شاهدتُ المقريزي يحقّق في سرقة بطيخ"... رحلات الطرشجي الحلوجي

اضيف الخبر في يوم السبت ١٣ - أغسطس - ٢٠٢٢ ١٢:٠٠ صباحاً. نقلا عن: الخليج الجديد


شاهدتُ المقريزي يحقّق في سرقة بطيخ"... رحلات الطرشجي الحلوجي

أنا ابن الخيال الشعبي والسِيَر والملاحم والفلكلور. مولعٌ بالتفاصيل الدقيقة، وأحشدها في أبنية ذات شُعب موصولة بالمسكوت عنه من الواقع الإنساني المؤلم والساحر في آنٍ، فأنا ابن الفلكلور المصري الذي رسّخ في وعي طفولتي المبكرة أن لي أختاً تحت الأرض يجب أن أحنو عليها، وأن أترك لها لقمة تقع من يدي".
مقالات متعلقة :


ليس هناك أكثر جلاءً من تلك المقدمة لكتاب "بطن البقرة" للأديب الراحل خيري شلبي، لتكون مفتتحاً عند الدخول إلى عالمه الساحر في رحلاته المتخيلة، التي أسماها "رحلات الطرشجي الحلوجي"، وقد نال على إثرها جائزة الدولة التشجيعية في أدب الرحلات عام 1981، وأصدرت مكتبة مدبولي طبعتها الأولى عام 1991.

لماذا القاهرة؟ ولماذا السفر عبر الزمن؟
سؤالان مهمان لم يُجب عنهما خيري شلبي في كتابه الذي نحن بصدده "رحلات الطرشجي الحلوجي"؛ ولكن بالبحث عن الإجابة، وجدناها في كتاب آخر لا يقل أهمية أيضاً، وهو "بطن البقرة"، الذي يقول فيه: "غرامي بمدينة القاهرة فرض عليّ الإبحار في تاريخها وفي جغرافيتها معاً، منذ أقدم العصور حتى اليوم (...)، ونشأت فكرة روايتي التاريخية الشهيرة (رحلات الطرشجي الحلوجي) التي لقيت نجاحاً لم يكن يخطر لي على بال، وأثبتت أن القارئ المصري واسع الأفق يستوعب كافة الأشكال الفنية المستحدثة مهما كانت معقدة أو مُركّبة".

نظر ابن شلبي في ساعته، فوجد أن بينه وبين موعد المعز ألفاً وثمانية وثلاثين سنة، فانتهز الفرصة لبدء الرحلة من مقهى الفيشاوي، بمنطقة الحسين المكتظة بالسائحين
يُكمل خيري إجابته بتعبيرات أشد وضوحاً، فيقول: "الجدير بالذكر أن هذه الرواية كانت رحلة في الزمكان، أو بمعنى أدق رحلة في أزمنة متعددة داخل المكان الواحد، وقد أدى ذلك إلى تداخل الأزمنة، وتعاشق الزمن الفني، فكان من الصعب أحياناً إداراك الفرق بين الزمنين الماضي والحاضر، سيما وأن التاريخ المصري مُغرم بتكرار نفسه في كثير من المواقف والمواقع والأزمنة"!

ونستنبط إجابة السؤال الثاني من "بطن البقرة" أيضاً في قوله: "رحلات الطرشجي الحلوجي غلب عليها الفن الروائي الصرف ـ وإن استطاعت أن تبرز جماليات المكان وانعكاساته على السكان والزائرين، وأهميته وخطورته بالنسبة للدول المجاورة، لم تتمكن من إبراز حقائقه المعلوماتية المجردة. إن عبقرية المكان في مصر تفرض على الكاتب أن يكون محدداً تحديداً قاطعاً في ذكر المعلومات الجغرافية والتاريخية والاجتماعية، ولكن جماليات هذا المكان ـ الوجه الآخر لعبقريته ـ وحيويته الدافقة، وأسطورية تاريخه الحافل المتخم بجلل الأحداث ـ قديمة ومعاصرة ـ كل ذلك يفرض على الكاتب أن يكون روائياً بالضرورة".

رحلة بدأت بدعوة للإفطار مع المعز لدين الله الفاطمي
"خطّها العبد الفقير إلى ربه تعالى، العالِم غير العليم والحَبر غير الفهّامة، ابن شلبي الحنفي المصري، الطرشجي الحلوجي، كفانا الله شهر جهله آمين".

منذ اللحظة الأولى يحفز شلبي قراءه بمقدمة تعريفية بالنوع الأدبي لروايته، وأنها متخيلة "تحتوي على أحداث مدهشة وغريبة، وخواطر مسلية وعجيبة، وأخبار مذهلة ووقائع مؤسفة رهيبة... تتحدث عن الأوائل والأواخر، والأماجد والأسافل"، بحسب تعبيره في مقدمة الرواية.

استهل خيري شلبي تجوله عبر الأزمنة، بقصة خاطفة منذ اللحظة الأولى، فيقول: "تلقيت دعوة شخصية من المعز لدين الله الفاطمي لتناول الإفطار على مائدته، أو سماطه كما ورد في الدعوة، وذلك بمناسبة أول رمضان قاهري خالص، أو بمعنى أصح أول رمضان تشهده القاهرة. ذلك أن شيئاً اسمه القاهرة لم يكن موجوداً قبل المعز لدين الله الفاطمي".

نظر ابن شلبي في ساعته، فوجد أن بينه وبين موعد المعز ألفاً وثمانية وثلاثين سنة، أي حوالى عشرة قرون ونصف قرنٍ تقريباً، فانتهز الفرصة لبدء الرحلة من مقهى الفيشاوي، بمنطقة الحسين المكتظة بالسائحين، ولما ضاق بالمكان، أراد التجول سيراً، لكنه في هذه اللحظة انطلق عبر الزمن، وترك قاهرة القرن العشرين الميلادي، وعاد قروناً للوراء، لكن حظه العثر لم يوقعه في زمن المعز!

يتغير زمن الطرشجي الحلوجي ابن القرن العشرين الميلادي، بمجرد النظر إلى ساعته
يقول: "اكتشفت أن الملابس كلها مختلفة عن ملابس أيامنا، كرنفال من السراويل والعمائم المملوكية والجلابيب المصراوية والعباءات المغربية (...) ولاحظت أن من يراني لا يكف عن النظر إليّ بتمعن واستغراب، فعرفت أن بذلتي ورباط عنقي وحقيبتي السمسونيت هي كل ما يثير الاستغراب"!

المقريزي يحقق في واقعة سرقة بطيخ وجبن
يروي ابن شلبي أنه رأى شادراً كبيراً مليئاً بالبطيخ، وشهد زحاماً هائلاً كأنه في مصر التي خرج منها لتوّه، وهنا وجد أمامه المقريزي يجلس على مقربة منه، فظنّه شلبي "ينتظر بطيخة لعياله"، "لكنه كان يُجري تحقيقاً مع ولد تبينتُ أنه من الصياع والمتشردين، قلت: ماذا بهذا الولد يا مقريزي؟ قال: إنه ورفيق له من غلمان الخيل، خرج في هذا الليل الرمضاني المقدس وسرق بضعاً وعشرين بطيخة وبضعاً وثلاثين شقفة جبن".الطريف ليس في مقابلة خيري للمقريزي، لكن في رد الفعل الكوميدي الذي أضفاه شلبي على هذا المؤرخ الشهير، حين سأله الأول: "هل أنت صاحب البطيخ والجبن؟ فأجاب المقريزي: "لا، إنني أتعرف منه على كيفية الفعلة فحسب لكي أكتبها". وانتهى اللقاء بإخبار المؤرخ المصري الشهير للطرشجي الحلوجي أنه وقع في الزمن الخطأ، لأن الخلافة الفاطمية القادم إليها بحسب دعوة المعز زالت على أيدي الأيوبيين، لأنهم الآن في عام اثنتين وتسعين وسبعمائة.

مرّ ابن شلبي بعسكري أيوبي "واقف في استرخاء، وما إن رآه الجندي حتى انحنى في تبجيل، وقال: من هنا يا سعادة البيه، فكدت أستدير إليه قائلاً: أيش عرفك إن أنا بيه يا ولد؟"!

شلبي بين جوع الشدة المستنصرية والتلميحات السياسية
يقول خيري على لسان بطل روايته "ابن شلبي الطرشجي الحلوجي": "نظرت في ساعتي فوجدت أنني دخلت في زمن الخليفة المستنصر بالله، فاكتأبت من هذه العثرة، ولكن قوة ألمّت في عقلي احتملتها (...) لا مفر إذن من رؤية الشدة المستنصرية. يا إلهي ما هذا؟ الظلام يعم شيئاً فشيئاً، وأشباح تتسلل من كل ناحية، وتنتهك حُرمة القصر، وتتوقف عند البوابة الذهبية متلصصة تتصيد بعضها البعض".

يُزيد الكاتب من تفصيل ما رآه في تلك الشدة الشهيرة في تاريخنا، فيقول: "الأجساد تكر على الأرض متأوهة عارية أو فاقدة النطق (...) مئذنة الجامع الأزهر تصدح بأذان الفجر، يتلاشى صوت الأذان كالخواء المكسوف، كصوت مستعار".

يتغير زمن الطرشجي الحلوجي ابن القرن العشرين الميلادي، بمجرد النظر إلى ساعته، وفي إحدى المرات نظر إليها فوجدها تشير إلى سنة إحدى وخمسمائة، حين انشقت الأرض عن الحراس الذين أحاطوا به وأمسكوه.

ويستطرد: "فكرت أن أنزع نفسي من هذه الفترة الزمنية بدلاً من أن يفقدني أولادي في (شَربة مية)، لكنني لم أستطع، واكتفيت بأن لعنت كل ديكتاتور يضع في يمينه سجناً وسوطاً وسيفاً، وعدت من جديد أنظر في ساعتي فوجدتني قد غفوت وقفزت بي عقارب الزمن خطوة، فإذا بي في سنة اثنتي عشرة وخمسمائة، فعرفت أنني في السنة السابعة عشرة من ولاية الآمر بأحكام الله منصور".

يعرفنا خيري شلبي في عجالة على الآمر بأحكام الله، فيقول: "اسمه منصور، وكنيته علي، ولقبه بالآمر بأحكام الله بن المستعلي بالله علي بن الحاكم بأمر الله منصور بن العزيز بالله نزار المعز لدين الله محمد بن المنصور إسماعيل بن القائم بأمر الله محمد بن المهدي عبد الله العبيدي الفاطمي".

يروي ابن شلبي أنه رأى شادراً كبيراً مليئاً بالبطيخ، وشهد زحاماً هائلاً، وهنا وجد أمامه المقريزي يجلس على مقربة منه، فظنّه "ينتظر بطيخة لعياله"، "لكنه كان يُجري تحقيقاً مع ولد تبينتُ أنه من الصياع والمتشردين"
يُكمل خيري مشهد السجن بشيء من الإسقاط السياسي على حكومات زمنه، فيقول: "من قراءتي لكتب وشهادات الذين سجنهم عبد الناصر أصبحت يقشعر بدني لمجرد استماعي لكلمة سجن، ولو استطعت لألغيت التعامل مع حروف السين والجيم والنون إلا متفرقة مُشتتة. وبقدر رعبي من السجن نشأت في أعماقي البعيدة رغبة دفينة في تجربته على الحقيقة، بشرط أن يكون ذلك لسبب غاية في الخطورة... فكيف بي أن أقف الآن على مشارف باب السجن دونما سبب؟".

النفاق غريزة تأصلت فينا حتى النخاع
كثرت التحقيقات مع الصعلوك المتجول عبر الأزمنة، ظاناً أن صعلكته قد تحميه من بطش السجّان من زمنٍ لآخر، أو كما يقول: "ما أنا إلا صعلوك يتجول في الأزمنة بمطلق حريته"!

وهنا يلجأ شلبي لغريزته الأدبية في وصفه طبيعة العلاقة بين السجان والمسجون ـ بحسب رأيه ـ فيقول: "حقاً أن دمعة المصري قريبة لا شك في هذا، سريعاً ما تهطل الدموع من عينيه خاصة في لحظات الفراق حتى ولو كان المفارق شخصاً بالغ السوء والانحلال كالسلطان المرح أحمد بن قلاوون"!

يقول ابن شلبي: "كنت في الواقع أريد أن أودعه قائلاً: في ستين داهية، ربنا لا يردك ولا يرزق الديار المصرية بأمثالك مرة أخرى. لكنني بدلاً من ذلك عانقته والأدهى من ذلك بكيت".

ثم سأل ابن شلبي نفسه :"هل بكيت من ألم الفراق حقاً؟ أم بكيت بغريزة النفاق المتأصلة فينا حتى النخاع نحن بني شلبي المساكين المعدمين؟ واقع الأمر أننا معشر الشلبية من المصريين نضحك ونرسل النكات اللاهية ونحن تحت وطأة الظلم، ونبكي حين يندحر هذا الظلم، فكأنما حبنا للعشرة والمودة أقوى من حبنا للانتقام. يقول المثل الذي أرسله أجدادنا الخانعون: اصبر على الجار السيئ فلربما تجيء مصيبة تمسحه أو ينزاح هو من تلقاء نفسه".
اجمالي القراءات 193
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق


فيديو مختار