فاتورة العنف العالمية تقفز إلى 21.8 تريليون دولار
بلغت الكلفة الاقتصادية العالمية للعنف مستوى قياسياً عند 21.8 تريليون دولار خلال 2025، بما يعادل 10.5% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، في وقت تراجع فيه السلام العالمي إلى أدنى مستوياته منذ بدء قياسه قبل نحو عقدين، مع اتساع النزاعات المسلحة وتسارع استخدام الطائرات المسيّرة والذكاء الاصطناعي في الحروب، وفقاً لمعهد الاقتصاد والسلام.
يأتي هذا التراجع، مع اتساع رقعة النزاعات المسلحة وارتفاع كلفتها الاقتصادية والإنسانية، في وقت تعيد فيه الطائرات المسيّرة وأنظمة الذكاء الاصطناعي تشكيل طبيعة الحرب بوتيرة تتجاوز قدرة القوانين الدولية وآليات الدبلوماسية على مواكبتها، وفق تقرير صادر عن معهد الاقتصاد والسلام.
وقال المعهد، في مؤشر السلام العالمي لعام 2026 الصادر يوم الثلاثاء، إن 99 دولة سجلت تدهورًا في مستوى السلم خلال العام الماضي، وهو أكبر عدد منذ إطلاق المؤشر، فيما أصبحت 119 دولة، أو نحو 73% من الدول المشمولة، أقل سلمًا مما كانت عليه عند صدور أول نسخة من المؤشر في عام 2007.
ويعكس التقرير عالمًا أكثر تفككًا، حيث تضاعف تقريبًا عدد الدول المنخرطة في صراعات خارجية من 59 دولة في عام 2008 إلى 103 دول في مؤشر 2026، بينما بلغ عدد النزاعات النشطة بين الدول 61 نزاعًا، وهو أعلى مستوى منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
كلفة العنف تقفز إلى 21.8 تريليون دولار
ارتفع الأثر الاقتصادي العالمي للعنف بنسبة 3.2% في عام 2025 ليصل إلى 21.81 تريليون دولار، بما يعادل 10.5% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، بحسب تقديرات المعهد.
وتظهر الفجوة بوضوح بين الدول الأكثر والأقل تضررًا؛ إذ بلغ متوسط الأثر الاقتصادي للعنف في الدول العشر الأكثر تأثرًا 23.4% من الناتج المحلي الإجمالي، مقابل 2.2% فقط في الدول العشر الأقل تضررًا.كما بلغ الإنفاق العسكري العالمي مستوى قياسيًا عند 2.9 تريليون دولار في عام 2025، بقيادة زيادة حادة في أوروبا، وباستثناء الولايات المتحدة، ارتفع الإنفاق العسكري العالمي بنسبة 9.2%.
وقال المعهد إن عدد القتلى جراء النزاعات ظل عند مستويات قياسية، متجاوزًا 181 ألف شخص في عام 2025، بزيادة قدرها ستة أمثال تقريبًا مقارنة بعام 2008، كما بلغ عدد الدول التي سجلت ألف قتيل أو أكثر في النزاعات أعلى مستوى منذ إطلاق المؤشر.
الأثر الاقتصادي العالمي للعنف يرتفع 3.2% في عام 2025
الأثر الاقتصادي العالمي للعنف يرتفع 3.2% في عام 2025 (شترستوك)
"التفتت الكبير" يضعف قدرة العالم على إنهاء الحروب
يربط معهد الاقتصاد والسلام التدهور الحالي بتحول أوسع في النظام الدولي يسميه "التفتت الكبير"، حيث تتراجع قدرة القوى التقليدية والمؤسسات متعددة الأطراف على احتواء الحروب، بينما تصعد قوى متوسطة لملء فراغ جيوسياسي متزايد.
وأشار التقرير إلى أن النفوذ الاقتصادي للقوى الأوروبية الكبرى تراجع بحدة خلال العقود الثلاثة الماضية، إذ انخفضت حصة ألمانيا من الناتج المحلي الإجمالي العالمي بنسبة 49% منذ عام 1995، وفرنسا بنسبة 44%، وإيطاليا بنسبة 42%.
وبالتوازي، تراجعت قدرة الدبلوماسية التقليدية على إنهاء الصراعات، فقد انخفضت نسبة النزاعات التي تنتهي باتفاقيات سلام من 23% في سبعينيات القرن الماضي إلى 4% فقط خلال العقد الأخير، في حين لا تتجاوز الاستثمارات العالمية في بناء السلام الاستباقي 0.52% من إجمالي الإنفاق العسكري.
الذكاء الاصطناعي والمسيّرات يغيران قواعد الحرب
حذّر التقرير من أن الثورة التكنولوجية في أدوات القتال تتحرك بسرعة أكبر من الأطر القانونية والسياسية المنظمة لها، مشيرًا إلى أن الطائرات المسيّرة أصبحت سلاحًا أساسيًا في النزاعات الحديثة.
ووفقًا للمعهد، ارتفعت هجمات الطائرات المسيّرة المسجلة بأكثر من 11,500% بين عامي 2018 و2025، ولم يعد استخدامها مقتصرًا على الدول، إذ نفذت 565 جماعة مسلحة مختلفة، من بينها جماعات إجرامية، هجمات بطائرات مسيّرة خلال تلك الفترة.
وأشار التقرير إلى أن الذكاء الاصطناعي قلص زمن تحديد الأهداف العسكرية من يوم كامل إلى ثوانٍ معدودة.
وفي غزة، قال المعهد إن تقارير أفادت بأن الاستهداف الخوارزمي خفض وقت مراجعة الأهداف المحددة بالذكاء الاصطناعي إلى نحو 20 ثانية لكل ضربة، بينما تُستخدم في أوكرانيا أنظمة ذاتية التشغيل قادرة على استهداف الأهداف من دون تدخل بشري مباشر.
وقال ستيف كيليليا، المؤسس والرئيس التنفيذي لمعهد الاقتصاد والسلام، إن تقنيات الذكاء الاصطناعي والطائرات المسيّرة ذاتية القيادة باتت تتخذ قرارات مصيرية في ظل تراجع الرقابة البشرية إلى ثوانٍ معدودة، محذرًا من أن أنظمة الحوكمة لا تواكب ما يحدث على الأرض، مع ارتفاع حاد في عدد الضحايا المدنيين.
أيسلندا الأكثر سلمًا وروسيا في ذيل المؤشر
حافظت أيسلندا على موقعها كأكثر دول العالم سلمًا للعام التاسع عشر على التوالي، تلتها نيوزيلندا وسويسرا وسلوفينيا وأيرلندا، بحسب المؤشر.
وفي المقابل، أصبحت روسيا، لأول مرة، الدولة الأقل سلمًا في العالم، تلتها السودان وجمهورية الكونغو الديمقراطية وأوكرانيا وإسرائيل.
وسجلت جنوب آسيا أكبر تدهور إقليمي في مؤشر 2026، مدفوعة بتراجع مستوى السلم في نيبال وباكستان، كما تراجع ترتيب الولايات المتحدة بنسبة 4% إلى المركز 134، وهو أدنى تصنيف لها منذ إنشاء المؤشر، بفعل عدم الاستقرار السياسي وتصاعد المظاهرات العنيفة، وفق التقرير.
السودان نموذج لأزمات الصراع الممتدة
وصف المعهد الحرب الأهلية في السودان بأنها أخطر أزمة إنسانية في العالم، مع مقتل ما يقدر بنحو 150 ألف شخص ونزوح أكثر من 12 مليونًا، إلى جانب تأكيد المجاعة في مناطق متعددة.
وقال التقرير إن السودان يمثل نموذجًا لكيفية تحول النزاعات المحلية إلى بؤر مترابطة، إذ تتشابك الحرب هناك مع أزمات في إثيوبيا وإريتريا وجنوب السودان والصومال عبر تدفقات اللاجئين، والدعم غير المباشر، والتجارة غير المشروعة.
وأضاف المعهد أن الحرب في السودان باتت تمول نفسها جزئيًا عبر الذهب، إذ أنتجت قوات الدعم السريع ما يقدر بعشرة أطنان في عام 2024 وحده، بقيمة تقارب 860 مليون دولار.
ومع ارتفاع أسعار الذهب إلى مستويات قياسية، تزايدت الحوافز المالية للسيطرة على المناجم، ما يقلل فرص توقف القتال بمجرد تراجع الدعم الخارجي.
إيران ومخاطر الصدمة الاقتصادية العالميةخصص التقرير جزءًا من تحليله لتداعيات الحرب في إيران، معتبرًا أنها تمثل عاملًا مضاعفًا للاضطرابات الجيوسياسية، لأنها تغذي شبكات الوكلاء والصراعات العابرة للحدود من العراق إلى بلوشستان، بما يهدد بتوسيع نطاق عدم الاستقرار الإقليمي.
وقال المعهد إن خسارة الناتج المحلي الإجمالي العالمي في السنة الأولى من تجدد الحرب قد تبلغ 0.6%، مع تأثيرات غير متساوية تضرب بصورة خاصة الاقتصادات الهشة المعتمدة على الاستيراد.
وحذّر التقرير من أزمة وشيكة في إنتاج الغذاء العالمي بسبب تعطل سلاسل الإمداد، بما قد يؤثر في المحاصيل المستقبلية في جنوب آسيا وشرق إفريقيا، ويدفع تضخم الغذاء إلى الارتفاع في أواخر 2026 وخلال 2027.
وأشار إلى أن دولًا هشة مثل باكستان ومصر وكينيا تواجه تراكم ديون بقيمة 5.1 مليار دولار في أواخر عام 2026، وسط اضطراب طرق التجارة ومراجعات صارمة لبرامج صندوق النقد الدولي.
وخلص معهد الاقتصاد والسلام إلى أن الفارق بين جمود طويل الأمد وتجدد الحرب سيكون واسعًا، معتبرًا أن نجاح الدبلوماسية في منع عودة الحرب في إيران يمكن أن يضيف ما يقرب من 2.2 تريليون دولار إلى الاقتصاد العالمي.
اجمالي القراءات
22