ملايين العمال وآلاف المستثمرين ورجال الأعمال.. كيف أسس الهنود إمبراطوريتهم الخاصة في الخليج؟

اضيف الخبر في يوم الأربعاء ٢٩ - يونيو - ٢٠٢٢ ١٢:٠٠ صباحاً. نقلا عن: الجزيرة


ملايين العمال وآلاف المستثمرين ورجال الأعمال.. كيف أسس الهنود إمبراطوريتهم الخاصة في الخليج؟

في نهاية مايو/أيار، أطلقت نوبور شارما، المتحدثة باسم الحزب الحاكم الهندي "بهاراتيا جاناتا" المعروف بتوجُّهه القومي الهندوسي، تصريحات عبر قناة إخبارية اعتُبرت مسيئة للنبي محمد (صلى الله عليه وسلم) والدين الإسلامي، بالتزامن مع تعليقات ساخرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، أدلى بها القيادي في الحزب نفسه "نافين جيندال". كان هذان التصريحان سببا في اشتعال أزمة كبيرة بين الهند والعالم الإسلامي عموما وشركائها العرب خصوصا.
مقالات متعلقة :


على إثر ذلك، استدعت كلٌّ من قطر والكويت وإيران سفراء الهند لديها لإبلاغهم بالاحتجاج الرسمي على هذه التصريحات، وأصدر مجلس التعاون الخليجي والسعودية والإمارات بيانات استنكار، واشتعلت وسائل التواصل الاجتماعي بالاحتجاجات تحت هاشتاغ "#إلا_رسول_الله يا مودي"، بينما وصف أحمد الخليلي، مفتي سلطنة عُمان، هذه التصريحات بأنها "حرب على كل مسلم"، وطالب خطيب المسجد الحرام دول العالم بتجريم الإساءة للأنبياء والرسل.

محاولات احتواء الأزمة
مع تفاقم الاحتجاجات، سارعت الهند إلى العمل على احتواء الأزمة عبر اتخاذ ما وصفته بـ"القرارات التأديبية" لكلا المسؤولين اللذين أدليا بهذه التصريحات، حيث أعلن الحزب الحاكم توقيف المتحدثة باسمه، وطرد القيادي الحزبي. وخرجت المتحدثة الرسمية باسم الحزب لاحقا عبر مجموعة تغريدات لها على تويتر لتُعلن أنها لم تكن تقصد إيذاء المشاعر الدينية لأي شخص، وأنها "تسحب تصريحها" دون شرط.


رئيس الوزراء الهندي "ناريندرا مودي" عُرفت عنه اتجاهاته اليمينية الهندوسية القومية المتطرفة (وسائل التواصل)
وبحسب كبير تانيجا، الزميل في مؤسسة أبحاث "أوبزرفر" (observer) الهندية، في حديث لقناة "سي إن إن"، فإن الهند "فوجئت برد الفعل الكبير، فرغم أن القضايا الطائفية ليست جديدة في الهند وهناك الكثير من الحالات السابقة، فإننا لم نتلقَّ مثل هذا الرد من الدول العربية من قبل".

هذه الأزمة أعادت مرة أخرى إلى المشهد تفاصيل وتعقيدات علاقات الهند مع الدول الإسلامية، والخليجية منها على وجه التحديد، ومدى حساسيتها، خصوصا مع وجود رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي المعروف باتجاهاته الهندوسية المتطرّفة والمعادية للمسلمين على رأس الحكومة الهندية الحالية، التي يبدو أنها تُلقي بظلالها على علاقات الهند بمحيطها الإسلامي عموما، والخليجي خصوصا، بالنظر إلى استضافة دول الخليج لأكبر وجود للهنود في العالم خارج بلادهم. (1، 2)

دولة هندية في الخليج
بحسب الإحصائيات، تُعَدُّ الهند ثاني أكبر دولة في العالم من حيث التعداد السكاني بعد الصين، حيث وصل عدد سكانها إلى قرابة 1.4 مليار نسمة، ولكنها تأتي في المركز الأول عالميا من حيث أعداد المغتربين حول العالم، حيث بلغ عدد الهنود المسافرين خارج الهند نحو 17.5 مليون مغترب، بحسب تقرير الأمم المتحدة للمهاجرين الدوليين الصادر عام 2019. ومع ذلك، تُرجِّح العديد من المصادر أن العدد الحقيقي للمغتربين الهنود يصل إلى 22-25 مليونا في الوقت الراهن.

ترجِّح معظم الإحصاءات أن يكون عدد الهنود العاملين والمقيمين في الخليج نحو 10 ملايين هندي (رويترز)
وإذا اعتمدنا على الرقم الرسمي للأمم المتحدة، فسنجد أن نصف الهنود المغتربين تقريبا يقيمون في دول مجلس التعاون الخليجي، حيث تُقدَّر أعدادهم بنحو 9-10 ملايين مقيم هندي، وهو ما يُعَدُّ أضخم تجمع للهنود خارج دولتهم حول العالم.
ووفقا لإحصاءات وزارة الخارجية الهندية، تنفرد دولة الإمارات العربية المتحدة وحدها بنحو 3 ملايين ونصف مليون هندي، بينما يوجد مليونان ونصف مليون هندي في السعودية، وأكثر من مليون في دولة الكويت، ونحو 780 ألف هندي في سلطنة عُمان، و760 ألفا في دولة قطر، بينما يوجد نحو 332 ألف هندي في البحرين.

هذه الأرقام تقول إن الجالية الهندية تُقدَّر بنحو ثلث إجمالي العمالة الأجنبية في دول الخليج، فبحسب تقرير الهجرة الصادر عن الأمم المتحدة سنة 2017، فقد وصل عدد الأجانب في الخليج إلى نحو 28 مليون عامل أجنبي، نحو 31.5% منهم من الهند في المرتبة الأولى، تليها بنغلاديش ثم باكستان. (3)

مدلولات الأرقام

في دولة الإمارات، يتجاوز عدد المقيمين الهنود (3.5 ملايين نسمة) إجمالي تعداد مواطني الدولة (2.7 مليون نسمة)، ويُمثِّلون بمفردهم 30% من سكانها بالكامل.
تتضح معاني هذه الأرقام بشكل أكبر إذا وضعناها في حيِّز المقارنة العددية بأعداد مواطني هذه الدول. فبالنظر إلى أعداد الهنود في دول الخليج، نجد أن إجمالي عددهم يساوي تقريبا تعداد مواطني 5 دول خليجية مجتمعة -تعداد المواطنين من أهل البلد وليس المقيمين فيها-، أي ما يساوي تعداد مواطني دولة الإمارات وقطر والبحرين والكويت وعُمان مجتمعة، الذين يبلغ إجمالي تعدادهم قرابة 8-9 ملايين نسمة.

في دولة الإمارات، يتجاوز عدد المقيمين الهنود (3.5 ملايين نسمة) إجمالي تعداد مواطني الدولة (2.7 مليون نسمة)، ويُمثِّلون بمفردهم 30% من سكانها بالكامل. بينما في دولة قطر، يبلغ عدد الهنود المقيمين 760 ألفا، أي ما يزيد على ضِعْف عدد المواطنين القطريين (320 ألف نسمة).

أما الكويت، فتقريبا يتساوى عدد الهنود الوافدين مع تعداد الشعب الكويتي بنحو مليون نسمة، ويتساوى عدد الهنود المقيمين في البحرين (332 ألفا) مع نصف تعداد الشعب البحريني. بينما يقترب إجمالي عدد الهنود في سلطنة عُمان من ثلث تعداد الشعب العُماني (مليونان و700 ألف عُماني).

بنظرة أوسع، فإن إجمالي تعداد دول الخليج بمواطنيها ومقيميها وصل إلى 58 مليون نسمة بنهاية عام 2020، يُمثِّل الهنود منهم نحو 9 ملايين، بنسبة الثلث من العمالة الأجنبية التي تُقدَّر بنحو 25-28 مليون نسمة.



كريشنا وشيفا في الخليج
بحسب دراسة أجراها مركز "بيو" (Pew) للأبحاث عام 2010، فمع نهاية العقد الأول من القرن الحالي، وصل عدد معتنقي الديانة الهندوسية المقيمين في دول مجلس التعاون الخليجي إلى نحو 1.7 مليون نسمة. وذكر الإحصاء أن غالبية هؤلاء يقطنون في الإمارات بتعداد يقارب نصف مليون هندوسي، ثم السعودية بنحو 390 ألف هندوسي، ثم قطر التي يعيش فيها 240 ألف هندوسي، ثم الكويت التي تضم 230 ألفا، وفي النهاية سلطنة عُمان والبحرين بنحو 120 ألفا.

أما الإحصاء الذي أُجري عام 2010، فيُرجِّح أن الأعداد الحالية من الهندوس المقيمين في دول الخليج قد يتجاوز مليونَيْ نسمة على أقل تقدير، مع زيادة أعداد الوافدين الهنود إلى مجلس التعاون خلال العقد الماضي، مع توقع زيادة أعداد معتنقي الديانة الهندوسية في العالم بحلول عام 2050 إلى 1.4 مليار نسمة.

أشهر المعابد الهندوسية في الخليج تتركز في الإمارات وعُمان والبحرين (وسائل التواصل)
أما بالنسبة لدور العبادة، فيُعَدُّ مُجمع معبدَيْ شيفا وكريشنا مندير، الذي تأسَّس عام 1958 في مدينة دبي، يُعَدُّ واحدا من أوائل وأشهر المجمعات الهندوسية في الخليج، ويشهد كل الاحتفالات الهندوسية المعتادة، ويتسع لآلاف المُتعبدين. وفي عام 2017، أعلنت إمارة أبو ظبي تخصيص قطعة أرض لبناء أول معبد هندوسي بها، على أن يضم أيضا موقعا خاصا لحرق جثث الموتى، وهي شعيرة هندوسية شهيرة.

وفي البحرين، وبالتحديد في العاصمة المنامة، يوجد معبدان هندوسيان شهيران، أحدهما في حي الكويت، والثاني في العدلية مخصص لطائفة الكريشنا. والأمر نفسه بالنسبة لسلطنة عُمان، حيث يوجد معبدان قديمان في مسقط، معبد مخصص لكريشنا في روي، والمعبد الآخر لشيفا في المطرح، وما زال كلا المعبدين يجذب عددا كبيرا من الهندوس المقيمين في الأعياد. أما السعودية، فحتى الآن لا يُسمح رسميا ببناء دور العبادة لغير المسلمين، بما في ذلك معابد الهندوس، مع إمكانية ممارسة شعائرهم في المنازل والفيلات الخاصة. (4)

جيوش العمالة
في دراسة بعنوان "العمالة الهندية المُهاجرة إلى دول الخليج" صدرت عام 2014 بواسطة الباحثة الهندية "نيها كوهلي" (Neha Kohli)، ونُشرت مُترجمة عبر مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة في الإمارات، قسَّمت الباحثة العمالة الهندية في دول الخليج إلى ثلاثة أقسام رئيسية: القسم الأول هو العمالة غير الماهرة، وتعني بها العمالة التي تعمل في شركات البناء والبلديات والنظافة والمزارع، بما في ذلك العمالة المنزلية.

تعد الهند الأولى عالميا في تلقي تحويلات العاملين من الخارج، متقدمة على كلٍّ من الصين والمكسيك.
أما القسم الثاني فهو العمالة شِبه الماهرة، وتعني العمالة المهنية التي تشمل الأطباء والمهندسين والمحاسبين والممرضين والمتخصصين في الوظائف الإدارية في القطاع العام والخاص. وأخيرا يأتي القسم الثالث وهم رجال الأعمال والمستثمرون وأصحاب رؤوس الأموال الذين يملكون ويساهمون في استثمارات متوسطة أو كبيرة الحجم في مختلف دول الخليج.

وبحسب إحصاءات البحث، فإن الفئة الأولى والثانية تُمثِّلان معظم الجالية الهندية في دول الخليج، حيث تصل أعداد العمالة غير الماهرة والعمالة شبه الماهرة إلى نحو 70% من إجمالي الهنود الموجودين في المنطقة، مع زيادة واضحة لفئة العمالة شِبه الماهرة مقارنة بالعقود الماضية.

هذا العدد الكبير من العمال الهنود في الخليج في مختلف التخصصات يُولِّد تحويلات مالية سنوية من المغتربين إلى أسرهم في الهند بنحو 89 مليار دولار، وهو ما يُمثِّل 65% من إجمالي تحويلات المغتربين الهنود حول العالم، ويجعل الهند الأولى عالميا في تلقي تحويلات العاملين من الخارج، متقدمة على كلٍّ من الصين والمكسيك. (3، 5)

مليارديرات الهنود في الخليج
أما على مستوى الفئة الثالثة، فئة المستثمرين ورجال الأعمال، فتستضيف دول الخليج، خصوصا دولة الإمارات العربية المتحدة، على أراضيها عددا من كبار أباطرة المال والأعمال الهنود، الذين أسسوا وأداروا مؤسسات تجارية عملاقة تُقدَّر قيمتها بمليارات الدولارات. فبحسب التقرير السنوي لفوربس الذي صدر عام 2018، بلغ إجمالي ثروات أقوى 100 رجل أعمال هندي في الخليج نحو 26.5 مليار دولار


على قمة أقوى المليارديرات ورجال الأعمال الهنود في الخليج، يستحوذ ثلاثة رجال أعمال تتركز أعمالهم في دولة الإمارات على ثروات تُقدَّر بـ 12 مليار دولار، أي ما يعادل نصف إجمالي ثروات رجال الأعمال الهنود في المنطقة. على رأس هؤلاء يتربع رجل الأعمال الهندي يوسف علي، المدير التنفيذي لمجموعة "لولو" التجارية العملاقة المتخصصة في قطاع التجزئة، الذي تُقدَّر ثروته ما بين 4-5 مليارات دولار.

أما رجل الأعمال الهندي "بي آر شيتي" (B R Shetty)، فقد بدأ استثماراته في الإمارات في السبعينيات، وتحوَّل على مدار العقود إلى واحد من أكبر رجال الأعمال المستثمرين في قطاع الخدمات الصحية والدوائية في الخليج، وتُقدَّر ثروته بنحو 4 مليارات دولار، قبل أن تتعرَّض إمبراطوريته لضربة كبيرة في العامين الأخيرين إثر التورط في قضية احتيال كبيرة اضطرته للفرار من البلاد. ثم يأتي رجل الأعمال رافي بيلاي بوصفه واحدا من أقوى رجال الأعمال في الخليج، وهو ابن مهاجر هندي إلى السعودية، انتقل منها إلى الإمارات لتأسيس أولى شركاته في مجال التشييد والبناء بنهاية السبعينيات، ثم تضخمت بمرور الوقت لتشمل أكثر من 20 شركة، وتُقدَّر ثروة رافي بيلاي حاليا بنحو 4 مليارات دولار. (7)

الهند الخليجي
بحسب موقع "إنديا توداي" (India Today)، تُقدَّر حجم التجارة الثنائية بين الهند ودول مجلس التعاون الخليجي بنحو 154 مليار دولار، مع عجز في الميزان التجاري الثنائي قيمته 67 مليار دولار، سببه اعتماد الهند على واردات النفط الخليجية. كما تُمثِّل دولة الإمارات العربية المتحدة الشريك التجاري الثالث للهند عالميا، حيث بلغت التجارة معها نحو 7% من إجمالي التجارة الهندية العالمية، بعد أميركا والصين، بإجمالي 60 مليار دولار في عام 2021.

أعلنت الإمارات اختيارها للهند من بين سبع دول حددتها بوصفها شريكا اقتصاديا جوهريا لها في المستقبل.

ووفقا لبيانات اتحاد الصناعات الهندية، بلغت إجمالي الاستثمارات الهندية في الإمارات نحو 55 مليار دولار، ووصل عدد الشركات الهندية العاملة في السوق الإماراتي إلى أكثر من 45 ألف شركة، لتصبح الإمارات هي أكبر دولة مستضيفة للعمالة والاستثمارات الهندية على حدٍّ سواء في المنطقة.

ومع توقيع الهند خلال العام الجاري اتفاقية للتجارة الحرة مع دولة الإمارات، أعلنت الإمارات اختيارها للهند من بين سبع دول حددتها بوصفها شريكا اقتصاديا جوهريا لها في المستقبل، وأعلن وزير التجارة والصناعة الهندي أن دولة الإمارات تُخطِّط لضخ 100 مليار دولار استثمارات في الهند في مختلف المجالات، منها التصنيع والبنية التحتية.

وتأتي السعودية بوصفها ثاني شريك تجاري للهند في الخليج، ورابع أكبر شريك عالمي لها، وثامن أكبر سوق لمنتجاتها، حيث بلغ حجم التجارة بين الدولتين نحو 40 مليار دولار، من بينها 6 مليارات دولار صادرات هندية إلى المملكة. وذكرت السعودية على لسان ولي العهد محمد بن سلمان عام 2019 أن المملكة ستضخ استثمارات في الهند بقيمة 100 مليار دولار خلال الأعوام المقبلة. (2، 6)

أما قطر فتَعتبر الهند بدورها شريكا رئيسيا، حيث إن الدوحة هي المورد الأكبر للغاز الطبيعي المُسال إلى الهند، إلى جانب صادرات أخرى رئيسية على رأسها النفط والكيماويات والبلاستيك والألومنيوم، حيث يبلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين نحو 10.5 مليارات دولار. ويعمل في دولة قطر نحو 6 آلاف شركة هندية كبيرة ومتوسطة وصغيرة، تتركز أعمالها في مجالات مختلفة تشمل البنية التحتية وتقنية المعلومات والطاقة والبناء والكهرباء

بالنسبة للكويت، في عام 2019 وصل حجم التبادل التجاري بينها وبين الهند إلى نحو 11 مليار دولار، ورغم أن هذا الرقم انخفض انخفاضا حادا لاحقا بسبب أزمة كورونا، فإن العلاقات التجارية ما زالت تسير بالقوة نفسها. ففي عام 2021، وصل حجم الاستثمارات الكويتية في الهند إلى نحو 5.5 مليارات دولار، ومن المتوقع أن ترتفع لتصل إلى 10 مليارات دولار خلال الأعوام المقبلة. ووفق تصريحات للسفير الهندي في الكويت، نقلها موقع "الخليج أونلاين"، فإن الكويت يعمل فيها أكثر من 100 شركة هندية كبرى في مجالات متنوعة.

وفي سلطنة عُمان، بلغ حجم التبادل التجاري مع الهند 5.3 مليارات دولار، تُشكِّل الصادرات الهندية إلى عُمان 33% منها، مع وجود أكثر من 4700 شركة هندية تستثمر في السوق العُماني. أما البحرين، فبلغ حجم تجارتها البينية مع الهند 1.2 مليار دولار، وتُقدَّر حجم الاستثمارات الهندية في السوق البحريني بنحو 1.6 مليار دولار في قطاعات السياحة والمقاولات والتكنولوجيا، مع وجود نحو 3200 شركة هندية في المملكة.

مستقبل الهنود في الخليج
خلال العقدين الماضيين، مرَّ الوجود الهندي في الخليج بعدة مراحل مفصلية، ربما كان أبرزها إعلان الحكومة الهندية عام 2015 عن تشديد إجراءات إرسال العمالة الهندية إلى الخارج، التي تُمثِّل منطقة الخليج نصيب الأسد فيها، وذلك بداعي حماية رعاياها في الخارج. تلخَّصت الإجراءات الهندية في ضرورة وضع حدٍّ أدنى للأجور للعمال الهنود العاملين في القطاعات كافة، خصوصا القطاعات الحرفية مثل القيادة والبناء والتمريض وعمالة المنازل والنجارة وغيرها.

ورغم أن هذه الإجراءات قد قيَّدت أعداد الهنود الجدد المسافرين إلى الخليج نسبيا، فإن التحويلات المالية إلى الهند لم تتناقص بعد هذا الإجراء، بل ارتفعت لتصل إلى نحو 80 مليار دولار عام 2018، مع زيادة أعداد الهنود الذين استطاعوا تسلُّق السلم الاجتماعي أثناء فترة إقامتهم في الخليج.

كانت الأزمة الكبرى هي جائحة كورونا، التي اعتُبرت من أسوأ الأزمات التي مرَّت على العمالة الهندية في الخليج، حيث تقول التقارير إن هناك نحو 1.1 مليون هندي يقيمون في الخليج عادوا إلى ديارهم، بعد عشرة شهور من انطلاق الجائحة في الربع الأول من عام 2020، مما اعتُبر أكبر هجرة عكسية شهدتها الهند خلال الخمسين عاما الماضية. ومع ذلك، ومع عودة الحياة الطبيعية، ورغم أزمة التضخم الحالية، فإن دول الخليج تشهد عودة لأعداد كبيرة من العُمال الهنود مرة أخرى.
أما من ناحية المال والاستثمار، فبحسب تقرير "غلوبال إنديان بالس" (Global Indian Pulse) الصادر في نهاية عام 2021، فإن 66% من الهنود المقيمين في دولة الإمارات يخططون لزيادة استثماراتهم فيها، وجاء قطاع العقارات في المرتبة الأولى لاهتمامات الاستثمار بالنسبة للجالية الهندية، يليها الاستثمار في الأسهم والأوراق المالية، ثم قطاعات السياحة والتقنية. (8)

في النهاية، يظل ملف أوضاع المسلمين في الهند الذين يقارب عددهم 200 مليون مسلم، يظل واحدا من أكثر الملفات تأثيرا في مستوى العلاقات الهندية-العربية إيجابا أو سلبا، خصوصا مع تزايد وتيرة الاعتداءات الطائفية التي تشهدها أكبر أقلية مسلمة في العالم، وثالث أكبر تجمُّع للمسلمين بعد إندونيسيا وباكستان، وهو ما يُفسِّر مسارعة الهند إلى احتواء الأزمة الأخيرة تجنبا للغضب الخليجي، وما قد يلحقه من أضرار بالعلاقات الثنائية الواسعة والمتشعبة.
اجمالي القراءات 169
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق