حماس والمد الإسلامي الديمقراطي

سعد الدين ابراهيم في الجمعة 23 مارس 2007


جاء فوز حماس في الانتخابات التشريعية الفلسطينية التي جرت في 25 يناير 2005 تتويجاً لمسيرة حركة المقاومة الإسلامية التي بدأت منذ عقدين، وتزامنت مع الانتفاضة الفلسطينية الأولى. وهذا الحدث الذي فاجأ العرب والعالم وحماس نفسها، هو في أحد معانيه تحول كيفي في مسيرة الكفاح الفلسطيني من أجل تقرير المصير، وفي سياق إقليمي أكبر هو موجة عالية في المد الإسلامي، الذي يشهده العالم منذ أواخر ستينيات القرن العشرين.

فهو تتويج لمسيرة حركة حماس، التي بدأنا نسمع عنها، دون أن يعطيها معظمنا اهتماماً يذكر في أواخر ثمانينات القرن الماضي. بل وكانت هناك قرائن أن إسرائيل تشجع حماس، لكي تنال من منظمة التحرير ولكي تضعف حركة فتح، التي كانت تقود المنظمة منذ عام 1968. ولم يكن الرأي العام العربي قد تعود على رفع الفلسطينيين لشعارات دينية أو قيادات دينية للكفاح الوطني ضد الصهيونية، منذ الثلاثينات، حيث قاد النضال آنذاك الشيخ عز الدين القسام. وربما لأن حركته أجهضت تحت وطأة الاحتلال البريطاني من ناحية والوجود الصهيوني المتزايد من ناحية أخرى، فقد انصرف الفلسطينيون شأنهم شأن بقية الشعوب العربية عن الالتفاف حول هذه الزعامات الدينية التقليدية. وشأن عز الدين القسام في ذلك شأن الأمير عبد القادر الجزائري، وعبد الكريم الخطابي في المغرب، وعمر المخبار في ليبيا. وأصبحت الشعارات القومية بعد الحرب العالمية الثانية وهزيمة حرب فلسطين الأولى، هي الأكثر قبولاً لتعبئة الجماهير، وخاصة في المدن، ولدى الطبقات الوسطى والعاملة. فكان هناك مد واضح، له زعاماته المدنية، من أمثال سعد زغلول ومصطفى النحاس في مصر، وشكري القوتلي وجلال العظم وفارس الخوري في سورية، ونوري السعيد وجميل المدفعي وفاضل الجمالي في العراق، وعلال الفاسي في المغرب والحبيب بورقيبة في تونس. وفي فلسطين نفسها حدث نفس الشيء، فبررت زعامات مدنية تنافست على قيادة الكفاح المزدوج ضد الإنجليز والصهاينة، من آل الخالدي، والنشاشيبي، والدجاني، والحسيني، والشقيري.

ولكن هزيمة 1948 وضياع فلسطين كان علامة فارقة في انزواء هذا الجيل الثاني وشعاراته الوطنية في فلسطين والأقطار العربية المجاورة. وبدأت شعارات جديدة تظهر ذات أبعاد قومية فبرز حزب البعث العربي الاشتراكي، وحركة القوميين العرب في حقبة ما بعد هزيمة 1948. وراجت مقولة الوحدة العربية، لا فقط كغاية في حد ذاتها، ولكن أيضاً كوسيلة فعالة لغسل عار الهزيمة واسترجاع فلسطين من أيدي الصهاينة المغتصبين. وتزامن ذلك مع موجة من الانقلابات العسكرية ضد الحكومات المدنية شبه الليبرالية، بوصفها هي المسئولة عن الهزيمة. وبدأ مسلسل الانقلابات العسكرية في سورية (1949/1950/1951)، ثم في مصر (يوليو1952)، ثم في العراق (يوليو 1958)، ثم السودان (1958)، ثم اليمن (1962)، ثم ليبيا (1969). حتى البلدان العربية البعيدة عن فلسطين، ولم تشارك في أي من حروبها، شهدت انقلابات عسكرية متذرعة بالقضية الفلسطينية ـ مثل الصومال وموريتانيا والجزائر. ولكن هذه الأنظمة العسكرية التي تمسحت بالقضية الفلسطينية ووعدت بالثأر لهزيمة 1948، سرعان ما لاقت هزيمة أشنع عام 1967 مما كانت قد لقيته الأنظمة المدنية الليبرالية. فقد ضاع على أيدي الأنظمة العسكرية ما كان قد تبقى من فلسطين (حوالي 40% من الضفة الغربية وقطاع غزة). بل أكثر من ذلك فقدت أجزاء كبيرة من أراض بلدانها ـ حيث فقدت مصر سيناء (خمس مساحة مصر تقريباً)، وخسرت سورية هضبة الجولان.

وفي أعقاب تلك الهزيمة الأكثر فداحة في التاريخ العربي الحديث، قررت مجموعات فلسطينية أن تأخذ قضيتها بيدها، وألا تعتمد على الأنظمة العربية من أجل تحرير فلسطين. وهنا برزت حركة التحرير الفلسطينية "فتح"، بقيادة ياسر عرفات وبدأت ممارسة الكفاح المسلح، منطلقة من دول الجوار. ولأن أغلبية الأمة العربية كانت في حالة يأس وإحباط، وفي أمس الحاجة معنوياً ونفسياً إلى ما يسترد لها الثقة في نفسها، فإنها تلقفت أخبار الحركة الفلسطينية الوليدة، وخاصة بعد معركة باسلة لها في مواجهة فيلق دبابات إسرائيلية عبر نهر الأردن في غارة له على بلدة الكرامة، في ربيع 1968، أي بعد هزيمة الجيوش العربية بثمانية أشهر. ومنذ تلك اللحظة أصبحت المقاومة الفلسطينية التي تقودها حركة فتح أحد "الأبقار العربية المقدسة"، التي لا يمسها ناقد بسوء مهما كانت أخطائها ـ وكثيراً ما أخطأت فتح وفصائل فلسطينية أخرى خلال العقود الثلاثة التالية لموقعة الكرامة، ودون أن يحرر كفاحها المسلح رغم بسالته شبراً واحداً من أرض فلسطين.

وخلال تلك العقود الثلاثة نمت حركات فلسطينية وعربية أخرى، تجاوزت الطرح القومي، وأحلت محله طرحاً "إسلامياً جهادياً"، سواء ضد إسرائيل أو الغرب، أو حتى ضد الأنظمة الحاكمة في بلدانها العربية الإسلامية. وظهر في مصر تنظيمات الجهاد والتكفير والهجرة والجماعة الإسلامية، وكلها منشقة من جماعة الإخوان المسلمين. كذلك ظهرت في لبنان حركة أمل، التي أسسها الزعيم الشيعي موسى الصدر، ثم حزب الله الذي نمى وترعرع لمقاومة قوات الاحتلال الإسرائيلية التي غزت لبنان في يونيه 1982. ثم ظهرت حركة المقاومة الإسلامية (حماس) نفسها مع انتفاضة أطفال الحجارة التي انفجرت في أواخر ثمانينات القرن الماضي لا فقط لمواجهة الاحتلال ولكن أيضاً يأساً من أسلوب فتح ومنظمة التحرير الفلسطينية، ورغم أن الانتفاضة الأولى (1988-1992) هي التي أوصلت النضال الفلسطيني إلى محطة "أوسلو"، وسمحت بنود اتفاقها لقيادة المنظمة للعودة إلى أرض فلسطين عام 1993، لأول مرة منذ تركوها عام 1948، إلا أن العائدون، عادوا ومعهم كل أمراض الأنظمة العربية التي تمرسوا التعامل معها طوال العقود الثلاثة السابقة ـ ومنها الترهل البيروقراطي والفساد الإداري والتمترس في كراسي السلطة، دون أمل للأجيال الجديدة من المشاركة في الحكم. وليت كان هناك ما يعوض الشعب الفلسطيني عن كل تلك الأمراض الخبيثة التي جاءت مع قيادات منظمة التحرير ـ من تونس ودمشق وبغداد وبيروت والقاهرة ـ بأن تنجز مثلاً في بناء الدولة الفلسطينية الموعودة منذ أوسلو (1993). فبعد تسع سنوات من الانتظار، والتعنت الإسرائيلي، والفساد الإداري الفلسطيني، والابتلاع المستمر لمزيد من أراضيهم لبناء مستوطنات صهيونية جديدة، انفجر غضب الشعب الفلسطيني عندما وصل الاستفزاز منتهاه مع اقتحام الجنرال أريل شارون ومجموعة من غلاة الصهيونية المسجد الأقصى، وهو ما اعتبره الفلسطينيون تدنيساً مقصوداً لمقدساتهم. واستمر هذا الغضب، وأخذ صورة مسلحة، وعُرف باسم "انتفاضة الأقصى"، والتي استمرت منذ خريف 2000 إلى خريف 2005. وقادت حركة حماس هذه الانتفاضة المسلحة. وإذا كانت العلامة المميزة للانتفاضة الأولى هي "طفل الحجارة"، فإن العلامة المميزة للانتفاضة الثانية هي "الجهادي الانتحاري". وربما كان أطفال الحجارة هم أنفسهم الذين تخرجوا جهاديين انتحاريين بعد خمس عشرة عاماً من انتفاضتهم الأولى.

لقد اختلفت التقييمات لمردود الانتفاضة الثانية ولجدوى العمليات الانتحارية. ولكن الشاهد هو أن الشعب الفلسطيني انبهر بتضحيات شباب حماس، وكذلك بالخدمات الاجتماعية التي تقدمها للمحتاجين من فقرائهم. وأكثر من ذلك ما بدا على قيادات وكوادر حماس من تواضع ونظافة الذمة وعفة اليد. لقد بدت حماس لجموع الشعب الفلسطيني، في مطلع الألفية الثالثة كما كانت فتح قبل ثلاثين عاماً. وكما كانت هذه الجموع قد أعطت فتح وياسر عرفات تأييدها، ووضعتها في مقعد قيادة منظمة التحرير الفلسطينية بديلاً للزعامة الخطابية القومجية للسيد الشقيري، فإن نفس هذه الجموع قد أعطت حماس ثقتها وبوأتها مقاليد زعامة المسيرة الفلسطينية في طورها الجديد. إن القادة الجدد هم جميعاً ممن ولدوا بعد الاحتلال الإسرائيلي، ونشأوا وشبوا على أرض فلسطين ولم يغادروها، ولم تفسدهم السلطة أو تلوثهم الأنظمة العربية الحاكمة.

ولكن المرحلة الجديدة تنطوي على تحديات عظمى، ربما تفوق تحديات المقاومة المسلحة للاحتلال. إنه التحدي الذي أطلق عليه المقاتلون الجزائريون في سياق مشابه، بالانتقال من "الجهاد الأصغر" إلى "الجهاد الأعظم". إنه الانتقال من "الحماسة" إلى "السياسة". فإذا كانت الحماسة هي في السعي إلى "المطلق" ولو بالانتحار الجهادي، فإن السياسة هي فن إدارك "الممكن" بالصبر والعقلانية ـ أي التحول من الحماسة إلى الكياسة. والله أعلم.



 

اجمالي القراءات 9856

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2007-03-23
مقالات منشورة : 216
اجمالي القراءات : 1,686,477
تعليقات له : 0
تعليقات عليه : 410
بلد الميلاد : Egypt
بلد الاقامة : Egypt