمد الثورة   وألغي الزيادات الضريبية .

خامسا : مسلسل الدماء بين المأمون والطامعين فى تملك مصر

  كانت مصر بثرائها مطمعا للطموحين من الولاة العباسيين ، ومن غيرهم . وبسبب التكالب على نهب مصر حدثت معارك أضافت الى مسلسل الدماء فى مصر .  وتفصيلاتها  معقدة جاءت فى ( النجوم الزاهرة ) للمؤرخ أبى المحاسن و السلوك للمقريزى بالاضافة الى الكامل للمؤرخ ابن الأثير وتاريخ الطبرى .  

 أخيرا : حتى لايضيع منا طرف الخيط :

 نذكركم بعنوان الكتاب : ( مسلسل الدماء فى تاريخ الخلفاء ـ الأصل التاريخى لتقسيم العالم فى عصر الخلفاء الى :" دار السلام ودار الحرب ")

الأصل التاريخى لتقسيم العالم الى ( دار السلام ودار الحرب ).

ونذكركم :

1 ـ بأن الله جل وعلا لم يخلق البشر ليكونا معسكرين متحاربين ، بل خلق البشر جميعا  أخوة من أب واحد وأم واحدة ، وجعلهم شعوبا وقبائل كى يتعارفوا سلميا ، لا لكى يتقاتلوا ، يقول جل وعلا يخاطب البشر جميعا : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13) الحجرات )

2 ـ إن الله جل وعلا أرسل رسوله بالقرآن الكريم رحمة للعالمين وليس لقتال العالمين ، يقول جل وعلا : ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (107) الأنبياء )

3 ـ إن الله جل وعلا أمر المؤمنين بالدخول فى السلام كافة ، فقال جل وعلا : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (208) البقرة ). وتشريعات القتال الدفاعية هى إستثناء يخدم السلام .  ولكن الصحابة إتبعوا خطوات الشيطان بالفتوحات ، وجعلوها دينا ، نتج عنه تقسيم العالم الى معسكرين متحاربين ـ حربا مستمرة ، لا يزال الوهابيون يواصلونها حتى اليوم

4 ـ القتال فى الاسلام هو لرد العدوان فقط ، وهذا معنى أن يكون فى سبيل الله جل وعلا . أما القتال المعتدى الذى فعله الصحابة فهو فى سبيل الشيطان ، وليس هناك توسط : إما قتال دفاعى فى سبيل الله جل وعلا ، وإما قتال باغ معتد ظالم يريد الثروة والسلطة ، أى فى سبيل الشيطان . يقول جل وعلا عن نوعى القتال : (الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ  )(76) النساء  )

5 ـ  فى حمامات الدم هذه كانوا يحرصون على تأدية صلاة شكلية ، كانت صلاة شيطانية لأنها لم تكن تنهاهم عن الفحشاء والمنكر بل كانت تأمرهم بالفحشاء والمنكر وتسوّغ لهم سفك الدماء والسلب والنهب والاسترقاق باسم الاسلام العظيم. كانت صلاتهم الشيطانية حربا لرب العزة جل وعلا.!

 مسلسل الدماء فى خلافة المأمون: زيادة الله الأغلبى فى شمال أفريقيا بين حرب الداخل والخارج  

مقدمة

1 ـ بسبب إنشغال العباسيين بمشاكل الجزء الشرقى الآسيوى ضعفت سيطرتهم على شمال أفريقيا ( أو ما يسمى بأفريقيا )، خصوصا مع كثرة القلاقل والثورات بين العرب والأمازيغ ( البربر ) وتداخل هذا مع حركات الخوارج الاباضية والصفرية ، مع تداخل آخر بين الشمال الأفريقى وما يجرى فى الاندلس . وقد إنفصل الأندلس مبكرا عن الدولة العباسية بقيام الحكم الأموى فيه ، ثم تبعه إنفصال المغرب تحت حكم الأدارسة العلوى ، وكانت لهذا تأثيرات عززت من إمكانية قيام الأغالبة بحكم ما تبقى من الشمال الأفريقى من طرابلس ليبيا شرقا الى القيروان . وكان مركز الحكم فى تونس . وما لبث أن اقام الأغالبة لهم دولة تتبع إسميا الخلافة العباسية ، وتسير على سُنّتها فى تفجير مسلسل الدماء فى الداخل ( دار السلام ) ومع الغرب الأوربى فى الخاج ( دار الحرب ) . عزز هذا المسلسل الدموى قُرب تونس من الساحل الأوربى الايطالى ومن الجزر الهامة فى البحر المتوسط ( سردينيا وصقلية ) ، وكانت صقلية تابعة لبيزنطة ، وبالتالى كانت بيزنطة العدو المشترك للخلافة العباسية وربيبتها دولة الأغالبة .

2 ـ وفى خلافة المأمون وحيث كان منشغلا عن الهجوم على البيزنطيين قام الأغالبة بالواجب ، فى صراع حول سردينية وصقلية . ثم تشعب ودخلت فيه عناصر أخرى أقامت ( مستعمرات ) للمسلمين داخل  القارة الأوربية إستمرت الى حين .

3 ـ  نتوقف فى لمحة هنا مع مسلسل الدماء فى خلافة المأمون : مع زيادة الله الأغلبى فى شمال أفريقيا بين حرب الداخل والخارج  ، ونتتبعه حسب السنين 

أولا : مسلسل الدماء فى حروب خارجية فى عام 205 :

1 ـ تولى زيادة الله بن إبراهيم بن الأغلب( إفريقية ) أى شمال افريقيا ، بعد موت أخيه عبد الله .  وحدث مسلسل الدماء فى هجومه على سردينيا واحتلاله وفى نزاعاته المسلحة مع خصومه.

2 ـ وفى هذا العام 205  تقول الرواية ( وفيها غزا المسلمون من إفريقية جزيرة سردانية، فغمنوأ وأصابوا من الكفار. ) لاحظ وصف أهل سردينية بالكفار ، مع انهم لم يعتدوا على ( المسلمين ) بل هم ضحايا للمسلمين .!‍ وتقول الرواية عن ( زيادة الله ) فى أول عام من حكمه : ( ثم جهز جيشاً في أسطول البحر، وكان مراكب كثيرة، إلى مدينة سردانية، وهي للروم، فعطب بعضهأ  بعد أن غمنوا من الروم، وقتلوا كثيرأ،  فلما عاد من سلم منهم أحسن إليهم زيادة الله ووصلهم.)

ثانيا :مسلسل الدماء فى حروب داخلية :أعوام : (  207  : 209 )

  عام  207 :

 ( خرج عليه زياد بن سهل المعروف بابن الصقلبية، وجمع جمعاً كثيرأ، وحصر مدينة باجة، فسير إليه زياد الله العساكر، فأزلوه عنهأ  وقتلوا من وافقه على المخالفة.)

 عام 208 :

1 ـ  وصلت المعلومات الى زيادة الله الأغلبى ( أن منصور بن نصير الطنبذي يريد المخالفة عليه بتونس، وهويسعى في ذلك، ويكاتب الجند، فلما تحققه سير إليه قائداً اسمه محمد بن حمزة في ثلاث مائة فارس، وأمره أن يخفي خبره، ويجد السير إلى تونس، فلا يشعر به منصور حتى يأخذه فيحمله إليه.فسار محمد ودخل تونس، فلم يجد منصوراً بهأ،  كان قد توجه إلى قصره بطنبذة، فأرسل إليه محمد قاضي تونس، ومعه أربعون شيخأ،  يقبحون له الخلاف، وينهونه عنه، ويأمرونه بالطاعة، فساروا إليه، واجتمعوا به، وذكروا له ذلك؛ فقال منصور: ما خالفت طاعة الأمير، وأنا سائر معكم إلى محمد، ومن معه إلى الأمير، ولكن أقيموا معي يومنا هذأ، حتى نعمل له ولمن معه ضيافة.)

 2 ـ وكانت هذه خدعة من منصور بن نصير للقاضى والشيوخ الأربعين . خدعهم منصور باللحوم والطعام ، تقول الرواية : ( فأقاموا عنده،) . وفعل منصور نفس الشىء مع القائد العسكرى محمد بن حمزة ، بعث له البقر والغنم ، وكتب له أنه قادم اليه مطيعا ، تقول الرواية:( وسير منصور لمحمد ولمن معه الإقامة الحسنة الكثيرة من الغنم والبقر وغير ذلك من أنواع ما يؤكل، فكتب إليه يقول: إنني صائر إليك مع القاضي والجماعة؛ فركن محمد إلى ذلك،وأمر بالغنم فذبحت،وأكل هوومن معه، وشربوا الخمر.).

3 ـ وبعدها سجن منصور القاضى والشيوخ وتسلل بجنده وهاجم محمدا بن حمزة وهو فى طعامه وشرابه وهزمه وجنده : ( فلما أمسى منصور سجن القاضي ومن معه ، وسار مجداً فيمن عنده من أصحابه سراً إلى تونس ، فدخلوا دار الصناعة، وفيها محمداً وأصحابه، فأمر بالطبول فضربت، وكبر وهو وأصحابه، فوثب محمد وأصحابه إلى سلاحهم، وقد عمل فيهم الشراب، وأحاط بهم منصور ومن معه، وأقبلت العامة من كل مكان، فرجموهم بالحجارة، واقتتلوا عامة الليل، فقتل من كان مع محمد، ولم يسلم منهم إلا من نجا إلى البحر ، فسبح حتى تخلص . وذلك في صفر.)

4 ـ وحتى يثق قادة تونس فى منصور طلبوا منه ان يقتل أحد أقارب زيادة الله حتى يكون العداء سافرا بينهما ، تقول الرواية : ( وأصبح منصور، فاجتمع عليه الجند وقالوا: " نحن لا نثق بك، ولا نأمن أن يخليك زيادة الله، ويستميلك بدنياه، فتميل إليه، فإن أحببت أن نكون معك فاقتل أحداً من أهله ممن عندك. "، فأحضر إسماعيل بن سفيان بن سالم بن عقال، وهومن أهل زيادة الله، فكان هوالعامل على تونس، فلما حضر أمر بقتله.)

5 ـ وارسل زيادة جيشا يقوده قريبه ( غلبون ) وهددهم بالقتل إن إنهزموا ، فهزمهم منصور ، فخافوا الرجوع الى زيادة فيقتلهم ، فتركوا قائدهم غلبون وانتشروا يفسدون فى الأرض ويستولون على المدن  : ( منها: باجة، والجزيرة، وصطفورة ومسر والأربس وغيرها ، فاضطربت إفريقية، واجتمع الجند كلهم إلى منصور؛ أطاعوه لسوء سيرة زيادة الله معهم.فلما كثر جمع منصور سار إلى القيروان فحصرها في جمادى الأولى، وخندق على نفسه، وكان بينه وبين زيادة الله وقائع كثيرة؛ وعمّر منصور سور القيروان فوالاه أهلهأ،  فبقي الحصار عليه أربعون يوماً.ثم إن زيادة الله عبأ أصحابه، وجمعهم، وسار معهم الفارس والراجل، فكانوا خلقاً كثيرأ،  فلما رآهم منصور راعه ما رأى وهاله، ولم يكن يعرف ذلك من زيادة الله، لما كان فيه من الوهن، فزحف المنصور إليه بنفسه أيضأ ،  فالتقوأ ، واقتلوا قتالاً شديدأ ، وانهزم منصور ومن معه، ومضوا هاربين، وقتل منهم خلق كثير، وذلك منتصف جمادى الآخرة، وأمر زيادة الله أن ينتقم من أهل القيروان بما جنوه من مساعدة منصور والقتال معه .. وخرب سور القيروان.

عام 209

1 ـ ؛ أرسل زيادة الله  جيشأ إلى مدينة سبيبة، يقوده قريبه ( محمد بن عبد الله بن الأغلب )، ( وكان بها جمع من الجند الذين صاروا مع منصور،  فالتقوا في العشرين من المحرم، واقتتلوأ ، فانهزم ابن الأغلب، وعاد هو ومن معه إلى القيروان، فعظم الأمر على زيادة الله، وجمع الرجال، وبذل الأموال.)
2 ـ  ( وانصرف منصور إلى تونس، ولم يبق بيد زيادة الله من إفريقية كلها إلا قابس، والساحل، ونفزاوة، وطرابلس، فإنهم تمسكوا بطاعته.  وأرسل الجند إلى زيادة الله: أن ارحل عنأ، وخل إفريقية، ولك الأمان على نفسك، ومالك، ومن ضمه قصرك؛ فضاق به وغمه الأمر، فقال له سفيان بن سوادة: مكني من عسكرك لأختار منهم مائتي فارس وأسير بهم إلى نفزاوة، فقد بلغني أن عامر بن نافع ( تابع لمنصور ) يريد قصدهم، فإن ظفرت كان الذي تحب، وإن تكن الأخرى عملت برأيك، فأمره بذلك فأخذ مائتي فارس وسار إلى نفزاوة، فدعا برابرها إلى نصرته، فأجابوه، وسارعوا إليه، وأقبل عامر بن نافع في العسكر إليهم، فالتقوأ،  واقتتلوأ، فانهزم عامر ومن معه، وكثر القتل فيهم.)

ثالثا : مسلسل الدماء فى حروب خارجية فى جزيرة صقلية

عام 212 : غزو صقلية بمساعدة ( فيمى )  .

1 ـ ( جهز زيادة الله جيشاً في البحر، وسيرهم إلى جزيرة صقلية، واستعمل عليهم أسد بن الفرات، قاضي القيروان، وهومن أصحاب مالك، وهومصنف (الأسدية ) في الفقه على مذهب مالك؛ فلما وصلوا إليها ملكوا كثيراً منها.)

2 ـ تملك ( الكثير ) من جزيرة صقلية حدث بمساعدة ( فيمى ) الذى كان قائدا بيزنطيا لاسطول صقلية عينه واليها البيزنطى قسطنطين ، غزا ( فيمى ) سواحل أفريقيا ونهب المسلمين. ولكن أمر الامبراطور البيزنطى بإعتقال (فيمى ) وتعذيبه فتمرد ( فيمى) واحتل مدينة سرقوسة ، وهزم قسطنطين والى صقلية واصبح ( فيمى ملكا ).  ثم إنهزم ( فيمى ) اخيرا فهرب الى أفريقيا ، فتحالف مع زيادة الله الأغلبى وأقنعه بالاستيلاء على صقلية .

3 ـ  تقول الرواية عن فيمى ( وأرسل إلى الأمير زيادة الله يستنجده، ويعده بملك جزيرة صقلية، فسير معه جيشاً في ربيع الأول سنة اثنتي عشرة ومائتين، فوصلوا إلى مدينة مارز من صقلية، فساروا إلى بلاطه الذي قاتل فيمي، فلقيهم جمع الروم، فانهزمت الروم، وغنم المسلمون أموالهم ودوابهم، وهرب بلاطه إلى قلورية، فقتل فيها .واستولى المسلمون على عدة حصون من الجزيرة ووصلوا إلى قلعة تعرف بقلعة الكراث ، وقد اجتمع إليها خلق كثير، فخدعوا القاضي أسد بن الفرات أمير المسلمين، وذلوا له، فلما رآهم فيمي مال إليهم، وراسلهم أن يثبتوأ  ويحفظوا بلدهم، فبذلوا لأسد الجزية، وسألوه أن لا يقرب منهم، فأجابهم إلى ذلك، وتأخر عنهم أيامأ،  فاستعدوا للحصار، ودفعوا إليهم ما يحتاجون إليه، فامتنعوا عليه، وناصبهم الحرب، وبث السرايا في كل ناحية، فغمنوا شيئاً كثيرأ ، وافتتحوا عمراناً كثيراً حول سرقوسة، وحاصروا سرقوسة براً وبحرأ ، ولحقته الأمداد من إفريقية، فسار إليهم والي بلرم في عساكر كثيرة، فخندق المسلمون عليهم، وحفروا خارج الخندق حفراً كثيرة، فحمل الروم عليهم، فسقط في تلك الحفر كثير منهم، فقتلوا)

عام 213 .

اسطول بيزنطى يحاول إنقاذ سرقوسة من الحصار ويمنع المسلمين من الهرب بحرا  :

1 ـ ( ضيق المسلمون الحصار على سرقوسة، فوصل أسطول من القسطنطينية فيه جمع كثير، وكان قد حل بالمسلمين وباء شديد ، هلك فيه كثير منهم، وهلك فيه أميرهم أسد بن الفرات، وولي الأمر على المسلمين بعده محمد بن أبي الجواري، فلما رأى المسلمون شدة الوباء ووصول الروم، تحملوا في مراكبهم ليسيروأ،  فوقف الروم في مراكبهم على باب المرسي، فمنعوا المسلمين من الخروج .فلما رأى المسلمون ذلك أحرقوا مراكبهم، وعادوأ. )

2 ـ عاد المسلمون واستولوا على مدن ، ثم مصرع فيمى . تقول الرواية : ( ورحلوا إلى مدينة ميناو، فحصروها ثلاثة أيام، وتسلموا الحصن، فسار طائفة منهم إلى حصن جرجنت، فقاتلوا أهله، وملكوه، وسكنوا فيه، واشتدت نفوس المسلمين بهذا الفتح وفرحوا .ثم ساروا إلى مدينة قصريانة ومعهم فيمي، فخرج أهلها إليه، فقبلوا الأرض بين يديه، وأجابوا إلى أن يملكوه عليهم، وخدعوه، ثم قتلوه.)

3 ـ البيزنطيون يرسلون جيشا ، ويتبادل الفريقان النصر والهزيمة . تقول الرواية :  ( ووصل جيش كثير من القسطنطينية مدداً لمن في الجزيرة، فتصافوا هم والمسلمون، فانهزم الروم، وقتل منهم خلق كثير، ودخل من سلم قصريانة، وتوفي محمد بن أبي الجواري أمير المسلمين، وولي بعده زهير ابن غوث.ثم إن سرية المسلمين سارت للغنيمة، فخرج عليها طائفة من الروم، فاقتتلوأ ، وانهزم المسلمون، وعادوا من الغد، ومعهم جمع العسكر، فخرج إليهم الروم، وقد اجتمعوا وحشدوأ، وتصافوا مرة ثانية ، فانهزم المسلمون أيضأ ، وقتل منهم نحو ألف قتيل، وعادوا إلى معسكرهم، وخندقوا عليهم، فحصرهم الروم، ودام القتال بينهم، فضاقت الأقوات على المسلمين، فعزموا على بيات الروم،( الهجوم عليهم ليلا )  فعلموا بهم، ففارقوا الخيم، وكانوا بالقرب منهأ ،  فلما خرج المسلمون لم يروا أحداً.وأقبل عليهم الروم من كل ناحية، فأكثروا القتل فيهم، وانهزم الباقون، فدخلوا ميناو، ودام الحصار عليهم، حتى أكلوا الدواب والكلاب.فلما سمع من مدينة جرجنت من المسلمين ما هم عليه هدموا المدينة، وساروا إلى مازر، ولم يقدروا على نصرة إخوانهم.)

عام 214 : جيوش من الأندلس وافريقية تنقذ المسلمين من الحصار، والمسلمون يحاصرون باليرم

1 ـ تقول الرواية : ( ودام الحال كذلك إلى أن دخلت سنة أربع عشرة ومائتين، وقد اشرف المسلمون على الهلاك، وإذ قد أقبل أسطول كثير من الأندلس، خرجوا غزاة، ووصل في ذلك الوقت مراكب كثيرة من إفريقية مدداً للمسلمين، فبلغت عدة الجميع ثلاثمائة مركب، فنزلوا إلى الجزيرة، فانهزم الروم عن حصار المسلمين، وفرج الله عنهم. )

2 ـ ( وسار المسلمون إلى مدينة بلرم، فحصروهأ ، وضيقوا على من بهأ ، فطلب صاحبها الأمان لنفسه ولأهله ولماله، فأجيب إلى ذلك، وسار في البحر إلى بلاد الروم.)

عام 216 : استسلام باليرم بعد هلاك معظم سكانها :

(  ودخل المسلمون البلد ( باليرم ) في رجب سنة ست عشرة ومائتين، فلم يروا فيه إلا أقل من ثلاثة آلاف إنسان، وكان فيه لما حصروه، سبعون ألفأ وماتوا كلهم؛)

عام 218    :

حروب فى صقلية بين المسلمين (وجرى بين المسلمين: أهل إفريقية، وأهل الأندلس، خلف ونزاع، ثم اتفقوأ.)

عام 219 : هزيمة الروم فى قصريانة : 

( وبقي المسلمون إلى سنة تسع عشرة ومائتين، وسار المسلمون إلى مدينة قصريانة، فخرج من فيها من الروم، فاقتتلوا أشد قتال، ففتح الله على المسلمين وانهزم الروم إلى معسكرهم؛ ثم رجعوا في الربيع، فقاتلوهم، فنصر المسلمون أيضأ. )

عام 220 : تتابع انتصارت الاغالبة فى صقلية برا وبحرا

1 ـ ( ثم ساروا سنة عشرين ومائتين وأميرهم محمد بن عبد الله إلى قصريانة، فقاتلهم الروم، فانهزموأ، وأسرت امرأة لبطريقهم وابنه، وغمنوا ما كان في عسكرهم وعادوا إلى بلرم.ثم سير محمد بن عبد الله عسكراً إلى ناحية طبرمين، عليهم محمد بن سالم، فغنم غنائم كثيرة، ثم عدا عليه بعض عسكره، فقتلوه، ولحقوا بالروم، فأرسل زيادة الله من إفريقية الفضل بن يعقوب عوضاً منه، فسار في سرية إلى ناحية سرقوسة، فأصابوا غنائم كثيرة وعادوا؛ ثم سارت سرية كبيرة، فغمنت وعادت، فعرض لهم البطريق ملك الروم بصقلية، وجمع كثير، فتحصنوا من الروم في أرض وعر، وشجر كثيف، فلم يتمكن من قتالهم، وواقفهم إلى العصر، فلما رأى أنهم لا يقاتلونهم عاد عنهم، فتفرق أصحابه وتركوا التعبئة.فلما رأى المسلمون ذلك حملوا عليهم حملة صادقة، فانهزم الروم وطعن البطريق، وجرح عدة جراحات، وسقط عن فرسه، فأتاه حماة أصحابه، واستنقذوه جريحأ وحملوه، وغنم المسلمون ما معهم من سلاح ومتاع ودواب ، فكانت وقعة عظيمة.)

2 ـ ( وسير زيادة الله من إفريقية إلى صقلية أبا الأغلب إبراهيم بن عبد الله أميراً عليهأ ، فخرج إليهأ،  فوصل إليها منتصف رمضان، فبعث أسطولأ ، فلقوا جمعاً للروم في أسطول، فغنم المسلمون ما فيه، فضرب أبوالأغلب رقاب كل من فيه. وبعث أسطولاً آخر إلى قوصرة، فظفر بحراقة فيها رجال من الروم، ورجل متنصر من أهل إفريقية، فأتى بهم فضرب رقابهم. وسارت سرية أخرى إلى جبل النار والحصون التي في تلك الناحية، فأحرقوا الزرع وغمنوا وأكثروا القتل.)

عام  221 : حروب سجال :

1 ـ  ( ثم سير أبوالأغلب سرية إلى جبل النار أيضأ ، فغمنوا غنائم عظيمة، حتى بيع الرقيق بأبخس الأثمان، وعادوا سالمين، وفيها جهز أسطولأ فساروا نحوالجزائر، فغمنوا غنائم عظيمة، وفتحوا مدناً ومعاقل، وعادوا سالمين، وفيها سير أبوالأغلب أيضاً سرية إلى قسطلياسة فغمنوا وسبوأ، ولقيهم العدو، فكانت بينهم حرب استظهر فيها الروم، وسير سرية إلى مدينة قصريانة، فخرج إليهم العدو، فاقتتلوأ، فانهزم المسلمون، وأصيب منهم جماعة.)
2 ـ ( ثم كانت وقعة أخرى بين الروم والمسلمين، فانهزم الروم، وغنم المسلمون منهم تسعة مراكب كبار برجالها وشلندس، فلما جاء الشتاء وأظلم الليل رأى رجل من المسلمين غرة من أهل قصريانة، فقرب منه، ورأى طريقأ، فدخل منه، ولم يعلم به أحد، ثم انصرف إلى العسكر، فأخبرهم فجاؤوا معه، فدخلوا من ذلك الموضع وكبروأ، وملكوا ربضه، وتحصن المشركون منهم بحصنة، فطلبوا الأمان فأمنوهم، وغنم المسلمون غنائم كثيرة، وعادوا إلى بلرم.)
عام 223 : حروب قبيل وفاة زيادة الأغلبى :

( وصل كثير من الروم في البحر إلى صقلية، وكان المسلمون يحاصرون جفلوذى، وقد طال حصارهأ،  فلما وصل الروم رحل المسلمون عنهأ ، وجرى بينهم وبين الروم الواصلين حروب كثيرة، ثم وصل الخبر بوفاة زيادة الله بن إبراهيم بن الأغلب، أمير إفريقية، فوهن المسلمون ثم تشجعوا، وضبطوا أنفسهم.)

 أخيرا : حتى لايضيع منا طرف الخيط :

 نذكركم بعنوان الكتاب : ( مسلسل الدماء فى تاريخ الخلفاء ـ الأصل التاريخى لتقسيم العالم فى عصر الخلفاء الى :" دار السلام ودار الحرب ")

الأصل التاريخى لتقسيم العالم الى ( دار السلام ودار الحرب ).

ونذكركم :

1 ـ بأن الله جل وعلا لم يخلق البشر ليكونا معسكرين متحاربين ، بل خلق البشر جميعا  أخوة من أب واحد وأم واحدة ، وجعلهم شعوبا وقبائل كى يتعارفوا سلميا ، لا لكى يتقاتلوا ، يقول جل وعلا يخاطب البشر جميعا : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13) الحجرات )

2 ـ إن الله جل وعلا أرسل رسوله بالقرآن الكريم رحمة للعالمين وليس لقتال العالمين ، يقول جل وعلا : ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (107) الأنبياء )

3 ـ إن الله جل وعلا أمر المؤمنين بالدخول فى السلام كافة ، فقال جل وعلا : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (208) البقرة ). وتشريعات القتال الدفاعية هى إستثناء يخدم السلام .  ولكن الصحابة إتبعوا خطوات الشيطان بالفتوحات ، وجعلوها دينا ، نتج عنه تقسيم العالم الى معسكرين متحاربين ـ حربا مستمرة ، لا يزال الوهابيون يواصلونها حتى اليوم

4 ـ القتال فى الاسلام هو لرد العدوان فقط ، وهذا معنى أن يكون فى سبيل الله جل وعلا . أما القتال المعتدى الذى فعله الصحابة فهو فى سبيل الشيطان ، وليس هناك توسط : إما قتال دفاعى فى سبيل الله جل وعلا ، وإما قتال باغ معتد ظالم يريد الثروة والسلطة ، أى فى سبيل الشيطان . يقول جل وعلا عن نوعى القتال : (الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ  )(76) النساء  )

5 ـ  فى حمامات الدم هذه كانوا يحرصون على تأدية صلاة شكلية ، كانت صلاة شيطانية لأنها لم تكن تنهاهم عن الفحشاء والمنكر بل كانت تأمرهم بالفحشاء والمنكر وتسوّغ لهم سفك الدماء والسلب والنهب والاسترقاق باسم الاسلام العظيم. كانت صلاتهم الشيطانية حربا لرب العزة جل وعلا.!

 مسلسل الدماء فى خلافة المأمون : الهجوم على البيزنطيين (دار الحرب )

وقت إنشغال المأمون بالثورات التى إشتعلت فى خلافته لم يتعرض لهجوم إنتقامى من البيزنطيين . فلما أحكم سيطرته وإستعاد سلطته ووجد بعض الفراغ فى نهاية حكمه ولّى وجهه نحو البيزنطيين غازيا مهاجما فى السنوات الأخيرة من حياته ( 215 : 218 ) . ومات هناك حيث كان يجهز الثغور ويعززها بالحصون ويشحنها بالمقاتلة لشن عدوان جديد . مات وقد ختم عمره بالاعتداء على من لم يقم بالاعتداء عليه ، وهو الذى كان ـ فى الداخل ـ يتفادى الحرب ما أمكنه مع الثائرين عليه .!. ونعطى بعض التفصيلات :

 عام 215 : المأمون يغزو ويتملك بعض الحصون 

1 ـ  تقول الرواية : ( في هذه السنة سار المأمون إلى الروم في المحرم، وسار المأمون على طريق الموصل، حتى صار إلى منبج، ثم إلى دابق، ثم إلى أنطاكية، ثم إلى المصيصة وطرسوس، ودخل منها إلى بلاد الروم في جمادى الأولى، ودخل ابنه العباس من ملطية، فأقام المأمون على حصن قرة حتى افتتحه عنوة، وهدمه لأربع بقين من جمادى الأولى، وقيل إن أهله طلبوا الأمان فأمنهم المأمون، وفتح قبله حصن ماجدة بالأمان، ووجه أشناس إلى حصن سندس، فأتاه برئيسه، ووجه عجيفأ وجعفراً الخياط إلى صاحب حصن سناذ، فسمع وأطاع.) . وتقول رواية أخرى : ‏( أن المأمون شخص من بغداد لغزو الروم في يوم السبت لثلاث بقين من المحرم، وكان ارتحاله من الشماسيّة إلى البرَدان يوم الخميس بعد صلاة الظهر لست بقين من المحرم، .. ثم سلك المأمون طريق الموصل حتى صار إلى منبج ثم إلى دابق ثم إلى إنطاكية ثم إلى المصّيصة ، ثم خرج منها إلى طَرَسُوس،  ثم دخل إلى بلاد الروم للنصف من جمادى الأولى فافتتح حصنًا فمنّ على أهله،  ثم أقام على حصن فتحه عنوة وأمر بهدمه ، وذلك يوم الأحد لأربع بقين من جمادى الأولى . ووجه أشناس إلى حصن فأتاه برئيسه ، ووجه عجيفًا إلى صاحب حصن سنان فسمع وأطاع . وشخص المأمون إلى دمشق ‏.)

2 ـ المستفاد أن المأمون قاد جيشا بنفسه إجتاز به منطقة ( الثغور ) أى التخوم الحربية للعباسيين فى مواجهة البيزنطيين ، ثم دخل فى الأراضى البيزنطية ــ معتديا ـ فهاجم حصنين ، يبدو أن الأول إستسلم بلا مقاومة فعفا عن أهله ، أما الآخر فقاوم اهله فانهزموا فأمر بهدمه ، ولا نعرف مصير أهل الحصن المقاومين . وفى نفس الوقت قاد إثنان  من قواد المأمون جيشين ، وهما أشناس التركى ، وعجيف ، وقد انتصر كل منهما على حصن من حصون الروم . وبالتالى تملك المأمون أرضا وحصونا بالغزو . ثم رجع الى دمشق .

  عام 216 : المأمون يفتح هرقلة ( صُلحا ) 

1 ـ تقول الرواية عن عودة المأمون لغزو البيزنطيين : ( في هذه السنة عاد المأمون إلى بلاد الروم؛ وسبب ذلك أنه بلغه أن ملك الروم قتل ألفاً وستمائة من أهل طرسوس والمصيصة، فسار حتى دخل أرض الروم في جمادى الأولى، فأقام إلى منتصف شعبان.وقيل كان سبب دخوله إليها أن ملك الروم كتب إليه وبدا بنفسه، فسار إليه، ولم يقرأ كتابه، فلما دخل أرض الروم أناخ على أنطيغوأ،  فخرجوا على صلح؛ ثم سار إلى هرقلة، فخرج أهلها على صلح، ووجه أخاه إبا إسحاق المعتصم، فافتتح ثلاثين حصنأ ومطمورة، ووجه يحيى بن أكثم من طوانة، فأغار، وقتل، وأحرق، فأصاب سبيأ ورجع؛ ثم سار المأمون إلى كيسوم، فأقام بها يومين، ثم ارتحل إلى دمشق.). أى هناك سببان لعودته للغزو : أحدهما إغارة ملك الروم على إحدى الثغور وهى مدينة طرسوس وقتا 1600 من أهلها ، والسبب الآخر : أن ملك الروم خالف البروتوكول فى خطاب للمأمون فبدأ بنفسه ثم بالمأمون . وفى هذه الحملة التى قادها المأمون إستسلمت له مدينة هرقلة فتملكها صلحا وليس عُنوة . وارسل المأمون أخاه ولى عهده المعتصم فافتتح ثلاثين حصنا ، وأرسل حملة يقودها يحيى بن أكثم قامت بالحرق والتدمير والقتل والسبى .

2 ــ  وهذا ما تردد تقريبا فى الرواية الأخرى ، تقول : ( رجوع المأمون إِلى أرض الروم وفي سبب ذلك قولان‏:‏ أحدهما‏:‏ أنه ورد عليه الخبر بقتل ملك الروم قومًا من أهل طرسوس والمصيصة زهاء ألف وستمائة فرجع فدخل أرض الروم يوم الاثنين لإحدى عشرة ليلة بقيت من جمادى الأولى فأقام بها إلى نصف شعبان ‏.والثانيِ‏:‏ أن تَوفيل بن ميخائيل كتب إليه فبدأ بنفسه فلم يقرأ الكتاب وخرج فوافته رسل توْفيل بأدَنة ووجه خمسمائة رجل من أسرى المسلمين ، فنزل المأمون فيِ أرض الروم على حصن فخرج على صلح وصار إلى هرقلة فخرج على صلج ووجه أخاه أبا إسحاق ففتح ثلاثين حصنا ومطمورة ووجٌه يحيى بن أكثم فأغار وقتل وحرق وأصاب سبيًا ثم ارتحل المأمون. )

 عام ‏217 : البيزنطون يأسرون القائد  (عجيف ) ثم يطلقون سراحه

1 ـ تقول الرواية ( وفي هذه السنة‏:‏ دخل المأمون أرض الروم فأناخ على لؤلؤة مائة يوم ثم رحل عنها وخلف عليها عجيفًا فاختدعه أهلها فأسروه فمكث أسيرًا في أيديهم ثمانية أيام ثم أخرجوه ، وصار توفيل إلى لؤلؤة فأحاط بعجيف فصرف المأمون الجنود إليه ، فارتحل توفيل قبل موافاتهم.  وخرج أهل لؤلؤة إلى عجيف بأمان ‏. وكتب توفيل إلى المأمون يسأله الصلح ‏.) أى استسلم أهل مدينة لؤلؤة البيزنطية بعد أن حاصرهم المأمون مائة يوم . وصارت مملوكة للمأمون صُلحا اى بالاتفاق مع أهلها . وبعد رحيل المأامون عنها خدعوا القائد (عجيف بن عنبسة ) نائب المأمون ، واسروه ، وجاء الامبراطور توفيل فأرسل اليه المأمون بجيش فهرب توفيل ، وأطلق أهل لؤلؤة سراح عجيف . وطلب توفيل الصلح من المأمون .

2 ـ وتقول رواية أخرى ( وفيها عاد المأمون إلى بلاد الروم، فأناخ على لؤلؤة مائة يوم، ثم رحل عنهأ،  وترك عليها عجيفأ،  فخدعه أهلهأ،  وأسروه، فبقي عندهم ثمانية أيام، وأخرجوه، وجاء توفيل ملك الروم فأحاط بعجيف فيه، فبعث إليه الجنود، فارتحل توفيل قبل موافاتهم، وخرج أهل لؤلؤة إلى عجيف بأمان، وأرسل ملك الروم يطلب المهادنة فلم يتم ذلك.)
  عام 218  .‏التحصين الحربى

1 ـ قام المأمون بتحصين مدينة الطوانة ، وأن يسكنها المقاتلون ، على نحو ما فعل أبوه الرشيد من قبل فى مدن الثغور ، بتحصينها وإسكانها المقاتلين . تقول الروايات : ( ‏ وجه المأمون ابنه العباس إلى أرض الروم في أول يوم من جمادى ، وأمره بنزول الطوانة وبنائها . وكان قد وجه الفعلة( عمال المبانى ) فابتدأ في بنائها ، وفرضها ميلًا في ميل ، وجعل لها أربعة أبواب ، وبنى على كل باب حصنًا ‏. )

2 ـ وفى رواية أخرى  ( في هذه السنة عاد المأمون إلى سلغوس، ووجه ابنه العباس إلى طوانة، وأمره ببنائهأ،  وكان قد وجه الفعلة، فابتدأوا في بنائها ميلاً بعد ميل، وجعل سورها على ثلاثة فراسخ، وجعل لها أربعة أبواب، وجعل على كل باب حصنأ،  وكتب إلى البلدان ليفرضوا على كل بلد جماعة ينتقلون إلى طوانة، وأجرى لهم لكل فارس مائة درهم، ولكل راجل أربعين درهم. ) .

2 ـ وفى حضور أخيه المعتصم وإبنه العباس مات المأمون فجأة، وتمت البيعة لأخيه المعتصم .!!

   أخيرا : حتى لايضيع منا طرف الخيط :

 نذكركم بعنوان الكتاب : ( مسلسل الدماء فى تاريخ الخلفاء ـ الأصل التاريخى لتقسيم العالم فى عصر الخلفاء الى :" دار السلام ودار الحرب ")

الأصل التاريخى لتقسيم العالم الى ( دار السلام ودار الحرب ).

ونذكركم :

1 ـ بأن الله جل وعلا لم يخلق البشر ليكونا معسكرين متحاربين ، بل خلق البشر جميعا  أخوة من أب واحد وأم واحدة ، وجعلهم شعوبا وقبائل كى يتعارفوا سلميا ، لا لكى يتقاتلوا ، يقول جل وعلا يخاطب البشر جميعا : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13) الحجرات )

2 ـ إن الله جل وعلا أرسل رسوله بالقرآن الكريم رحمة للعالمين وليس لقتال العالمين ، يقول جل وعلا : ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (107) الأنبياء )

3 ـ إن الله جل وعلا أمر المؤمنين بالدخول فى السلام كافة ، فقال جل وعلا : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (208) البقرة ). وتشريعات القتال الدفاعية هى إستثناء يخدم السلام .  ولكن الصحابة إتبعوا خطوات الشيطان بالفتوحات ، وجعلوها دينا ، نتج عنه تقسيم العالم الى معسكرين متحاربين ـ حربا مستمرة ، لا يزال الوهابيون يواصلونها حتى اليوم

4 ـ القتال فى الاسلام هو لرد العدوان فقط ، وهذا معنى أن يكون فى سبيل الله جل وعلا . أما القتال المعتدى الذى فعله الصحابة فهو فى سبيل الشيطان ، وليس هناك توسط : إما قتال دفاعى فى سبيل الله جل وعلا ، وإما قتال باغ معتد ظالم يريد الثروة والسلطة ، أى فى سبيل الشيطان . يقول جل وعلا عن نوعى القتال : (الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ  )(76) النساء  )

5 ـ  فى حمامات الدم هذه كانوا يحرصون على تأدية صلاة شكلية ، كانت صلاة شيطانية لأنها لم تكن تنهاهم عن الفحشاء والمنكر بل كانت تأمرهم بالفحشاء والمنكر وتسوّغ لهم سفك الدماء والسلب والنهب والاسترقاق باسم الاسلام العظيم. كانت صلاتهم الشيطانية حربا لرب العزة جل وعلا.!

بعون الله جل وعلا نلتقى فى الجزء الثانى الذى يبدا بالخليفة المعتصم العباسى .

اجمالي القراءات 3145

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2006-07-05
مقالات منشورة : 3989
اجمالي القراءات : 34,380,540
تعليقات له : 4,358
تعليقات عليه : 12,950
بلد الميلاد : Egypt
بلد الاقامة : United State

مشروع نشر مؤلفات احمد صبحي منصور

محاضرات صوتية

قاعة البحث القراني

باب دراسات تاريخية

باب القاموس القرآنى

باب علوم القرآن

باب تصحيح كتب

باب مقالات بالفارسي