( وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ )

آحمد صبحي منصور في الجمعة ١٤ - أكتوبر - ٢٠١١ ١٢:٠٠ صباحاً

 ( وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ  )

  1 ـ المصطلح القرآنى ( الشّح ) يعنى بمفهومنا الأنانية ،و الأنانية أشمل من مصطلح ( البخل ) الوارد فى القرآن الكريم. ( البخل ) هو الشح بالمال فقط ، ولكن الأنانية هى (الشح ) أو البخل بكل شىء ، هى المنع المطلق والاستئثار بكل شىء أو تمنى الاستئثار بكل شىء ، فى المال و العواطف والاهتمام من الآخرين ، وفى نفس الوقت لا يرى هذا الأنانى للآخرين عليه حقا ، كما لو أن الله جل وعلا قد خلق  الناس وسخرهم لخدمته ، وفى نفس الوقت ليس لديهم حقوق عنده ، له وحده عليهم كل الحقوق وعليهم له كل الواجبات . هذا الأنانى يرفع نفسه فوق الناس جميعا ، فالعلاقة بين البشر تقوم على أساس العدل فى الحقوق والواجبات ، ولكنه يلغى ذلك لتكون له الحقوق وعليهم الواجبات . بل إن هذا الأنانى يرفع نفسه فوق رب العزة لأن رب العزة وهو الخالق للبشر يتعامل معهم على أساس الأخذ والعطاء مع إنه جل وعلا ليس محتاجا لهم ، يقول جل وعلا (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ ) فهنا تبادل ، فلو ذكرت الله جل وعلا توسلا وعبادة فإنه جل وعلا يذكرك رحمة وعونا ، وتقول الآية التالية (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ) ( البقرة  152 : 153) أى لو استعنت فى امور حياتك بالصبر والصلاة كان الله جل وعلا معك أيها الصابر المؤمن . ويقول جل وعلا فى اسلوب شرطى :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ  ) ( محمد 7 ) فالمؤمن يبدأ بنصرة الله جل وعلا فيجيبه ربه سبحانه وتعالى بالنصر ـ والمؤمن يعمل صالحا فيجيبه ربه بالجنة ، وهكذا تقوم العلاقة بين الخالق الغنى عن العالمين على أساس الأخذ والعطاء ، من يعمل صالحا يكافئه ربه ومن يعمل سيئا يعاقبه ربه . أما ذلك الانسان الأنانى فهو يؤمن بالأخذ فقط دون عطاء .

2 ـ وهذه الحالة من الأنانية لا تكون مبررة ولا مقبولة من البشر إلا فى حالة وحيدة لا تتكرر إلا فى مرحلة واحدة فى حياة كل إنسان ، وهى حالة الطفولة المبكرة . فالطفل عندما يعى كينونته وأنه كيان منفصل بذاته يعيش هذه الأنانية ، وهى ضرورة له لأنه فى أشد الاحتياج للغير ، وهو بهذا الاحتياج والضعف يكون أكثر قوة ، صراخه وبكاؤه بسبب أو بدون سبب أوامر مطاعة . وهو فى أنانيته لا يقبل شريكا ، وله كل الحقوق وعلينا له كل الواجبات ، وهو يتصرف بغريزته طبقا لهذه الأنانية ( المحمودة )، الى أن يبلغ مرحلة يفهم فيها أن الأنانية تحرمه من متعة المشاركة مع الغير فيتخلى عن الأنانية شيئا فشيئا . مثلا ، فى مرحلة الأنانية الطفولية يرفض الطفل أن يشاركه أحد فى لعب الكرة ويبكى لو شاركه فيها احد ، ثم بعد هذه المرحلة يدرك متعة المشاركة فى اللعب بالكرة فيتنازل عن ملكيته للكرة مقابل أن يشارك الآخرين فى اللعب والضحك ، وهكذا فى سائر اللعب ، يحسّ الطفل بأهمية المشاركة ويتآلف مع اقرانه واخوته واخواته ، وشيئا فشيئا يندمج فى المجتمع مشاركا فيه ، وعندما ينضج فى شبابه و كهولته يعرف أن الحياة أخذ وعطاء ، وأنه إذا تمسك بأنانيته فسيحظى بسخط الناس وسينفض عنه الناس .

3 ـ والله جل وعلا يشير الى غريزة الأنانية داخل كل نفس بشرية ، وأهمية تحجيمها خصوصا فى التعامل بين الزوجين منعا للمشاكل بينهما ، فيقول ( وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ وَإِن تُحْسِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا  ) ( النساء 128 )، أى لوخافت الزوجة من زوجها مجرد الإعراض عنها أو إساءة فى معاملتها فلا بد من اللجوء للصلح القائم على الخير ، والصلح المؤسس على المصارحة هو صلح الخير. وصلح الخير يقوم على العدل ، والعدل يتنافى مع الأنانية والشّح ، ويقول ربنا جل وعلا(وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ )أى إن الشح حاضر وموجود وغريزة داخل كل نفس . والعلاقة الزوجية ـ أو علاقة الذكر والأنثى عموما ـ تتعرض أكثر للشح والأنانية ، فالزوج يغار على زوجته حتى من ابويها واخوتها ، ولو بالغت فى حب واحد منهم تأججت الأنانية فى نفسه . والزوجة أكثر أنانية ، فهى مهما ابتسمت لأهل الزوج وأخواته البنات وحماتها فلن تحبهن حبها لأهلها ، والحروب العالمية مشتعلة دائما بين الحماة وزوجة ابنها وبين أخت الزوج والزوجة ،ولو تحدثنا عن زوجة الأب وزوج الأم وعلاقتهما بالأطفال لاحتجنا الى مجلدات . كل ذلك مبعثه ما يسمى بحب التملك ، فالزوج يريد أن يتملك زوجته ، والزوجة أشد رغبة فى تملك زوجها . وحب التملك هو (الأنانية ) أو ( الشح ) . وبتخفيف وتعديل مستوى الشح فى علاقة الزوجين يمكن الاصلاح بينهما . ومواجهة هذا الشح تكون بذلك العلاج الالهى الموصوف فى نفس الآية ( وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ وَإِن تُحْسِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ). أنه الاحسان والتقوى . (الاحسان ) هو درجة فوق العدل . العدل هو العين بالعين والنفس بالنفس والسيئة بمثلها ، أما الاحسان فهو مقابلة السيئة بالحسنة وبالعفو والصفح أملا  فى حصول الأجر من رب العزة ، يقول جل وعلا (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ) ( الشورى  40). هذا عن الاحسان ، أما التقوى فهى فعل الخير والابتعاد عن الشر ابتغاء مرضاة الله جل وعلا ، وبالاحسان والتقوى ينخفض مستوى الشّح ، ويتمتع الزوجان بحياة زوجية سعيدة .

4 ـ واقع الأمر إن الله جل وعلا يعتبر الشّح مرضا وآفة وغريزة خلقها داخل الانسان إختبارا له . الشح هو ذلك الفجور فى داخل كل نفس بشرية ، وكل نفس بشرية فيها الفجور والتقوى ، وداخل كل نفس بشرية ما يسمى بالأنا العليا ،أو الارادة الانسانية الذاتية التى تسيّر النفس صعودا نحو التزكية أو هبوطا نحو الدونية ، يقول جل وعلا (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا   فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ) ( الشمس 7 : 10 ). فالمفلح الفائز هو الذى يحارب الأنانية أو الشح فى نفسه ، أما الخاسر فهو الذى يركن الى هوى نفسه وغرائزها .

وكما جاء فى الآية الكريمة عن العلاقة بين الزوجين فإن العلاج من مرض الشح هو بالتقوى والانفاق فى سبيل الله جل وعلا ، يقول رب العزة : ( فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنفِقُوا خَيْرًا لّأَنفُسِكُمْ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ )، قوله جل وعلا : (وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ ) يعنى أن الشّح مرض يجب الوقاية منه طلبا للفلاح . والوقاية منه تكون بعكس الشّح ، أى الانفاق والعطاء ، لذا قالت الآية التالية تحث على العطاء والمنح والانفاق فى سبيل الله جل وعلا : (إِن تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ ) ( التغابن 16 : 17 ).

5 ـ وفى المواقف العملية للأنصار فى المدينة والتى أشاد بها رب العزة هى مقابلة الشح ( وهو التطرف فى البخل والمنع ) بعكسه تماما وهو ( التطرف فى العطاء ) أو : (الإيثار على النفس حتى مع وجود الفقر). وتلك هى الوصفة الأكيدة فى علاج مرض الشح والوقاية منه ، أن تؤثر على نفسك ، يقول جل وعلا عن الأنصار فى المدينة : ( وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ  ) ( الحشر 9 ).

 

اجمالي القراءات 46594