الخليفة العباسى القاهرالمقهور .. قهرته إمرأة .. ثم قهرها .!

آحمد صبحي منصور في الجمعة ٠٢ - ديسمبر - ٢٠١١ ١٢:٠٠ صباحاً

أولا :

1 ـ من غرائب تاريخنا العربى  أنه ما من حاكم تلقب بالقاهر إلا وكان مقهورا ، فصاحب حمص الأيوبي  وأسمه محمد بن شيركوه تلقب بالملك القاهر فأصابه المرض ومات مسموما يوم وقفة عرفات سنة 581 هجرية . أما أسوأ الحكام  حظا وعقلا ممن حمل هذا اللقب فكان الخليفة العباسي الشاب محمد بن المعتضد الذي تولى الخلافة بعد أخيه المقتدر وحمل لقب القاهر ، وكانت له قصة عجيبة لو صاغها أديب فى رواية لاتهموه بالمبالغة فى الخيال ، ولكن حقائق التاريخ تكون أحيانا أغرب من الخيال .

2 ـ ومع أنه كان خليفة عباسيا تولى الخلافة سنة 320 هجرية وعمره حوالي 23 عاما وعزلوه عنها بعد أقلّ من عامين ـ إلا إن الغموض  يسود حياته قبل الخلافة وبعدها . ونحن مضطرون إلى تلمس حياته عن طريق المناخ العام الذي عاشه قبل  أن يتولى الخلافة وبعد عزله عنها ، بالإضافة إلى بعض الإشارات الضئيلة التى أشارت إليه فى تلك الفترات ، مع التأكيد على أن نشأته الأولى كانت السبب المباشر فى طريقة حكمه وعزله ومحنته ، وكانت المؤثر العام فى خلافته القصيرة .

3 ـ والمتمعن فى سيرة "القاهر" يؤكد أنه تأثر بأبيه الخليفة المعتضد وأخيه الخليفة المقتدر ، ولكن أكبر تأثير فى حياته جاء من أم المقتدر السيدة التى حكمت الخلافة العباسية حوالي ربع قرن من الزمان طيلة تولى أبنها المقتدر الخلافة ..لقد كان المعتضد سفاكا للدماء جريئا مقداما حازما شديد الهيبة ، وورث منه القاهر هذه الصفات ، إلا أنه لم يرث عن أبيه عقله وسياسته ودهاءه ، ولذلك تحول إلى مجرد طاغية يسفك الدماء حبا فى الانتقام ورغبة فى التسلية مما عجل بنهايته فى الحكم ، ولولا نوازع الانتقام التى عاشها فى أيامه قبل تولى الخلافة لكان له شأن .

4 ـ والحديث عن نوازع الانتقام لدى الخليفة القاهر العباسى يجرنا إلى نشأته الأولى بين أب ( المعتضد ) أسرف على نفسه فى تجديد ملك بنى العباس كما أسرف عليها فى حياته الجنسية ، حتى قالو أن سبب موته يرجع "لإفراطه  فى الجماع " وهذه النوعية من الآباء لا تجد وقتا لرعاية الأولاد خصوصا إذا كانوا كثيرين ، فقد أنجب المعتضد أربعة من الأولاد  الذكور ، وتولى ثلاثة منهم الخلافة وهم المكتفى والمقتدر والقاهر بالإضافة إلى أحد عشرة أنثى .. وقد يقال إن القاهر فى طفولته قد وجد فى حنان الأم ما يعوضه عن قلة اهتمام الأب المشغول عنه بمئات الجواري الحسان وشئون الرعية والسياسة ، لكن هذا يصدق على المقتدر الذي عاش فى أحضان أمه ( شغب ) ورعايتها ، ولكنه لا ينطبق على القاهر الذي فقد أمه وعاش محروما  من حنانها ،بل تحت كنف ضرتها عدوتها ( شغب ) أم المقتدر.

ثانيا : المعتضد وشغب وولادة الخليفة القاهر

1 ـ كان المعتضد ذواقة للنساء وكان يتوق إلى التجديد ، وقد رأى جارية (صفراوية ) أو ذهبية اللون نحيفة القد ضئيلة الجسم ، فأحس بأنها مختلفة عن أطنان اللحم الأبيض فى مئات الجواري اللائي يحتفظ بهن فى قصره . وسأل عنها فقيل له أن أسمها "ناعم " وأنها جارية تملكها أم القاسم بنت محمد بن عبد الله بن طاهر ، فاشتراها منها المعتضد وقضى معها ليلة فحملت وولدت له المقتدر. وانشغل عنها المعتضد بباقي الحسناوات ، ولكنها لم تنشغل عنه ، فلم تطق ناعم أن يهجرها سيدها ويهملها إلى هذا الحد فافتعلت المشاكل وأقامت القصر وأقعدته فى " شغب" مستمر فأهانها الخليفة وضربها وأطلق عليها اللقب الذي حملته إلى النهاية وهو لقب "شغب"  والزمها بان تعكف على ابنها الرضيع وخصص لهما بيتا أصبح بالنسبة لها سجنا إجباريا ..

2ـ  وعاشت "شغب" فى ذلك السجن ليالي سوداء تجتر الحقد والغيظ ، والأخبار تأتى إليها بأن المعتضد انشغل بغرام فاتنة جديدة كان اسمها "قبول " فأطلق عليها لقب " فتنة " وأصبح الخليفة لا يفارق " فتنة " وازداد بها التصاقا بعد أن حملت منه . وكانت الجارية " ثمل " هى الساعد الأيمن لأم المقتدر ( شغب ) تمدها بالأخبار وتتحاكيان وتتشاكيان ، وأخبرت " ثمل " صديقتها " شغب" بأن الحسناء " فتنة " قد ولدت غلاما جميلا للمعتضد سماه محمدا وكان ذلك سنة 287 هـ ( وهو الذى أصبح الخليفة القاهر فيما بعد )، وأن أباه المعتضد قد ازداد بهذا الغلام حبا لمعشوقته " فتنة " ، وأصبح واضحا أن " فتنة " سيكون لها بهذا الغلام التحكم والأمر والنهى فى القصر مما سيؤثر على فرص الطفل الصغير الذي ولدته شغب ولم يحظ باهتمام أبيه .. وأصاب شغب فى مقتل ذلك الخبر الذي شاع فى القصر بأن الخليفة المعتضد همّ بأن يقتل ابنها المقتدر الصبي لأنه تنصت عليه فى بيته فوجد الصبي الصغير يطعم أترابه من أطفال الخدم من نفس الطعام الذي يأكله وبالتساوي فخاف أن يكون ذلك نذير سوء ينبئ عن سلوك قادم لذلك الصبي حين يتولى الخلافة فتضيع حرمة الخلافة ووقارها الذي اجتهد المعتضد فى تأسيسه من جديد .

ذلك هو الجو العام الذي أسفر عنه مقتل الفاتنة " فتنة " ورحلت إلى العالم الآخر إثر مكيدة غامضة وتركت ابنها الرضيع ( محمد ) الذي تلقب فيما بعد باسم القاهر فعهد به أبوه إلى شغب التى ازدادت حقدا على الخليفة وهى تراه لا يعتبرها إلا مجرد بقرة حلوب لإرضاع أولاده ورعايتهم فقط .  ومن الطبيعي أن يدفع الطفل الرضيع فاتورة الانتقام ، فأم المقتدر لا ترى فيه إلا ملامح أمه الفاتنة وجفاء أبيه وحقدها على المعتضد وفتنة معا ..

3 ـ وزاد من حقد شغب على المعتضد انه أنشغل بحب جديد ومحظية أخرى هى دريرة واستمرت شغب فى الكيد لدريرة ومعها صديقتها ثمل فكانت النهاية مقتل دريرة فى نفس الظروف الغامضة ولكن كانت هناك دلائل تشير إلى تورط شغب فى هذه الجريمة فعاقبها المعتضد  وكان على وشك أن يقطع أنفها ويشوه وجهها ، ولكنه رجع عن ذلك ربما لأن الأدلة لم تكن حاسمة ، وربما حرصا على مشاعر أبنه المقتدر وربما لأنها ترعى ولدين له وهما المقتدر والقاهر .ومات المعتضد بعد مقتل حبيبته "دريرة "ببضعة أشهر ، أى سنة 289 هـ ، وحين مات كان أكبر أولاده  ( المكتفى ) قد بلغ الخامسة والعشرين من العمر فتولى الخلافة ، وكان (المقتدر ) فى السادسة من عمره ، وكان عمر القاهر عامين فقط ..أى كان هناك أمل لدى شغب فى أن يتولى ابنها (المقتدر ) الخلافة بشرط أن يموت الخليفة (المكتفى ) فى نفس التوقيت الذي يبلغ فيه (المقتدر) الحلم ، والغريب أن ذلك ما حدث ..إذ أن الخليفة الشاب ( المكتفى بالله ) مات شابا سنة 295 هـ ، بعد أن حكم أقل من ست سنوات ، وحين توفى كان (المقتدر ) قد أحتلم وأصبح صالحا لتولى الخلافة ، وفعلا تولاها فى الثالثة عشرة من عمره .

والواضح أن أصابع شغب خلف  ذلك التدبير المحكم الذي أسفر عن تولية أبنها الخلافة طفلا مراهقا .. ولم يكن لمثل هذا التدبير أن يمر دون احتجاج ، وقد تمثل الاحتجاج فى ثورة صاحبتها حملة دعائية ضد "شغب " وتاريخها القديم فى التآمر و "الشغب" وأفلحت الثورة فى عزل " المقتدر "وبويع مكانه أبنه "  ابن المعتز "، ولكن فشلت الثورة سريع ولقي المتآمرون جزاءهم سريعا وعاد " المقتدر " للخلافة، وحدثت تلك الوقائع بعد استخلاف ( المقتدر )  بأربعة أشهر ..

ثالثا : الانتقام يبدأ بالمراقبة!

1 ـ كان القاهر فى ذلك الوقت قد بلغ الثامنة من عمره ، ومن الطبيعي أن طفلا فى مثل سنه كان يستطيع إدراك ما يجرى حوله خصوصا وهو يعيش فى مناخ مفعم بالمؤامرات والدسائس والإشاعات والهمسات ، وإن كانت تلك الثورة على أخيه المقتدر قد فشلت سياسيا وعسكريا فإنها قد نجحت أن تكشف للطفل ( القاهر ) عن أشياء كثيرة ضمن الحملة الدعائية التى قدمت صحيفة الحالة الجنائية لأم المقتدر  ومن بينها  اتهامها بمقتل أمه " فتنة ". ونتوقع من طفل قليل الحيلة مثل القاهر وقتها أن يطوى جوانحه على حقد عظيم وينتظر الفرصة للانتقام ، مع حرصه فى نفس الوقت على  تملق أخيه وأم أخيه ..وذلك بالطبع ما حدث ، إذ أكتفي القاهر بمراقبة ما يجرى خلال خلافة أخيه المقتدر ، حيث أمسكت أم المقتدر بمقاليد الأمور وجعلت صديقتها وشريكتها فى التآمر " ثمل " تشارك فى الحكم إلى درجة أنها جعلتها قاضيا للقضاة سنة 206 .ويقول ابن الجوزى فى تاريخ (المنتظم )" قعدت ثمل القهرمانة من أيام المقتدر للمظالم وحضر مجلسها القضاة والفقهاء .."

ومن الطبيعي أن يتأكد القاهر من صحة الاتهامات التى قيلت عن اشتراك شغب وثمل فى مقتل أمه ، ومن الطبيعي أيضا أن ينتظر فرصة الانتقام من أخيه المقتدر وأمه شغب وكل من يمت لهم بأدنى صلة .

2 ـ وجاءته الفرصة حين حدث نزاع بين الخليفة المقتدر ومؤنس الخادم أقوى شخصية عسكرية فى الدولة العباسية ، واشترك القاهر فى تلك المؤامرة التى حدثت بعد أحدى وعشرين سنة من خلافة المقتدر أى سنة 317 هـ ، ونجحت الثورة فى عزل المقتدر وإجباره على كتابة وثيقة بالتنازل عن العرش لأخيه القاهر، وذلك يوم السبت منتصف شهر محرم ، وظل القاهر خليفة حتى اليوم التالي الأحد ثم عزلوه عن الخلافة ، إذ أن الجنود قد غيروا رأيهم وطالبوا بعودة المقتدر فأعيد وجددوا البيعة للمقتدر ، وكان من المنتظر أن يعاقب القاهر بالقتل حسب العرف السائد فى الدولة ، إلا أن القاهر دخل على أخيه (غير الشقيق ) المقتدر وهو يبكى ويرتجف قائلا " الله الله فى نفسي " وكان قبلها قد جرى يبكى إلى أم المقتدر فتوسطت له عند أبنها الخليفة ، فعفا عنه وأحتضنه وقال له " يا أخى  أنت والله لا ذنب لك ، والله لا يجرى عليك منى سوء أبدا فطب نفسا ".

3 ـ وتسلمت أم المقتدر القاهر سليما معافى ، وكانت التقاليد تقضى بحبس القاهر، فأقام القاهر سجينا عند أم المقتدر ترعاه كما كان فى طفولته وكانت تجلب له أحسن الطعام وأجمل الجواري .. ولم يعش القاهر طويلا فى هذا السجن اللذيذ  ،إذ أن الصلح بين المقتدر ومؤنس الخادم كان مجرد هدنة مؤقتة يستعد فيها كل طرف لموقعة فاصلة ، وحدثت تلك الموقعة فى شوال 320 هـ وأسفرت عن مقتل المقتدر وتولى القاهر الخلافة فى اليوم التالي 28 شوال  لتبدأ المرحلة التالية من حياته ..

خليفة يحمل لقب " القاهر بالله المنتقم من أعداء الله لدين الله " ! ونقش هذا اللقب على العملة المالية التى أصدرها وكأنه يلخص سياسته فى الانتقام ممن أساء إليه .

رابعا : القاهر فى خلافته

1 ـ والغريب أن القاهر هو الوحيد بين أبناء المعتضد الذي ورث جرأة أبيه فى سفك الدماء ، إذ أننا لا نرى هذا العنف فى الخليفتين المكتفى والمقتدر ابني المعتضد . إلا أن عنف المعتضد كان فى تأكيد سيطرته السياسية أما ابنه القاهر فقد كان يسفك الدماء تنفيسا عن أمراضه النفسية ..  

 2 ـ وكانت أولى ضحاياه من أبناء أخيه المقتدر ونسائه ثم ـ ( شغب ) أم المقتدر التى قامت على حضانته صغيرا ، وأنقذته من القتل كبيرا.ولقد أحس أولاد ونساء الخليفة المقول ( المقتدر ) بنية الغدر من الخليفة الجديد القاهر ، فتمكن بعضهم من الهرب إلا أن القاهر ما لبث أن أوقع بهم وسجنهم وصادر أموالهم وعذبهم عذابا شديدا .

3 ـ ثم كانت نهاية شغب أم المقتدر على يديه ، وقد كانت أم المقتدر ضعيفة فى الأيام الأخيرة فى خلافة ابنها ، ثم زاد عليها الضعف والمرض حين علمت بمقتل أبنها وإلقاء جثته ، فاشتد به الحزن والمرض حتى امتنعت عن الطعام والشراب وما زالوا بها حتى أكلت كسرة بملح. ولم يشفع مرضها ولم تشفع فجيعتها بابنها لدى القاهر ، بل كان انتقامه منها فظيعا. لقد اعتقلها القاهر وحقق معها بنفسه بالرفق والتهديد حتى تعترف له بما  عندها من أموال فحلفت له أنه لم يعد لديها أموال بعدما صودر منها ، عندئذ أفرغ فيها القاهر شحنة الحقد القديم فضربها بيده وعلقها فى السقف برجل واحدة وأشرف على تعذيبها بنفسه حتى تعترف بما خبأته من أموال ..وظل يراقبها وهى معلقة فى السقف ، وتبول على نفسها فيغطى بولها وجهها ، وهو يتلذذ بما يرى .!!وبعد العذاب الشديد والبحث والفحص والتدقيق لم يجد عندها الخليفة من المال إلا ما اعترفت به من قبل ، ولكن نفسه لم تسمح بإعفائها من العذاب إلا بعد أن أجبرها على أن تتنازل له عن أملاكها ..

4 ـ وبعد أن شفى القاهر نفسه وانتقم من شغب وأحفادها استدار إلى الذين عاونوه على الوصول للسلطة يريد أن يتخلص منهم ليخلو له الجو ، وحدث الصراع التقليدي على النفوذ ، وبدأ بتجمهر الجند وطلب الأموال وأنتهي  باتفاق مؤنس الخادم وابن مقلة الوزير على خلع القاهر وتولية ابنه المكتـفى مكانه ، ولكن أحتال القاهر إلى أن أعتقلهم وذبحهم ودفن ابن المكتفى حيا .. ولكن هرب من هذه المذبحة الوزير ابن مقلة واختفى ، وأمر القاهر الجند بنهب دور المهزومين وأعطاهم الأرزاق فاستقام له الأمر ثم أصدر أوامره بتحريم القيان والخمر واعتقال المغنيين وكسرت ألآت اللهو وبيع الجواري المغنيات على أنهن جوار لا يعرفن الغناء وهو مع ذلك لا يفيق من الخمر ولا يكف عن سماع المغاني ، ولكنه كان يطارد أشباح الماضي حين كانت مجالس اللهو والغناء تتردد فى قصر أبيه المعتضد بينما كان هو يبكى وحيدا أمه التى لم يراها ولم يستمتع بدفء أحضانها .

5 ـ ومارس القاهر ساديته ووحشيته كما يحلو له ، فقال الصولى : "أنه كان يخرج  ومعه حربة محماة فلا يرجع بها حتى يقتل بها رجلا " ، ويقول عنه المسعودي : " اتخذ حربة عظيمة يحملها فى يده إذا سعى فى داره ويطرحها بين يديه فى حال جلوسه ويباشر الضرب بتلك الحربة لمن يريد ضربه .." .

وجاءت نهايته بتدبير الوزير المختفي ابن مقلة ، إذ أقنع الجنود بأن الخليفة قد أعد لهم مغارات تحت الأرض ليدفنهم ، واستعان ابن مقلة بعملاء له داخل قصر الخلافة يكرهون الخليفة الجديد ويرتعبون من حربته وقسوته . أولئك العملاء أكّدوا للجنود بأن الخليفة يعد العدة للقضاء عليهم ، وأنه أقام لهم تحت الأرض مقابر بأسماء قادتهم ، فعزموا على أن يبدءوا به قبل أن يبدأ بهم ، فهجموا على القصر واعتقلوه وطلبوا منه التنازل عن الخلافة لابن أخيه الراضي ابن المقتدر ، فرفض ، فما كان منهم إلا أن سملوا عينيه بمسمار محمى ، فسالت عيناه على خده ، وعزلوه ، وتولى مكانه الراضي ابن المقتدر.

خامسا : القاهر بعد أن أصبح مقهورا : القاهر بعد عزله :

1 ـ وتبدأ بذلك المرحلة الأخيرة من حياة القاهر ، والتى تبدأ بعزله يوم السبت الثالث من جمادى الأولى سنة 322 هـ بعد خلافة قصيرة استمرت ثمانية عشر شهرا وسبعة أيام . استمرت حياته بعدها تحمل سطورا أخرى من المآسي .فقد ظل القاهر محبوسا مكفوف البصر حتى سنة 333 هـ  ثم أخرجوه إلى دار ابن طاهر ، ثم كانوا تارة يحبسونه وتارة يفرجون عنه ، ومع تلك المحن إلا أنه لم يكف عن محاولة الانتقام من الخليفة الجديد ابن أخيه المقتدر ومن جاء بعده ..

2 ـ ويذكر المسعودي أن الخليفةالراضي استدعى عمّه القاهر بعد عزله وحقق معه فى الأموال التى صادرها من القواد العباسيين مؤنس الخادم وغيره ، فأنكر معرفته بتلك الأموال ، فعذبه الراضي بأنواع من العذاب فلم يقر بشيء  ، فغيّر الراضي الطريقة معه ، فقربه وأدناه واستماله وداهنه وشكا إليه حاجته للمال حتى يعطيه للجند لتسكن ثورتهم و أن المال المدفون لن يستطيع القاهر الانتفاع به ، فأظهر القاهر الاقتناع بما سمع وقال للراضي " إن المال مدفون فى البستان الجديد الذي أقمته فى خلافتي " ، وكان القاهر قد انفق الكثير فى إنشاء ذلك البستان وتزيينه واستجلب له الغريب من الأشجار ، وكان الراضي بعد توليه الخلافة مغرما بذلك البستان والقصر الذي يتبعه ، فقال الراضي للقاهر : فأين دفنت المال فى ذلك البستان ؟ فقال له : أنا مكفوف لا أهتدي إلى مكان فاحفر أنت بالبستان تجده ، فحفر الراضي كل شبر من البستان وأساسات القصر حتى خرب المكان فلم يجد شيئا ، فاستدعى القاهر وسأله فقال : وهل عندي مال ؟ إنما كانت حسرتى فى جلوسك فى البستان وتنعمك به فأردت أن أفجعك فيه .. فندم الراضي وحبسه ، ثم أطلقوه سنة 333هـ فوقف فى جامع المنصور يتسول من الناس ويقول لهم : تصدقوا على فأنا من قد عرفتم .. وكان ذلك فى خلافة المستكفى حتى يشنع عليهم ، فمنعوه من الخروج إلى أن مات سنة 339 هـ عن ثلاث وخمسين سنة ..!!

أخيرا

1 ـ لقد كانت حياة القاهر العباسي حافلة بالمواجع و الغرائب ، حتى أن السلطان بيبرس حين تولى السلطة بعد اغتيال قظز فكر فى أن يتلقب بالسلطان القاهر فلما عرف بقصة حياة القاهر العباسي رفض هذا القلب واختار لقب آخر وهو الظاهر بيبرس .

2 ـ هل سيستعيد الاخوان السلفيون فى عصرنا ملامح الخلافة العباسية ، ويجددون مسيرةالقاهر والراضى و المقتدر وابن مقلة وشغب وفتنة و مؤنس الخادم ؟!!

ملاحظة :

فى مشروع (تحويل التراث الى دراما ) تم تجميع كل المعلومات عن الخليفة القاهر وعصره وظروف الخلافة العباسية وقتها و تمت كتابة سيناريو درامى عليها ، ومشروع (تحويل التراث الى دراما ) يحوى عشرات الأعمال بنفس الطريقة. وسبق نشر عشرات القصص على موقعنا ، وهى كلها من قصص هذا المشروع . نقول هذا حفظا لحقنا .

اجمالي القراءات 25153