مــا هو الفرق بين : نزل وهبـط -II- أو جنّـة ءادم في الأرض –

عبد الرحمان حواش في الإثنين ١٨ - يناير - ٢٠١٠ ١٢:٠٠ صباحاً

مــا هو الفرق بين : نزل  وهبـط

-     أو جنّـة ءادم في الأرض –

 - استعمل الله – في كتابه – مادتي نزل وهبط وكلّ من هاتين اللفظتين تؤدي معنى مغايراً، للمعنى الآخر، من غير تضارب ولا استثتاء. سبق أن بيّنت، وأن المترادفات – في جميع الألسنة- لا تؤدي معنى واحداً أبداً.

- نزل: جاء ما نزل أو ينزل كلّه- وبكل مشتقاته – من السماء، نزل من غير معتمد ولا مستند، ومن غير ارتكاز.

- جاء النزول ومن السماء في :

- الماء.

- الكتب السماوية- الذكر الحكيم – والآيات البينات ( بالوحي)

 الروح – الملائكة والجنود.

- الآيات السماوية: المائدة ، المن والسلوى ، والسكينة .

- أنزل الله الحديد: ( ...وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس...) الحديد 25. لأنه عبارة عن نيازك ألقاها الله من السماء على بعض بقع من الاض، أو هي داخل الرواسي التي ألقاها الله على الأرض حتى لا تميد بنا: النحل 15، ولقمان 10.

لفتة: في الرواسي: إستعمل الله الإلقى-عوض الإنزال- لأن الإلقى يفيد معنى الدفع، حتى ترتكز وتنغمس في الأرض وحتى لا تميد بنا: الحجر19- النحل 15- لقمان10-وق 7.

-       أنزل الله الأنعام : ( ... وأنزل لكم الأنعام ...) الزمر 6.

-       إستعمل الله مادة نزل في الأنعام لأنها كلها من ( منتوج ) الماء : لحمها، دمها، ولبنها كلها من الماء الذي يُنزل الله . ولولا الماء لما كانت الأنعام.وحتى أصوافها- كما سيأتينا في إنزال اللباس-  وأوبارها وأشعارها، لما كانت.

( ... وجعلنا من الماء كلّ شئ حـيّ ... ) الأنبياء 30.

- لنتدبر في هذا – مع بعض الآيات التالية:

- ( هو الذي أنزل من السماء ماء... ومنه شجر فيه تسيمون ) النحل 10.

- ( وأنزل من السماء ماء ... كلوا وارعوا أنعامكم ...) طه 53/54.

- ( أو لم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز فنخرج به زرعا تأكــل منـه أنعامهم ...) السجدة 27.

- ( إنا صببنا الماء صبا... متاعاً لكم ولأنعامكم ) عبس 25/32.

-  أنزل الله اللباس – كذلك – من السماء. ( يا بني ءادم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوءاتكم...) الأعراف 26.لأنه كالأنعام كله من منتوج الماء، ولولا الماء لما كان اللبــاس –كذلك –

- الصوف – والوبر- والشعر، من الأنعام ، والأنعام من الماء. ( غذاؤها من الماء) كما تقدم، وكذلك الكتان والقطن وغيرهما كلها من النبات والنبات كله من الماء الذي أنزله الله .( وهو الذي أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شئ...) الأنعام 99.                                                                

- فالقطن – مثلا- يحتاج حوالي ثمانية ءالاف متر مكعب من الماء في الهكتار الواحد . - حتى الإنسان أنبته الله من الأرض. ( والله أنبتكم من الأرض نباتا  ) نوح 17 وكذلــك ( منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى) طه 55.

- إستعمل الله مادة نزل بالمعنى المجازي، وهو الإنزال من النعمة إلى النقمة، ومن علو المكانة إلى أسفلها وذلك في قوله تعالى: ( وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم ...) الأحزاب 26.

- هبط:  أما مادة هبط، فجاءت كلها في كتاب الله تدرّجا من علو إلى أسفل، من جبل إلى سفحه. ومن أرض مرتفعة إلى أرض منخفضة، أو من عالية النهر إلى سافلته:Amont- Aval .

- جاءت مادة هبط  في هبوط ءادم- فسيأتينا تبيينه – كما جاءت في ثلاثة مواضع أخرى.

- جاءت في الحجارة وتدحرجها من الجبل ، في قوله تعالى : ( ... وإن من الحجارة ... وإن منها لما يهبط من خشية الله ...) البقرة 74 .

- وجاءت في هبوط نوح – عليه السلام – من السفينة، من أرض السفينة إلى الأرض اليابسة، في قوله تعالى: ( قيل يا نوح أهبط بسلام منا وبركات عليك ...) هود 48.

- وجاءت في قوم موسى– عليه السلام – ( ... أهبطوا مصر فإن لكم ما سألتم...)البقرة 61 ، من أرض مرتفعة عن سطح البحر – مثلا- أو من تلول وهضاب إلى أرض منخفضة ، أو من عالية نهر النيل إلى سافلته.

- فمما تقدم، تبين لنا أن الهبوط إستعمله الله – معلم اللسان لآدم- في التدرج والمشي على الأرض استناداً عليها وملتصقا بها.

               - جنّـة ءادم في الأرض

- تقدم لنا الفرق الفارق بين مادتي : هبط  ونزل في كتاب الله .

- بناء على ذلك يستدرجنا هذا التدبر إلى تحقيق جنّة ءادم ، وأنها في الأرض، لا في السماء، كما نعتقد ذلك، وذلك في أحد عشرة أدلة ، وخاصة الأخيرة منها.

- أولا: إستعمل الله كلمة هبط وما تصرف منها ، بالنسبة لآدم وزوجه وإبليس ولم يستعمل – قط – مادة نزل وأنزل بعد إخراجهما من الجنة.

- ( ... قال اهبطا منها جميعا ...) طه 123.

- ( ... وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو...) البقرة 36.

- ( قلنا اهبطوا  منها جميعا ...) البقرة 38.

- ( قال اهبطوا  بعضكم لبعض عدوّ...) الأعراف 24.

- وجاءت المادة بالنسبة لإبليس :  ( قال فاهبط منها...) الأعراف 13.

- يمكن أن يكون هذا الهبوط ذا معنيين، حقيقة ومجازاً:

- هبوط الشيطان من زمرة الجن إلى زمرة الشياطين ( ... إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه...) الكهف 50.
- وكذا ءادم وزوجه: من علوّ المكانة والمنزلة في الجنة إلى السفاله والدناءة وإلى الشقاء في الأرض (...فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى) طه 117.                  لفتـة: إستعمل الله المثنى فيءاية طه، اعتباراً وأن ءادم وزوجه فرع ! وإبـــليس فرع ثان !

- ثانيا: لو كانت الجنة في السماء لقال لنا الله : فأنزلناه منها، إذ لا يصح الهبوط هنا – كما تقدم – وإذ النزول بوحده – لا يصح، كذلك– إذ ليست له قوة إرادية ولا خَلقية  (ليست له أجنحة ) حتى يفعل ذلك بصفة ذاتية ! إذاً فالهبوط لا يكون إلا في الأرض وعلى الأرض، مشيا وتدرّجاً.

- ثالثا: بعد أن أتمّ الله خلق الأرض، خلق الإنسان منها، كما سيأتينا في الحجة الأخيرة، ولنتدبّر مع ءايات البقرة من الآية 29 إلى الآية 39:

( هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا... إني جاعل في الأرض خليفة... اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى ... وقلنا يا ءادم أسكن أنت وزوجك الجنة ... وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدوّ ... قلنا اهبطوا منها جميعا ...)

- وكذلك ءايات الأعراف من الآية 10 إلى الآية 25 ( ولقد مكناكم في الأرض... ولقد خلقناكم ثم صورناكم ... قال فاهبط منها ... يا ءادم أسكن أنت وزوجك الجنة ... قــال اهبطوا بعضكم لبعض عدوّ ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين...) إذاً فكل الوقائع حدثت في الأرض وسيأتينا – ذلك – أكثر تفصيلا.

- رابعا:  جاء قوله تعالى : ( ... يا ءادم اسكن أنت وزوجك الجنة ) جاء مرتين في ءاية البقرة 35، وفي ءاية الأعراف 19. وفي كل مرة جاء ذكر الأرض قبله كما تقدم أعلاه.

- خامسًا: وهذا مهم :

- إبليس– ءال على نفسه أن يغوي الإنسان ( ءادم وأبناءه ) في الأرض فبدأ بئادم وزوجه  فأغواهما في الأرض فأكلا من الشجرة، فأخرجهما الله من الجنة ! وذلك في قوله تعالى: ( قال رب بما أغويتني لأزينـنّ لهم في الأرض...) الحجر 39. وكان الله قد نبههما على ذلك في قوله: طه 117 ( فقلنا يا ءادم إن هذا عدوّ لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى ) .

- سادسا: الجنة هكذا معرّفة جاءت كذلك في الدنيا وفي غير جنة ءادم . وذلك في قوله تعالى في سورة القلم 17 ( إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين ) كما جاءت كذلك معرفة ومثناة في سورة الكهف 33 ( كلتا الجنتين ءاتت أكلها...)

- أما جنة بدون تعريف ، وفي الأرض ، فكثيرة في كتاب الله : - جنة – جنتك – جنته – جنتان – جنتين – جنتهم ...

- سابعا: جاء  في أوصاف جنة الجزاء بأن عرضها كعرض السماء والأرض في قوله تعالى : ( ... وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين ) آل عمران 133 وفــي الحديد 21 ( ... وجنة عرضها كعرض السماء والأرض أعدت للذين ءامنوا بالله ورسلـه...)

- نلاحظ: قوله وأنها : أعدت للمتقينوأعدت للذين ءامنوا بالله ورسله. وسماها الله في ءايات أخرى بـ : جنة الخلدوجنة النعيموجنة المأوى – ولم يكن سبجانه أعدّها لإيواء ءادم وزوجه.

- ( ... جنة الخلد التي وعد المتقون ...) الفرقان 15 وبـ: ( ...جنة النعيم ) الشعراء 85، والمعارج 38. وبـ : ( ... جنة المأوى ) النجم 15.

- هذه أوصاف لم توصف بها جنة ءادم ولا يمكن ذلك ! ولنتدبّر مع الحجة الثامنة  (التالية) .

- ثامنا: جاء في أوصاف جنة المأوى بعض الصفات سنحاول مقارنتها مع صفات جنة ءادم في الأرض .

- ( ... جنة الخلد ...) الفرقان 15 وجاء في صفتها ( ... وهم فيها خالدون ) البقرة 25 جاء موازيا لذلك في جنة ءادم : إغرار الشيطان له  ... هل أدلك على شجرة الخلد...) طه 120 وكذلك : ( ... أو تكونا من الخالدين ) الأعراف 20.

- جاء في جنة النعيم  (... لا مقطوعة  ولا ممنوعة ...) الواقعة 33. فجاء المنع بالنسبة لجنة ءادم : ( ... ولا تقربا هذه الشجرة ...) البقرة 35 والأعراف 19 كما جاء كذلك ( ... ألم أنهكما عن تلكما الشجرة ...) الأعراف 22.

- جاء في حنة المأوى ( ... قطوفها دانية ) الحاقة 23  كما جاء فيها ( ... وذللت قطوفها تذليلا ) الإنسان 14. لم يذكر الله ذلك في جنة الأرض (ءادم) بل أمرهما بفعل الأكل الإرادي ( ... وكلا منها ...) البقرة 35 والأعراف 19.

- جاء –كذلك – في جنة المأوى ( ... أكلها دائم ...) الرعد 35، كما جاء ( ... وما هم منها بمخرجين...) الحجر 48. جاء بالمقابلة في جنة ءادم قوله تعالى : (... فلا يخرجنكما من الجنة ...) طه 117. وقوله : ( ... كما أخرج أبويكم من الجنة...) الأعراف 27. وقوله : ( ... فأخرجهما مما كانا فيه ...) البقرة 36.

- جاء في جنة الخلد  قوله تعالى : ( ... وهم فيما اشتهت أنفسهم  خالدون ) الأنبياء 102. وكذلك فصلت 31 . والزخرف 71  جاء ما يعادله في جنة ءادم  جنة الأرض عكس ذلك ( ... ولا تقربا هذه الشجرة ...) البقرة 35 والأعراف 19. إذ إشتهت، نفس ءادم، الشجرة الممنوعة، فأزلهما الشيطان عن الجنة.

- تاسعا: ذكر الشجرة والورق جاءا كلاهما في ورق وشجر جنة الأرض( ءادم) ولم يأت ذكرهما في جنة النعيم.( ... لاتقربا هذه الشجرة...) البقرة 35. والأعراف 19و20و22. وطه 120.(... وطفقا يخصفان عليهما من ورق  الجنة ...) الأعراف22 وكذلك طه 121. بل جاء ذكر الشجرة في جهنم في ءايات الإسراء 60 والصافات 62/64 والدخان 43                                                                            

- عاشرًا: التعبير بالرغد في الأكل جاء ثلاث مرات كلها في الحياة الدنيا وفي جنة ءادم ( ... وكلا منها رغدا...) البقرة 35. وفي بني إسراءيل : ( ... فكلوا منها حيث شئتم رغدا...) البقرة 58.

- وجاء في القرية (مثلا): ( ... يأتيها رزقها رغدا...) النحل 112 ، ولم يأت هـذا التعبير– ولو مرةواحدة – في أوصاف الأكل في جنة الخلد –

- إحدى عشر: الدليل الأقوى والأهم هو الدليل البيولوجي.

- فعناصر جسم الإنسان كلّها هي نفس عناصر الأرض. يؤكد علم الكمياء العضوية ، أن الإنسان يتكون من عناصرالأرض كلها: من ماء، وكربون، وأكسجين، وإيدروجين، وصديوم، وبوطاسيوم ، ومغنيزيوم، وكالسيوم، وفسفور، وكبريت ، وحديد ، وحتى الدهن والسكّر: ( ثمرات الزيتون والنخيل والأعناب ) 20 المؤمنون و 67 النحل. إلى غير ذلك من المعادن الموجودة في مكوّنات جسد الإنسان. ولقد صدق الله العظيم، وأنه خلق الإنسان من سلالة من طين ( ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ) المؤمنون 12.ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين ( ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين ) السجدة 8. وفي كلا الأمرين فالسلالة هي la cellule ، كما بيّنتُ ذلك ، في القسم ll من موضــوع " وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبيّن لهم "وصدق الله العظيم إذ قال: ( والله أنبتكم من الأرض نباتا ) نوح 17.

- خلاصة ما تقدم ، وبالأدلّة الإحدى عشر– على الأقل– والتي وضّحتُ ، فإن جنة ءادم في الأرض، وليست في السماء، كما ذهب إلى ذلك الكثير.

- والله  أعلــــم

 

اجمالي القراءات 54489