دين
الدين أفيون الشعوب

زهير قوطرش في الجمعة ٢٢ - فبراير - ٢٠٠٨ ١٢:٠٠ صباحاً


 

 
 
 

الدين أفيون الشعوب .
ما دفعني الى كتابة هذا العنوان ،لهذه المقالة ،هي تلك المشاهد الفظيعة التي شاهدتها من على شاشة إحدى الفضائيات العالمية،عندما نقلت الحدث بالصوت والصورة،لاحتفالات عاشوراء،وكيف مارس المحتفلون فعل الضرب على الرؤوس والأجساد ،مستخدمين السلاسل الحديدية والسيوف، وكانت مشاهد نزيف الدم مؤلمة لي وأنا المسلم إن شاء الله فكيف سيراها من كان على غير دين الإسلام ،وأكثر ما ألمني مشهد أحد الأباء وهو يقود طفله الصغير الى جانبه ، فيضرب رأسه تارة ويعود ; ليضرب رأس الطفل تارة أخرى ....،ثم انتقل المشهد إلى الفلبين ،حيث تم تصوير صلب أحد المسيحيين ،كما صُلب السيد المسيح عليه السلام باعتقادهم ، وكان حدثاً فيه شي من الوحشية واللإنسانية الغريبة ،التي لا معنى لها سوى أنها من عمل الشيطان. وبعد ذلك انتقل المخرج الى الهند ليصور بعضاً من العادات والطقوس الدينية الهندوسية وغيرها التي لا تقل في فظاعتها ولا إنسانيتها عن غيرها من العادات المشابهة ، ومن ثم إلى جدار المبكى وكيف يتدافع اليهود من أجل إرسال رسائل مكتوبة إلى الخالق بوضعها في شقوق الجدار لاعتقادهم أن الله عز وجل بحاجة إلى كتابة أمنياتهم وتصوراتهم ، وأخيرأ إلى مشاهد بعض المسلمين السنة في الباكستان وهم يتدافعون حول قبر أحد الأولياء فقط ليقبلوا الحجر عسى أن يشفع لهم يوم الدين .في هذه اللحظة لا أدري لماذا استحضرت من ذاكرتي مقولة كارل ماركس "الدين أفيون الشعوب" بغض النظر عن كونه إنساناً كان يؤمن بالفلسفة المادية الذي استمد مبادئها من فلسفة فويرباخ الألماني الأصل والذي هاجم الفلسفة المثالية وبالتالي هاجم الدين لما رآه من موقف الكنيسة ومحاربتها العلم والتقدم ووقوفها الى جانب مضطهدي الفقراء والمساكين (أي كنيسة السلطان) على رأي الأستاذ نيازي عز الدين (دين السلطان). وحتى لا أخرج عن سياق الموضوع عدت الى النص الأصلي الذي وردت فيه هذه المقولة ،ولا مانع من ذكره ليقرأه كل من يهتم بأمور الفلسفة و يعمل جاهدا إلى الوصول إلى حقيقة الدين الصحيح ،. يقول ماركس " الإنسان هو عالم الإنسان: الدولة،المجتمع.وهذه الدولة وهذا الوعي المقلوب للعالم ،لأنهما خلاصته الموسوعية،منطقة في صيغته الشعبية... موضع اعتزازه الروحي ،حماسته،تكريسه الأخلاقي،تكملته الاحتفالية،عزائه وتبريره الشاملان،إنه التحقيق الوهمي للكائن الإنساني،لأن الكائن الإنساني لا يملك واقعاً حقيقياً،إذن فالصراع ضد الدين هو بصورة غير مباشرة صراع ضد ذاك العالم الذي يؤلف الدين نكهته الروحية،إن التعاسة الدينية هي في شطر منها،تعبير عن التعاسة الواقعية،الدين زفرة المخلوق المضطهد،روح عالم لا قلب له،كما أنه روح الظروف الاجتماعية التي طردت منها الروح.إنه أفيون الشعوب"
سألت نفسي عن أي دين تحدث ماركس؟ ولو كان حيا اليوم ورأى ما رأيت ،ورأى هذا العالم الذي ابتعد عن جوهر الدين الإلهي ،ليصبح أكثر إشراك من ذي قبل ،ليصبح أكثر مادية وعبودية للبشر والحجر ، ليصبح أكثر ضلالة ووهم ،ماذا عساه أن يقول : بالطبع سيقول "الدين أفيون افيون الشعوب" عن أي دين تحدث ماركس؟ ، عن دين المؤسسات الدينية التي ساهمت بفكرها الظلامي آنذاك في تأخر البشرية ،هل كان يقصد بذلك رجال الدين الذين تحالفوا مع الإقطاع ضد الفلاحين ،ومع البرجوازية الأوربية ضد العمال والفلاحين والفقراء متناسين شرع الله ، بناء على ما تقدم فإن نقد الدين عند ماركس ليس المقصود منه إلغاء الدين في ذاته وإنما "تدمير أوهام الإنسان لكي يفكر ويفعل ويكيف واقعه بصفته إنساناً تخلص من الأوهام ( الدين الذي نقده كان مبنيا على الأوهام)". وفي كتابه نقد فلسفة الحقوق عند هيغل يطالب ماركس" بالعودة عن نقد الدين الى نقد الحقوق وتجاوز نقد اللاهوت الى نقد السياسة" وبذلك يصبح النقد الماركسي ليس على الدين في المطلق وإنما على نوعية استعمال الأديان في الصراع الاجتماعي.
السؤال المحوري الآن ما هو الدين؟ وعن أي دين تحدث ماركس ؟ وهل اضطلع ماركس على كتاب الله المنزل ليتعرف من خلاله على ماهية الدين الحقيقي؟.
لو سألنا أي إنسان اليوم مهما كانت ديانته، عن الدين ماذا سيقول... الدين هو ديني....المسلم سيعرف الدين أنه دينه الإسلامي، وكذلك المسيحي ،واليهودي، والبوذي.... هذه النظرة الطفولية الى تعريف الدين كانت ومازالت هي السبب في ما نراه ونسمعه عن ممارسات طقوسية وتعبدية وثقافية لا علاقة لها بالدين أبدا ،لا من قريب ولا من بعيد....أنهم كالطفل لو سألته عن الأب سيقول لك أنه ابي...وكفى!!!! المشكلة أن كل فئة مقتنعة تمام الاقتناع وبشكل مطلق بصحة ما هي عليه من دين من معتقد . الله عز وجل يقول في ذلك "
ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدواً بغير علم كذلك زينا لكل أمة عملهم"
أنها مأساة وإشكالية البشرية بأجمعها تكاد تكون مغلقة،ليس لها حل!!! أنها الدراما الإنسانية ،دراما اختلاف البشر . يقول الخالق عز وجل "
ولئن اتيت الذين اوتوا الكتاب بكل آية ما اتبعوا قبلتك وما أنت بتابع قبلتهم وما بعضهم بتابع قبلة بعض" الكل راض بما هو عليه ومصر على أنه يملك الحقيقة المطلقة..
هل يمكن للمتنورين  بجهودهم ،أن يعيدوا  للدين روحه القرآنية الخالصة، وأن يقشطوا  هذه السطوح والقشور للوصول الى تعريف يقربنا من روح الدين ،ويقدموه لا على أساس أنه أفيون الشعوب المخدر ،بل هو دواء الشعوب المنشط والذي يضمن سعادة الإنسان في الدنيا والآخرة ،وبعد ذلك يستطيعوا تقديمه للإنسانية كحل لهذه الإشكالية الكبيرة.
في البداية ،لابد لنا من تعريف الدين كمفهوم ،حتى ننطلق جادين في البحث عن الدين الصحيح ،رغم علمي الأكيد أن تعريف الدين ككلمة مجردة ،حار بها العلماء ،ورجال الفكر ،لكن لنتخطى كل التعاريف ،لنقول "أن كل رؤية كونية أو تصور للوجود هي دين" .
صحيح أن الأديان التوحيدية الإبراهيمية التي تنطلق من العلة والهدفية حسب هذا التعريف هي دين .وهي تؤمن أيضاً برسالة الإنسان... ،حتى الوثنية هي دين (لكم دينكم ولي دين)،والأديان الشرقية في برمتها هي دين .. لكن السؤال الجوهري ،أين هو الدين الصحيح ؟ وكيف نتعرف عليه في زحمة هذه الأديان الأرضية ؟ لهذا لابد لنا من أن نجد منهجا للوصول إليه ،وهذا المنهج يتلخص في أنه ،إذا أردنا أن نتلمس ونتحسس جوهر شيء ما ،حقيقة شيء فلا بد أن نبحث عن رسالته، وكون الدين هو كل تصور وجودي ، وهو كل رؤية كونية حتى ولو كانت وثنية إلحادية هي دين، لكن الاختلاف في رسالة هذا الدين أو ذاك . ففي هذا المقام لابد لنا من العودة الى القرآن الكريم الذي رسم لنا الطريق للوصول الى تعريف الدين الصحيح من خلال رسالته، القرآن الكريم يعلمنا أن الدين جاء الى مخلوق كرمه الله (ولقد كرمنا بني أدم)،وجعل من الإنسان عبد الله وخليفته على الأرض ،وجعل الناس كلهم أمامه أخوة متساوون ،وكما قال الشيخ محمد عبده رحمة الله عليه مقولته الرائعة"الإنسان عبد الله وحده،سيد لكل شيء بعده" هذه المقولة لو أدركها العالم لكانت بمثابة المفتاح المفقود والرسالة التي نبحث عنها لتعريف الدين. أذن الرسالة لهذا الدين الإسلامي في جوهرها تكمن في عقيدة التوحيد ، وكلنا يعلم أن الدين الذي يرضاه الله عز وجل هو دين الإسلام أي الاستسلام لله بالمطلق والخضوع له بغض النظر عن التسميات...وليس للبشر والحجر... وليس للحكام والأقوياء...الله عز وجل يقول : "إن كثيراً من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله " نعم نستطيع أن نقول إن كثيرأ من الأحبار والرهبان وعلماء ومشايخ الدين الإسلامي يصدون عن سبيل الله ،في حال أسقطنا هذه الآية الكريمة على واقعنا الحالي. رسالة الدين الإسلامي جاءت من السماء الى الأرض ،وليس الى السماء ، جاءت لتوازن المادي والروحي في حياة هذا المخلوق المكرم ،رسالة هذا الدين هي الإنسان ثم الإنسان .هداية وسعادة وراحة ،جاءت لتنقذه من شر الشيطان وشر نفسه...جاءت من أجل تعميق الوحدة الإنسانية ...وجاءت لحث الإنسان على استثمار كل مجالات التسخير ...رسالة الدين جاءت لتوحد البشرية وأقول البشرية تحت لواء الدين الواحد من خلال التوحيد الخالص لله, وتركت للفعل البشري مساحة واسعة ليتحرك فيها بناء على تحقيق مصالحه.هذه الرسالة هي التي تفي بأكبر قدر ممكن من المفاهيم الكونية العالمية ،والتي تدعم مسيرة الإنسان العلمية ،وليس دعمها فحسب بل على تثميرها وإرشادها إذا دعت الحاجة ، عندها نستطيع أن نقول أنها الرسالة التي تفي بكل ما يحتاجه الإنسان في دنياه وأخرته ،إنها الرسالة التي في استطاعة الإنسان استيعابها وتفعيلها على واقعه ،الرسالة المقبولة من قبل الإنسان العاقل ،لأنها جاءت من رب الإنسان.فهل كان ماركس قد اضطلع على رسالة هذا الدين ،هل قرأ ماركس أن الله عز وجل في رسالته وسنته اوجد القدر ،ولكنه أرسل الشرع  أيضاً من أجل تحقيق العدالة الاجتماعية التي نادى بها .هل قرأ ماركس في كتاب الله عز وجل هذا الانسجام مابين الإنسان والكون ومع الوجود،هل قرأ ماركس أن الإنسان في وحدة مع مخلوقات الكون ،الكون كله يشاركنا العبودية لله والتسبيح له . لقد نقد ماركس الدين الذي جاء برسالة استغلال الإنسان للإنسان . لكنه لم يقرأ رسالة ا هذا الدين التي رفضت عبودية الإنسان للإنسان ،وجعلتها عبودية الإنسان لرب الإنسان.لو قرأ ماركس عن رسالة هذا الدين ،لتغيرت عبارته كون الدين افيون الشعوب ،ولكتب يقول: أن الدين الذي له هذه الرسالة هو سعادة للشعوب. فهل نحن قادرين على تعميم رسالة هذا الدين الصحيح لننقذ البشرية من هلاك محتوم.!!!!!!!!!.
 
 


 
اجمالي القراءات 30241