نقل الثروة بين الوصية الواجبة و قواعد الإرث فى القرآن و الأثر

مصطفى فهمى في الخميس ٢٩ - يناير - ٢٠٠٩ ١٢:٠٠ صباحاً

نقل الثروة بين الوصية الواجبة و قواعد الإرث فى القرآن و الأثر (بحث مختصر)
دعوة للتفكر
إن اللاحق فى هذا البحث لهو دعوة للتفكير و التفكر و العقل و التدبر لما هو وارد إلينا و مشهور لدينا بالنقل سواء كنا من العامة أو من الخاصة، من فقه و تفسير و أثر - وهو بالضرورة ليس كل ما قيل - نأخذه مأخذ المسلمات و نقدسه و نلحقه بالشارع سبحانه و تعالى و نجزم و نرهب الناس أن هذا مراده و حكمه.
تم اختيارى لموضوع مشهور فى الفقه والأثر قد يكون صادما لأغلب الناس و ذلك عن عمد ليكون مثالا لعموم الحال و ليس لخصوص الموضوع.
ونستشهد لهذه الدعوة بالآيات التالية بوجوب إعمال العقل وعدم القصر على النقل غير العاقل و التشبث به.
{وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ (170) وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إِلا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ (171) البقرة}
{إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ (69) فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ (70) وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الأوَّلِينَ (71) الصافات}

تمهيد
إن أغلب الناس يختلط عليهم موضوع الوصية و الوراثة (نقل الثروة بالموت)، و ذلك لكثرة ما يدلى فيها سواء بالمنقول عن السلف بدون عقل والقوانين الوضعية وتطبيقاتها القانونية من خلال المحاكم، متأثرين كل هؤلاء بالفقه و الأثر وما يدعونه بالناسخ و المنسوخ و أسباب النزول و الترتيب التاريخى للنصوص القرآنية، ضاربين عرض الحائط بأن دين الله و بيان تطبيقاته من خلال قرآنه من المنطقى أن يكون صالحا لكل مكان و موائما لكل زمان، وإن من يقيد تلك الصلاحية أو يقول عكسها و يقوم بتأبيدها، ما هو إلا متعنت جاهل.
المنهج
النصوص القرآنية صالحة للتطبيق فى كل مكان و زمان
لا يوجد فى القرآن آيات ناسخة و آيات منسوخة و بالتالى لا توجد أحكام ناسخة و أحكام منسوخة أو أحكام نسخت تلاوتها و بقى حكمها

تعريف الوصية 
تعريف الوصية اللغوى: هي مأخوذة من وصيت الشيء، أى أوصيه إذا أوصلته، فالموصي وصل ما كان في حياته بعد موته.
تعريف الوصية الفقهى : هى هبة الإنسان لغيره عينا أو دينا أو منفعة على أن يملك الموصَى له الهبة بعد موت الموصِي. وعرّفها بعضهم بأنها تمليك مضاف إلى ما بعد الموت بطريق التبرع.

تأثير المنقول من الأثر على تنظيم قواعد نقل الثروة المطبقة حاليا
ما جاءنا نقلا عن كتب الأثر المشهورة و من كتب الفقه المعتبرة، التى قدمت آيات الإرث بصفتها ناسخة لآيات الوصية وقيدوا إرادة الموصى اعتمادا على آثار تناقض القرآن و ألحقوها بمراد الله، مما أثر ذلك على القوانين و الأعراف المطبقة. نوردها هنا و نناقشها هنا باختصار لزوما لفهم الواقع.

1-الوصية للوارث: "روى أصحاب المغازي - هكذا قيل - الخبر المأثور عن النبى(ص)، أنه قال عام الفتح [لا وصية لوارث] رواه أحمد و أبو داود و لم يرد بأى كتاب آخر من كتب الأثر!!، بل ويقال أنه رأى فقهى دُس على الأثر!!."
التعليق: أين هذا من قول الله؟ الذى يحث الناس الذين يتركون ثروة بعد موتهم على الوصية للوالدين و الأولاد و الأزواج و الأقربين، ثم يتوجه لضمير الموصى ليتحرى المعروف و يتقى الله
{كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (180)}البقرة
{وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لأزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (240)} البقرة
{لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (7) النساء

2- الوصية لغير الوارث: "روى أيضا فى البخارى الخبر المأثور عن النبى(ص) إن صح، أنه قال فى الوصية [الثلث و الثلث كثير] و عليه، أخذ الفقه بتقييد الوصية لغير الورثة بالثلث ولا تجوز الزيادة عليه، والأولى أن ينقص عنه، فإن أوصى بالزيادة على الثلث فإن وصيته لا تنفذ إلا بإذن الورثة وقد استقر الإجماع على ذلك! و إن لم يكن له وارث فليس له أن يزيد على الثلث أيضا!. وذهب الأحناف وأحمد في رواية، وهو قول علي وابن مسعود، إلى جواز الزيادة على الثلث لأن الموصي لا يترك في هذه الحالة من يخشى عليه الفقر؛ ولأن الوصية جاءت في القرآن مطلقة، وقيدتها السنة - هكذا قالوا- بمن له وارث فبقي من لا وارث له على إطلاقه. روى البخاري ومسلم عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: [جاء النبي صلى الله عليه وسلم يعودني، وأنا بمكة - وهو يكره أن يموت بالأرض التي هاجر منها - قال: يرحم الله ابن عفراء. قلت يا رسول الله أوصي بمالي كله؟ قال: لا. قلت فالشطر ؟ قال : لا. قلت : الثلث؟ قال فالثلث والثلث كثير. إنك إن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس في أيديهم، ولإنك مهما أنفقت من نفقة فإنها صدقة حتى اللقمة ترفعها إلى فيَ امرأتك، وعسى الله أن يرفعك فينتفع بك أناس ويضر بك آخرون، ولم يكن له يومئذ إلا ابنة ]".
التعليق: نرى أن الأخذ بعدم تجاوز نسبة الثلث لغير الوارث و تقيد الفقهاء و المذهبيين بهذا الأثر، أمرا لا يجب الأخذ به، لمخالفته صريح القرآن، الذى لم يقيد إرادة الموصى بكم معين - الأمر الذى تنبه إليه الأحناف - إلا بالتنبيه عليه بعدم الإجحاف بالورثة من الذرية، فالعبرة هنا تكون نسبية بحسب حجم التركة و عدد الورثة و مستواهم الاجتماعى الخ.... ، حيث لم يرد أى قيد على الوصية فى القرآن من حيث الكم أو الكيف إلا ما سنذكره لاحقا وهو ضمير الموصى و تقديره و تقواه من الله.

الآيات المنظمة لنقل الثروة
 {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (180)}البقرة
 {لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (7) وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلا مَعْرُوفًا (8) وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا (9) إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (10) يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلأبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (11) وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ (12)} النساء
 {وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا (33)} النساء

حكم {كُتِبَ عَلَيْكُمْ }
 {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (178)} البقرة
 {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (180)}البقرة
 {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون (183)} البقرة {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (216)} البقرة
أن اشتراك آية الوصية مع باقى الآيات المذكورة فى الاستهلال {كُتِبَ عَلَيْكُمْ } يعطيها نفس خصائص وجوب الحكم العام الذى نستخلصه من تلك الآيات، ألا وهو الوجوب عند حدوث الحدث، وعليه يكون نقل الثروة بالوصية هو الأصل فى التكليف بالحكم المراد (وجوب الوصية) حين وقوع الواقعة أو الحدث الذى هو الموت مع التقيد بشروط تنفيذه الظاهرة فى الآية حتى يكون نافذا و إلا يكون مخالفا لمراد الله
أما آيات قواعد نقل الثروة بالميراث فتبدأ {يُوصِيكُمُ اللَّهُ} فتكون توصية من الله لأخذ أحكامها فى الحسبان و يسترشد بها حين العمل على تنفيذ الحكم الأساسى، و تعمل ذاتيا لمن ليس له وصية أوفى المتبقي منها

ما نستخلصه من الآيات
الوصية واجبة بالقرآن على الموصى الذى ترك ثروة فى أشخاص الموصىَ لهم مع ضرورة تضمين الوالدين و الأولاد و الأزواج للحول و المقربين و ذوى العهد (وجوبا إن وجدوا).
{كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (180)}البقرة
{لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (7) النساء
{وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا (33)} النساء
{وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لأزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (240)} البقرة

  الوصية مقَدمة فى الأداء على قواعد التوريث و مع وجوب عدم إعاقتها لأداء دين على الموصى
{........مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ (12)} النساء

لا قيود على المقدار الموصى به إلا ما هو معروف و متعارف عليه من العدل و ضمير المتقين
{.......بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (180)}البقرة

الخلاصة:
1 ـ خطأ ذهاب الفقهاء: إن ما ذهب أليه الفقهاء و استخلصوه من الأثر والتابعين لهم من أهل النقل، قد جانبهم الصواب و ذلك لأنهم استعانوا بأثر ليس له حجية حيث أنه غير متواتر أى ظنى الدلالة و حسب قواعدهم (أى الفقهاء) الأثر الظنى لا يصلح لتأسيس حكما!! (أرجع إلى بحث حجية و توثيق ما يسمى بعلم الحديث) بل و خالفوا صريح القرآن، باستنباط أحكام مخالفة له وأرادوا تغليب مصالح و قيدوا حق صاحب المال المطلق – إلا بالمعروف - ظنا منهم أن ذلك هو المراد و لا غيره لأنه يناسب زمانهم و مكانهم و ,مصالحهم و نسوا أن القرآن مع ثبات نصه صالح لكل زمان ومكان و يخدم مصالح العباد أينما كانوا، و نحن علينا الاقتضاء بتلك النصوص القرآنية وعنها - بدون مخالفة - و اتخاذها أساس للفهم و إعمال العقل فيها بالاجتهاد لصالح للمجتمع مع مراعاة البعد المكانى و الزمانى ، كُلُ فى حينه حيث كان النص يسمح بذلك.

2 ـ الوصية لنقل الثروة واجب: الوصية واجبة، كتبها الله على المتقين، بل هى أصل سبيل نقل الثروة من الفرد الحى بعد موته إلى أفراد مازالوا أحياء من بعده بطريقة تقليدية تحترم فيها رغبة الموصى وإرادته فى إصلاح خلل قد يراه فى ورثته بعد موته – بشرط عدم الإجحاف بذريته و سداد و عدالة نقل تلك الثروة -، و هذا الأسلوب فى نقل الثروة أسلوب فعال حيث يتيح للموصى القدرة على تعديل إرادته فيما يتحكم فيه من ثروة حتى آخر وقت فى حياته و حسب آخر وضع و حال يكون فيه الورثة، و حسب آخر تغير للخلل المراد إصلاحه، وهى بدون حدود فقد تستوعب جزء من الثروة أو كلها، و حيث أن وجوب العمل لا يعنى تقديسه، فيتاح الاعتراض على الوصية و تعديلها من أصحاب المصلحة فى حال إثباتهم الإجحاف أو عدم العدالة لمن فى يده الحل و الربط

3 ـ تفعيل القواعد البديلة: إن ذلك الواجب (الوصية) و إن كانت واجبة فإنها قد تغيب عن الفرد و يموت دونها، و بغيابها سوف تتأثر الحقوق و تثار الأطماع و الفوضى عند نقل الثروة التى من شأنها التأثير السلبى على الأسرة وبالتالى على المجتمع، فيأتى الله (ليوصينا) بقاعدة لنقل الثروة - لسد الفراغ - فى حال التقاعس عن أداء الواجب (الوصية) أو حال بقاء جزء من الثروة لم يتم معالجته أو استيعابه بالوصية، و هذه القاعدة لنقل الثروة هى قاعدة كلية عمومية التطبيق، متوسطية العدالة للورثة و صالحة لمعالجة عموم حالات نقل الثروة، ذكرها الله كتوصية بديلة للوصية فى حال غيابها، أو مرشدة عند الوصية و مكملة و لاحقة لها.

على واضعى القوانين المنظمة للمجتمعات التحرر و إعمال العقل و عدم التحيز لمذهب أو فقه معين أو السير وراء رأى ما دام يخالف نصا، أو يتخذ آثرا بلا حجية سندا له، بل يجب عليهم الاجتهاد، بل و الاعتراف بأن (الوصية) واجبة من الله و مقدمة عن البديل و لا قيود عليها إلا ما ذكره الله من شروط صلاحها وهو ضمير الموصى و تقديره و تقواه.

هذا قولنا و فهمنا فى زماننا و مكاننا و حسب علمنا و يجب أن يأتى من بعدنا من يفعل مثلنا.

والله أعلم

مصطفى فهمى

 المراجع: العقل – القرآن - المعجم

اجمالي القراءات 38901