الصحابة فى القرآن الكريم .المقال الخامس
هل رضى الله تعالى عن الصحابة ؟!

آحمد صبحي منصور في الثلاثاء ٠٨ - أبريل - ٢٠٠٨ ١٢:٠٠ صباحاً

الواد عطوة والصحابة .
1 ـ فى ذات يوم أغبر استيقظ ـ فجأة ـ الواد عطوة وقد قرر أمرا ؛ وكعادته فى المواقف المصيرية فقد هرش مؤخرته وذهب رأسا الى مأمور قسم الشرطة الذى يرتعب منه الجميع .
الواد عطوة دخل مباشرة على مأمور القسم وقال له : لقد أصدرت قرارا بأن سيادتك قد رضيت عن الأستاذ صالح لأنه رجل فاضل .
إنتفض المأمور غاضبا وصرخ فى الواد عطوة : وإنت مال أهلك ؟ وإنت مال أمك ؟ ومن أنت أيها الحقير حتى تتدخل فيمن أرضى عنه أو أغضب عليه ؟! هل سمحت لك بهذا ؟!! أننى الذى أملك تعليقك وضربك ونفخك ومع ذلك لم أسمح لنفسى أن أتدخل فى حريتك وأقول أنك تحب فلانا أو تكرهه .... فكيف تسمح لنفسك أيها الحقير أن تتدخل فى شئونى ؟!.
الواد عطوه لم يسمع ولم يفهم ،إذ قال دون أن يتلعثم : ولكن الأستاذ صالح رجل فاضل فلابد أن ترضى عنه ..
صرخ المأمور :تانى ..!! لابد أن أرضى عنه ؟ تكررها تانى يا فلاح يا جلف ؟!
الواد عطوة رد بكل ثبات : أقصد أن الاستاذ صالح رجل فاضل ، وطالما هو رجل فاضل صالح فلابد من أن ترضى عنه لأنك عادل.
هدأ المأمور وجلس ، وقال : ومن أدراك يا عطوة بأنه رجل فاضل ؟ هل تعاملت معه ؟ هل عايشته ؟هل دخلت فى سريرته ؟ هل أنت معه فى صلاته وخلوته ؟
الواد عطوة تلعثم وقال : لا.
قال المأمور : هل رأيته ؟ هل قابلته ؟ هل تكلمت معه ؟ هل تكلم معك ؟
الواد عطوة هزّ رأسة بالنفى .
قال المأمور : إذن كيف عرفت بأنه صالح وفاضل ؟
الواد عطوة هرش مؤخرته وقال : سمعت الناس يقولون هكذا ...
ابتسم المأمور وقال : وهل الناس الذين قالوا عنه هكذا رأوه أو تعاملوا معه ؟
أعاد عطوة هرش مؤخرته وقال : لا. أنهم سمعوا ذلك من الجيل السابق . ضحك المأمور وقال : وهل ذلك الجيل السابق رأى الأستاذ صالح وتعامل معه ؟!.
هرش عطوة مؤخرته بقسوة وهز رأسه نافيا .
قال المأمور:هل كل الأجيال التى عاشت فى بلدكم بل فى وطنكم رأت ذلك الأستاذ صالح الذى تتحدث عنه؟..
نظر عطوة متضرعا إلى المأمور وقال : كفى أسئلة فقد أوجعت أسئلتك مؤخرتى .... قال المأمور: بأمكانى أن أذيقك عذابا لم تشهده من قبل ولكنى أردت إعطاءك فرصة لتفكر قليلا .
كى يفكر فقد أعاد عطوة هرش مؤخرته ، ولكن لم يجد الاجابة..
ابتسم له المامور وقال بين التعجب والاشفاق : أنت يا عطوة إنسان ضعيف وهزيل ولكنك جبار تتدخل فى حرية من هو أقوى وأعظم منك وتفرض عليه ما ترفضه ، فأنت ترفض أن أتدخل أنا فى حريتك بينما تتدخل أنت فى حريتى... ثم أنك يا عطوة جاهل ولكنك تدعى العلم الإلهى لأنك زعمت أنك تعرف سريرة إنسان آخر لم تره ولم تقابله فى حياتك .. ثم بعد هذا كله يا عطوة فأنت إنسان تافه لأنك تشغل نفسك بقضية ليس لك فيها من الأمر شىء ، فما شأنك أنت إذا كنت أحب أنا الأستاذ صالح هذا أم لا أحبه ؟ أليس الأجدر بك أن تكون علاقتك طيبة معى حتى لا أغضب عليك ؟
الواد عطوة نكس رأسه وسكت ..
استمر المأمور يقول : أليس الأجدى لك يا عطوة أن تفكر فى تحسين أحوالك ؟ فأنت يا عطوة عاطل عن العمل، تتسول من الناس غذاءك ودواءك ومركبك وملبسك، وتنسى ذلك وتشغل نفسك بما ليس لك به علم .!!
لم يجد الواد عطوة إجابة.
استمر المأمور يقول : أننى أعرف يا عطوة أن عمدة البلد قد استولى على حقلك وطردك من بيتك وقتل أباك واغتصب أمك وفعل الفاحشة بزوجتك واعتدى على أختك وفجر بابنتك وعذّب أخاك وطرد أبنك من العمل وأدخل عصاه فى مؤخرتك وجعل سمعتك سيئة فى كل القرى المجاورة ، ومع ذلك أراك يا عطوة تنسى كل هذا وتظل تدور فى كل ناحية فى القرية تطلق الأشاعات بأننى قد رضيت عن الأستاذ صالح الذى لم تعرفه ولم تقابله فى حياتك . أليس الأجدى لك يا عطوة أن تعيد التفكير حرصا على مؤخرتك من الهرش ... وخلافه؟! .
الواد عطوة لم يفهم ولن يفهم ... لأن عقله ليس فى رأسه ولكن فى مؤخرته ...

2 ـ المسلمون أصحاب الديانات الأرضية فى النظم الاستبدادية هم ذلك الواد عطوة.
الأدلة كثيرة، ومنها أنهم إذا قرأوا قول الله تعالى "لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا: الفتح 18 "فهم يفرضون على الله تعالى ان يكون قد رضى عن فلان وفلان من الصحابة ، ويعطون لأنفسهم التدخل فى مشيئة الرحمن وفرض آرائهم عليه تعالى ، ويزعمون علمه الغيبى ، وهم بذلك ما قدروا الله جل وعلا حق قدره ، هذا فى ذات الوقت الذى يتصاغرون فيه أمام حاكم ظالم يتصاغر بدوره أمام حكام الدول الديمقراطية القوية.
ومن عجب أن أولئك المسلمين ذوى الديانات الأرضية مختلفون فى فهمهم للآية الكريمة سالفة الذكر التى تتحدث عن رضا الله تعالى عن بعض الصحابة ، فالسنيون يفهمون انها " لقد رضى الله عن أبوبكر وعمر وعثمان وعلى وطلحة والزبير ..الخ ، بينما يفهمها الشيعة :"لقد رضى الله عن على وفاطمة وحمزة والحسن والحسين وآل البيت..."أى يدخل كل منهم على الآية برأى مسبق يحول معناها من صفة لمؤمنين فى زمان ومكان وموقف معين لا يعلمهم الا الله وحده إلى أشخاص يختارونهم حسب الهوى ،ويفرضون رأيهم على رب العزة جل وعلا .
ولهذا نتوقف مع الآية الكريمة بالتدبر والدرس .

كيف نفهم الأية الكريمة؟.( لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا : الفتح 18 )
1 ـــ هناك مستوى الهداية ، وهو المستوى البسيط المباشر الميسر للذكر ، يستطيع به كل انسان عاقل ان يفهم الآية الكريمة بمجرد تكرار كلماتها ، أى أن الله تعالى قد رضى عن المؤمنين حين كانوا يبايعونه تحت الشجرة ، ولقد علم الله تعالى ما فى قلوبهم فكافأهم بالنصر.
وهنا يتوقف فهم الطالب للهداية ، فلا يبحث فى أسماء أولئك المؤمنين الذين تتحدث عنهم الآية لأنه يعلم أن الله جل وعلا وحده هو الأعلم بمن هم أولئك المؤمنون ، وليس له أن يصدق روايات السيرة لأنه جل وعلا لم يعط علمه بالغيب لخاتم النبيين عليه السلام فهل أعطاه لمن كتب سيرته بعد موته بقرنين وأكثر ؟
ولأن طالب الهداية لا يعنيه سوى الهداية فهو يأمل فقط أن يكون ممن رضى الله تعالى عنهم ، ولأنه حريص على مستقبله يوم الدين فهويعرف أنه ليس له إلا ما سعى ، ولن يأخذ شيئا من سعى أحد من الحاضرين أو السابقين أو اللاحقين .
هذا هو مستوى الهداية القريب الواضح المباشر السهل لكل راغب فى الهداية.

2 ـــ ثم هناك مستويات مختلفة للتعمق فى فهم الأية الكريمة لدى الراسخين فى العلم، وهى تتنوع حسب مقدرة كل منهم لأنها تطرح الكثير من القضايا والتساؤلات وتجيب عليها.
وعلى سبيل المثال نطرح بعضها ونجيب عليها .

3 ـــ لماذا قال الله تعالى ( لقد رضى الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة )، ولم يقل ( لقد رضى الله عن المؤمنين الذين بايعوك تحت الشجرة )؟ .
هنا يأتى إعجاز الدقة فى إختيار اللفظ القرآنى ، لأن الله تعالى لو قال ( لقد رضى الله عن المؤمنين الذين بايعوك تحت الشجرة) لكان هذا الرضى مستمرا الى يوم الدين، ولكان هذا الرضى شهادة إعفاء لهم من أى مسئولية،أى يتمتعون بالرضا الإلهى مهما فعلوا بعدها من ذنوب،أى مغفور لهم مقدما مهما فعلوا،أى تشجيع لهم على العصيان ، حيث أن لهم حصانة مقدما بالرضى الإلهى ، وهذا يتنافى مع العدل الإلهى ،ولذلك قال تعالى ( لقد رضى الله عن المؤمنين ( إذ ) يبايعونك تحت الشجرة ) لأن "إذ" هنا تحدد المكان والزمان للرضى الإلهى . فالرضى الإلهى هنا محدد بوقته ومكانه لا يسرى على ما سبقه ولا يسرى على ما جاء بعده .
نفس الإستعمال المحدد لكلمة ( إذ ) جاء فى قضية التأسى بإبراهيم والذين كانوا معه ( راجع مقال : الولاء والبراء فى الاسلام :
http://www.ahl-alquran.com/arabic/show_article.php?main_id=151

4 ـ (لقد رضى الله عن المؤمنين ) ما هو مفهوم المؤمنين هنا ؟هل هم المؤمنون بحسب الظاهر أم بحسب العقيدة ؟
هناك إيمان ظاهرى بمعنى إيثار الأمن والأمان ، وهناك إيمان باطنى يعنى الإيمان بالله تعالى وكتبه ورسله واليوم الأخر. ومثلا يقول تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِيَ أَنزَلَ مِن قَبْلُ : النساء 136 )، فالخطاب هنا يأمر الذين آمنوا إيمانا ظاهريا بمعنى إيثار الأمن والأمان بأن يقرنوا هذا الإيمان الظاهرى بإيمان قلبى وعقائدى بالله تعالى ورسله وكتبه. راجع مقال : الاسلام دين السلام :http://www.ahl-alquran.com/arabic/show_article.php?main_id=14
وتكرر هذا كثيرا فى القرآن الكريم السياق كقوله تعالى ( يا أيها الذين أمنوا اتقوا الله ...) ( الأحزاب 70 ) ، ( الحشر 18 ) ،( البقرة 278 ) ، ( النساء 1 ) ، ( المائدة 35 ، 57 ) ، ( التوبة 119 )، ( الزمر 10 ) ،فهنا أمر للذين آمنوا ايمانا ظاهريا بأن يتقوا الله جل وعلا ليكتمل ايمانهم الظاهرى بايمان قلبى ينتج عنه صلاح الأعمال . ويقول تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا : التحريم 6 ) فى ذلك كله – وهو كثير – جاء الخطاب للذين آمنوا إيمانا ظاهريا بمعنى الأمن والأمان أن يؤمنوا إيمانا عقائديا بالله تعالى وأن يتقوه حتى لا يكون مصيرهم إلى النار .
ونعود للسؤال : هل ( المؤمنون) فى قوله تعالى (لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ) هم أصحاب إيمان ظاهرى أم باطنى ؟
المقصود هنا هو الإيمان القلبى الباطنى بدليل قوله تعالى: (لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ ) أى علم أن الإيمان قد غمر قلوبهم فى ذلك الوقت ، حين أقبلوا يبايعون النبى تحت الشجرة ، أى هى لحظة إزداد فيها الإيمان وتجلى . ولأن الله تعالى وحده هو الذى علم فى قلوبهم فان من يزعم أن منهم فلانا وفلانا فقد زعم أنه يشارك الله تعالى فى علم الغيوب وما فى القلوب،أى إدعى الالوهية دون أن يدرى .

5 ـــ هل معنى ذلك أن الإيمان يزيد وينقص ؟
نعم وبالتأكيد .

6 : وطالما أن المؤمنين المشار إلى إيمانهم فى الأية الكريمة هو إيمان ذى صفات قلبية زادت فى وقت محدد وفى مكان محدد وفى وقت محدد فإن حديث القرآن الكريم هنا مختلف عما كتبه ابن إسحاق وغيره فى السيرة النبوية عن الصحابة الذين بايعوا تحت الشجرة ..

ونقول نعم فالقرآن دائما يتحدث عن صفات ولا يسمى أشخاصا بالإسم ، أما وظيفة التاريخ فهى تحديد المكان والزمان وأسماء الأشخاص.
وهناك نوعان من التاريخ :تاريخ كتبه المؤرخ معاصرا للحدث وكان موجودا وقت ومكان حدوثه، وهو تاريخ أقرب للدقة ، وهناك تاريخ شفهى جرى تناقل رواياته فى حكايات عبر الأجيال إلى أن تمت كتابته من الذاكرة بعد حدوثه بقرنين أو أكثر من الزمان ، وهذا ينطبق على السيرة النبوية التى شهدت عصر الرواية الشفهية خلال قرنين فى الخلافة الراشدة ثم الخلافة الأموية ، ثم بدأ تدوينها فى العصر العباسى ، وتعرضت فى فترتى الرواية الشفهية والتدوين إلى الكثير من التغيير والتحريف حسب الخلافات المذهبية ؛ تلك الخلافات بين الشيعة والسنة والخوارج والمرجئة والمعتزلة والتى دارت أساسا حول الصحابة.
ومن حسن الحظ أن هذا كله تاريخ بشرى ليس جزءا من الإسلام ،فالإسلام هو قرآن فقط .
وفى هذه الأية الكريمة فإن الله تعالى يتحدث عن قلوب إرتفع فيها ترمومتر الإيمان فاستحقوا رضا الله تعالى وقتها، وهو رضى إلهى وقتى يكافىء تلك الشحنة الإيمانية الوقتية .

7 ـــ الملاحظ فى هذه الآية الكريمة إنها الوحيدة فى القرآن الكريم التى جاء فيها رضى الله تعالى عن بعض الناس دون أن يقول ( ورضوا عنه ) ... فلماذا ؟

نعم. وهنا فصل الخطاب . ونستعرض تلك الآيات :
* يقول تعالى (قَالَ اللّهُ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ :المائدة 119 ) الحديث هنا ليس عن يوم من ايام الدنيا أو موقف معين فيها بل هو عن يوم القيامة بعد موت البشر وتحديد أصحاب العمل الصالح من أصحاب العمل السىء ، وعندها يكون الرضى الإلهى الكامل – وليس المحدد – ويدخل من رضى الله تعالى عنه الجنة ، ويقابلون رضى الله تعالى عنهم بالرضى على الله لأنه أدخلهم الجنة .
* ويقول تعالى (وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ: التوبة 100 ) واضح هنا أن الحديث عمن سيدخل الجنة من السابقين فى الإيمان والعمل من الصحابة والتابعين لهم فى السبق بالإيمان والعمل إلى يوم القيامة ، وعند دخولهم الجنة يكون الرضى الإلهى التام عنهم ويكون رضاهم عن الله تعالى .
*ويقول تعالى (... أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ: المجادلة 22 ) يوم القيامة سيكون الناس إما فى النار وهم حزب الشيطان،أو فى الجنة وهم حزب الله. وأصحاب الجنة يتمتعون برضى الله تعالى ويعلنون رضاهم عن الله ...
* ويقول تعالى (الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ جَزَاؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ: البينة 7- 8 ) يوم القيامة سيكون خير البرية من الناس فى الجنة ، رضى الله تعالى عنهم ورضوا عنه ، وذلك متاح لكل إنسان يعيش إلى أن يموت متقيا يخشى ربه جل وعلا .
لم يأت فى القرآن الكريم (رضى الله عنهم ورضوا عنه) سوى فى تلك الآيات الكريمة. وإذن فهناك أية واحدة جاء فيها ( رضى الله تعالى ) دون أن يقال ( ورضوا عنه ) وهى (لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ ) لأن الرضا الإلهى هنا محدد بموقف معين فى وقت معين وفى مكان خاص.
وسبحان من كان القرآن الكريم كلامه.!!
لأنه لو كان كلام بشر لحدث فيه إختلاف كثير وتناقض فى الأيات المتشابهة ، ولكن من نواحى الإعجاز القرآنى تلك الفوارق الدقيقة فى التكرار القرآنى والأيات المتشابهات . وهنا يتجلى أيضا إعجاز الحفظ للقرآن الكريم بألفاظه وكلماته ....
سبحان ربى العظيم ...!!
8 ـــ وإذن فالرضى الإلهى فى قوله تعالى ( لقد رضى الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة ) لا تعطى حصانة لأولئك الصحابة المؤمنين الذين تحدث عنهم رب العزة حيث تتحدث الأية عن مشاعر إيمانية ارتفعت فى موقف معين .
نعم . إن آية ( لقد رضى الله عن المؤمنين ) يكمل معناها آية أخرى فى نفس السورة حيث أن من يلتزم بالبيعة ويحفظ العهد حتى الموت سيكون من أهل الجنة ، ومن ينكث العهد ويتناقص إيمانه سيكون من أهل النار ، يقول رب العزة عما سيحدث بعد البيعة (إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا : الفتح 10 ).
ونفس الحال تكرر فى موقف آخر تعرض فيه النبى والمؤمنون لهزة عنيفة فى غزوة ذات العسرة ، ثم انتبهوا فتاب الله تعالى عليهم مما وقعوا فيه وقتئذ :( لَقَد تَّابَ الله عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ التوبة 117 ) فهو موقف محدد بزمانه ومكانه، وتعميمه يناقض عدل الله تعالى ، كما أن القول بأن الآية تنطبق على فلان وفلان هو اعتداء على غيب الله جل وعلا وزعم للالوهية لا يليق بمسلم ولا بعاقل .
إن من طبائع البشر تغير السلوك والقلوب ، فالإيمان يزداد وينقص ، ويترتب على زيادة الإيمان وتقديم عمل صالح فى وقت معين أن يتمتع ذلك المؤمن الذى عمل ذلك العمل الصالح برضى الله تعالى وقتها على ذلك العمل وخلفيته الايمانية الزائدة، ثم يحدث أن يقع ذلك المؤمن فى الزنا أوالقتل فيستحق غضب الله تعالى على إجرامه. والحياة مزيج من هذا وذاك ، ويتراوح ترمومتر الإيمان زيادة ونقصا حسب عمل الإنسان ، وفى النهاية يتحدد مصيره؛إما من أصحاب الجنة أو من أصحاب السعير (فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ : الشورة 7 ).
ولهذا فإن من يحرص على مستقبله يوم القيامة لابد أن يشغل حياته بالعمل الصالح النافع للمجتمع ومنه العبادة ،وأن يخلص عقيدته وعبادته لله تعالى وحده، وأن يتوب إذا وقع فى ذنب وأن يبتعد عن الكبائر ما أمكن. وإذا حافظ على هذه الأستقامة إنتهت حياته بالإسلام الحق ومات مسلما ، وهذا معنى وصية الله تعالى للذين آمنوا بالتقوى إلى أخر لحظة فى العمر (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ : آل عمران 102 )
وإذا طبقنا هذا المقياس القرآنى على الصحابة ، فمنهم من اتقى وعاش نقيا مخلصا لم يظلم الله تعالى ولم يظلم البشر،فسيكون يوم القيامة ممن قال الله تعالى عنهم : (وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ : التوبة 100 ).
ومنهم من خلط عملا صالحا وأخر سيئا وقد يتوب الله تعالى عليهم ويدخلهم الجنة ( وَآخَرُونَ اعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ : التوبة 102 ).ومنهم المنافقون . وطبعا لا نعرف أسماء الصحابة من هؤلاء أوهؤلاء ، وليس لنا أن نتدخل فى غيب الله تعالى وإلا كان حالنا مثل الواد عطوة ..
أى بالرجوع إلى الأية الكريمة(لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ ) نقول أنه كان من ضمن الصحابة الذين حظوا بالرضى الإلهى الوقتى فى ذلك الموقف من حافظ على الرضى بإيمانه وسلوكه الى أن مات نقيا تقيا مخلصا فسيكون يوم القيامة من السابقين الذين رضى الله تعالى عنهم ورضوا عنه.
ومنهم من انشغل بحطام الدنيا واعتدى وظلم وقاتل فى سبيل الثروة والمطامع الدنيوية الزائلة ، فاستحق الخروج من دائرة حب الله القائل (وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ : البقرة 190 ) ، فالله تعالى لا يحب المعتدين ولا يحب الظالمين .

9 ـ نريد لمحة عن اليوم الآخر فيما يتعلق بالرضى الالهى النهائى ..
* نتوقف مع بعض آيات سورة الفجر.
* يوم القيامة سيكون كل البشر فى موقف مهيب حيث يتم تدمير العالم ويأتى عالم جديد يتحمل مجىء الله تعالى ومعه ملائكته صفا صفا (كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا : الفجر 21-22 ).
* عندها ستكون أنت وأنا واحدا من اثنين:
ـ إما أن نظل متمتعين بصفة الأنسان ، والإنسان فى مصطلح القرآن الكريم هو الكافر لربه ولنعمته والمتبع لغرائزه الجسدية، وحين يظل ابن أدم متمتعا برذائله ويموت بها فإنه يبعث بها ويكون مسئولا عما أسلف من عصيان فى الدنيا. عندما يرى هذا الإنسان جهنم يندم ويتمنى لو كان قدم عملا صالحا لمستقبله الحقيقى أى لآخرته حيث الخلود فى الجنة أو الخلود فى النار ، وهو الأن عليه أن يعيش خالدا فى النار . يقول تعالى عن هذا الصنف من البشر يوم القيامة عند مجىء جهنم (وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي فَيَوْمَئِذٍ لَّا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ: الفجر 23-26 ).
ـ وإما أن تكون من الصنف الفائزالذى ينجح فى تزكية نفسه بالإيمان التقى والخشوع لله وحده (أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي: الفجر 27-30 ). هنا رضى الله تعالى عن تلك النفس المطمئنة ، ورضى تلك النفس المطمئنة عن الله جل وعلا.
* ولكى تكون يوم القيامة نفسا مطمئنة راضية مرضية فابتعد عن عقلية الواد عطوة .

اجمالي القراءات 34461