أولاد حارتهم .!!

آحمد صبحي منصور في الثلاثاء ١٣ - يناير - ٢٠٠٩ ١٢:٠٠ صباحاً

أولا

1 ـــ قرر الحاج صديق أن يتنازل عن إدارة أملاكه إلى أولاده الخمسة وديع وسرحان وسالم وسيف وعرفان .
أملاك الحاج سرحان كانت ألف فدان من أجود الأراضى الزراعية تتخللها وتحيط بها بعض الجزر الرملية ومجارى نهر صغير يعطى إمكانية أكبر لأستغلال بقية الأرض فى الزراعة والبناء .
أشتهر الحاج صديق بالعدل والرحمة ولكن مع الحزم والحسم ، وقد رأى أنه قد آن الأولان لأولاده الخمسة أن يتحملوا المسئولية بأنفسهم وأن يرى بنفسه هل سينجحون فى الإختبار العملى إى إدارة أملاكه واستثمارها أم لا ...
الحاج صديق كان قد رباهم على الخير والعدل والتعلق به ليس كمجرد والد ولكن كأب كريم لم يبخل عليهم بشىء ولم يحرمهم من شىء.
الأن الأولاد الخمسة قد وصلوا لسن الرشد لأن أعمارهم متقاربه وقد آن لكلا منهم أن يشق طريقه فى الحياة معتمدا على نفسه .
جمعهم الحاج صديق وقال : من أجلكم أصلحت هذه الأرض وعمرتها ، وقد قررت أن أتنازل عن إدارتها لكم لأرى هل ستنجحون فى إدارتها أم لا ، وسأعطيكم مهلة عشرين عاما من الأن تتصرفون فيها بحرية فى استثمار هذه الأرض وفى اتباع أفضل السبل فى تعاملكم مع بعضكم وحلّ الخلافات بينكم، وبعد إنقضاء المدة سأحاسبكم لأرى الناجح منكم والفاشل .
قال عرفان :- ما هى حدود تلك الحرية المطلقة يا والدى ؟! قال الوالد : بلا حدود .!! أنتم أحرار فى التصرف كيفما تريدون .
قال عرفان : إسمح لى يا والدى ... هل تسمح تلك الحرية بأن نعصى أوامرك وأن نتنكر لك ؟!!.
قال صديق : لن تستطيع قلوبكم ولا عقولكم أن تتنكر لى مهما قالت ألسنتكم .... وحريتكم مطلقة فيما تقولون وفيما تفكرون وفيما تفعلون .... ولكنكم مسئولون عن هذه الحرية . وعندما تنتهى مهلة العشرين عاما سأحاسبكم على ما فعلتم .
قال سالم : وهل تضمن حريتنا أيضا عمل الخير والإستقامة ؟
قال صديق : الحرية لكم مطلقة فى عمل الخير وعمل الشر وتوازيها مسئوليتكم عما تفعلون من خير أو شر.
قال وديع : وكيف نتعرف على ما يرضيك من خير وما يغضبك من شر .؟
قال صديق : لقد ربيتكم على معرفة القيم العليا والإلتزام بها وعلى كراهية الشر ..ألا يكفى هذا ؟.

قال سيف : معذرة يا والدى لقد ربيتنا فعلا على هذا وعلمتنا إياه ولكن لم تتح لنا الفرصة كى نمارس ما تعلمناه فقد كنت معنا ... والأن ستتركنا وحدنا ... فلابد لنا من دليل للطريق الذى نتبعه خلال العشرين عاما القادمة لكى لا نضل أو نضيع .
إبتسم الحاج صديق ووجه كلامه لأبنه سرحان الذى ظل صامتا ، قال : ما رأيك يا سرحان فيما يقوله أخوك سيف ؟
إنتبه سرحان واغتصب إبتسامة وتكلم فى خجل : معذرة يا أبى فأنا شارد الذهن منذ أن سمعت تلك المفاجأة ..... ستتركنا ...!! ونتحمل مسئولية أنفسنا لأول مرة ... عقلى ذهب كل مذهب فغفلت عن سؤال أخى سيف .
قال سيف : سألت أبانا أنه لابد لنا من دليل نعتمد عليه خلال العشرين عاما المقبلة، مدة المهلة المعطاة لنا حتى لا نخسر .
تدخل سالم فى الحديث : نعم وحتى لا نختلف ونفترق ونتحارب ... حتى نظل أخوة متحابين أشقاء متعاونين.
إبتسم الحاج صديق لأبنه سالم ، ووجه حديثه لعرفان قائلا: ما رأيك يا عرفان فى أن أكتب لكم هذا الدليل ليساعدكم على تحمل المسئولية.
عرفان تململ شاعرا بالحرج.
شجعه أبوه على الكلام قائلا : تكلم يا بنى بكل حرية لأن ما سنتفق عليه هنا سيكون ملزما لكلا منكم بلا إستثناء .
إبتلع عرفان ريقه قائلا فى تعلثم : لقد وعدتنا يا والدى بالحرية المطلقة ، وأكثر ما أخشاه أنك حين تكتب لنا دليلا لنتمسك به أن ىصبح هذا الدليل قيدا على حريتنا فى التصرف ... كيف تعطينا حريتنا المطلقة باليد اليمنى ثم تفرض علينا باليد اليسرى دليلا وتعليمات محددة لننفذها......!!
تدخل سالم غاضبا : يا عرفان ...! نحتاج إلى هذا الدليل من أبينا لكى ننجح فى تحمل المسئولية ، إن أباك حين يكتب لنا هذه الوصية وتلك الإرشادات سيعيننا على النجاح .... نحن لم نجرب الحياة العملية بعد ... وكل ما تعلمناه كان فى كنف أبينا وتحت نصحه وإرشاده ورعايته ، وفى النهاية كانت كل خبرتنا ما هى إلا تعليم نظرى ونريد إرشادات عملية .
إبتسم الأب وقال : سأرضى عرفان وسالم وسيف ، وسأكتب لكم دليلا يحوى كل إرشادات النجاح وينقذكم – إن اتبعتوه- من كل عوامل الفشل ، ولكم مطلق الحرية فى التمسك بهذا الدليل أو فى تجاهله ، أو حتى عصيانه . وأنتم طبعا مسئولون عن هذه الحرية أمامى بعد إنتهاء المدة .
ولكن تململ عرفان قائلا: ولكن يا أبى – معذرة – لنفترض أننى أريد التمسك بهذا الدليل فعلا وبإخلاص ولكن وجدت بعض أوامره تخالف الواقع ... أنا لا أقصد الأساءة يا والدى ، ولكن فقط أتسائل وأعبر عن كل ما فى قلبى ...

إبتسم الأب : أطمئن يا عرفان سيكون الدليل ترجمة عملية لما ربيتكم عليه من قيم عليا وتعاليم سمحة من ولاء لى – أبيكم - الحاج صديق ، وستكون فيه مساحة كبرى لكم لكى تجتهدوا فى إستنباط قواعد جديدة للتعامل فيما بينكم وفى إدارتكم للثروة والأرض شريطة أن تتفق هذه القواعد مع القيم العليا التى ربيتكم عليها وهى الولاء لأبيكم وحده والحرية والعدل والمساواة والسلام والتسامح والتيسير فيما بينكم . هل ترى فى ذلك مشقة يا عرفان ..؟!
قال عرفان : بهذا إستراح قلبى يا أبى العزيز ..
خيم صمت على الأب وأواده ولاح على وجوه الأبناء شبح سؤال إلتفتوا إلى بعضهم ثم إلى أبيهم .....
إبتسم الحاج صديق وقال : أعرف فيما تفكرون ... تفكرون فى التجربة التى كانت مع فرهود رئيس العمال عندى ، والذى طردته بسبب عصيانه .... نعم هذا ما أحذركم منه ... إياكم والإنخداع به ، أعلم أنه لن يدعكم فى حالكم ، سيبذل كل ما فى وسعه للإنتقام منى عن طريق خداعكم وإيقاع الخلاف بينكم ... لذا سأوضح لكم فى الدليل كيف تتخلصون منه ومن حيله والاعيبه .... والويل كل الويل لمن ينخدع منكم ويتبعه ويكون خصما لى .
بهت الأولاد وقال سالم فزعا : وهل يمكن أن تصل بأحدنا الدرجة إلى أن يتحلف مع عدوك عليك يا أبى ؟ إننا بمجرد أن نراه سنقاتله .
قال الأب : مهلا يا بنى ... هو يعرف كراهيتكم له ، ولهذا لن يغامر بإظهار نفسه لكم ، ولكن سيستعين بوسطاء يعملون لحسابه حتى يسيطر عليكم .
قال عرفان : وماذا عن بقية العاملين فى أرضنا ... هل لديهم علاقات بعدونا فرهود ؟!!
وقال سالم : وماذا سيكون وضعهم معنا حين نقوم على رعاية الأرض ؟ هل سيطيعوننا أم سيتمردون علينا ؟!.
قال الحاج بحزم: ولاؤهم التام لى فقط ، ولا شأن لكم بهم ... هم يخدمونكم فى الأمور التى لا شأن لكم بها والتى لستم مؤهلين لها طبقا لأوامرى لهم، وهم أعداء فرهود ومكلفون بمنعه من الدخول على أملاككم ، ولهذا لا يجرؤ فرهود على الظهور أمامكم ، ولكن سيجد طريقة للإيقاع بكم مستغلا سذاجتكم .
قال سلام :نرجو أن توضح لنا فى الدليل كيف نتغلب على فرهود وننجو من شره بحيث حين ترجع إلينا فى نهاية المهلة نكون حسبما ترضى لنا ...
قال سيف : نحن فى شوق لرؤية هذا الدليل يا والدى ...
أخرج الحاج صديق من تحت ركبته خمس نسخ من كتاب صغير الحجم قائلا : هذه وصيتى لكم ونصائحى .. وأنتم أحرار فى الأخذ بها أو تركها ، ولكن أحذركم من عقابى لو أسأتم إستخدام تلك الحرية التى أعطيتها لكم .
تركهم الحاج صديق وذهب إلى المسجد الحرام معتكفا لمدة العشرين عاما وهو على إتصال دائم ومستقر ومستمر بكل ما يفعلون عن طريق العمال والخدم فى المزرعة...

خلال العشرين عاما جاءت الأنباء بتدهور حال أولاده الأربعة ونجاح واحد منهم فقط .
فرهود تمكن من أربعة من الأولاد فأفسدهم عن طريق نساء مستأجرات ملأ بهن المزرعة ...
سرحان إنشغل عن وصايا أبيه بحبيبته سهى وبذل كل ما فى وسعه لإرضائها ونسى موعد لقاء أبيه .
عرفان إنشغل أيضا بحبيبته نهى عن أبيه وعن لقاء أبيه ، بل تطرف فأنكر حياة أبيه ، وأعلن لأخوته أن أباه قد توفى وهم أحرار فيما يفعلون فلا مسئولية عليهم .
أما وديع فقد ظل محبا لأبيه ومفتقدا إليه فأقنعته حبيبته حسنية بأن يستعيض عن أبيه بما ترك من آثار فجمع ما تبقى من ملابس أبيه وأغراضه واتخذها عوضا عن أبيه وفى سبيلها نسى وصايا أبيه ...!!
سيف إنغمس فى عشق محبوبته سهام ، أقنعته بأنه لابد من أن يسيطرعلى كل المزرعة وأن يستعبد أخوته الأربعة بزعم أن الوحيد المتخصص فى فهم وصايا أبيه ، وأقنع أخاه وديع بالذات أنه يتلقى رسائل من أبيه هى الأصل والمرجع والمهيمن على كل وصاياه القديمة ، وعندما رفض عرفان وسرحان مطامع أخيهما سيف أعلن الحرب عليهم .
سالم هو الوحيد الذى تمسك بدليل أبيه وواجه أخوته الأربعة بالقيم العليا التى رباهم عليها أبوهم والتى أكدتها وصاياه ، وكانت النتيجة أنهم جميعا – مع خلافاتهم- اتحدوا ضده واتهموه بإزدراء أبيهم وعدائه له ولهم .
اشتعلت الحرب بين الأخوة فأصبحوا أعداء متشاكسين ، ودارت أغلب الحروب بين عرفان وسيف حول السيطرة على أخويهما وديع وسرحان واملاكهما.
مع إنتهاء مهلة العشرين عاما انتهى الاختبار ، وجاء الأب فأمر العمال بإعتقال الأبناء وتم عرضهم على أبيهم ليحاسبهم ، وفى نفس الوقت إعتقل العمال عدوهم فرهود وانتهت المحاكمة بعقوبة فرهود والأولاد الأربعة ونجاح سالم فى الإمتحان.
وعاش سالم بالقرب من أبيه منعما بينما تم حرمان الأولاد الأربعه من رؤية أبيهم وتعين عليهم البقاء داخل السجن عقوبة لهم على إساءة إستخدام الحرية والمزرعة .

أخيرا
ولله سبحانه وتعالى المثل الأعلى !!

1 ـ هى قصة خيالية مقصود بها التذكير بأحوال البشر مع ربهم جل وعلا الواحد الأحد الصمد الذى لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ، والذى ليس كمثله شىء ، وما اتخذ صاحبة ولا ولدا.
2 ـ الله جل وعلا خلق السماوات والأرض وما بينهما من كون ـ يعجز العقل عن تصور عظمته ـ لكى يختبر البشر ( هود 7 ) ، وسخر لهم الأرض والكون ( الجاثية13 )، ولن يحاسبهم يوم القيامة على الحتميات المقدرة سلفا فيما يخص الميلاد والموت والرزق والمكتوب عليهم من المصائب ، ولكن سيحاسبهم على حريتهم فى الطاعة أو المعصية وحريتهم فى الايمان أوالكفر ، وأنزل من أجلهم الكتاب السماوى دليلا للهداية وتحذيرا من مكائد الشيطان ، وجعل لهم أجلا لا ريب فيه للقائه ليحاسبهم على حريتهم وكيفية تعاطيهم مع النعم التى أحاطهم بها ، وأهمها نعمة الهداية فى الكتاب السماوى .
3 ـ القرآن الكريم هو آخر رسالة سماوية للبشر فيها الدليل للنجاح يوم القيامة . والقرآن كدليل للهداية يقوم على ركيزتين:
الأولى :الأوامر والنواهى مع حرية البشر المطلقة فى الإيمان والكفر وفى الطاعة والمعصية ومسئوليتهم الكاملة عن تلك الحرية أمام الله جل وعلا يوم القيامة.
الثانية :الحديث عن الأخرة بما فيها من ثواب وعقاب وجنة ونار لتذكيرهم مقدما بما ينتظرهم إن أطاعوا أو إن عصوا ، حتى لا يكون لأحد منهم حجة على الله تعالى يوم القيامة .
4 ـ ولقد اقترب يوم القيامة، واقترب للناس حسابهم ، وهم فى غفلة معرضون : (الأنبياء 1 ) .

اجمالي القراءات 15090