طحالب

اضيف الخبر في يوم الجمعة ٣٠ - أكتوبر - ٢٠٠٩ ١٢:٠٠ صباحاً. نقلا عن: أهل القرآن


 

طحالب
 
قصة قصيرة
بقلم عبد الستار حتيتة
 
مروة اختفت حين كان أخي عبد الله مسافرا للخارج. لم يكن أهلها الصعايدة يعلمون بزواجه منها. سارعتُ بإغلاق دكاني لبيع أدوات صيد السمك في شارع شمبليون، وقررت البحث عنها. عجيب أن تختفي من على مواقع الدردشة على الانترنت وتغلق هاتفها المحمول.
كنت أخاف أن يعود عبد الله فجأة للقاهرة، ويكتشف، حين يسافر إليها، إهمالي لها. أخذت الجهاز الجديد الذي صنعته ويشبه خياشيم الأسماك. وقفت على مرسى النيل أمام مبنى ماسبيرو. سددت أنفي بالخياشيم الصناعية، وغطست إلى الأعماق. توكلت على الله في رحلة، عكس التيار، إلى الجنوب.
المياه من تحت ذات لون أخضر داكن، مزدحمة بالطحالب والقراميط. وبين حين وآخر أتعثر في جثة، فتستيقظ وتنظر نحوي ببلاهة والماء يملأ فمها. وكانت بعض الجثث تمد يدها تريد أن تقول شيئا.
وبطبيعة الحال كنت على عجلة من أمري. أشعر بأن الشمس ما زالت تشرق فوق النيل، فأواصل الزحف على بطني ضاربا الماء الثقيل بذراعي. وحين تتحول أعماق النيل إلى لون أسود قاتم، أعرف أن الليل جاء، فأنظف خياشيمي، وآكل قرموطا صغيرا، وأنا أتبادل الكلمات المقتضبة مع بعض الجثث المشوهة. أسند ظهري على صخرة مغطاة بالطحالب الخضراء وأنام، لأواصل رحلتي فجر اليوم التالي..
في إحدى الليالي، وكنت راسيا تحت ماء النهر، تقريبا جوار حدود بني سويف، من ناحية الجنوب، اقتربت جثة تملأها ثقوب الرصاص. وعرَّفت نفسها، وكيف تعرضت للقتل، في اشتباكات ثأرية بالأسلحة الرشاشة.
وبدأت الجثة، وكانت لصياد سمك في الثلاثين من عمره، تسخر من اعتقادي أن جهاز الخياشيم الذي صنعته هو الأول من نوعه في مصر. ومن خلال التسامر مع الجثة، حول تلوث أسماك النيل بمخلفات الصرف الصناع والصحي، وبينما كانت الأسماك الصغيرة والديدان المائية تخرج وتدخل من ثقوب جمجمة الجثة وصدرها، شعرت أن هذا الجسد الميت يعرف بطريقة ما إنني في طريقي للبحث عن مروة في مدينة المنيا. شعرت بالخوف، لأن مروة تزوجت عبد الله في السر، وهي تتواصل معه عبر الانترنت فقط، وهي حامل منه أيضا، لكنها أخفت مضغة حملها في ملف وأخفت هذا الملف على القرص الصلب.
وإذا كانت هذه الجثة عرفت بالقصة، فلا شك أن المنيا كلها على علم بالواقعة، وبالتالي ارتعبت أكثر، وقلت ربما قتلوها، وربما سأجد جثتها هنا بين جثث قتلى الثأر والشرف ومكافحة الإرهاب وحوادث الطرق. فماذا سأقول لعبد الله.. وجلست أبكي، وبينما الدموع تختلط بالمياه السوداء، انزلقت جثة الصياد في هدوء لتواصل رحلتها النيلية وصولا إلى الدلتا ثم البحر المتوسط، فالآخرة المنتظرة.
حين اقتربت من المنيا، بدأت أتحسس الطريق إلى أقرب نقطة من بيتها.. وفي المساء تمكنت من تحديد مكان غرفتها. وقررت أن أدخلها فجرا.
للغرفة نافذتان تمر المياه من جانب وتخرج من الجانب الآخر. غرفة معزولة كأنها مكتفية بذاتها، وتقف على جذوع رخوة لنباتات مائية ذات أوراق عريضة تشبه أوراق نبات ورد النيل. وفي الليل، ومن بين الأغصان الملتفة حول جدران الغرفة، رأيت جهاز الكمبيوتر الخاص بها منطفئا على منضدة خشبية. والمقعد الذي طالما جلست عليه للتحدث مع عبد الله عبر الانترنت، خاويا.
رائحة مروة كانت هنا. كأنها تركت الغرفة حالا. انتظرت قليلا لكنها لم تعد. وكانت أقرب طريقة للاطمئنان عليها، قبل أن يفضحني الصباح، فتح جهاز الكمبيوتر وإلقاء نظره على آخر ما كانت تفعله على الجهاز وعلى الانترنت، وما إن كانت قد اتصلت بعبد الله أخيرا.
حين أضاءت الشاشة، سرى النور الأزرق في المكان، وبدأت القراميط تتقافز من مخابئها الطينية، كما لفتت الأضواء انتباه بعض الجثث الطافية التي فتحت أعينها وشرعت تواصل جدلا فيما بينها عمن سيدخل الجنة، المسلمون منهم أم المسيحيون. ودون أن أحسب حسابا، تسببت الضجة في استيقاظ أهل بيت مروة.
وفجأة التف حولي خمسة رجال بملابس زرقاء وصفراء وسوداء. سألوا في نفس واحد: أنت عبد الله أنت غررت بابنتنا وتزوجتها في السر، يا ويلك، سنقتلك الآن. وأخذوا يتصايحون على باقي أقربائهم ليأتوا بالأسلحة الرشاشة.
بدأت أدافع عن نفسي. أخبرتهم أنني بائع أدوات صيد سمك من القاهرة، ضللت طريقي وأنا أجرب جهاز الخياشيم الجديد الذي اخترعته الأسبوع الماضي. لكن للأسف، كل منهم أشار إلى أنفه، وقالوا في صوت واحد: أها.. نحن أيضا لنا خياشيمنا، وهي أرخص ثمنا من خيشومك لأنها مستوردة من الصين. اعترف.. من أنت.. أنت عبد الله، وسنقتلك، لكن عليك أن تخبرنا عن مكان ابنتنا مروة، وإلى أين هربت بها، يا عبد الله، يا كلب.
وفي أثناء هذا كان عدد كبير من القراميط والأسماك الصغيرة والجثث يملأ الغرفة. وظهر عمدة صعيدي يعتمر عمة كبيرة، يمسك بعنق شاب ضامر. أسكت العمدة الجميع، وقال إن هذا الشاب يعرف في الكمبيوتر والانترنت، وقادر على اختراق كلمات السر والتنقيب في الملفات المغلقة ليعرف إن كانت لي صلة بمروة وعبد الله، أم لا.
وكان أول ما فتحه نافذة الدردشة على الهوت ميل. ولحسن الحظ لم يكن فيها أي شئ يتعلق بي أو بأخي عبد الله. كان آخر حديث لابنتهم هنا، لصديقة لها: أنا راحلة. لكن حظي لم يكن حسنا على طول الخط، لأن الشاب شرع في فتح البريد الالكتروني لمروة.
رسالة من عبد الله: "زوجتي العزيزة مروة، إذا شعرتي بأي مضايقات من جانب أسرتك، فاهربي، ولا تترددي.. اركبي القطار واهربي عند أخي بائع أدوات صيد السمك في شارع شمبليون بالقاهرة. وعلى أية حال هو سيتصل بك بين الحين والآخر.. مع حبي".
رسالة من مروة إلى عبد الله: "لم أعد أحتمل البقاء هنا.. سجنوني في غرفة معلقة تحت الماء. حفظت مضغة الجنين في ملف مضغوط على الأتاتش داخل بريدي الالكتروني.. قررت أن أهرب الليلة إلى أخيك في شارع شمبليون".
هنا صاح العمدة وهو يشير نحوي: "إذن هذا شقيق عبد الله.. امسكوه لتصلوا لابنتكم المجرمة والمجرم الذي غرر بها"..
واندفعت إلى أعماق النيل لأخفي نفسي في الطين، وأزحف إلى الشمال، وكان صوت الرصاص يتكتك من ورائي، وهم يشقون الماء لملاحقتي، ومن ورائهم يدفع التيار بجثث وقراميط وطحالب.. وهياكل لا لون لها.
 
 بقلم عبد الستار حتيتة
القاهرة في 29 أكتوبر 2009
hetieta@gmail.com
 
   
 
اجمالي القراءات 2447
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق