سوء التغذية يطارد طلاب مصر رغم وعود الاستثمار بالبشر

اضيف الخبر في يوم الأحد ٢٤ - مايو - ٢٠٢٦ ١٢:٠٠ صباحاً. نقلا عن: العربى الجديد


سوء التغذية يطارد طلاب مصر رغم وعود الاستثمار بالبشر

بينما شدد رئيس مجلس الوزراء مصطفى مدبولي، في كلمته الختامية لمؤتمر "استشراف مستقبل مصر في التعليم"، الذي نظمته الحكومة يوم الأربعاء، 20 مايو/ أيار 2026، على تبني رؤية إصلاحية شاملة لتطوير منظومة التعليم وإحداث "تحول حقيقي" في التعليم المصري، محتفيًا بارتفاع نسب الحضور داخل المدارس وتحسن مؤشرات القراءة، تكشف أزمة التغذية بالوجبات المدرسية وجهًا آخر أكثر قسوة لمنظومة تعليمية يعجز ملايين التلاميذ فيها عن الحصول على وجبة غذائية حقيقية تساعدهم على التعلم والبقاء داخل الفصول.
مقالات متعلقة :


ففي بلد تقول فيه الحكومة إن الاستثمار في التعليم، الذي يضم 26 مليون تلميذ، هو "استثمار في الإنسان ورأس المال البشري"، باتت وجبة الطالب تختصر حجم الانهيار الاقتصادي الذي تعانيه الأسر المصرية، بعدما تحولت "ساندويتشات المدرسة" إلى عبء يومي ثقيل، في وقت تتزايد فيه معدلات الفقر الغذائي وتتراجع قدرة الأسر على توفير البروتين ومنتجات الألبان لأطفالها.

وأظهرت دراسة حديثة صادرة عن مركز حلول للسياسات البديلة في الجامعة الأميركية في القاهرة أن نحو 40% من الأسر المصرية غير قادرة على توفير الغذاء الكافي، بينما تعاني 50% من محدودية الوصول إلى غذاء متنوع ومتوازن، رغم أن الغذاء يستحوذ على النصيب الأكبر من إنفاق العائلات.

ووصفت الدراسة ما يحدث بأنه "عبء مزدوج لسوء التغذية"، حيث يجتمع نقص التغذية مع السمنة في آن واحد. ووفق نتائج المسح الصحي للأسرة المصرية لعام 2021، فإن 45% من الذكور و42.2% من الإناث بأعمار بين خمس وتسع سنوات خارج المعدلات الطبيعية للوزن، بينما يعاني أغلبهم من نقص التغذية. أما بين المراهقين بأعمار من 15 إلى 19 عامًا، فتصل النسبة إلى 29.6% لدى الذكور و39.7% لدى الإناث، لكن الخلل يتجه هذه المرة نحو السمنة وزيادة الوزن الناتجة عن الاعتماد على أغذية رخيصة وفقيرة غذائيًا.

ويرى اقتصاديون من خبراء المركز أن الأزمة لم تعد صحية فقط، بل تحولت إلى تهديد مباشر لرأس المال البشري المصري، إذ يؤدي سوء التغذية إلى تراجع التركيز والذاكرة والقدرات الإدراكية والتحصيل الدراسي، فضلًا عن رفع احتمالات الإصابة بالأمراض المزمنة مستقبلًا، ما يعني إنتاج أجيال أقل قدرة على المنافسة والإنتاج.والمفارقة الصادمة التي لاحظها الخبراء أن هذه المؤشرات تتزامن مع توجيه الدولة مليارات الجنيهات المخصصة رسميًا لمنظومة التغذية المدرسية، في وقت يشكو فيه أولياء الأمور والبرلمان والمدارس نفسها من أن الوجبات لا تصل فعليًا إلى الطلاب، أو تصل في صورة "كيس بسكويت" محدود القيمة الغذائية.

ورصد "العربي الجديد" خلال مايو/ أيار الجاري انفجار أزمة "الوجبة المدرسية" داخل مجلس النواب، عقب واقعة الطالبة في بني سويف التي تعرضت للسخرية من قبل مدرس الفصل بسبب إحضارها وجبة بسيطة من الفول والخبز البلدي، حرصت على تناولها في وقت الراحة.

وفتحت واقعة السخرية من قبل المدرس، الذي اعتذر للطالبة للإفلات من العقاب الاجتماعي الذي لاحقه على وسائل التواصل الاجتماعي، الباب أمام سيل من الانتقادات البرلمانية بشأن مصير مخصصات التغذية المدرسية. وتقدم النائب أحمد بلال البرلسي، عن كتلة حزب التجمع اليساري في البرلمان، بطلب إحاطة تساءل فيه عن مصير نحو سبعة مليارات جنيه مخصصة للتغذية المدرسية، في ظل استمرار اعتماد الأسر الفقيرة على إعداد الطعام اليومي لأبنائها رغم الإعلان الرسمي عن توزيع مئات الملايين من الوجبات سنويًا.

وطالب النائب بسام الصواف بمراجعة منظومة التغذية وآليات الرقابة والتوريد، بينما قال النائب محمود نجيب مشعل إن "من تجب مساءلتهم ليس الطفلة، بل المسؤولين عن منظومة يفترض أنها توفر غذاءً للطلاب". وتجاوزت الاتهامات التي أثارها النواب والمواطنون حدود ضعف الجودة إلى الحديث عن تسرب كميات من الوجبات بين الجهة الموردة التابعة للجيش ومخازن الإدارات التعليمية، وعدم وصولها كاملة إلى المدارس، وسط شكاوى متكررة من إدارات تعليمية بشأن نقص التوريدات وعدم انتظامها.

كما تتحدث شكاوى أولياء الأمور عن اختفاء الوجبات في بعض المدارس الحكومية أو توزيعها بصورة محدودة للغاية، بينما تعتمد المنظومة أساسًا على منتجات غذائية مصنّعة منخفضة القيمة الغذائية. وتنتشر صور على وسائل التواصل الاجتماعي تُظهر حصول مسؤولي مدارس على كميات كبيرة من الوجبات مع انتهاء اليوم الدراسي من دون توزيعها على الطلاب، الذين تدفعهم الحكومة إلى الوجود داخل المدارس عبر قيود إدارية ساهمت في ارتفاع نسب الحضور هذا العام.وفي الوقت نفسه، تقول مصادر تعليمية لـ"العربي الجديد" إن بعض المدارس لا تتلقى الكميات المقررة بشكل منتظم من الموردين، بما يثير تساؤلات متكررة حول كفاءة منظومة التوريد والرقابة، خصوصًا مع اعتماد الدولة على شركات وجهات سيادية كبرى في إدارة سلاسل الإمداد الغذائي للمدارس.

وتكشف استطلاعات رأي أجرتها "العربي الجديد" عن شكاوى واسعة من أولياء الأمور بشأن توقف توزيع الوجبات في عدد كبير من المدارس خلال الفصل الدراسي الثاني، من دون تفسير واضح، رغم أن آلاف الأسر أصبحت تعتمد عليها باعتبارها مصدر دعم غذائي رئيسيا لأطفالها في ظل موجة الغلاء الحالية.

وتبدو المفارقة أكثر حدة إذا ما قورنت هذه الأزمة بخطاب رئيس الحكومة الرسمي، الأربعاء 20 مايو/ أيار، حول "إصلاح التعليم". فبعد ساعات من الجدل حول سوء التغذية المدرسية، عقد رئيس الوزراء مصطفى مدبولي اجتماعًا مع وزير التربية والتعليم محمد عبد اللطيف عقب مؤتمر "استشراف مستقبل مصر في التعليم"، الذي استعرض نتائج دراسة أعدتها يونيسف حول إصلاح التعليم في مصر.

وتحدثت الحكومة خلال المؤتمر عن ارتفاع معدلات الحضور من 15% إلى 87%، وانخفاض كثافات الفصول من 63 إلى 41 طالبًا، إلى جانب خطط لتحسين القراءة والكتابة ومنع تسرب الطلاب من التعليم. ويعتبر خبراء الاقتصاد والتغذية والتنمية أن الحديث عن إصلاح التعليم يصبح منقوصًا إذا كان ملايين الأطفال يدخلون الفصول الدراسية وهم يعانون من الجوع أو سوء التغذية، إذ لا يمكن فصل جودة التعليم عن القدرة الاقتصادية للأسر أو عن جودة الغذاء الذي يحصل عليه الطفل يوميًا، مشيرين إلى أن نسبة الأطفال الذين يعانون من الفقر المدقع متعدد الأبعاد بلغت نحو 17% وفقًا للإحصاءات الرسمية عام 2021.
اجمالي القراءات 25
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق